تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


صفحة 3 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة
النتائج 41 إلى 60 من 64

الموضوع: المذموم من الأخلاق والسلوك

  1. #41
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,356

    افتراضي رد: المذموم من الأخلاق والسلوك

    ج- من أقوال السَّلفِ والعُلَماءِ

    1- عن الرَّبيعِ بنِ زيادٍ الحارِثيِّ قال: (كنْتُ عندَ عُمرَ رضِي اللهُ عنه، فوضَع يدَه على بَطنِه، فقلْتُ: ما لك يا أميرَ المُؤمِنينَ؟ فقال: طعامٌ غليظٌ أكلْتُه أُذيتُ منه، قلْتُ: يا أميرَ المُؤمِنينَ، إنَّ أَولى النَّاسِ بالمَطعَمِ اللَّيِّنِ والمَلبَسِ اللَّيِّنِ لأنت، قال: فتناوَل عُصيَّةً فقرع بها رأسي، وقال: كنْتُ أحسَبُ فيك خَيرًا يا ربيعُ بنَ زيادٍ! قلْتُ: ما لك يا أميرَ المُؤمِنينَ؟ قال: واللهِ ما أردْتَ بها إلَّا مُقارَبتي، أتدري ما مَثلي ومَثلُهم؟ قال: ما مَثلُك ومَثلُهم؟ قال: مَثلُ قومٍ أرادوا سَفرًا، فدَفعوا نفقاتِهم إلى رجُلٍ، وقالوا: أنفِقْ عليك وعلينا، أفله أن يستأثِرَ عليهم؟ قلْتُ: لا، قال: فكذاك) .

    2- قال بعضُهم: (إذا استقضَيتَ أخاك حاجةً فلم يَقضِها، فذكِّرْه ثانيةً، فلعلَّه أن يكونَ قد نسِي، فإن لم يقضِها فكبِّر عليه، واقرَأْ هذه الآيةَ: وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ [الأنعام: 36] ) .

    3- وقضى ابنُ شُبرُمةَ حاجةً لبعضِ إخوانِه كبيرةً، فجاء بهديَّةٍ، فقال: (ما هذا؟ قال: لِما أسدَيتَه إليَّ، فقال: خذْ مالَك عافاك اللهُ، إذا سألْتَ أخاك حاجةً فلم يُجهِدْ نَفسَه في قضائِها فتوضَّأْ للصَّلاةِ، وكبِّر عليه أربعَ تكبيراتٍ، وعُدَّه في الموتى) .

    4- قال أبو بكرٍ الحَربيُّ: (سمعْتُ السَّرِيَّ السَّقَطيَّ يقولُ: حمِدْتُ اللهَ مرَّةً، فأنا أستغفِرُ اللهَ مِن ذلك الحَمدِ مُنذُ ثلاثين سنةً، قيل: وكيف ذاك؟ قال: كان لي دُكَّانٌ كان فيه متاعٌ، فوقَع الحريقُ في سوقِنا، فقيل لي، فخرجْتُ أتعرَّفُ خبرَ دُكَّاني، فلقيتُ رجُلًا، فقال: أبشِرْ؛ فإنَّ دُكَّانَك قد سلِم، فقلْتُ: الحَمدُ للهِ، ثُمَّ إنِّي فكَّرْتُ فرأَيتُها خطيئةً) .

    5- قال السَّرَخسيُّ: (وليس لأحدٍ أن يدفَعَ الضَّررَ عن نَفسِه بالإضرارِ بغَيرِه) .

    6- قال ابنُ القيِّمِ: (فإذا رأَيتَ النَّاسَ يستأثِرونَ عليك معَ كونِك مِن أهلِ الإيثارِ، فاعلَمْ إنَّه لخَيرٌ يُرادُ بك) .

    7- قال عليٌّ الطَّنطاويُّ: (نحن في حاجةٍ إلى الإيمانِ بأنَّ مصلحةَ الفردِ في مصلحةِ المجموعِ، وأنَّ رِفعتَه في رِفعةِ الأمَّةِ) .


  2. #42
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,356

    افتراضي رد: المذموم من الأخلاق والسلوك

    رابعًا: الآثارُ السَّيِّئةُ للأثَرةِ والأنانيَّةِ

    للأثَرةِ آثارٌ سيِّئةٌ؛ منها:

    1- الصَّدُّ عن الحقِّ؛ فعن ابنِ عبَّاسٍ رضِي اللهُ عنهما قال: (قدِم مُسيلِمةُ الكذَّابُ على عهدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فجعَل يقولُ: إن جعَل لي مُحمَّدٌ الأمرَ مِن بَعدِه تبِعْتُه) .
    2- تنعدِمُ الرَّحمةُ، ويأكلُ القويُّ الضَّعيفَ، ويسودُ قانونُ الغابِ.
    3- سببٌ في نقصِ الإيمانِ.
    4- يكرهُ الأنانيُّ لأخيه الخَيرَ، ويحِبُّ له الشَّرَّ.
    5- مُجتمَعُ الأنانيَّةِ والبُخلِ مُجتمَعٌ مُتصدِّعٌ مِن الدَّاخِلِ، تأكلُه العداواتُ والأحقادُ.
    6- حينما تسودُ الأنانيَّةُ ينعدِمُ التَّكافُلُ.
    7- وقوعُ الظُّلمِ، وأكلُ أموالِ النَّاسِ بالباطِلِ، وقَطعُ الأرحامِ.
    8- يجُرُّ إلى عَدمِ الاهتمامِ بأمرِ المُسلمينَ.
    9- سببٌ لضَعفِ الأخوَّةِ الإيمانيَّةِ.
    10- دليلٌ على دناءةِ النَّفسِ وخِسَّتِها.
    11- بثُّ اليأسِ في نُفوسِ ذَوي الحُقوقِ.
    12- سببٌ لحُلولِ العداءِ والكراهيَةِ محَلَّ المحبَّةِ والمودَّةِ في القُلوبِ.


    خامسًا: أقسامُ الأثَرةِ


    تنقَسِمُ الأثَرةُ إلى مراتِبَ:
    الأولى: العُبوسُ والانقِباضُ وتركُ البِشرِ والبَسطةِ، فلا يسَعُ الأنانيُّ أحدًا لا بمالٍ ولا بخُلقٍ بسببِ ما به مِن أثَرةٍ.

    الثَّانيةُ: الانتِقامُ وعَدمُ الإغضاءِ، فيحمِلُه حُبُّ ذاتِه على الانتِصارِ لها، وتَركِ التَّغافُلِ والعَفوِ.
    الثَّالثةُ: الاستِئثارُ بقُوَّتِه البدنيَّةِ، فيخصُّ بها نَفسَه، ولا ينفعُ بها غَيرَه.
    الرَّابعةُ: التَّفرُّدُ بنعمةِ الجاهِ، فلا يشفَعُ لأحدٍ، ولا يمشي معَ غَيرِه إلى ذي سُلطانٍ، ونَحوُ ذلك.
    الخامِسةُ: الضَّنُّ بالعِلمِ، فهو يُحبُّ ألَّا يشرَكَه فيه أحدٌ، وإذا سُئِل أجاب باختِصارٍ بقَدرِ ما يدفعُ به الضَّرورةَ، كما كان بعضُهم يكتبُ في جوابِ الفُتيا: نعم أو لا، مُقتصِرًا عليها.
    السَّادسةُ: أن يكونَ ضنينًا براحتِه ورفاهِيتِه وإجمامِ نَفسِه، فلا يسعى تعبًا وكدًّا إلَّا في مصلحةِ نَفسِه.
    السَّابعةُ: التَّطلُّعُ إلى ما في أيدي غَيرِه، وتمنِّي زوالِ النَّعمةِ عنه، وتحوُّلِها إليه.
    الثَّامنةُ: أن يبخلَ بنَفسِه عن نصرِ المُستضعَفينَ؛ قال تعالى: أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ [الأحزاب: 19] ، (أي: بُخلًا بالنُّصرةِ والمُوافَقةِ في القتالِ .


  3. #43
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,356

    افتراضي رد: المذموم من الأخلاق والسلوك

    سادسًا: درجاتُ الأثَرةِ

    الأثَرةُ درجاتٌ بحسَبِ استِحكامِها مِن الشَّخصِ أو ضَعفِها فيه؛ فمنها:
    1- الاستِبدادُ بالأمورِ المُشترَكةِ، وحِرمانُ غَيرِه.
    2- الشُّحُّ الشَّديدُ، وإمساكُ الزَّكواتِ الواجِبةِ.
    3- الاعتِداءُ على حُقوقِ النَّاسِ، وغَصبُ أموالِهم بغَيرِ حقٍّ.
    4- البُخلُ بما في يدَيه، وعَدمُ الإنفاقِ تطوُّعًا، ومنه قولُ الحُطيئةِ فيمَن يجودُ بمالِه لنَفسِه، ويبخلُ به على غَيرِه:
    دعِ المكارِمَ لا ترحَلْ لبُغيتِها
    واجلِسْ فأنت لعَمري طاعِمٌ كاسي
    قال أبو عُبَيدٍ: (يقولُ: قد رضيتَ مِن المكارِمِ بألَّا تفضُلَ على أحدٍ إلَّا ما تنفِقُ عليك في طعامِك وكِسوتِك) .
    5- تقديمُ حظِّ النَّفسِ على رِضا الرَّبِّ؛ قال تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوه َا وَتِجَارِةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة: 24] .
    وعلامةُ هذه الدَّرجةِ أمرانِ؛ أحدُهما: تَركُ العَملِ بأوامرِ اللهِ إذا كانت ثقيلةً على النَّفسِ، والآخَرُ: التَّلبُّسُ بما يكرَهُه اللهُ إذا كانت النَّفسُ تُحبُّه وتهواه؛ قال تعالى: فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفسَ عَنِ الهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات: 37 - 41] .
    6- تقديمُ حظِّ النَّفسِ على كُلِّ أحدٍ وعلى مَن يعولُ، عن خَيثَمةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ قال: ((كنَّا جُلوسًا معَ عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو رضِي اللهُ عنه إذ جاءه قَهرَمانٌ له، فدخَل، فقال: أعطَيتَ الرَّقيقَ قُوتَهم؟ قال: لا، قال: فانطلِقْ فأعطِهم، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: كفى بالمرءِ إثمًا أن يحبِسَ عمَّن يملِكُ قُوتَه )) .

    سابعًا: مظاهِرُ وصُوَرُ الأثَرةِ

    1- شُيوعُ الرِّشوةِ وروحُ النَّفعيَّةِ، فلا يقومُ المُوظَّفُ بحُقوقِ النَّاسِ الواجِبةِ عليه بالوظيفةِ إلَّا بمُقابِلٍ.
    2- تسخيرُ وسائِلِ وموارِدِ جِهةِ العَملِ في المصالحِ الخاصَّةِ، وتضييعُ وَقتِ العَملِ مِن أجلِها، وإفشاءُ أسرارِ المُؤسَّسةِ، وإيثارُ الأقارِبِ بالمُناقَصاتِ أو غَيرِهم مُقابِلَ منفعةٍ مادِّيَّةٍ.
    3- عَدمُ الإنصافِ، فيشنِّعُ على المُخالِفِ ويُحذِّرُ منه ويُحرِّضُ عليه، وفي الوقتِ نَفسِه يرفُضُ أن يُوجَّهَ إليه النَّقدُ، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ [النساء: 135] .
    4- سُؤالُ المرأةِ طلاقَ أختِها؛ عن أبي هُرَيرةَ رضِي اللهُ عنه، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((... لا تسألِ المرأةُ طلاقَ أختِها لتستكفِئَ إناءَها)) ، وفي روايةٍ: ((لا تسألِ المرأةُ طلاقَ أختِها لتَستفرِغَ صَحفتَها، ولتَنْكِحْ؛ فإنَّ لها ما قُدِّر لها)) .
    قولُه: ((لتستكفِئَ إناءَها)) (تمثيلٌ لإمالةِ الضَّرَّةِ حقَّ صاحِبتِها مِن زَوجِها إلى نَفسِها إذا سألت طلاقَها، فيصيرُ لها مِن النَّفقةِ والمُعاشَرةِ ما كان للمُطلَّقةِ، فعبَّر عن ذلك بإكفائِها ما في الإناءِ) . وقَولُه: ((لتَستفرِغَ صَحفَتَها)) أي: ليصيرَ لها مِن نَفقتِه ومعروفِه ما كان للمُطلَّقةِ .
    5- التَّوسُّعُ في صُورِ التَّنعمِ والرَّفاهيةِ، معَ الإمساكِ عن الإنفاقِ في أوجُهِ النَّفعِ العامَّةِ ومصالِحِ االمُسلمينَ.
    6- تلويثُ الهواءِ والماءِ والتُّربةِ، وطَرحُ الأذى في الطُّرقِ، واستِغلالُ موارِدِ البيئةِ لمصلحةٍ ذاتيَّةٍ بحتةٍ، وإحداثُ ضَررٍ بهذه الموارِدِ.
    7- ما كانت تقومُ به بعضُ الدُّولِ مِن إلقاءِ القَمحِ في البحرِ بدعوى الحِفاظِ على الأسعارِ العالميَّةِ.
    8- افتِعالُ الأزماتِ والمُشكلاتِ بهَدفِ الرِّبحِ مِن خِلالِها.

    ثامنًا: أسبابُ الوُقوعِ في الأثَرةِ

    للأثَرةِ أسبابٌ كثيرةٌ، لعلَّ مِن أهمِّها:
    1- سوءَ التَّربيةِ، وتفضيلَ بعضِ الأبناءِ على بعضٍ.
    2- التَّشجيعَ على الأنانيَّةِ في وسائِلِ الإعلامِ.
    3- الإسرافَ، وقَصرَ الهمِّ على إشباعِ الشَّهواتِ.
    4- أن يرى الإنسانُ أنَّ له فَضلًا على غَيرِه، فيستزيدَ مِن الخَيرِ، أو يستبدَّ به دونَهم.
    5- ضَعفَ الوازِعِ الدِّينيِّ.
    6- غيابَ القُدوةِ الحَسَنةِ.



  4. #44
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,356

    افتراضي رد: المذموم من الأخلاق والسلوك

    تاسعًا: الوسائلُ المُعينةُ على تَركِ الأثَرةِ

    يُمكِنُ التَّخلُّصُ مِن هذه الصِّفةِ المذمومةِ بَعدَ الاستعانةِ باللهِ مِن خِلالِ ما يلي:

    1- البُعدُ بالنَّشءِ عن العاداتِ التي تزرعُ الأنانيَّةَ في نُفوسِهم.
    2- العَدلُ بَينَ الأبناءِ في المُعامَلةِ؛ فعن النُّعمانِ بنِ بشيرٍ رضِي اللهُ عنهما، قال: ((سألَت أمِّي أبي بعضَ الموهبةِ لي مِن مالِه، ثُمَّ بدا له، فوهَبها لي، فقالت: لا أرضى حتَّى تُشهِدَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأخذ بيدي وأنا غلامٌ، فأتى بي النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: إنَّ أمَّه بنتَ رَواحةَ سألَتني بعضَ الموهبةِ لهذا، قال: ألك ولدٌ سِواه؟ قال: نعَم، قال: فأُراه قال: لا تُشهِدْني على جَورٍ، في رِوايةٍ: لا أشهَدُ على جَورٍ)) .
    3- تعويدُ الطِّفلِ على مُشارَكةِ غَيرِه له في لُعَبِه، وألَّا يستأثِرَ بها دونَهم.
    4- تعاوُنُ المُؤسَّساتِ الدَّعَويَّةِ والإعلاميَّةِ في التَّنفيرِ عن الأثَرةِ.
    5- التَّربيةُ بالقُدوةِ؛ قال عَمرُو بنُ عَبسةَ رضِي اللهُ عنه: ((صلَّى بنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى بعيرٍ مِن المَغنَمِ، فلمَّا سلَّم أخذ وَبرةً مِن جَنبِ البعيرِ، ثُمَّ قال: ولا يحِلُّ لي مِن غنائِمِكم مِثلُ هذا إلَّا الخُمسَ، والخُمسُ مردودٌ فيكم)) .
    6- الإلحاحُ في الدُّعاءِ بأن يصرِفَ اللهُ عنه الأثَرةَ، وقد كان النَّبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ يدعو: ((...واهدِني لأحسَنِ الأخلاقِ؛ لا يهدي لأحسَنِها إلَّا أنت، واصرِفْ عنِّي سيِّئَها؛ لا يصرِفُ عنِّي سيِّئَها إلَّا أنت )) .
    7- التَّورُّعُ؛ فعن أنسٍ رضِي اللهُ عنه: ((أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وجَد تمرةُ، فقال: لولا أن تكونَ صدقةً لأكلْتُها )) .
    8- الخوفُ مِن اللهِ تعالى؛ فعن سعيدِ بنِ زيدِ بنِ عَمرِو بنِ نُفَيلٍ: ((أنَّه خاصَمَته أَرْوى في حقٍّ زعَمَت أنَّه انتقَصه لها إلى مروانَ، فقال سعيدٌ: أنا أنتقِصُ مِن حقِّها شيئًا، أشهَدُ لَسِمعْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: مَن أخَذ شِبرًا مِن الأرضِ ظُلمًا فإنَّه يُطَوَّقُه يومَ القيامةِ مِن سَبعِ أرَضينَ)) .
    9- تعويدُ النَّفسِ على الإكثارِ مِن الصَّدَقاتِ.
    10- استِحضارُ عاقِبةِ الأثَرةِ، فمِن العاقِبةِ السَّيِّئةِ لمَن يستحوِذُ على أموالِ النَّاسِ ويستأثِرُ بها ما راوه أبو هُرَيرةَ رضِي اللهُ عنه: أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((أتدرونَ ما المُفلِسُ؟ قالوا: المُفلِسُ فينا مَن لا دِرهمَ له ولا مَتاعَ، فقال: إنَّ المُفلِسَ مِن أمَّتي يأتي يومَ القيامةِ بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي قد شتَم هذا، وقذَف هذا، وأكل مالَ هذا، وسفَك دمَ هذا، وضرَب هذا؛ فيُعطى هذا مِن حسناتِه، وهذا من حسناتِه، فإن فنِيَت حسناتُه قَبلَ أن يُقضى ما عليه أُخِذ مِن خطاياهم، فطُرِحَت عليه، ثُمَّ طُرِح في النَّارِ )) .
    ومِن العاقِبةِ الحَسنةِ لتَركِ الأثَرةِ ما رُوِي عن وَرشٍ أنَّه قال: خرجْتُ مِن مِصرَ لأقرأَ على نافِعٍ، فلمَّا وصلْتُ إلى المدينةِ صِرْتُ إلى مسجدِ نافِعٍ، فإذا هو لا يُطاقُ القراءةُ عليه مِن كثرتِهم، وإنَّما يُقرِئُ ثلاثينَ.
    فجلسْتُ خَلفَ الحَلْقةِ، وقلْتُ لإنسانٍ: مَن أكبَرُ النَّاسِ عندَ نافِعٍ؟ فقال لي: كبيرُ الجعفَريِّينَ، فقلْتُ: فكيف به؟ قال: أنا أجيءُ معَك إلى منزلِه.
    وجِئنا إلى منزلِه، فخرَج شيخٌ فقلْتُ: أنا مِن مِصرَ، جِئْتُ لأقرأَ على نافِعٍ، فلم أصِلْ إليه، وأُخبِرْتُ أنَّك مِن أصدَقِ النَّاسِ له، وأنا أريدُ أن تكونَ الوسيلةَ إليه، فقال: نعَم، وكرامةً.
    وأخَذ طَيلسانَه ومضى معَنا إلى نافِعٍ، وكان لنافِعٍ كُنيتانِ؛ أبو رُوَيمٍ، وأبو عبدِ اللهِ، فبأيِّهما نُودِي أجاب، فقال له الجَعفَريُّ: هذا وسيلتي إليك، جاء مِن مِصرَ ليس معَه تجارةٌ، ولا جاء لحجٍّ، إنَّما جاء للقراءةِ خاصَّةً.
    فقال: ترى ما ألقى مِن أبناءِ المُهاجِرينَ والأنصارِ، فقال صديقُه: تحتالُ له، فقال لي نافِعٌ: أيُمكِنُك أن تبيتَ في المسجدِ؟ قلْتُ: نعَم، فبِتُّ في المسجدِ، فلمَّا أن كان الفجرُ جاء نافِعٌ.
    فقال: ما فعَل الغريبُ؟ فقلْتُ: ها أنا رحِمك اللهُ، قال: أنت أَولى بالقراءةِ، قال: وكنْتُ معَ ذلك حَسنَ الصَّوتِ، مدَّادًا به، فاستفتحْتُ، فملأ صوتي مسجدَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
    فقرأْتُ ثلاثينَ آيةً، فأشار بيدِه: أن اسكُتْ، فسكتُّ، فقام إليه شابٌّ مِن الحَلْقةِ، فقال: يا مُعلِّمُ أعزَّك اللهُ، نحن معَك، وهذا رجُلٌ غريبٌ،وإنَّما رحَل للقراءةِ عليك، وقد جعلْتُ له عَشرًا، وأقتصِرُ على عشرينَ، فقال: نعَم، وكرامةً، فقرأْتُ عَشرًا، فقام فتًى آخَرُ، فقال كقولِ صاحِبِه، فقرأْتُ عَشرًا، وقعَدْتُ، واقتصَرْتُ على عشرينَ، حتَّى لم يبقَ له أحدٌ ممَّن له قراءةٌ.
    فقال لي: اقرأْ، فأقرَأني خمسينَ آيةً، فما زِلْتُ أقرأُ عليه خمسينَ في خمسينَ حتَّى قرأْتُ عليه خَتماتٍ قَبلَ أن أخرُجَ مِن المدينةِ . فنفَع اللهُ تعالى بوَرشٍ، وما زالت روايتُه يُقرَأُ بها إلى اليومِ.


  5. #45
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,356

    افتراضي رد: المذموم من الأخلاق والسلوك

    عاشرًا: أخطاءٌ شائعةٌ حولَ الأثَرةِ

    قد لا يُفرِّقُ البعضُ بَينَ حُبِّ الإنسانِ لذاتِه، وحِرصِه على جَلبِ الخيرِ لها، ودَفعِ الضُّرِّ عنها، وبَينَ الأنانيَّةِ والأثَرةِ؛ فحُبُّ الإنسانِ لنَفسِه أمرٌ قد جُبِل عليه، أمَّا الأنانيَّةُ فهي أمرٌ مذمومٌ؛ لأنَّها تعني طُغيانَ حُبِّه لنَفسِه على محبَّةِ الآخَرينَ، ورغبتَه في الانفِرادِ والاختِصاصِ بالخيرِ، والاستِئثارِ به دونَهم، معَ حاجتِهم إليه.



    حادي عشَرَ: مسائِلُ مُتفرِّقةٌ

    عن عائِشةَ قالت: (كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يستأذِنُنا إذا كان في يومٍ للمرأةِ مِنَّا، بَعدَما نزلَت: تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ [الأحزاب: 51] ، فقالت لها مُعاذةُ: فما كنْتِ تقولينَ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استأذَنكِ؟ قالت: كنْتُ أقولُ: إن كان ذاك إليَّ لم أُوثِرْ أحدًا على نَفسي) .
    قال النَّوَويُّ: (قولُها: «إن كان ذلك إليَّ لم أُوثِرْ على نفسي أحدًا» هذه المُنافَسةُ فيه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليست لمُجرَّدِ الاستِمتاعِ، ولمُطلَقِ العِشرةِ وشَهواتِ النُّفوسِ وحُظوظِها التي تكونُ مِن بعضِ النَّاسِ، بل هي مُنافَسةٌ في أمورِ الآخِرةِ والقُربِ مِن سيِّدِ الأوَّلينَ والآخِرينَ، والرَّغبةِ فيه وفي خِدمتِه ومُعاشَرتِه والاستفادةِ منه، وفي قضاءِ حُقوقِه وحوائِجِه، وتَوَقُّعِ نُزولِ الرَّحمةِ والوَحيِ عليه عندَها، ونَحوِ ذلك، ومِثلُ هذا حديثُ ابنِ عبَّاسٍ وقَولُه في القَدَحِ: «لا أُوثِرُ بنصيبي مِنك أحدًا»، ونظائِرُ ذلك كثيرةٌ) .




  6. #46
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,356

    افتراضي رد: المذموم من الأخلاق والسلوك

    ثانيَ عشَرَ: الأثَرةُ والأنانيَّةُ في واحةِ الأدبِ

    أ- من الشعر


    1- قال الشَّاعرُ:
    فقلْتُ له يا ذيبُ هل لك في أخٍ
    يُواسي بلا أُثْرى عليكَ ولا بُخلِ
    2- وقال آخَرُ:
    ما آثَروك بها إذ قدَّموك لها
    لكنْ لأنفُسِهم كانت بها الإثرُ
    3- وقال عَمرُو بنُ عَديٍّ اللَّخميُّ:
    هذا جنايَ وخِيارُه فيه
    إذ كُلُّ جانٍ يدُه إلى فيه
    قال أبو عُبَيدٍ: (نزَل جُذَيمةُ الأبرَشُ منزلًا، وأمر النَّاسَ أن يجتَنوا له الكَمأةَ ، فكان بعضُهم إذا وجَد منها شيئًا يُعجِبُه فرُبَّما آثَر نَفسَه به على جُذَيمةَ، وكان عَمرُو بنُ عَديٍّ يأتيه بخَيرِ ما يجِدُه، فعندها قال عَمرٌو هذا البَيتَ) .

    ب- من الأمثالِ والحكمِ

    1- أعطِ القليلَ، ولا يمنَعْك قِلَّتُه .
    2- مَن ضنَّ بفَلسِه جاد بنَفسِه .
    3- بَذلُ الجاهِ أحدُ المالَينِ .
    4- بِشِّر مالَ الشَّحيحِ بحادِثٍ أو وارِثٍ .
    5- أبخَلُ مِن مادِرٍ.
    وهو رجُلٌ مِن بَني هلالٍ سقى إبلَه وبقِي في أسفَلِ الحوضِ ماءٌ قليلٌ، فسلَح فيه وبال، ومدَّر به الحوضَ -أي: طيَّنه- بُخلًا بأن يُسقى منه، واستئثارًا بماءِ البئرِ كُلِّه! فسُمِّي مادِرًا لذلك، واسمُه مُخارِقٌ .


  7. #47
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,356

    افتراضي رد: المذموم من الأخلاق والسلوك



    الشَّماتةُ
    معنى الشَّماتةِ لُغةً

    أصلُ هذه الكَلِمةِ يَدُلُّ على فَرَحِ عَدُوٍّ ببَليَّةٍ تصيبُ مَن يعاديه، يقالُ: شَمِتَ العَدُوُّ كفَرِحَ وَزنًا ومعنًى، يَشمَتُ شَماتةً وشَماتًا، وشَمِتَ الرَّجُلُ: إذا فَرِح ببليَّةِ العَدُوِّ، وبات فلانٌ بليلةِ الشَّوامِتِ، أي: بليلةٍ تُشمِتُ الشَّوامِتَ .
    معنى الشَّماتةِ اصطِلاحًا
    الشَّماتةُ: هي الفَرَحُ ببليَّةِ مَن تعاديه ويعاديك .
    وقال أبو حامِدٍ الغَزاليُّ: (الشَّماتةُ: الفَرَحُ بالشَّرِّ الواصِلِ إلى غيرِ المُستَحِقِّ، ممَّن يَعرِفُه الشَّامِتُ) .
    وقال القُرطبيُّ: (الشَّماتةُ: السُّرورُ بما يصيبُ أخاك من المصائِبِ في الدِّينِ والدُّنيا) .
    وقال ابنُ حَجَرٍ: (الشَّماتةُ... فَرَحُ الشَّخصِ بما يسوءُ عَدُوَّه) .
    وقال المُناويُّ: (الشَّماتةُ: الفَرَحُ بمُصيبةِ العَدُوِّ) .
    وقال الشَّوكانيُّ: (الشَّماتةُ: السُّرورُ من الأعداءِ بما يصيبُ مَن يعادونه من المصائِبِ) .
    وقال الكَفَويُّ: (الشَّماتةُ: السُّرورُ بمكارِهِ الأعداءِ) .
    وقال ابنُ عاشورٍ: (الشَّماتةُ: سُرورُ النَّفسِ بما يصيبُ غيرَها من الأضرارِ) .
    وقال ابنُ أبي الإصبَعِ: (هو إظهارُ المسَرَّةِ بمَن نالته محنةٌ، أو أصابَته نَكبةٌ) .



    ثانيًا: ذمُّ الشَّماتةِ

    أ- من القُرآنِ الكريمِ

    - قال تعالى: قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأعراف: 150] .
    أي: فلا تفعَلْ بي ما هو أمنيَّتُهم من الاستهانةِ بي والإساءةِ إليَّ . والمعنى: لا تفعَلْ بي ما يكونُ سَبَبًا للشَّماتةِ منهم .
    - وقال تعالى: إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا [آل عمران:120] .
    وهذا الفَرَحُ شماتةٌ، والحَسَدُ والشَّماتةُ مُتلازمانِ .


    ب- من السُّنَّةِ النَّبَويَّةِ

    - عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللَّهُ عنه: ((أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يتعوَّذُ من سوءِ القَضاءِ، ومِن دَرَكِ الشَّقاءِ، ومِن شماتةِ الأعداءِ، ومِن جَهدِ البلاءِ)) .
    وفي روايةٍ: ((تعَوَّذوا باللَّهِ من جَهدِ البلاءِ، ودَرَكِ الشَّقاءِ، وسُوءِ القضاءِ، وشماتةِ الأعداءِ)) .
    قال النَّوويُّ: (شماتةُ الأعداءِ: هي فَرَحُ العَدُوِّ ببَليَّةٍ تَنزِلُ بعَدُوِّه) .
    وقال الشَّوكانيُّ: (استعاذ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من شماتةِ الأعداءِ، وأمَر بالاستعاذةِ منها؛ لعِظَمِ مَوقِعِها، وشِدَّةِ تأثيرِها في الأنفُسِ البَشَريَّةِ، ونفورِ طِباعِ العِبادِ عنها، وقد يتسَبَّبُ عن ذلك تعاظُمُ العداوةِ المُفضيةِ إلى استحلالِ ما حرَّمه اللَّهُ سُبحانَه وتعالى) .
    وقال ابنُ بطَّالٍ: (شماتةُ الأعداءِ ممَّا ينكَأُ القَلبَ، ويبلُغُ من النَّفسِ أشَدَّ مَبلَغٍ) .
    وقال المُناويُّ: (إنَّما حَسُنَ الدُّعاءُ بدَفعِ شماتةِ الأعداءِ؛ لأنَّ مَن له صيتٌ عِندَ النَّاسِ وتأمُّلٌ، وجَد نفسَه بَيْنَهم كبَهلوانٍ يمشي على حَبلٍ عالٍ بقُبقابٍ، وجميعُ الأقرانِ والحُسَّادِ واقفون ينتظرون متى يَزلَقُ فيشمَتون به، ومِن أشَقِّ ما على الزَّالِقِ أن يغلِبَ عليه رعايةُ مَقامِه عِندَ الخَلقِ؛ فإنَّه يذوبُ قَهرًا، بخلافِ من يراعي الحَقَّ؛ فإنَّ الأذى يخِفُّ عليه، ولو أظهَروا كُلُّهم الشَّماتةَ) .


    ج- من أقوالِ السَّلَفِ والعُلَماءِ وغَيرِهم

    - قال واثِلةُ بنُ الأسقَعِ: (لا تُظهِرِ الشَّماتةَ بأخيك المُسلِمِ، فيَرحمَه اللَّهُ ويبتليَك) .
    - قال أكثَمُ بنُ صَيفيٍّ: (الحَسَدُ داءٌ ليس له شفاءٌ، والشَّماتةُ تُعقِبُ النَّدامةَ) .
    وقال أيضًا: (ليس من الكَرَمِ أن يَشمَتَ الرَّجلُ بصاحِبِه إذا زلَّت به النَّعلُ، أو نَزَل به أمرٌ) .
    - وقال الأحنَفُ: (الشَّماتةُ تُعقِبُ النَّدامةَ) .
    - وأورد أبو حيَّانَ التَّوحيديُّ ما يُروى عن لُقمانَ رَضِيَ اللَّهُ عنه أنَّه قال: (نقَلتُ الصَّخرَ وحمَلتُ الحديدَ فلم أرَ شيئًا أثقَلَ من الدَّينِ، وأكَلتُ الطَّيِّباتِ وعانَقْتُ الحِسانَ فلم أرَ ألَذَّ من العافيةِ)، ثمَّ قال: (وأنا أقولُ: لو مَسَح القِفارَ، ونَزَح البحارَ، وأحصى القِطارَ ، لوجَدَها أهونَ من شماتةِ الأعداءِ، خاصَّةً إذا كانوا مساهِمين في النَّسَبِ، أو مجاوِرين في بَلَدٍ!) .
    وقد سأل بعضُ الملوكِ جماعةً من الحُكَماِء عن أشَدِّ ما يمُرُّ على الإنسانِ، فقال بعضُهم: الفَقرُ، وقال آخرون: الفَقرُ في الغُربةِ، وقال غيرُهم: الغُربةُ مع المَرَضِ. ثمَّ أجمعوا على أنَّ أشَدَّ من ذلك كُلِّه شماتةُ العَدُوِّ، ثمَّ أجمعوا على أنَّ أشَدَّ من ذلك كُلِّه رحمةُ العَدُوِّ للمرءِ من نَكبةٍ تنالُه .
    - وقال القاضي عِياضٌ : (الضَّحِكُ في مِثلِ هذا أي: مَن سَقَط وزلَّت به قَدَمُه غيرُ مُستحسَنٍ ولا مباحٍ، إلَّا أن يكونَ مِن غلَبةِ ما طُبِع عليه البَشَرُ. وأمَّا قصدًا ففيه شماتةٌ بالمُسلِمِ وسُخريةٌ بمُصابِه، والمُؤمِنون إنَّما وصفهم اللَّهُ بالرَّحمةِ والتَّراحُمِ بَيْنَهم، ومِن خُلُقِهم الشَّفقةُ بعضِهم لبعضٍ) .
    - وقال ابنُ القَيِّمِ: (الكبائِرُ: كالرِّياءِ، والعُجبِ، والكِبرِ، والفَخرِ، والخُيَلاءِ، والقُنوطِ من رحمةِ اللَّهِ، واليأسِ مِن رَوحِ اللَّهِ، والأمنِ مِن مَكرِ اللَّهِ، والفَرَحِ والسُّرورِ بأذى المُسلِمين، والشَّماتةِ بمصيبتِهم، ومحبَّةِ أن تشيعَ الفاحشةُ فيهم، وحَسَدِهم على ما آتاهم اللَّهُ من فضلِه، وتمنِّي زوالِ ذلك عنهم، وتوابِعِ هذه الأمورِ التي هي أشَدُّ تحريمًا من الزِّنا، وشُربِ الخَمرِ وغيرِهما من الكبائِرِ الظَّاهِرةِ، ولا صلاحَ للقَلبِ ولا للجَسَدِ إلَّا باجتنابِها، والتَّوبةِ منها، وإلَّا فهو قلبٌ فاسدٌ، وإذا فسَد القلبُ فَسَد البَدَنُ) .
    - وقال ابنُ عُثَيمين: (إيَّاك وتعييرَ المُسلِمين والشَّماتةَ فيهم؛ فربما يرتفِعُ عنهم ما شمَّتَهم به، ويحِلُّ فيك) .


    يتبع



  8. #48
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,356

    افتراضي رد: المذموم من الأخلاق والسلوك

    ثالثا: آثارُ الشَّماتةِ

    1- الشَّماتةُ بالتَّعييرِ بالذَّنبِ أعظَمُ من مُرتَكِبِ الذَّنبِ:
    يقولُ ابنُ القَيِّمِ: (إنَّ تعييرَك لأخيك بذنبِه أعظَمُ إثمًا من ذنبِه، وأشَدُّ من معصيتِه؛ لِما فيه من صولةِ الطَّاعةِ، وتزكيةِ النَّفسِ وشُكرِها، والمناداةِ عليها بالبراءةِ من الذَّنبِ، وأنَّ أخاك باء به، ولعَلَّ كسْرَتَه بذنبِه، وما أحدَثَ له من الذِّلَّةِ والخُضوعِ والإزراءِ على نفسِه، والتَّخلُّصِ من مَرَضِ الدَّعوى والكِبرِ والعُجبِ، ووقوفِه بَيْنَ يدَيِ اللَّهِ ناكِسَ الرَّأسِ، خاشِعَ الطَّرْفِ، مُنكَسِرَ القَلبِ: أنفَعُ له وخيرٌ من صولةِ طاعتِك، وتكَثُّرِك بها، والاعتدادِ بها، والمنَّةِ على اللَّهِ وخَلقِه بها، فما أقرَبَ هذا العاصيَ من رحمةِ اللَّهِ! وما أقرَبَ هذا المُدِلَّ من مَقتِ اللَّهِ! فذَنبٌ تَذِلُّ به لديه أحَبُّ إليه من طاعةٍ تَدِلُّ بها عليه، وإنَّك أن تبيتَ نائمًا وتصبِحَ نادِمًا خيرٌ من أن تبيتَ قائمًا وتُصبِحَ مُعجَبًا؛ فإنَّ المُعجَبَ لا يصعَدُ له عَمَلٌ، وإنَّك إن تَضحَكْ وأنت معتَرِفٌ خيرٌ من أن تبكيَ وأنت مُدِلٌّ، وأنينُ المذنبين أحبُّ إلى اللَّهِ من زَجَلِ المُسَبِّحين المُدِلِّين، ولعَلَّ اللَّهَ أسقاه بهذا الذَّنبِ دواءً استخرج به داءً قاتِلًا هو فيك ولا تشعُرُ! فلِلَّه في أهلِ طاعتِه ومعصيتِه أسرارٌ لا يعلَمُها إلَّا هو، ولا يطالِعُها إلَّا أهلُ البصائِرِ، فيَعرِفون منها بقَدرِ ما تنالُه معارفُ البَشَرِ) .

    2- الشَّامتُ قد تنعَكِسُ المصيبةُ عليه:
    وكان يقالُ: (لا تُظهِرِ الشَّماتةَ بأخيك فيُعافيَه اللَّهُ ويبتليَك. لا تُشمِتْ بمن حَلَّ به بلاءٌ؛ فإنَّه إن عوفيَ كان مِثلَك، وأنت إن ابتُليتَ كنتَ مِثلَه) .
    وقال آخَرُ: (عِبتُ شَخصًا قد ذهَب بعضُ أسنانِه، فذهَبَت أسناني، ونظَرتُ إلى امرأةٍ لا تحِلُّ لي، فنَظَر زوجتي مَن لا أريدُ) . وقال ابنُ سِيرينَ: (عَيَّرتُ رَجُلًا بالإفلاسِ، فأفلَسْتُ) .
    وقال إبراهيمُ النَّخَعيُّ: (إنِّي لأرى الشَّيءَ أكرَهُه، فما يمنعني أن أتكَلَّمَ فيه إلَّا مخافةُ أن أُبتلى بمِثلِه) .
    وقال ابنُ الجَوزيِّ: (ما نزَلَت بي آفةٌ أو غَمٌّ أو ضِيقُ صَدرٍ إلَّا بزَلَلٍ أعرِفُه، حتَّى يمكِنَني أن أقولَ: هذا بالشَّيءِ الفُلانيِّ! وربَّما تأوَّلتُ فيه بَعدُ، فأرى العقوبةَ؛ فينبغي للإنسانِ أن يترقَّبَ جزاءَ الذُّنوبِ، فقَلَّ أن يَسلَمَ منه، وليَجتَهِدْ في التَّوبةِ) .
    فالشَّماتةُ على المصيبةِ مذمومةٌ؛ لكونِها سَبَبًا لانعكاسِ المصيبةِ على الشَّامِتِ بابتلائِه بها، وعافيةِ مَن شَمِتَ عليه، أو لأنَّه ارتكابُ المنهيِّ عنه، خُصوصًا إذا حَمَل تلك المصيبةَ على كرامةِ نفسِه، يعني: يقولُ: إنَّ مصيبةَ عَدُوِّي إنَّما هي من كرامتي، أو إذا حمَلَها على إجابةِ دعائِه، كأن يقولَ: ما ابتُلِيَ به عدوِّي من هذه المصيبةِ إنَّما هو بإجابةِ دَعوتي عليه؛ لأنَّه حينئذٍ عُجبٌ وتزكيةُ نفسٍ وغرورٌ .

    3- الشَّماتةُ لها تأثيرٌ سَلبيٌّ على الفَردِ والمجتَمَعِ؛ تُرَبِّي الحقدَ والحسَدَ والعداوةَ. وهذا أمرٌ معلومٌ مشهودٌ.
    4- الشَّماتةُ تؤَدِّي إلى قساوةِ القَلبِ.
    5- من أسبابِ تفَكُّكِ المجتَمَعاتِ.
    6- تؤدِّي إلى سَخَطِ اللَّهِ تعالى على العَبدِ.


  9. #49
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,356

    افتراضي رد: المذموم من الأخلاق والسلوك

    رابعًا: أسبابُ الوُقوعِ في الشَّماتةِ

    1- الابتعادُ عن منهَجِ الرَّسولِ الكريمِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
    2- ضَعفُ الإيمانِ.
    3- حبُّ التَّشفِّي من النَّاسِ.
    4- حبُّ الدُّنيا والتَّعلُّقُ بها، ونسيانُ الآخرةِ.
    5- تعاظُمُ العداوةِ المفضيةِ إلى استحلالِ ما حرَّمه اللَّه سُبحانَه .
    6- الحِقدُ والكراهيةُ والحَسَدُ:
    فإنَّ خُلُقَ الشَّماتةِ يقومُ في النَّفسِ حينَ تخلو من المودَّةِ والحُبِّ والعطفِ، وتمتلئُ بالكراهيةِ والحِقدِ والبُغضِ؛ فإنَّ الإنسانَ يتألَّمُ لألمِ الغيرِ إلَّا إذا كان يحِبُّ هذا الغيرَ، ويودُّ الخيرَ له، أمَّا إذا مقَتَه وأبغَضَه فإنَّه يفرَحُ لحُزنِه، ويشمَتُ في مصيبتِه .
    وقد قيل: (إذا رأى الحاسِدُ نعمةً بُهِت ، وإذا رأى عَثرةً شَمِت) .

    خامسًا: الوسائِلُ المُعينةُ على تَركِ الشَّماتةِ

    1- مجاهدةُ النَّفسِ وتخليصُها من أمراضِها، كالحِقدِ والحَسَدِ والبغضاءِ.
    2- مدُّ يدِ المساعدةِ، وبَذلُ المعونةِ والإحسانِ.
    3- التَّعرُّفُ على آثارِ الشَّماتةِ وأضرارِها.
    4- أن يحِبَّ المرءُ لأخيه ما يحبُّه لنفسِه، وأن يكرَهَ له ما يكرَهُه لنفسِه، فهو لا يحبُّ أن يشمَتَ أحدٌ به، فكذلك ينبغي ألَّا يشمَتَ بأحَدٍ.
    5- تقويةُ رابطةِ الأخوَّةِ بَيْنَ المُؤمِنينَ؛ فمِن شأنِ المُؤمِنِ التَّألُّمُ بما يتألَّمُ منه أخوه، والفَرَحُ بما يفرَحُ به.


  10. #50
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,356

    افتراضي رد: المذموم من الأخلاق والسلوك

    خامسًا: الوسائِلُ المُعينةُ على تَركِ الشَّماتةِ

    1- مجاهدةُ النَّفسِ وتخليصُها من أمراضِها، كالحِقدِ والحَسَدِ والبغضاءِ.
    2- مدُّ يدِ المساعدةِ، وبَذلُ المعونةِ والإحسانِ.
    3- التَّعرُّفُ على آثارِ الشَّماتةِ وأضرارِها.
    4- أن يحِبَّ المرءُ لأخيه ما يحبُّه لنفسِه، وأن يكرَهَ له ما يكرَهُه لنفسِه، فهو لا يحبُّ أن يشمَتَ أحدٌ به، فكذلك ينبغي ألَّا يشمَتَ بأحَدٍ.
    5- تقويةُ رابطةِ الأخوَّةِ بَيْنَ المُؤمِنينَ؛ فمِن شأنِ المُؤمِنِ التَّألُّمُ بما يتألَّمُ منه أخوه، والفَرَحُ بما يفرَحُ به.



    سادسًا: حُكمُ الشَّماتةِ وما يُباحُ منها

    لا تجوزُ الشَّماتةُ بالمُسلِمِ ولا تعييرُه بالذَّنبِ أو بالعَمَلِ أو بحادثةٍ تقَعُ عليه، أو ما أشبَهَ ذلك، فيُشيعُها ويُبَيِّنُها ويُظهِرُها، فهذا محرَّمٌ؛ لأنَّه ينافي قولَ اللَّهِ تعالى: إِنَّمَا الْمُؤمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: 10] ؛ فإنَّ الأخَ لا يحِبُّ أن تظهَرَ الشَّماتةُ في أخيه، وكذلك ينافي قولَه تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات ِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [الأحزاب: 58] .
    لكِنَّها في حَقِّ الكُفَّارِ المحارِبين والمُنافِقين تجوزُ؛ قال تعالى: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ [التوبة: 14-15] .

    قال السَّعديُّ: (فإنَّ في قلوبِهم من الحَنَقِ والغَيظِ عليهم ما يكونُ قِتالُهم وقتلُهم شفاءً لِما في قلوبِ المُؤمِنين من الغَمِّ والهَمِّ -إذ يَرَون هؤلاء الأعداءَ محارِبين للهِ ولرسولِه، ساعين في إطفاءِ نورِ اللَّهِ- وزوالًا للغيظِ الذي في قلوبِهم، وهذا يدُلُّ على محبَّةِ اللَّهِ لعبادِه المُؤمِنين، واعتنائِه بأحوالِهم، حتَّى إنَّه جَعَل مِن جملةِ المقاصِدِ الشَّرعيَّةِ شفاءَ ما في صدورِهم وذَهابَ غيظِهم) .


  11. #51
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,356

    افتراضي رد: المذموم من الأخلاق والسلوك

    سابعًا: مَسائِلُ مُتفَرِّقةٌ

    الأسبابُ الجالبةُ لشماتةِ الأعداءِ:

    من الأسبابِ الجالِبةِ لشَماتةِ الأعداءِ: العَجَلةُ؛ قال وَهبُ بنُ مُنَبِّهٍ: (يتشَعَّبُ من العَجَلةِ: الخُسرانُ، والنَّدامةُ، وقِلَّةُ الفَهمِ، وسُوءُ المنظَرِ، وفراقُ الصَّاحِبِ، وطلاقُ المرأةِ، وتضييعُ المالِ، وشماتةُ العَدُوِّ، واكتسابُ الشَّرِّ، واكتسابُ الملامةِ والنَّدامةِ والمذمَّةِ) .
    ومنها: الجَزَعُ. قال حَكيمٌ لبنيه: (يا بَنيَّ، إيَّاكم والجَزَعَ عِندَ المصائِبِ؛ فإنَّه مَجلبةٌ للهَمِّ، وسوءُ ظنٍّ بالرَّبِّ، وشماتةٌ للعَدُوِّ) .
    ومنها كثرةُ الشَّكوى؛ فكَثرةُ الشَّكوى تدُلُّ على ضَعفِ اليقينِ، وتُشعِرُ بالتَّسخُّطِ للقضاءِ، وتُورِثُ شماتةَ الأعداءِ .
    وقد أحسَنَ المُتنَبِّي في قولِه:
    ولا تَشْكُ إلى خَلقٍ فتُشمِتَه
    شكوى الجريحِ إلى الغِربانِ والرَّخَمِ

    الشَّماتةُ بما لا ينجو منه أحَدٌ:
    - قال تعالى: وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ [الأنبياء: 34] كأنَّه قيل: أفإن مِتَّ فهم الخالِدون حتَّى يَشمَتوا بموتِك، وفي معنى ذلك قولُ الإمامِ الشَّافعيِّ :
    تمنَّى رجالٌ أن أموتَ وإن أمُتْ
    فتلك سبيلٌ لستُ فيها بأوحَدِ
    فقُلْ للذي يبغي خِلافَ الذي مضى
    تزوَّدْ لأُخرى مِثلِها فكأنْ قَدِ
    وقولُ ذي الإصبَعِ العَدْوانيِّ:
    إذا ما الدَّهرُ جَرَّ على أناسٍ
    كَلاكِلَه أناخَ بآخَرينا
    فقُلْ للشَّامتين بنا أفيقوا
    سيلقى الشَّامِتون كما لَقِينا
    وعن سُفيانَ الثَّوريِّ، قال: كان رجلٌ يأتي بابَ أبي هُرَيرةَ فيؤذيهم ويُثقِلُ عليهم، فقيل: إنَّه قد مات، فقال: (ليس في الموتِ شماتةٌ) . وقال بعضُهم في عَدَمِ الشَّماتةِ بالموتِ:
    تشَفَّى بشيءٍ لا يصيبُك مِثلُه
    وإلَّا فشَيءٌ أنت وارِدُه فلا
    لكِنْ قد أفتى ابنُ عبدِ السَّلامِ بأنَّه لا ملامَ بالفَرَحِ بموتِ العَدُوِّ من حيثُ انقطاعُ شَرِّه عنه وكفايةُ ضَرَرِه .

    قِصَصٌ في الشَّماتةِ:

    - عن بعضِهم أنَّه شاهَد رجُلًا على قبرٍ وهو يُكثِرُ البكاءَ، فقُلتُ: أعلى قريبٍ أو على صديقٍ؟ فقال: أخَصُّ منهما، قد كان لي عَدُوٌّ، فخرج إلى الصَّيدِ فرأى ظَبيًا فتَبِعَه فعَثَر بالسَّهمِ فخَرَّ هو والظَّبيُ ميِّتينِ، فدُفِنَ، فانتَهَيتُ إلى قبرِه شامِتًا به، فإذا عليه مكتوبٌ:
    وما نحنُ إلَّا مِثلُهم غيرَ أنَّنا
    أقَمْنا قليلًا بَعدَهم وترَحَّلوا
    فها أنا واقِفٌ أبكي على نفسي .
    - ورُوِيَ أنَّه لمَّا أتى عبدَ اللَّهِ بنَ الزُّبَيرِ خبَرُ قَتلِ مُصعَبٍ أخيه احتَجَب أيَّامًا، فخَبَر بمجيءِ قومٍ للتَّعزيةِ، فقال: أكرَهُ وُجوهًا تُعَزِّي ألسِنَتُها، وتَشمَتُ قُلوبُها !
    - ولمَّا عُزِل أبو الحسَنِ عليُّ بنُ عيسى بنِ داودَ بنِ الجَرَّاحِ البغداديُّ في وزارتِه الثَّانيةِ ووَلِيَ ابنُ الفُراتِ، لم يقنَعِ ابنُ الفُراتِ إلَّا بإخراجِه عن بغدادَ، فخَرج إلى مكَّةَ فأقام بها مُهاجِرًا، وقال في نَكبتِه:
    ومَن يكُ عنِّي سائلًا لشماتةٍ
    لِما نابني أو شامتًا غيرَ سائِلِ
    فقد أبرَزَتْ منِّي الخُطوبُ ابنَ حُرَّةٍ
    صبورًا على أحوالِ تلك الزَّلازِلِ
    إذا سُرَّ لم يَبطَرْ وليس لنَكبةٍ
    إذا نَزَلتْ بالخاشعِ المتضائِلِ
    - ولمَّا توفِّىَ أيُّوبُ بنُ سُلَيمانَ بنِ عبدِ الملِكِ في حياةِ سُلَيمانَ، وكان وليَّ عَهدِه وأكبَرَ ولَدِه؛ رثاه ابنُ عبدِ الأعلى، وكان من خاصَّتِه، فقال فيه:
    ولقد أقولُ لذي الشَّماتةِ إذ رأى
    جَزَعي ومَن يَذُقِ الحوادِثَ يَجزَعِ
    أبشِرْ فقد قَرَع الحوادِثُ مَرْوَتي
    وافرَحْ بمَرْوتِك التي لم تُقرَعِ
    إن عِشتَ تُفجَعْ بالأحبَّةِ كُلِّهِم
    أو يُفجَعوا بك إن بهم لم تُفجَعِ
    أيُّوبُ! مَن يَشمَتْ بموتِك لم يُطِقْ
    عن نفسهِ دَفعًا، وهل من مَدفَعِ

    - وبلغ عَمرَو بنَ عُتبةَ شماتةُ قَومٍ به في مصائِبَ، فقال: (واللَّهِ لئِنْ عَظُم مُصابُنا بموتِ رجالِنا، لقد عَظُمَت النِّعمةُ علينا بما أبقى اللَّهُ لنا: شُبَّانًا يَشُبُّون الحروبَ، وسادةً يُسْدُون المعروفَ، وما خُلِقْنا ومَن شَمِتَ بنا إلَّا للموتِ) .

    معنى تشميتِ العاطِسِ وعلاقتُه بالشَّماتةِ:
    قال ابنُ القَيِّمِ: (ولمَّا كان العاطِسُ قد حصَلت له بالعُطاسِ نِعمةٌ ومنفَعةٌ بخُروجِ الأبخرةِ المحتَقَنةِ في دماغِه، التي لو بَقِيت فيه أحدَثَت له أدواءً عَسِرةً؛ شُرِع له حمدُ اللَّهِ على هذه النِّعمةِ، مع بقاءِ أعضائِه على التِئامِها وهيئتِها بعدَ هذه الزَّلزلةِ التي هي للبَدَنِ كزَلزلةِ الأرضِ لها؛ ولهذا يُقالُ: سَمَّتَه وشَمَّتَه، بالسِّينِ والشِّينِ، فقيل: هما بمعنًى واحدٍ، قاله أبو عُبَيدةَ وغيرُه. قال: وكُلُّ داعٍ بخيرٍ فهو مُشَمِّتٌ ومُسَمِّتٌ. وقيل: بالمُهمَلةِ، دعاءٌ له بحُسنِ السَّمتِ، وبعَودِه إلى حالتِه من السُّكونِ والدَّعةِ؛ فإنَّ العُطاسَ يحدِثُ في الأعضاءِ حَركةً وانزعاجًا. وبالمُعجَمةِ: دعاءٌ له بأن يَصرِفَ اللَّهُ عنه ما يُشمِتُ به أعداءَه، فشَمَّته: إذا أزال عنه الشَّماتةَ، كقَرَّد البعيرَ: إذا أزال قُرادَه عنه، وقيل: هو دعاءٌ له بثباتِه على قوائِمِه في طاعةِ اللَّهِ، مأخوذٌ من الشَّوامِتِ، وهي القوائِمُ. وقيل: هو تشميتٌ له بالشَّيطانِ لإغاظتِه بحَمدِ اللَّهِ على نعمةِ العُطاسِ، وما حصَل له به من محابِّ اللَّهِ؛ فإنَّ اللَّهَ يحِبُّه، فإذا ذَكَر العبدُ اللَّهَ وحَمِدَه، ساء ذلك الشَّيطانَ من وجوهٍ؛ منها: نفسُ العُطاسِ الذي يحبُّه اللَّهُ، وحَمدُ اللَّهِ عليه، ودعاءُ المُسلِمين له بالرَّحمةِ، ودعاؤه لهم بالهدايةِ وإصلاحِ البالِ، وذلك كلُّه غائظٌ للشَّيطانِ، محزِنٌ له؛ فتشميتُ المُؤمِنِ بغيظِ عَدُوِّه وحُزنِه وكآبتِه، فسُمِّيَ الدُّعاءُ له بالرَّحمةِ تشميتًا له؛ لِما في ضمنِه من شماتتِه بعَدوِّه، وهذا معنًى لطيفٌ إذا تنَبَّهَ له العاطِسُ والمُشَمِّتُ انتفعا به، وعَظُمَت عندَهما منفعةُ نعمةِ العُطاسِ في البدَنِ والقَلبِ، وتبيَّن السِّرَّ في محبَّةِ اللَّهِ له؛ فلله الحمدُ الذي هو أهلُه، كما ينبغي لكريمِ وَجهِه، وعِزِّ جلالِه) .

    إخفاءُ ما يؤدِّي إلى شماتةِ غَيرِه به:
    قال ابنُ الجَوزيِّ: (قد رُكِّب في الطِّباعِ حُبُّ التَّفضيلِ على الجِنسِ، فما أحَدٌ إلَّا وهو يحِبُّ أن يكونَ أعلى درَجةً من غيرِه، فإذا وقَعَت نَكبةٌ أوجَبَت نزولَه عن مرتبةِ سِواه، فينبغي له أن يتجَلَّدَ بسَترِ تلك النَّكبةِ؛ لئلَّا يُرى بعينِ نَقصٍ، ولْيتجمَّلِ المتعَفِّفُ حتَّى لا يُرى بعينِ الرَّحمةِ، ولْيتحامَلِ المريضُ لئلَّا يشمَتَ به ذو العافيةِ. وقد قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأصحابِه حينَ قدومِه مكَّةَ، وقد أخذَتْهم الحُمَّى، فخاف أن يَشمَتَ بهم الأعداءُ حينَ ضَعفِهم عن السَّعيِ... ، فرَمَلوا -والرَّمَلُ: شِدَّةُ السَّعيِ-، وزال ذلك السَّبَبُ، وبَقِيَ الحُكمُ؛ ليُتذكَّرَ السَّببُ، فيُفهَمَ معناه.
    واستأذنوا على معاويةَ وهو في الموتِ، فقال لأهلِه: أجلِسوني! فقَعَد مُتمَكِّنًا يظهِرُ العافيةَ، فلمَّا خرج العُوَّادُ، أنشد:
    وتجَلُّدي للشَّامِتين أُريِهمُ
    أنِّي لرَيبِ الدَّهرِ لا أتضَعْضَعُ
    وإذا المنيَّةُ أنشَبَت أظفارَها
    أَلفَيتَ كُلَّ تميمةٍ لا تنفَعُ
    وما زال العُقَلاءُ يُظهِرون التَّجلُّدَ عِندَ المصائِبِ والفَقرِ والبلاءِ؛ لئلَّا يتحَمَّلوا مع النَّوائبِ شماتةَ الأعداءِ، وإنَّها الأشدُّ من كُلِّ نائبةٍ، وكان فقيرُهم يُظهِرُ الغِنى، ومريضُهم يُظهِرُ العافيةَ) .
    شتَّانَ بَيْنَ الغَيرةِ على الحُرُماتِ وبَينَ الشَّماتةِ والتَّشَفِّي:
    قال محمَّدٌ الغَزاليُّ: (مِن فَضلِ اللَّهِ على العِبادِ: أنَّه استَحَبَّ سَترَ عُيوبِ الخَلقِ، ولو صَدَق اتِّصافُهم بها. وما يجوزُ لمُسلِمٍ أن يتشَفَّى بالتَّشنيعِ على مُسلِمٍ ولو ذَكَره بما فيه؛ فصاحِبُ الصَّدرِ السَّليمِ يأسى لآلامِ العِبادِ، ويشتهي لهم العافيةَ، أمَّا التَّلهِّي بسَردِ الفضائِحِ، وكَشفِ السُّتورِ، وإبداءِ العَوراتِ؛ فليس مَسلَكَ المُسلِمِ الحَقِّ... وكثيرًا ما يكونُ متتَبِّعو العوراتِ لفَضحِها أشَدَّ إجرامًا، وأبعَدَ عن اللَّهِ قُلوبًا من أصحابِ السَّيِّئاتِ المكتشَفةِ؛ فإنَّ التَّربُّصَ بالجريمةِ لنَشرِها أقبَحُ من وُقوعِ الجريمةِ نَفسِها.
    وشتَّانَ بَيْنَ شُعورينِ: شُعورِ الغَيرةِ على حُرُماتِ اللَّهِ والرَّغبةِ في حمايتِها، وشُعورِ البغضاءِ لعبادِ اللَّهِ والرَّغبةِ في إذلالِهم!
    إنَّ الشُّعورَ الأوَّلَ قد يَصِلُ في صاحِبِه إلى القِمَّةِ، ومع ذلك فهو أبعَدُ ما يكونُ عن التَّشفِّي من الخَلقِ، وانتِظارِ عَثَراتِهم، والشَّماتةِ في آلامِهم) .


  12. #52
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,356

    افتراضي رد: المذموم من الأخلاق والسلوك

    ثامنًا: الشَّماتةُ في واحةِ الأدَبِ

    أ- من الشِّعرِ


    1- رَدُّ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عنه على الشَّامتينَ بموتِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال:
    لَعَمْري لقد أيقَنْتُ أنَّك مَيِّتٌ
    ولكِنَّما أبدى الذي قُلتُه الجَزَعْ
    وقُلتُ يغيبُ الوَحيُ عنَّا لفَقدِه
    كما غاب موسى، ثمَّ يرجِعُ كما رَجَعْ
    وكان هواي أن تطولَ حياتُه
    وليس لحَيٍّ في بقا مَيِّتٍ طَمَعْ
    فلمَّا كشَفْنا البُرْدَ عن حُرِّ وَجْهِهِ
    إذا الأمرُ بالجزَعِ المُوهِبِ قد وَقَعْ
    فلم تَكُ لي عِندَ المصيبةِ حِيلةٌ
    أردُّ بها أهلَ الشَّماتةِ والقَذَعْ
    سوى آذَنَ اللَّهُ في كتابِهِ
    وما آذَنَ اللَّهُ العبادَ به يَقَعْ
    وقد قُلتُ مِن بعدِ المقالةِ قَولةً
    لها في حُلوقِ الشَّامِتين به بَشَعْ
    ألَا إنَّما كان النَّبيُّ محمَّدٌ
    إلى أجَلٍ وافى به الوَقتُ فانقَطَعْ
    ندينُ على العَلَّاتِ منا بدِينِهِ
    ونُعطي الذي أعطى، ونمنَعُ ما مَنَعْ
    ووَلَّيتُ محزونًا بعينٍ سَخينةٍ
    أُكَفكِفُ دَمعي والفؤادُ قد انصَدَعْ
    وقلتُ لعيني: كُلُّ دَمعٍ ذَخَرتِهِ
    فجُودي به إنَّ الشَّجيَّ له دُفَعْ .
    2- وقال العلاءُ بنُ قَرَظةَ:
    إذا ما الدَّهرُ جرَّ على أُناسٍ
    كَلاكِلَه أناخ بآخَرينا
    فقلْ للشَّامِتين بنا أفيقوا
    سيلقى الشَّامِتون كما لَقِينا
    3- وقال أبو العبَّاسِ المُبَرِّدُ: وهَلَك أخٌ لبَعضِ الأعرابِ، فأظهَر له الشَّماتةَ بعضُ بني عَمِّه، فأنشأ الأعرابيُّ يقولُ:
    ولقد أقولُ لذي الشَّماتةِ إذ رأى
    جَزَعي ومَن يَذُقِ الفجيعةَ يَجزَعِ
    اشمَتْ فقد قَرَع الحوادِثُ مَرْوَتي
    وافرَحْ بمَرْوتِك التي لم تُقرَعِ
    إن تَبْقَ تُفجَعْ بالأحِبَّةِ كُلِّهِم
    أو تُرْدِك الأحداثُ إن لم تُفجَعِ
    4- وقال نَهشَلُ بنُ حَريٍّ:
    ومَن يَرَ بالأقوامِ يومًا يَرَونَه
    معرَّةَ يومٍ لا تُوازى كواكِبُهْ
    فقُلْ للذي يُبدي الشَّماتةَ جاهِلًا
    سيأتيك كأسٌ أنت لا بُدَّ شارِبُهْ
    5- وقال حارِثةُ بنُ بَدرٍ:
    يا أيُّها الشَّامِتُ المُبدي عداوتَه
    ما بالمنايا التي عَيَّرْتَ مِن عارِ
    تراكَ تنجو سليمًا من غوائِلِها
    هيهاتَ لا بُدَّ أن يسري بك السَّارِي
    6- وقال عَدِيُّ بنُ زَيدٍ:
    أيُّها الشَّامِتُ المُعَيِّرُ بالدَّهْ
    رِ أأنت المبَرَّأُ الموفورُ؟
    أم لديك العَهدُ الوثيقُ من الأ
    يَّامِ بل أنت جاهِلٌ مَغرورُ
    7- وقال عبدُ اللَّهِ بنُ أبي عُيَينةَ:
    كلُّ المصائِبِ قد تمُرُّ على الفتى
    فتهونُ غيرَ شماتةِ الحُسَّادِ
    إنَّ المصائِبَ تنقضي أيَّامُها
    وشماتةُ الأعداءِ بالمِرصادِ
    8- وقال المُبارَكُ الطَّبَريُّ:
    لولا شماتةُ أعداءٍ ذوي حَسَدٍ
    أو اغتمامُ صديقٍ كان يَرجوني
    لما طلَبْتُ من الدُّنيا مَراتِبَها
    ولا بذَلْتُ لها عِرضي ولا دِيني
    9- وقال منصورٌ الفَقيهُ:
    يا شامِتًا بي إن هلَكْتُ
    لكُلِّ حَيٍّ مدًى ووَقتُ
    وللمنايا وإن تراخَت
    في السَّيرِ يا ذا الشَّماتِ بَغْتُ
    وأنت في قَبضةِ اللَّيالي
    تخافُ منها الذي أمِنْتُ
    والكأسُ ملأى فعن قَريبٍ
    تَشرَبُ منها كما شَرِبتُ
    10- وقال أيضًا:
    يا مَن يُسَرُّ بموتي إذا أتاه البشيرُ
    إنَّ البشيرَ بموتي فلا تُسَرَّ نذيرُ
    واسمَعْ فما أنت ممَّن تخفى عليه الأمورُ
    أليس مَن كان مثلي إلى مصيري يصيرُ
    11- وله:
    أيُّها المُظهِرُ الشَّماتةَ إن مِتُّ قَبلَه
    عن قليلٍ يصيرُ مِثلي مَن كُنتُ مِثلَه
    12- وله:
    يا شامتين بمَصْرَعي
    اليومَ لي ولكم غَدُ

    ب- من الحِكَمِ والأمثالِ

    - الشَّماتةُ لُؤمٌ .
    أي: ليس من الكَرَمِ أن يَشمَتَ الرَّجُلُ بصاحِبِه إذا زَلَّت به النَّعلُ أو نَزَل به أمرٌ . وقيل: (الشَّماتةُ بالمنكوبِ لُؤمٌ، والسِّعايةُ أحَدُّ من السَّيفِ) .
    - ويقولون في الشَّماتةِ: من يَرَ يومًا يُرَ به .
    - وقيل: إعلانُ الشَّماتةِ كَيدُ العَدُوِّ العاجِزِ .
    - أنت أجدْتَ طَبْخَه فاحْسُ وذُقْ.
    يُضرَبُ في الشَّماتةِ بالجاني على نَفسِه . ويقال: احْسُ فذُقْ.
    أي: قد كُنتَ تُنهى عن هذا، فأنت جَنَيتَه على نفسِك، فاحْسُه وذُقْه .
    وإنمَّا قَدَّم الحَسْوَ على الذَّوقِ وهو متأخِّرٌ عنه في الرُّتبةِ إشارةً إلى أنَّ ما بعدَ هذا أشَدُّ، يعني احْسُ الحاضِرَ من الشَّرِّ، وذُقِ المُنتَظَرَ بَعدَه .
    - أُشِئْتَ عُقَيلُ إلى عَقْلِك:
    أي: أُلجِئتَ واضطُرِرتَ إلى رأيِك، فجَلَب عليك ما تَكرَهُ، يُضرَبُ في الشَّماتةِ بالجاني على نفسِه، ويروى (عَقَلِك) بفتحِ القافِ، وهو اصطِكاكُ الرَّكبتَينِ، والمعنى: أنَّك أُلجِئتَ إلى سوءِ تصرُّفِك وقِلَّةِ استِمكانِك من السَّعيِ والتَّردُّدِ في أمرِك، فكأنَّك أعقَلُ يَشُقُّ عليك المشيُ . ويُقالُ في مِثلِه: يَداك أوْكَتَا وفُوك نَفَخ.
    أي: أنت فعَلْتَ هذا بنَفْسِك .
    - لا بظَبيٍ أعفَرَ:
    أي: جَعَل اللَّهُ ما أصابه لازِمًا له مؤثِّرًا فيه، ولا كان مِثلَ الظَّبيِ في سلامتِه منه، يُضرَبُ في الشَّماتةِ .
    - لا يَحزُنْك دَمٌ أراقَه أهلُه .
    - بجَنْبِه فلْتَكُنِ الوَجْبةُ.
    يُضرَبُ مَثَلًا في الشَّماتةِ بالرَّجُلِ، ومعناه: لِيَحِلَّ به المكروهُ دونَ غيرِه، والوَجْبةُ: الصَّرعةُ، من قولِهم: وَجَب الحائِطُ -إذا سَقَط- وَجْبَةً، وسَمِعتُ وَجْبةَ الشَّيءِ، أي: هدَّتَه لوَقعةٍ وقَعَها، ووَجَبَت الشَّمسُ: إذا سقَطَت للمَغيبِ. وذَكَر جَنْبَه، وأراد جُملَتَه .


  13. #53
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,356

    افتراضي رد: المذموم من الأخلاق والسلوك



    المذموم من الأخلاق والسلوك ( الحِقْدُ)

    معنى الحِقْدِ لُغةً واصطِلاحًا

    معنى الحِقْدِ لُغةً:

    الحِقْدُ: الضِّغْنُ، وهو إمساكُ العَداوةِ في القَلبِ، والتَّربُّصُ لفُرصتِها، والجَمعُ أحقادٌ وحُقودٌ. وتقولُ: حَقَد عليه يحقِدُ حِقدًا، وحَقِدَ عليه -بالكَسرِ- حِقدًا: لُغةٌ. وأحقَدَه غيرُه: صيَّرَه حاقِدًا. ورَجُلٌ حَقودٌ .

    معنى الحِقْدِ اصطِلاحًا:
    هو إضمارُ الشَّرِّ للجاني إذا لم يتمَكَّنْ من الانتقامِ منه، فأخفى ذلك الاعتقادَ إلى وَقتِ إمكانِ الفُرصةِ .
    وقيل: الحِقْدُ: هو طَلَبُ الانتقامِ، وتحقيقُه: أنَّ الغَضَبَ إذا لزِمَ كَظْمُه لعَجزٍ عن التَّشفِّي في الحالِ، رجع إلى الباطِنِ واحتَقَن فيه، فصار حِقدًا .
    وقيل: الحِقْدُ: ترَدُّدُ دَمِ القَلبِ بَيْنَ انقِباضٍ وانبِساطٍ على مَن يَشُكُّ أنَّه: هل يَقدِرُ على الانتِقامِ منه أم لا ؟
    وقال الجُرْجانيُّ: الحِقْدُ هو (سُوءُ الظَّنِّ في القَلبِ على الخلائِقِ لأجْلِ العداوةِ) .
    وقيل: (الحِقْدُ أن يَلزَمَ قَلبُه استِثقالَه والبِغضةَ له والنِّفارَ عنه، وأن يدومَ ذلك ويبقى) .




    الفَرْقُ بَيْنَ الحِقْدِ وبعضِ الصِّفاتِ


    الفَرْقُ بَيْنَ المَوجِدةِ والحِقْدِ:

    ذكَر ابنُ القَيِّمِ فُروقًا بَيْنَ المَوجِدةِ والحِقْدِ، فقال: (إنَّ الوَجْدَ: الإحساسُ بالمُؤلِمِ، والعِلمُ به، وتحرُّكُ النَّفسِ في رَفعِه؛ فهو كَمالٌ.
    وأمَّا الحِقْدُ فهو إضمارُ الشَّرِّ وتوقُّعُه كُلَّ وقتٍ فيمن وَجَدْتَ عليه، فلا يزايِلُ القَلبَ أثَرُه.
    وفرقٌ آخَرُ: وهو أنَّ المَوجِدةَ لِما ينالُك منه، والحِقْدَ لِما ينالُه منك؛ فالمَوجِدةُ: وَجْدُ ما نالك من أذاه، والحِقْدُ: توقُّعُ وُجودِ ما ينالُه من المقابلةِ؛ فالمَوجِدةُ سَريعةُ الزَّوالِ، والحِقْدُ بَطيءُ الزَّوالِ، والحِقْدُ يجيءُ مع ضِيقِ القَلبِ، واستيلاءِ ظُلمةِ النَّفسِ ودُخَانِها عليه، بخلافِ المَوجِدةِ؛ فإنَّها تكونُ مع قوَّتِه وصَلابتِه، وقُوَّةِ نُورِه وإحساسِه) .

    الفَرْقُ بَيْنَ الحِقْدِ والحَسَدِ:
    أنَّ الحَسَدَ -وهو تمنِّي زَوالِ النِّعمةِ عن المحسودِ- ثمَرةٌ من ثمَراتِ الحِقْدِ، ونتيجةٌ من نتائِجِه، فالذي يحمِلُ على الحَسَدِ بهذا المعنى هو الحِقْدُ .

    الفَرْقُ بَيْنَ الحِقْدِ والعَداوةِ:
    أنَّ الحِقْدَ عَداوةٌ مع طَلَبِ الانتقامِ وإضمارِ الشَّرِّ، ودوامِ ذلك وبقائِه.



    آثارُ الحِقْدِ


    إنَّ الحِقْدَ حِملٌ ثقيلٌ يُتعِبُ حامِلَه، يحمِلُه الجاهِلُ في صَدرِه فيُشقي به نفسَه، ويُفسِدُ به فِكرَه، ويُشغِلُ به بالَه، ويَقُضُّ به مضجَعَه، ويُكثِرُ به هَمَّه وغَمَّه، إنَّه كحِملٍ من أحمالِ الشَّوكِ الملتَهِبِ الحارِّ، المحشوِّ بصُخورٍ ثقيلةٍ محميَّةٍ تَنفُثُ السُّمومَ التي تلتَهِبُ منها الصُّدورُ، ويَظَلُّ الجاهِلُ الأحمقُ يحمِلُ هذا الحِملَ الخبيثَ مهما حَلَّ أو ارتحَلَ، حتَّى يَشفيَ حِقدَه بالانتقامِ ممَّن يَحقِدُ عليه . ومِن آثارِه:
    1- أنَّه (يُثمِرُ الحَسَدَ، وهو أن يحمِلَك الحِقْدُ على أن تتمنَّى زوالَ النِّعمةِ عنه؛ فتغتَمَّ بنعمةٍ إن أصابَها، وتُسَرَّ بمُصيبةٍ إن نزَلَت به.
    2- الشَّماتةُ بما أصابه من البلاءِ.
    3- الهِجرانُ والمقاطَعةُ.
    4- الإعراضُ عنه استِصغارًا له.
    5- التَّكلُّمُ فيه بما لا يَحِلُّ؛ مِن كَذِبٍ وغِيبةٍ، وإفشاءِ سِرٍّ، وهَتْكِ سِترٍ، وغيرِه.
    6- محاكاتُه استهزاءً به، وسُخريةً منه.
    7- إيذاؤه بالضَّربِ وما يُؤلِم بَدَنَه.
    8- مَنْعُه من حَقِّه من قضاءِ دَينٍ، أو صلةِ رَحِمٍ، أو ردِّ مَظلَمةٍ) .
    9- الحِقْدُ من مظاهِرِ دُنُوِّ الهِمَّةِ؛ فهو لا يَصدُرُ من النُّبَلاءِ، ولا يليقُ بالعُقلاءِ .
    10- الحِقْدُ يُنبِتُ سُوءَ الظَّنِّ، وتتبُّعَ العَوْراتِ، والهَمزَ واللَّمزَ، والنَّميمةَ، وتعييرَ النَّاسِ بعاهاتِهم، أو خصائِصِهم البَدَنيَّةِ والنَّفسيَّةِ .
    11- من مَضارِّ الحِقْدِ أيضًا أنَّه يقتضي التَّشَفِّيَ والانتِقامَ.
    12- جَحدُ الحَقِّ وعَدَمُ اتِّباعِه.
    13- الحِقْدُ يُفضي إلى التَّنازُعِ والتَّقاتُلِ، واستغراقِ العُمُرِ في غَمٍّ وحُزنٍ.
    14- الحِقْدُ يُغضِبُ الرَّبَّ عزَّ وجَلَّ، ويؤدِّي بصاحِبِه إلى الخُسرانِ المُبينِ في الدُّنيا والآخِرةِ.
    15- الحِقْدُ يُظهِرُ عُيوبَ الإنسانِ .

    دَرَجاتُ الحِقْدِ


    الدَّرَجةُ الأُولى: الحِقْدُ المحَرَّمُ، وهو الذي يُثمِرُ الحَسَدَ والشَّماتةَ، وهَجْرَه ومُصارمتَه، والانقِطاعَ عنه وإن طلَبَك وأقبَلَ عليك، والإعراضَ عنه استصغارًا له، والتَّكَلُّمَ فيه بما لا يَحِلُّ، ومحاكاتَه استهزاءً به وسُخريةً منه، وإيذاءَه بما يُؤلِمْ بدَنَه، ومنْعَه حَقَّه.

    الدَّرَجةُ الثَّانيةُ: وهي أقَلُّ دَرَجاتِ الحِقْدِ بالاحترازِ ممَّا سَبَق، وعَدَمُ الخروجِ بسَبَبِ الحِقْدِ إلى ما تعصي اللهَ به، ولكِنْ تَستثقِلُه في الباطِنِ، ولا تَنهى قلبَك عن بُغضِه حتَّى تمتنعَ عمَّا كنتَ تَطوعُ به من البَشاشةِ والرِّفقِ والعِنايةِ، والقيامِ بحاجاتِه، والمجالسةِ معه على ذِكرِ اللهِ تعالى، والمعاونةِ على المنفَعةِ له، أو بتَركِ الدُّعاءِ له والثَّناءِ عليه، أو التَّحريضِ على بِرِّه ومواساتِه، فهذا كلُّه ممَّا يَنقُصُ دَرجتَك في الدِّينِ، ويحولُ بَينَك وبَينَ فَضلٍ عظيمٍ وثوابٍ جَزيلٍ، وإن كان لا يُعَرِّضُك لعقابِ اللهِ

    .


    حُكمُ الحِقْدِ وما يُباحُ منه

    كَر العُلَماءُ أنَّ الحِقْدَ من الكبائِرِ، وأورد ابن حجر الهيتمي في كتابِه (الزَّواجِر) أنَّ من الكبائِرِ الغَضَبَ بالباطِلِ، والحِقْدَ والحَسَدَ، وذَكَر سَبَبَ جَمعِه لهذه الكبائِرِ الثَّلاثِ بقَولِه: (لمَّا كانت هذه الثَّلاثةُ بَينَها تلازُمٌ وترتُّبٌ -إذ الحَسَدُ من نتائِجِ الحِقْدِ، والحِقْدُ من نتائجِ الغضَبِ- كانت بمنزلةِ خَصلةٍ واحِدةٍ، وذمُّ كُلٍّ يستلزِمُ ذَمَّ الآخَرِ؛ لأنَّ ذَمَّ الفَرعِ وفَرعِه يَستلزِمُ ذَمَّ الأصلِ وأصلِه، وبالعَكسِ) .

    أمَّا الحِقْدُ على غيرِ المُسلِمين ممَّن قَتَلوا وعَذَّبوا وشَرَّدوا المُسلِمين، وأخرَجوهم من ديارِهم، وناصَبوهم العَداوةَ؛ فالحِقْدُ في حَقِّهم محمودٌ مطلوبٌ؛ قال تعالى: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ [التوبة: 14-15] .

    ولا يزولُ حِقدُ المُسلِمِ على الكافِرِ إلَّا أن يُسلِمَ؛ فعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّه قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((واللهِ لِيَنزِلَنَّ ابنُ مَريمَ حَكَمًا عادِلًا، فلَيَكْسِرَنَّ الصَّليبَ، ولَيَقتُلَنَّ الخِنزيرَ، ولَيَضَعَنَّ الجِزيةَ، ولَتُترَكَنَّ القِلاصُ فلا يُسعى عليها، ولتَذهَبَنَّ الشَّحناءُ والتَّباغُضُ والتَّحاسُدُ، ولَيَدْعُوَنَّ إلى المالِ فلا يَقبَلُه أحَدٌ!)) .
    (قال الأشرَفُ: إنَّما تذهَبُ الشَّحناءُ والتَّباغُضُ والتَّحاسُدُ يومَئِذٍ؛ لأنَّ جميعَ الخَلقِ يكونون يومَئذٍ على مِلَّةٍ واحدةٍ، وهي الإسلامُ، وأعلى أسبابِ التَّباغُضِ وأكثَرُها هو اختِلافُ الأديانِ) .

    كذلك إن كان الحِقْدُ على ظالمٍ لا يمكِنُ دَفعُ ظُلمِه أو استيفاءُ الحَقِّ منه، فإنَّ ذلك غيرُ مذمومٍ شَرعًا، ثمَّ إذا تمكَّن ممَّن ظلَمَه فإمَّا أن يعفوَ عنه، فذلك من الإحسانِ والعَفوِ عمَّن ظلَمَه عِندَ المَقدِرةِ.
    وإمَّا أن يأخُذَ حَقَّه منه، فلا حَرَجَ فيه؛ لقَولِه تعالى: وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ [الشورى: 41-42]

    يتبع



  14. #54
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,356

    افتراضي رد: المذموم من الأخلاق والسلوك

    أسبابُ الحِقْدِ

    1- المُماراةُ والمنافَسةُ:
    (وأشَدُّ الأسبابِ لإثارةِ نارِ الحِقْدِ بَيْنَ الإخوانِ: المُماراةُ والمنافَسةُ؛ فإنَّها عَينُ التَّدابُرِ والتَّقاطُعِ، فإنَّ التَّقاطُعَ يَقَعُ أوَّلًا بالآراءِ، ثمَّ بالأقوالِ، ثمَّ بالأبدانِ) .

    2- كثرةُ المُزاحِ:
    المُزاحُ الذي يخرُجُ عن حَدِّه يَغرِسُ الحِقْدَ في القلوبِ؛ قال الأبشيهيُّ: (المُزاحُ يَخرِقُ الهَيبةَ، ويَذهَبُ بماءِ الوَجهِ، ويُعقِبُ الحِقْدَ، ويَذهَبُ بحلاوةِ الإيمانِ، والوُدِّ) . فمَن كَثُر مُزاحُه تنازَعَه الحِقْدُ والهوانُ، فلم يَسلَمْ من استخفافٍ به، أو حِقدٍ عليه .
    ويُروى عن سعيدِ بنِ العاصِ أنَّه قال لابنِه: (يا بُنَيَّ، لا تمازِحِ الشَّريفَ فيَحقِدَ عليك، ولا تمازِحِ الدَّنيءَ فيَجتَرِئَ عليك) .

    3- الخُصومةُ:
    قال النَّوويُّ: (والخُصومةُ تُوغِرُ الصُّدورَ، وتُهيِّجُ الغضَبَ، وإذا هاج الغَضَبُ حَصَل الحِقْدُ بَيْنَهما، حتَّى يفرَحَ كُلُّ واحدٍ بمَساءةِ الآخَرِ، ويَحزَنَ بمَسَرَّتِه، ويُطلِقَ اللِّسانَ في عِرْضِه) .

    4- الكَراهيةُ الشَّديدةُ.

    5- الرَّغبةُ في الانتِقامِ، وإنزالِ السُّوءِ بمن يَكرَهُه الحاقِدُ .

    6- إذا فات الشَّخصَ ما يتمَنَّاه لنَفسِه وحَصَل لغَيرِه:
    ف (المُسلِمُ يجِبُ أن يكونَ أوسَعَ فِكرةً، وأكرَمَ عاطِفةً، فينظُرَ إلى الأمورِ من خلالِ الصَّالحِ العامِّ، لا من خِلالِ شَهَواتِه الخاصَّةِ.
    وجمهورُ الحاقِدين تَغلي مَراجِلُ الحِقْدِ في أنفُسِهم؛ لأنَّهم ينظُرون إلى الدُّنيا فيَجِدون ما يتمَنَّونه لأنفُسِهم قد فاتهم، وامتلأَت به أكُفٌّ أُخرى، وهذه هي الطَّامَّةُ التي لا تَدَعُ لهم قرارًا!
    وقديمًا رأى إبليسُ أنَّ الحُظْوةَ التي يتشَهَّاها قد ذهبَت إلى آدَمَ، فآل ألَّا يترُكَ أحَدًا يستَمتِعُ بها بعدَ ما حرِمَها! قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف: 16-17] .
    هذا الغَلَيانُ الشَّيطانيُّ هو الذي يضطَرِمُ في نُفوسِ الحاقِدين، ويُفسِدُ قُلوبَهم. وقد أهاب الإسلامُ بالنَّاسِ أن يبتَعِدوا عن هذا المُنكَرِ، وأن يَسلُكوا في الحياةِ نَهجًا أرقى وأهدَأَ)


  15. #55
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,356

    افتراضي رد: المذموم من الأخلاق والسلوك

    وسائِلُ علاجِ الحِقْدِ

    1- الدُّعاءُ:
    المُسلِمُ يدعو اللهَ أن يجعَلَ قَلبَه طاهِرًا نَقيًّا من الحِقْدِ والغِلِّ؛ قال تعالى: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَ ا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر: 10] .
    وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يدعو ويقولُ: ((بِّ أَعِنِّي ولا تُعِنْ عليَّ، وانصُرْني ولا تَنصُرْ عليَّ، وامكُرْ لي ولا تَمكُرْ علَيَّ، واهْدِني ويَسِّرِ الهُدى لي، وانصُرْني على مَن بَغى علَيَّ، رَبِّ اجعَلْني لك شَكَّارًا، لك ذَكَّارًا، لك رَهَّابًا، لك مِطْواعًا، إليك راغِبًا، إليك مُخْبِتًا، لك أوَّاهًا مُنيبًا، رَبِّ تَقَبَّلْ تَوبتي، واغسِلْ حَوْبَتي ، وأجِبْ دَعْوتي، وثَبِّتْ حُجَّتي، واهْدِ قَلْبي، وسَدِّدْ لِساني، واسْلُلْ سَخيمةَ قَلْبي)) . والسَّخيمةُ هي الحِقْدُ في النَّفسِ .

    2- سلامةُ الصَّدرِ:
    وسلامةُ الصَّدرِ تكونُ بعَدَمِ الحِقْدِ والغِلِّ والبَغضاءِ.

    3- تقويةُ رابِطِ الأخُوَّةِ الإيمانيَّةِ:
    إنَّ الأُخُوَّةَ الإيمانيَّةَ والغِلَّ لا يجتَمِعانِ في قَلبٍ واحِدٍ، إنَّ عاطفةَ المُؤمِنِ نحوَ إخوانِه المُؤمِنين تتدَفَّقُ بالمحبَّةِ، فكيف يجِدُ الغِلَّ إلى هذه العاطِفةِ الكريمةِ سَبيلًا؟! إنَّهما أمرانِ لا يجتَمِعانِ .
    قال تعالى: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر: 8-9] .
    قال السَّعديُّ: (وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا، أي: لا يَحسُدون المُهاجِرين على ما آتاهم اللهُ مِن فَضلِه، وخَصَّهم به مِن الفَضائِلِ والمناقِبِ التي هم أهلُها، وهذا يدُلُّ على سلامةِ صُدورِهم، وانتِفاءِ الغِلِّ والحِقْدِ والحَسَدِ عنها) .

    4- التَّواضُعُ:
    لا شَكَّ أنَّ تواضُعَ المُسلِم لأخيه المُسلِمِ يدفَعُ الغِلَّ والحِقدَ؛ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسَلَّم: ((إنَّ اللهَ أوحى إلَيَّ أن تواضَعوا، حتَّى لا يَفخَرَ أحَدٌ على أحَدٍ، ولا يبغيَ أحدٌ على أحَدٍ)) .
    وقال أبو حاتمٍ: (التَّواضُعُ يَكسِبُ السَّلامةَ، ويُورِثُ الأُلفةَ، ويَرفَعُ الحِقْدَ، ويُذهِبُ الصَّدَّ) .

    5- مَلءُ القَلبِ بالمحبَّةِ وإرادةِ الخَيرِ للآخَرينَ.

    6- اعتذارُ المرءِ لأخيه:
    قال أبو حاتمِ بنُ حِبَّانَ: (الاعتِذارُ يُذهِبُ الهُمومَ، ويُجْلي الأحزانَ، ويدفَعُ الحِقْدَ، ويُذهِبُ الصَّدَّ... فلو لم يكُنْ في اعتذارِ المرءِ إلى أخيه خَصلةٌ تحمَدُ إلَّا نفيُ العُجْبِ عن النَّفسِ في الحالِ، لكان الواجِبُ على العاقِلِ ألَّا يفارِقَه الاعتذارُ عِندَ كُلِّ زلَّةٍ) .
    وقال المأمونُ لإبراهيمَ بنِ المهْديِّ بعدَ اعتذارِه: (قد مات حِقْدي بحياةِ عُذرِك، وقد عفَوتُ عنك، وأعظَمُ مِن عَفوي ويدي عِندَك أنِّي لم أُجَرِّعْك مرارةَ امتِنانِ الشَّافِعينَ) .

    7- تقديمُ الهَدِيَّةِ:
    (وذلك لأنَّ الهَدِيَّةَ خُلُقٌ من أخلاقِ الإسلامِ دَلَّت عليه الأنبياءُ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ، وحثَّ عليه خُلَفاؤهم الأولياءُ، تُؤَلِّفُ القُلوبَ، وتنفي سَخائِمَ الصُّدورِ) .
    وقد قيل: الهَدِيَّةُ تُذهِبُ السَّخيمةَ. والسَّخيمةُ: الحِقْدُ .
    وقال الجاحِظُ: (أنظَرُ النَّاسِ في العاقِبةِ مَن لَطَف حتى كَفَّ حَربَ عَدُوِّه بالصَّفحِ والتَّجاوُزِ، واستَلَّ حِقدَه بالرِّفقِ والتَّحبُّبِ) .

    8- تَركُ الغَضَبِ الذي هو سَبَبٌ للأحقادِ:
    الغَضَبُ يُعدُّ من الأسبابِ التي تؤدِّي إلى الحِقْدِ.
    وقد قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للرَّجُلِ الذي سأله أن يوصيَه: ((لا تَغضَبْ، فردَّد مِرارًا، قال: لا تَغضَبْ)) .

    9- الإخلاصُ والمناصَحةُ ولُزومُ الجماعةِ:
    فعن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((ثلاثٌ لا يَغِلُّ عليهِنَّ قَلبُ مُسلِمٍ: إخلاصُ العَمَلِ للهِ، ومُناصَحةُ أئمَّةِ المُسلِمين، ولُزومُ جماعتِهم؛ فإنَّ الدَّعوةَ تحيطُ مِن ورائِهم)) .
    قال ابنُ تَيميَّةَ: (ويَغِلُّ -بالفَتحِ- هو المشهورُ، يُقالُ: غَلّ صَدْرُه يَغِلُّ: إذا كان ذا غِشٍّ وضِغْنٍ وحِقدٍ) .
    وقال ابنُ القَيِّمِ: (أي: لا يحمِلُ الغِلَّ، ولا يبقى فيه مع هذه الثَّلاثةِ؛ فإنَّها تنفي الغِلَّ والغِشَّ، وهو فَسادُ القَلبِ وسَخايمُه، فالمُخلِصُ للهِ إخلاصُه يمنَعُ غِلَّ قلبِه ويخرِجُه ويزيلُه جُملةً؛ لأنَّه قد انصرَفَت دواعي قلبِه وإرادتُه إلى مرضاةِ رَبِّه، فلم يَبْقَ فيه موضِعٌ للغِلِّ والغِشِّ) .

    10- الاقتِداءُ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والسَّلَفِ الصَّالحِ في سلامةِ الصَّدرِ من الحِقْدِ.
    فالنَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم القُدوةُ في الأخلاقِ الحَسَنةِ، ومنها سلامةُ الصَّدرِ مِن الحِقْدِ والضَّغائِنِ، وقد ذَكَر ابنُ القَيِّمِ سَلامةَ الصَّدرِ، من منازِلِ إيَّاك نعبُدُ وإيَّاك نستعينُ، فقال: (ومَن أراد فَهْمَ هذه الدَّرَجةِ كما ينبغي، فلْيَنظُرْ إلى سِيرةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مع النَّاسِ يجِدْها بعَينِها) .
    وهكذا كان أصحابُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قلوبُهم سليمةٌ من الأحقادِ والضَّغائِنِ، ومن تلك النَّماذجِ ما رواه أبو الدَّرداءِ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((كُنتُ جالِسًا عِندَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذ أقبَلَ أبو بَكرٍ آخِذًا بطَرَفِ ثَوبِه حَتَّى أبدى عن رُكبَتِه! فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أمَّا صاحِبُكم فقد غامَرَ ! فسلَّم وقال: إنِّي كانَ بَيني وبَينَ ابنِ الخَطَّابِ شَيءٌ فأسرَعْتُ إليه ثُمَّ نَدِمتُ، فسألْتُه أن يَغفِرَ لي فأبى عَليَّ، فأقبَلْتُ إليك. فقال: يَغفِرُ اللهُ لكَ يا أبا بَكرٍ «ثَلاثًا»، ثُمَّ إنَّ عُمرَ نَدِمَ فأتى مَنزِلَ أبي بَكْرٍ فسألَ: أثَمَّ أبو بَكْرٍ؟ فقالوا: لا، فأتى إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فسَلَّمَ عليه، فجَعلَ وَجهُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَتَمَعَّرُ حَتَّى أشفَقَ أبو بَكرٍ، فجثَا عَلى رُكبَتَيه، فقال: يا رَسولَ اللهِ، واللَّهِ أنا كُنتُ أَظلَمَ! مَرَّتينِ. فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّ اللهَ بَعَثني إليكم فقَلتُم: كذَبْتَ، وقال أبو بَكرٍ: صَدَقَ، وواساني بنَفسِه ومالِه، فهل أنتُم تارِكو لي صاحِبي؟! مَرَّتينِ. فما أوذِيَ بَعدَها)) .
    وعن عائِذِ بنِ عَمرٍو: ((أنَّ أبا سُفيانَ أتى على سَلمانَ وصُهَيبٍ وبِلالٍ في نَفَرٍ، فقالوا: واللهِ ما أخَذَت سُيوفُ اللهِ مِن عُنُقِ عَدُوِّ اللهِ مَأخَذَها! قال: فقال أبو بكرٍ: أتقولون هذا لشَيخِ قُرَيشٍ وسَيِّدِهم؟ فأتى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأخبَره، فقال: يا أبا بكرٍ، لعلَّك أغضَبْتَهم! لئنْ كُنتَ أغضَبْتَهم لقد أغضَبْتَ رَبَّك! فأتاهم أبو بكرٍ فقال: يا إخوَتاه، أغضَبْتُكم؟ قالوا: لا، يغفِرُ اللهُ لك يا أخي)) .
    وقد تأسَّى العُلَماءُ الرَّبَّانيُّون َ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فتخَلَّقوا بأخلاقِه، فأصبحَت قلوبُهم سليمةً لا تحمِلُ حِقدًا على أحَدٍ، حتَّى على من آذاهم، ومن هؤلاء ابنُ تَيميَّةَ؛ يقولُ ابنُ القَيِّمِ: (وما رأيتُ أحَدًا قَطُّ أجمَعَ لهذه الخِصالِ مِن شَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميَّةَ قدَّس اللهُ رُوحَه، وكان بعضُ أصحابِه الأكابِرِ يقولُ: وَدِدْتُ أنِّي لأصحابي مِثلُه لأعدائِه وخُصومِه! وما رأيتُه يدعو على أحَدٍ منهم قَطُّ، وكان يدعو لهم، وجئتُ يومًا مُبَشِّرًا له بموتِ أكبَرِ أعدائِه، وأشَدِّهم عَداوةً وأذًى له، فنَهَرني وتنكَّرَ لي واسترجَعَ! ثمَّ قام مِن فَورِه إلى بيتِ أهلِه فعَزَّاهم، وقال: إنِّي لكم مكانَه، ولا يكونُ لكم أمرٌ تحتاجون فيه إلى مساعدةٍ إلَّا وساعدتُكم فيه! ونحوَ هذا من الكلامِ، فسُرُّوا به، ودَعَوا له، وعَظَّموا هذه الحالَ منه) .


  16. #56
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,356

    افتراضي رد: المذموم من الأخلاق والسلوك

    ذَمُّ الحِقْدِ والنَّهيُ عنه

    أ- من القُرآنِ الكريمِ
    - قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ [البقرة: 204-205] .
    - وقال سُبحانَه: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ [الأعراف: 43] .
    - وقال عزَّ وجَلَّ: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا [الحجر: 47-48] .
    قال الطَّبَريُّ: (وأذهَبْنا من صُدورِ هؤلاء الذين وَصَف صِفتَهم، وأخبَرَ أنَّهم أصحابُ الجنَّةِ، ما فيها من حِقدٍ وغِمرٍ وعَداوةٍ، كان من بعضِهم في الدُّنيا على بعضٍ، فجَعَلهم في الجنَّةِ إذا أَدخَلهموها على سُرُرٍ مُتقابِلين، لا يَحسُدُ بعضُهم بعضًا على شيءٍ خَصَّ اللَّهُ به بعضَهم، وفَضَّله به مِن كرامتِه عليه، تجري من تحتِهم أنهارُ الجنَّةِ) .
    وقال القُرطبيُّ: (ذَكَر اللهُ عزَّ وجَلَّ فيما يُنعِمُ به على أهلِ الجنَّةِ نَزْعَ الغِلِّ مِن صُدورِهم. والنَّزعُ: الاستِخراجُ، والغِلُّ: الحِقْدُ الكامِنُ في الصَّدرِ. والجَمعُ غِلالٌ) .
    وقال السَّعديُّ: (وهذا مِن كَرَمِه وإحسانِه على أهلِ الجنَّةِ؛ أنَّ الغِلَّ الذي كان موجودًا في قلوبِهم، والتَّنافُسَ الذي بَيْنَهم، أنَّ اللهَ يَقلَعُه ويُزيلُه حتَّى يكونوا إخوانًا مُتحابِّين، وأخِلَّاءَ مُتَصافين... ويخلُقُ اللهُ لهم من الكرامةِ ما به يحصلُ لكُلِّ واحدٍ منهم الغِبطةُ والسُّرورُ، ويرى أنَّه لا فَوقَ ما هو فيه من النَّعيمِ نعيمٌ. فبهذا يأمَنونَ من التَّحاسُدِ والتَّباغُضِ؛ لأنَّه قد فُقِدَت أسبابُه) .
    (ولمَّا كانت الجنَّةُ دارَ سعادةٍ ونعيمٍ عامٍّ وشاملٍ، كان لا بُدَّ لأصحابِها من أن يكونوا مُبَرَّئين من كُلِّ حِقدٍ وغِلٍّ، ومن كُلِّ عِلَّةٍ خُلُقيَّةٍ تُسَبِّبُ لهم آلامًا وأكدارًا، وقد وصَف اللهُ أهلَ دارِ النَّعيمِ يومَ القيامةِ بأنَّهم مُبَرَّؤون من كُلِّ غِلٍّ، وما كان من غِلٍّ في صُدورِهم في الدُّنيا فإنَّ اللهَ يَنزِعُه منها متى دخَلوا الجنَّةَ) .




    ب- من السُّنَّةِ النَّبَويَّةِ
    - عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((قيل: يا رسولَ اللهِ، أيُّ النَّاسِ أفضَلُ؟ قال: كُلُّ مخمومِ القَلبِ صَدوقِ اللِّسانِ، قيل: صَدوقُ اللِّسانِ نَعرِفُه، فما مخمومُ القَلبِ؟ قال: هو التَّقِيُّ النَّقيُّ، لا إثمَ فيه ولا بَغيَ، ولا غِلَّ ولا حَسَدَ)) .
    - عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إيَّاكم والظَّنَّ؛ فإنَّ الظَّنَّ أكذَبُ الحديثِ، ولا تَحَسَّسوا ولا تَجَسَّسوا، ولا تَنافَسوا ولا تَحاسَدوا، ولا تَباغَضوا ولا تَدابَروا، وكونوا عبادَ اللهِ إخوانًا)) .
    فالحديثُ فيه نهيٌ عن الظَّنِّ؛ لأنَّه مبنيٌّ على غيرِ الواقِعِ، فهو كَذِبٌ يستهينُ به صاحِبُه، فيكونُ أكثَرَ وُقوعًا، وأكثَرَ شَرًّا، ثمَّ إنَّ الشَّيطانَ ينتَقِلُ بالظَّنِّ إلى محاولةِ التَّأكُّدِ من المظنونِ، فيدفَعُ إلى التَّجَسُّسِ والتَّحسُّسِ؛ فنهى الحديثُ عن التَّجسُّسِ والتَّحسُّسِ، ثمَّ ينتَقِلُ الشَّيطانُ بالمتحَسِّسِ والمتجَسِّسِ إلى البغضاءِ والمقْتِ والكراهيةِ؛ فنهى الحديثُ عن البغضاءِ والحِقْدِ والحسَدِ، فإن انتَقَل الشَّيطانُ بالمتباغِضينَ إلى التَّقاطُعِ والتَّدابُرِ والهَجرِ، قيل لهم: ((لا تَدابَروا، ولا يحِلُّ لمُسلِمٍ أن يهجُرَ أخاه فوقَ ثلاثةِ أيَّامٍ)) ، هكذا يدخُلُ الشَّيطانُ ليُفسِدَ دينَ المُسلِمِ، وهكذا يجِبُ محاربتُه ليبقى المُسلِمُ مُسلِمًا كاملًا، ولتبقى الأُخُوَّةُ بينَه وبَينَ بني جنسِه؛ ليكونَ الجميعُ عِبادَ اللهِ إخوانًا .



    ج- من أقوالِ السَّلَفِ والعُلَماءِ وغَيرِهم
    - قال: عثمانُ رَضِيَ اللهُ عنه: (ما أسَرَّ أحدٌ سريرةً إلَّا أظهَرَها اللهُ عزَّ وجَلَّ على صَفَحاتِ وَجهِه وفَلَتاتِ لِسانِه) .
    - وعن زيدِ بنِ أسلَمَ أنَّه دخَل على ابنِ أبي دُجانةَ وهو مريضٌ، وكان وَجهُه يتهَلَّلُ، فقال له: ما لك يتهَلَّلُ وَجهُك؟! قال: ما مِن عَمَلِ شَيءٍ أوثَقُ عندي من اثنينِ: أمَّا أحدُهما فكنتُ لا أتكَلَّمُ بما لا يعنيني، وأمَّا الأخرى فكان قلبي للمُسلِمين سليمًا) .
    - وقال ابن حجر الهيتمي: (الحَسَدُ من نتائجِ الحِقْدِ، والحِقْدُ من نتائجِ الغَضَبِ) .
    - وقال أبو حاتمِ بنُ حِبَّانَ: (الحِقْدُ أصلُ الشَّرِّ، ومَن أضمَرَ الشَّرَّ في قَلبِه أنبَت له نباتًا مُرًّا مذاقُه، نماؤُه الغَيظُ، وثَمَرتُه النَّدَمُ) .
    - قال ابنُ المقَفَّعِ: (لِيَكُنِ المرءُ سَؤولًا، ولْيَكُنْ فَصولًا بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ... ولْيَكنْ متواضِعًا ليُفرَحَ له بالخَيرِ ولا يُحسَدَ عليه... ولا يكونَنَّ حَقودًا؛ لئلَّا يَضُرَّ بنَفسِه إضرارًا باقيًا) .
    - قال أبو الخَيرِ التِّيناتيُّ: (القُلوبُ ظُروفٌ؛ فقَلبٌ مملوءٌ إيمانًا، وعلامتُه الشَّفَقةُ على جميعِ المُسلِمين، والاهتمامُ بما يُهمُّهم، ومعاونتُهم على مصالِحِهم، وقلبٌ مملوءٌ نِفاقًا، وعلامتُه الحِقْدُ والغِلُّ، والغِشُّ والحَسَدُ) .
    - قال فَتحُ بنُ شُخرُفٍ: حَدَّثَني عبدُ اللهِ بنُ خُبَيقٍ الأنطاكيُّ أبو محمَّدٍ، قال لي: (يا خُراسانيُّ، إنَّما هي أربعٌ لا غيرُ: عَينُك ولسانُك وقلبُك وهَواك؛ فانظُرْ عَينَك لا تنظُرْ بها إلى ما لا يَحِلُّ، وانظُرْ لِسانَك لا تقُلْ به شيئًا يَعلَمُ اللهُ خِلافَه من قلبِك، وانظُرْ قَلبَك لا يكونُ منه غِلٌّ ولا حِقدٌ على أحَدٍ من المُسلِمين، وانظُرْ هَواك لا يهوى شيئًا من الشَّرِّ، فإذا لم تكُنْ فيك هذه الأربَعُ خصِالٍ، فاجعَلِ الرَّمادَ على رأسِك؛ فقد شَقِيتَ!) .
    - وقال أحمد شوقي: (ارحَمْ نَفسَك من الحِقْدِ؛ فإنَّه عَطَبٌ، نارٌ وأنت الحَطَبُ!) .
    - وقال أيضًا: (كُلُّ نارٍ طاهِرةٌ مُطَهِّرةٌ إلَّا نارُ الحِقْدِ!)


  17. #57
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,356

    افتراضي رد: المذموم من الأخلاق والسلوك

    مَسائِلُ مُتفَرِّقةٌ

    - سلامةُ القَلبِ من الأحقادِ:
    القلبُ السَّليمُ سبَبٌ من أسبابِ النَّجاةِ يومَ القيامةِ؛ قال اللهُ تعالى حكايةً عن إبراهيمَ: وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: 87-89] ، والقَلبُ السَّليمُ هو الذي سَلِم من الشِّركِ والنِّفاقِ، ومن الغِلِّ والحِقْدِ والحَسَدِ.
    ووصَف اللهُ عزَّ وجَلَّ أهلَ الجنَّةِ بسَلامةِ القَلبِ، فقال: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الحجر 47]، و(ليس أروَحُ للمَرءِ ولا أطرَدُ لهُمومِه ولا أقَرُّ لعَينِه من أن يعيشَ سَليمَ القَلبِ، مُبَرَّأً من وساوِسِ الضَّغينةِ، وثَوَرانِ الأحقادِ، إذا رأى نعمةً تنساقُ لأحَدٍ رَضِيَ بها، وأحسَّ فَضلَ اللهِ فيها، وفَقْرَ عبادِه إليها، وإذا رأى أذًى يَلحَقُ أحَدًا من خَلقِ اللهِ رثى له، ورجا اللهَ أن يُفَرِّجَ كَرْبَه، ويَغفِرَ ذَنبَه... وبذلك يحيا المُسلِمُ ناصِعَ الصَّفحةِ، راضيًا عن اللهِ وعن الحياةِ، مستريحَ النَّفسِ مِن نَزَعاتِ الحِقْدِ الأعمى؛ فإنَّ فسادَ القَلبِ بالضَّغائِنِ داءٌ عَياءٌ، وما أسرَعَ أن يتسَرَّبَ الإيمانُ من القَلبِ المغشوشِ، كما يتسَرَّبُ السَّائِلُ من الإناءِ المثْلومِ!... والإسلامُ يحارِبُ الأحقادَ ويَقتُلُ جُرثومتَها في المَهْدِ، ويرتقي بالمجتَمَعِ المُؤمِنِ إلى مستوًى رفيعٍ من الصَّدَاقاتِ المتبادَلةِ، أو المعامَلاتِ العادِلةِ، وقد عَدَّ الإسلامُ مِن دلائِلِ الصَّغارِ وخِسَّةِ الطَّبيعةِ أن يرسُبَ الغِلُّ في أعماقِ النَّفسِ، فلا يخرُجَ منه، بل يظَلُّ يموجُ في جوانِبِها كما يموجُ البُركانُ المكتومُ، وكثيرٌ من أولئك الذين يحتَبِسُ الغِلُّ في أفئدتِهم، يتلَمَّسون متنَفَّسًا له في وُجوهِ من يقَعُ معهم، فلا يستريحون إلَّا إذا أرغَوا وأزبَدوا، وآذَوا وأفسَدوا) .


    أحوالُ المحقودِ:
    قال الغَزاليُّ: (للمَحقودِ ثلاثةُ أحوالٍ عِندَ القُدرةِ:
    أحَدُها: أن يستوفيَ حَقَّه الذي يستحِقُّه من غيرِ زيادةٍ أو نقصانٍ، وهو العَدلُ.
    الثَّاني: أن يُحسِنَ إليه بالعَفوِ والصِّلةِ، وذلك هو الفَضلُ.
    الثَّالِثُ: أن يَظلِمَه بما لا يستَحِقُّه، وذلك هو الجَورُ، وهو اختيارُ الأراذِلِ، والثَّاني هو اختيارُ الصِّدِّيقينَ، والأوَّلُ هو مُنتهى دَرَجاتِ الصَّالِحين) .

    - الألفاظُ المترادِفةُ للحِقْدِ:
    هناك ألفاظٌ عديدةٌ وردت بمعنى الحِقْدِ بمعناه الاصطِلاحيِّ، فيُقالُ مَثَلًا: (في صَدْرِه: حِقدٌ، وضِغْنٌ، وضَغينةٌ، وإحْنةٌ، ودِمْنةٌ، وغِلٌّ، وغِمْرٌ، ووَغْرٌ، ووَغْمٌ، وحَزازةٌ، وطائِلةٌ، وغائِلةٌ، وحَسيفةٌ، وحَسيكةٌ، وسَخيمةٌ) .


    - حِقدُ السُّلطانِ عَجْزٌ:
    قال ابنُ المقَفَّعِ: (ليس للمَلِكِ أن يَغضَبَ؛ لأنَّ القُدرةَ مِن وراءِ حاجتِه، وليس له أن يَكذِبَ؛ لأنَّه لا يَقدِرُ أحَدٌ على استكراهِه على غيرِ ما يريدُ، وليس له أن يَبخَلَ؛ لأنَّه أقَلُّ النَّاسِ عُذرًا في تخوُّفِ الفَقرِ، وليس له أن يكونَ حَقودًا؛ لأنَّ خَطَرَه قد عَظُم عن مجاراةِ كُلِّ النَّاسِ) .
    ونازع عبدُ المَلِكِ بنُ مَروانَ عبدَ الرَّحمنِ بنَ خالِدِ بنِ الوليدِ، فأربى عليه! فقيل له: اشْكُه إلى عَمِّك معاويةَ؛ لينتَقِمَ لك منه، فقال: مِثلي لا يشكو، ولا يُعَدُّ انتقامُ غيري لي انتقامًا. فلمَّا استُخلِفَ قيل له في ذلك، فقال: (حِقدُ السُّلطانِ عَجْزٌ) .

    - نارُ الحِقْدِ:
    - وقيل: (لكُلِّ حريقٍ مُطفِئٌ: فللنَّارِ الماءُ، وللسُّمِّ الدَّواءُ، وللحُزنِ الصَّبرُ، ونارُ الحِقْدِ لا تخبو أبدًا) .

  18. #58
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,356

    افتراضي رد: المذموم من الأخلاق والسلوك

    ذمُّ الحِقْدِ في واحةِ الأدَبِ


    أ- مِنَ الشِّعْرِ

    1- قال ابنُ الرُّوميِّ:
    الحِقْدُ داءٌ دَفينٌ
    لا دواءَ له
    يُبْرِي الصُّدورَ إذا ما جَمْرُه حُرِثَا
    فاستَشْفِ منه بصَفحٍ أو مُعاتَبةٍ
    فإنَّما يُبرئُ المصدورَ ما نَفَثَا
    واجعَلْ طِلابَك بالأوتارِ ما عَظُمَت
    ولا تكُنْ لصَغيرِ الأمرِ مُكتَرِثَا
    2- وقال محمَّدُ بنُ يعيشَ الأزديُّ:
    فإنَّ الذي بَيني وبَينَ عَشيرتي
    وبَينَ بَني عَمِّي لمختَلِفٌ جِدَّا
    إذا قَدَحوا لي نارَ حَربٍ بزَنْدِهم
    قدَحْتُ لهم في كُلِّ مَكرُمةٍ زَنْدَا
    وإنْ أكَلوا لحمي وفَرْتُ لُحومَهم
    وإنْ هَدَموا مجدي بنَيتُ لهم مَجدَا
    ولا أحِملُ الحِقْدَ القديمَ عليهمُ
    وليس رئيسُ القومِ من يحمِلُ الحِقْدَا
    وأعطِيهم مالي إذا كُنتُ واجِدًا
    وإن قَلَّ مالي لم أكَلِّفْهم رِفْدَا
    3- وقال هِلالُ بنُ العَلاءِ: (جعَلْتُ على نفسي ألَّا أكافئَ أحَدًا بشَرٍّ ولا عُقوقٍ؛ اقتداءً بهذه الأبياتِ:
    لمَّا عفَوتُ ولم أحقِدْ على أحَدٍ
    أرحتُ نفسي مِن غَمِّ العَداواتِ
    إنِّي أُحَيِّي عَدوِّي حينَ رؤيتِهِ
    لأدفَعَ الشَّرَّ عني بالتَّحيَّاتِ
    وأُظهِرُ البِشْرَ للإنسانِ أُبغِضُه
    كأنَّه قد حَشى قَلبي مسَرَّاتِ
    4- وأنشَد أحمدُ بنُ عُبَيدٍ عن المَدائِنيِّ:
    ومَن لم يُغمِضْ عينَه عن صديقِهِ
    وعن بعضِ ما فيه يَمُتْ وهْوَ عاتِبُ
    ومَن يتتَبَّعْ جاهِدًا كُلَّ عَثْرةٍ
    يجِدْها ولا يَسلَمْ له الدَّهرَ صاحِبُ)
    5- وقال عَنترةُ:
    لا يحمِلُ الحِقْدَ مَن تعلو به الرُّتَبُ
    ولا يَنالُ العُلا مَن طَبعُهُ الغَضَبُ
    6- وقال ابنُ الرُّوميِّ:
    (وما الحِقْدُ إلَّا توأَمُ الشُّكرِ في الفَتى
    وبعضُ السَّجايا ينتَسِبْنَ إلى بَعضِ
    فحَيثُ تَرى حِقدًا على ذي إساءةٍ
    فثَمَّ ترى شُكرًا على حُسنِ القَرْضِ
    إذا الأرضُ أدَّتْ رَيْعَ ما أنت زارِعٌ
    مِن البَذْرِ فيها فهْيَ ناهيكَ مِنْ أرْضِ)



    ب- مِن الحِكَمِ والأمثالِ

    - أحقَدُ مِن جَمَلٍ.
    العَرَبُ تَصِفُ البَعيرَ بالحِقْدِ، وغِلظةِ الكَبِدِ
    .
    - ظاهِرُ العِتابِ خيرٌ من باطِنِ الحِقْدِ .
    - ويُقالُ: ثلاثةٌ لا يَهنَأُ لصاحِبِها عَيشٌ: الحِقْدُ، والحَسَدُ، وسُوءُ الخُلُقِ .
    - و(كان يقالُ: الحِقْدُ داءٌ دَويٌّ.
    ويُقالُ: مَن كَثُر حِقدُه، دَوِيَ قَلبُه.
    ويُقالُ: الحِقْدُ مِفتاحُ كُلِّ شَرٍّ.
    ويُقالُ: حُلَّ عُقَدَ الحِقْدِ، ينتَظِمْ لك عِقْدُ الوُدِّ.
    ويُقالُ: الحَقودُ والحَسودُ لا يَسودانِ) .
    - يُقالُ: ازدَدْتَ رَغْمًا، ولم تُدرِكْ وَغْمًا
    الرَّغْمُ: الغَيظُ، والوَغْمُ: الحِقْدُ والثَّأرُ. يُضرَبُ في الخَيبةِ عن الأمَلِ، فيتوَلَّدُ الحِقْدُ .




  19. #59
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,356

    افتراضي رد: المذموم من الأخلاق والسلوك



    المذموم من الأخلاق والسلوك
    (الحسد)


    معنى الحَسَدِ لُغةً:
    الحَسَدُ مصدَرُ حَسَده يَحسُدُه ويَحسِدُه، حَسَدًا وحُسُودًا وحَسادةً، وحَسَده: تمنَّى أن تتَحوَّلَ إليه نعمتُه وفضيلتُه، أو يُسلَبَهما، وحَسَده الشَّيءَ وعليه
    معنى الحَسَدِ اصطلاحًا:
    وقال الجُرجانيُّ: (الحَسَدُ تمنِّي زوالِ نِعمةِ المحسودِ إلى الحاسِدِ) .
    وقال السُّيوطيُّ: (الحَسَدُ: تمنِّي خَيرٍ يَصِلُ إلى غيرِه مع زوالِه عنه) .
    وقال ابنُ القَيِّمِ: (أصلُ الحَسَدِ هو بُغضُ نعمةِ اللَّهِ على المحسودِ وتمنِّي زوالِها) .
    وقال ابنُ حَجَرٍ: (الحَسَدُ تمنِّي الشَّخصِ زوالَ النِّعمةِ عن مستحِقٍّ لها) .
    وقال الكَفَويُّ: (الحَسَدُ: اختلافُ القلبِ على النَّاسِ؛ لكثرةِ الأموالِ والأملاكِ) .
    وعرَّفه الطَّاهِرُ بنُ عاشورٍ فقال: (الحَسَدُ: إحساسٌ نَفسانيٌّ مركَّبٌ من استحسانِ نعمةٍ في الغيرِ، مع تمنِّي زوالِها عنه؛ لأجْلِ غَيرةٍ على اختصاصِ الغيرِ بتلك الحالةِ، أو على مشاركتِه الحاسِدَ) .



    الفَرْقُ بَيْنَ الحَسَدِ وبَعضِ الصِّفاتِالفَرْقُ بَيْنَ الحَسَدِ والغِبطةِ:
    قال ابنُ منظورٍ: (الغَبْطُ: أن يرى المغبوطَ في حالٍ حَسَنةٍ، فيتمَنَّى لنفسِه مِثلَ تلك الحالِ الحَسَنةِ، من غيرِ أن يتمَنَّى زوالَها عنه، وإذا سأل اللَّهَ مِثْلَها فقد انتهى إلى ما أمَرَه به ورَضِيَه له، وأمَّا الحَسَدُ فهو أن يشتهيَ أن يكونَ له ما للمحسودِ، وأن يزولَ عنه ما هو فيه) .
    وقال الرَّازيُّ: (إذا أنعَم اللَّهُ على أخيك بنِعمةٍ؛ فإن أردتَ زوالَها فهذا هو الحَسَدُ، وإن اشتَهَيتَ لنفسِك مثلَها، فهذا هو الغِبطةُ) .
    وقد تُسَمَّى الغِبطةُ حَسَدًا، كما جاء في حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((لا حَسَدَ إلَّا في اثنتَينِ: رجلٌ آتاه اللَّهُ مالًا فسُلِّط على هَلَكتِه في الحَقِّ، ورجُلٌ آتاه اللَّهُ الحِكمةَ فهو يقضي بها ويُعَلِّمُها)) . وقد فسَّر النَّوويُّ الحَسَدَ في الحديثِ فقال: (هو أن يتمَنَّى مِثلَ النِّعمةِ التي على غيرِه من غيرِ زوالِها عن صاحِبِها) .

    الفَرْقُ بَيْنَ الحَسَدِ والمُنافَسةِ والمُسابقةِ:
    قال ابنُ القَيِّمِ: (للحَسَدِ حَدٌّ، وهو المنافسةُ في طَلَبِ الكَمالِ، والأَنَفةُ أن يتقَدَّمَ عليه نظيرُه، فمتى تعدَّى ذلك صار بغيًا وظُلمًا يتمَنَّى معه زوالَ النِّعمةِ عن المحسودِ، ويحرِصُ على إيذائِه) .
    وقال الغَزاليُّ: (والمنافَسةُ في اللُّغةِ مُشتَقَّةٌ من النَّفاسةِ، والذي يدُلُّ على إباحةِ المنافسةِ قَولُه تعالى: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُو نَ [المطففين: 26] ، وقال تعالى: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [الحديد: 21] ، وإنَّما المسابقةُ عِندَ خوفِ الفَوتِ، وهو كالعبَدينِ يتسابقانِ إلى خِدمةِ مولاهما؛ إذ يجزَعُ كُلُّ واحدٍ أن يسبِقَه صاحِبُه فيحظى عِندَ مولاه بمنزلةٍ لا يحظى هو بها) .
    وبيَّن الغَزاليُّ سَبَبَ المنافسةِ فأرجعَها إلى: (إرادةِ مساواتِه واللُّحوقِ به في النِّعمةِ، وليس فيها كراهةُ النِّعمةِ، وكان تحتَ هذه النِّعمةِ أمرانِ: أحَدُهما: راحةُ المنعَمِ عليه، والآخَرُ: ظُهورُ نقصانِه عن غيرِه وتخلُّفِه عنه، وهو يَكرَهُ أحدَ الوجهَينِ، وهو تخلُّفُ نفسِه، ويحِبُّ مُساواتَه له. ولا حَرَجَ على من يَكرَهُ تخلُّفَ نفسِه ونُقصانَها في المباحاتِ) .
    وقد تنافَس الصَّحابةُ في الخيرِ، وبذلوا أسبابَ الكمالِ؛ فهذا عُمَرُ بنُ الخطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عنه يقولُ: ((أمَرَنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يومًا أن نتصَدَّقَ، فوافَق ذلك مالًا عِندي، فقُلتُ: اليومَ أسبِقُ أبا بكرٍ إن سبَقْتُه يومًا! فجِئتُ بنِصفِ مالي، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ما أبقَيْتَ لأهلِك؟ قُلتُ: مِثْلَه، قال: وأتى أبو بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه بكُلِّ ما عِندَه، فقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ما أبقَيْتَ لأهلِك؟ قال: أبقَيتُ لهم اللهَ ورَسولَه! قُلتُ: لا أسابِقُك إلى شيءٍ أبدًا)) .

    ولكِنَّ المنافسةَ في أمورِ الدُّنيا تجُرُّ غالِبًا إلى الوقوعِ في الحَسَدِ والأخلاقِ الذَّميمةِ؛ فعن عبدِ اللَّهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ رَضِيَ اللَّهُ عنهما، عن رسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: ((إذا فُتِحَت عليكم فارِسُ والرُّومُ، أيُّ قومٍ أنتم؟ قال عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ: نقولُ كما أمَرَنا اللَّهُ. قال رسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أو غيرَ ذلك، تتنافَسون، ثمَّ تتحاسَدون، ثمَّ تتدابَرون، ثمَّ تتباغَضون)) . وقال الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((فواللهِ ما الفَقْرَ أخشى عليكم، ولكِنِّي أخشى أن تُبسَطَ عليكم الدُّنيا كما بُسِطَت على مَن كان قبلَكم، فتَنافَسوها كما تَنافَسوها، وتُهلِكَكم كما أهلكَتْهم)) .

    وقد نبَّه على ذلك الرَّازيُّ فقال: (لكِنْ هاهنا دقيقةٌ، وهي أنَّ زوالَ النُّقصانِ عنه بالنِّسبةِ إلى الغيرِ له طريقانِ: أحَدُهما: أن يحصُلَ له مِثلُ ما حَصَل للغيرِ. والثَّاني: أن يزولَ عن الغيرِ ما لم يحصُلْ له. فإذا حَصَل اليأسُ عن أحدِ الطَّريقينِ فيكادُ القلبُ لا ينفَكُّ عن شهوةِ الطَّريقِ الآخَرِ، فهاهنا إن وَجَد قَلْبَه بحيثُ لو قَدَر على إزالةِ تلك الفضيلةِ عن ذلك الشَّخصِ لأزالَها، فهو صاحِبُ الحَسَدِ المذمومِ، وإن كان يجِدُ قَلْبَه بحيثُ تَردَعُه التَّقوى عن إزالةِ تلك النِّعمةِ عن الغيرِ، فالمرجوُّ من اللَّهِ تعالى أن يعفوَ عن ذلك) .

    الفَرْقُ بَيْنَ الحَسَدِ والعَينِ:
    العَينُ نَظَرٌ باستحسانٍ قد يشوبُه شيءٌ من الحَسَدِ، ويكونُ النَّاظِرُ خبيثَ الطَّبعِ .
    وهما (يشتركانِ في الأثَرِ، ويختلفانِ في الوسيلةِ والمُنطَلَقِ.
    فالحاسِدُ: قد يحسُدُ ما لم يَرَه، ويحسُدُ في الأمرِ المتوقَّعِ قَبلَ وقوعِه، ومصدَرُه تحَرُّقُ القَلبِ واستكثارُ النِّعمةِ على المحسودِ، وتمنِّي زوالِها عنه أو عدَمِ حصولِها له، وهو غايةٌ في حِطَّةِ النَّفسِ.
    والعائنُ: لا يَعينُ إلَّا ما يراه والموجودَ بالفِعلِ، ومصدَرُه انقِداحُ نَظرةِ العينِ، وقد يَعينُ ما يَكرَهُ أن يُصابَ بأذًى منه، كوَلَدِه ومالِه) .
    قال ابنُ القَيِّمِ: (العاينُ والحاسِدُ يشتركانِ في شيءٍ، ويفترقانِ في شيءٍ؛ فيشتركانِ في أنَّ كُلَّ واحدٍ منهما تتكيَّفُ نفسُه وتتوجَّهُ نحوَ مَن يريدُ أذاه؛ فالعائِنُ تتكَيَّفُ نفسُه عِندَ مقابلةِ المَعِينِ ومعاينتِه، والحاسِدُ يحصُلُ له ذلك عِندَ غَيبِ المحسودِ وحُضورِه أيضًا، ويفترقانِ في أنَّ العائِنَ قد يصيبُ من لا يحسُدُه من جمادٍ أو حيوانٍ أو زرعٍ أو مالٍ) .
    وقال أيضًا: ((العائِنُ حاسِدٌ خاصٌّ، وهو أضَرُّ من الحاسِدِ... وأنَّه أعَمُّ؛ فكُلُّ عائنٍ حاسِدٌ ولا بُدَّ، وليس كُلُّ حاسِدٍ عائنًا)) .

    الدرر السنية


  20. #60
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,356

    افتراضي رد: المذموم من الأخلاق والسلوك

    ذمُّ الحَسَدِ والنَّهيُ عنه

    أ- من القُرآنِ الكريمِ

    - قال تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ [الفلق 1-4].
    قال الرَّازيُّ: (كما أنَّ الشَّيطانَ هو النِّهايةُ في الأشخاصِ المذمومةِ؛ ولهذا السَّبَبِ خَتَم اللَّهُ مجامِعَ الشُّرورِ الإنسانيَّةِ بالحَسَدِ، وهو قَولُه: وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ كما خَتَم مجامِعَ الخبائِثِ الشَّيطانيَّةِ بالوَسوَسةِ) .
    وقال الحُسينُ بنُ الفضلِ: (إنَّ اللَّهَ جمَع الشُّرورَ في هذه الآيةِ وخَتَمها بالحَسَدِ لِيُعْلَمَ أنَّه أخَسُّ الطَّبائِعِ) .

    - وقال تعالى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ [البقرة: 109].
    قال ابنُ عُثَيمين: (والآيةُ تدُلُّ على تحريمِ الحَسَدِ؛ لأنَّ مشابهةَ الكُفَّارِ بأخلاقِهم محرَّمةٌ ... والحاسِدُ لا يزدادُ بحَسَدِه إلَّا نارًا تتلَظَّى في جوفِه، وكلَّما ازدادت نعمةُ اللَّهِ على عبادِه ازداد حَسرةً؛ فهو مع كونِه كارِهًا لنعمةِ اللَّهِ على هذا الغيرِ مُضادٌّ للهِ في حُكمِه؛ لأنَّه يَكرَهُ أن يُنعِمَ اللَّهُ على هذا المحسودِ، ثمَّ إنَّ الحاسِدَ أو الحسودَ مهما أعطاه اللَّهُ من نعمةٍ لا يرى للهِ فضلًا فيها؛ لأنَّه لا بُدَّ أن يرى في غيرِه نِعمةً أكثَرَ ممَّا أنعَم اللَّهُ به عليه، فيحتَقِرَ النِّعمةَ) .
    وقال الثَّعالبيُّ: (وقيل: إنَّ هذه الآيةَ تابعةٌ في المعنى لما تقدَّمَ من نهيِ اللَّهِ عزَّ وجَلَّ عن متابعةِ أقوالِ اليهودِ في: رَاعِنَا [البقرة: 104] وغيرِه، وأنَّهم لا يودُّون أن يُنَزَّلَ على المُؤمِنين خيرٌ، ويودُّون أن يَردُّوهم كُفَّارًا مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ، وهو نبُوَّةُ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) .
    (وقال: حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ليُبَيِّنَ أنَّ حسَدَهم لم يكُنْ عن شُبهةٍ دينيَّةٍ، أو غَيرةٍ على حقٍّ يعتَقِدونه، وإنَّما هو خُبثُ النُّفوسِ، وفسادُ الأخلاقِ، والجُمودُ على الباطِلِ، وإنْ ظَهَر لصاحِبِه الحَقُّ) .

    - وقال سُبحانَه: أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا * أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا [النساء: 54] .
    (وَصَف اليهودَ بالبُخلِ والحَسَدِ، وهما شَرُّ خَصلتينِ: يمنعون ما أُوتوا من النِّعمةِ، ويتمَنَّون أن تكونَ لهم نِعمةُ غيرِهم) .
    وجملةُ: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ (مفيدةٌ للانتقالِ من توبيخِهم بما سبَق إلى توبيخِهم بالحَسَدِ الذي هو شَرُّ الرَّذائِلِ وأقبَحُها، لا سيَّما على ما هم بمَعزِلٍ من استحقاقِه) .
    قال القُرطبيُّ: (وهذا هو الحَسَدُ بعينِه الذي ذمَّه اللَّهُ تعالى) .

    - وقال عَزَّ مِن قائِلٍ: وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [النساء: 32] .
    (وفيه النَّهيُ عن أن يتمَنَّى الإنسانُ ما فضَّل اللَّهُ به غيرَه من النَّاسِ عليه؛ فإنَّ ذلك نوعٌ من عَدَمِ الرِّضا بالقِسمةِ التي قسَمَها اللَّهُ بَيْنَ عبادِه على مقتضى إرادتِه وحِكمتِه البالغةِ، وفيه أيضًا نوعٌ من الحَسَدِ المنهيِّ عنه إذا صَحِبه إرادةُ زوالِ تلك النِّعمةِ عن الغيرِ) .
    وقال الزَّجَّاجُ: (قيل: لا ينبغي أن يتمَنَّى الرَّجُلُ مالَ غيرِه ومَنزِلَ غيرِه؛ فإنَّ ذلك هو الحَسَدُ) .


    ب- من السُّنَّةِ النَّبَويَّةِ

    - عن أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه، أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((لا تَباغَضوا، ولا تَحاسَدوا، ولا تَدابَروا
    ، وكونوا عبادَ اللَّهِ إخوانًا)) .
    قال ابنُ بطَّالٍ: (وفيه: النَّهيُ عن الحَسَدِ على النِّعَمِ، وقد نهى اللَّهُ عبادَه المُؤمِنين عن أن يتمَنَّوا ما فَضَّل اللَّهُ به بعضَهم على بعضٍ، وأمَرَهم أن يسألوه من فَضلِه) .
    وقال الباجيُّ: (أن تُنافِسَ أخاك في الشَّيءِ حتَّى تحسُدَه عليه، فيَجُرَّ ذلك إلى الطَّعنِ والعداوةِ، فذلك الحَسَدُ) .

    - وعن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عنهما قال: ((قيل: يا رَسولَ اللهِ! أيُّ النَّاسِ أفضَلُ؟ قال: كُلُّ مخمومِ القَلبِ، صَدوقِ اللِّسانِ، قالوا: صَدوقُ اللِّسانِ نَعرِفُه، فما مخمومُ القَلبِ؟ قال: هو التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لا إثمَ فيه ولا بَغْيَ، ولا غِلَّ ولا حَسَدَ)) .

    - وعن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رَضِيَ اللَّهُ عنه: ((أنَّ جِبريلَ أتى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: يا محمَّدُ، اشتكَيتَ؟ فقال: نعم. قال: باسمِ اللَّهِ أرقيك من كُلِّ شيءٍ يؤذيك، من شَرِّ كُلِّ نفسٍ أو عينِ حاسِدٍ اللَّهُ يشفيك، باسمِ اللَّهِ أرقيك)) .
    قولُه: ((أو عينِ حاسِدٍ)) أي: ما يُسَمُّونه النَّاسُ بالعَينِ، وذلك أنَّ الحاسِدَ -والعياذُ باللَّهِ- الذي يكرَهُ أن يُنعِمَ على عبادِه بنِعَمِه، نفسُه خبيثةٌ شِرِّيرةٌ، وهذه النَّفسُ الخبيثةُ الشِّرِّيرةُ قد ينطَلِقُ منها ما يصيبُ المحسودَ؛ ولهذا قال تعالى: وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ، ويكونُ المحسودُ مهمومًا بسَبَبِ هذه العَينِ؛ ولهذا قال: ((أو عينِ حاسِدٍ اللَّهُ يشفيك) ) أي: يُبرِئُه ويزيلُ سَقَمَه .



    ج- من أقوالِ السَّلَفِ والعُلَماءِ وغَيرِهم

    - قال ابنُ مسعودٍ: (لا تعادوا نِعَمَ اللَّهِ عزَّ وجَلَّ. قيل: ومَن يعادي نِعَمَ اللَّهِ؟ قال: الذين يحسُدون النَّاسَ على ما آتاهم اللَّهُ مِن فضلِه) .

    - وعن أنَسِ بنِ مالِكٍ أنَّه مرَّ على ديارٍ خَرِبةٍ خاويةٍ، قال: (هذه أهلَكها وأهلَك أهلَها البَغيُ والحَسَدُ؛ إنَّ الحَسَدَ لَيُطفئُ نورَ الحسَناتِ، والبَغيَ يُصَدِّقُ ذلك أو يُكَذِّبُه، فإذا حسَدتُم فلا تَبْغُوا) .

    - وقال معاويةُ بنُ أبي سفيانَ رَضِيَ اللَّهُ عنهما: (كُلُّ النَّاسِ أستطيعُ أن أُرضيَه إلَّا حاسِدَ نعمةٍ؛ فإنَّه لا يُرضيه إلَّا زوالُها!) .

    - وقال مُعاويةُ أيضًا: (ليس في خِلالِ الشَّرِّ خَلَّةٌ أعدَلُ من الحَسَدِ؛ فإنَّه يقتُلُ الحاسِدَ قبلَ أن يَصِلَ إلى المحسودِ) .

    - وقال معاويةُ أيضًا: (لا ينبغي للمَلِكِ أن يكون كذَّابًا؛ لأنَّه إن وَعَد خيرًا لم يُرْجَ، وإن أوعَد شرًّا لم يُخَفْ. ولا غاشًّا؛ لأنَّه لم ينصَحْ، ولا تَصِحُّ الوِلايةُ إلَّا بالمناصحةِ. ولا حديدًا؛ لأنَّه إذا احتَدَّ هلَكَت رعيَّتُه. ولا حسودًا؛ لأنَّه لا يَشرُفُ أحدٌ فيه حَسَدٌ، ولا يَصلُحُ النَّاسُ إلَّا بأشرافِهم. ولا جبانًا؛ لأنَّه يجترئُ عليه عدُوُّه، وتضيعُ ثُغورُه) .

    - وقال ابنُ سِيرينَ: (ما حسَدتُ أحَدًا على شيءٍ من أمرِ الدُّنيا؛ لأنَّه إن كان من أهلِ الجنَّةِ، فكيف أحسُدُه على الدُّنيا، وهي حقيرةٌ في الجنَّةِ؟! وإن كان من أهلِ النَّارِ، فكيف أحسُدُه على أمرِ الدُّنيا، وهو يصيرُ إلى النَّارِ؟!) .

    - وقال الحَسَنُ البصريُّ: (ما رأيتُ ظالمًا أشبَهَ بمظلومٍ من حاسِدٍ؛ نَفَسٌ دائمٌ، وحَزَنٌ لازمٌ، وغَمٌّ لا يَنفَدُ) .

    - وقال الفُضَيلُ بنُ عِياضٍ: (الغِبطةُ من الإيمانِ، والحَسَدُ من النِّفاقِ، والمُؤمِنُ يَغبِطُ ولا يحسُدُ، والمُنافِقُ يحسُدُ ولا يَغبِطُ، والمُؤمِنُ يستُرُ ويَعِظُ وينصَحُ، والفاجِرُ يهتِكُ ويُعَيِّرُ ويُفشي) .

    - وقال أبو حاتمِ بنُ حبَّانَ: (الواجِبُ على العاقِلِ مجانبةُ الحَسَدِ على الأحوالِ كُلِّها؛ فإنَّ أهوَنَ خِصالِ الحَسَدِ هو تَركُ الرِّضا بالقضاءِ، وإرادةُ ضِدِّ ما حَكَم اللَّهُ جَلَّ وعلا لعبادِه، ثمَّ انطواءُ الضَّميرِ على إرادةِ زَوالِ النِّعَمِ عن المُسلِمِ، والحاسِدُ لا تهدَأُ رُوحُه، ولا يستريحُ بَدَنُه إلَّا عِندَ رؤيةِ زوالِ النِّعمةِ عن أخيه، وهيهاتَ أن يُساعِدَ القضاءُ ما للحُسَّادِ في الأحشاءِ!) . وقال كذلك: (الحَسَدُ من أخلاقِ اللِّئامِ، وتَركُه من أفعالِ الكِرامِ، ولكُلِّ حريقٍ مُطفِئٌ، ونارُ الحَسَدِ لا تُطفَأُ) .

    - وقال أبو اللَّيثِ السَّمَرْقَنديّ ُ: (ليس شيءٌ من الشَّرِّ أضَرَّ من الحَسَدِ؛ لأنَّه يَصِلُ إلى الحاسِدِ خمسُ عُقوباتٍ قَبلَ أن يَصِلَ إلى المحسودِ مكروهٌ؛ أوَّلُها: غَمٌّ لا ينقَطِعُ. والثَّانيةُ: مصيبةٌ لا يؤجَرُ عليها. والثَّالثةُ: مَذَمَّةٌ لا يُحمَدُ بها. والرَّابعةُ: يَسخَطُ عليه الرَّبُّ. والخامسةُ: تُغلَقُ عليه أبوابُ التَّوفيقِ) .

    - وقال الجاحِظُ: (ومتى رأيتَ حاسِدًا يُصَوِّبُ إليك رأيًا إن كنتَ مُصيبًا، أو يُرشِدُك إلى صوابٍ إن كنتَ مُخطِئًا، أو أفصَحَ لك بالخيرِ في غَيبتِه عنك، أو قصَر من غيبتِه لك؟ فهو الكَلْبُ الكَلِبُ ، والنَّمْرُ النَّمِرُ ، والسُّمُّ القَشِبُ ، والفَحلُ القَطِمُ ، والسَّيلُ العَرِمُ . إن مَلَك قتَلَ وسبى، وإن مُلِك عصى وبغى. حياتُك موتُه، وموتُك عُرسُه وسُرورُه. يُصَدِّقُ عليك كُلَّ شاهدِ زُورٍ، ويُكَذِّبُ فيك كُلَّ عَدلٍ مَرضيٍّ. لا يحِبُّ مِن النَّاسِ إلَّا مَن يُبغِضُك، ولا يُبغِضُ إلَّا من يحِبُّك. عدوُّك بِطانةً وصديقُك علانيةً... أحسَنُ ما تكونُ عندَه حالًا أقَلَّ ما تكونُ مالًا، وأكثَرَ ما تكونُ عيالًا، وأعظَمَ ما تكونُ ضَلالًا. وأفرَحُ ما يكونُ بك أقرَبَ ما تكونُ بالمصيبةِ عَهدًا، وأبعَدَ ما تكونُ من النَّاسِ حمدًا، فإذا كان الأمرُ على هذا فمُجاورةُ الموتى، ومخالطةُ الزَّمْنى ، والاجتنانُ بالجُدرانِ، ومَصرُ المُصرانِ، وأكلُ القِردانِ: أهوَنُ من معاشرتِه والاتِّصالِ بحَبْلِه!) .

    - وقال الجُرْجانيُّ: (كم من فضيلةٍ لو لم تَستَثِرْها المحاسِدَ لم تَبرَحْ في الصُّدورِ كامنةً، ومنقبةٍ لو لم تُزعِجْها المنافَسةُ لبَقِيَت على حالِها ساكنةً! لكِنَّها برَزَت فتناولَتْها ألسُنُ الحَسَدِ تجلوها وهي تَظُنُّ أنَّها تمحوها، وتَشهَرُها وهي تحاوِلُ أن تستُرَها، حتَّى عثر بها من يَعرِفُ حَقَّها، واهتدى إليها مَن هو أولى بها، فظَهَرت على لسانِه في أحسَنِ مَعرِضٍ، واكتَسَت مِن فضلِه أزيَنَ مَلبَسٍ؛ فعادت بعدَ الخُمولِ نابهةً، وبعدَ الذُّبولِ ناضِرةً، وتمكَّنَت من بِرِّ والِدِها فنوَّهَت بذِكْرِه، وقدَرَت على قضاءِ حَقِّ صاحِبِها، فرفَعَت مِن قَدرِه وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة: 216] ) .

    - وقال ابنُ المعتَزِّ: (الحاسِدُ مُغتاظٌ على مَن لا ذَنْبَ له، ويَبخَلُ بما لا يملِكُه، ويطلُبُ ما لا يجِدُه) .

    - وقال ابنُ حزمٍ: (إنَّ ذوي التَّراكيبِ الخبيثةِ يُبغِضون لشِدَّةِ الحَسَدِ كُلَّ من أحسَنَ إليهم، إذا رأوه في أعلى من أحوالِهم) .

    - وقال الخطَّابُ بنُ نُمَيرٍ السَّعديُّ: (الحاسِدُ مجنونٌ؛ لأنَّه يحسُدُ الحَسَنَ والقبيحَ) .

    - وقال أكثَمُ بنُ صَيفيٍّ: (لن يَعدَمَ الحَسودُ أن يُتعِبَ قَلْبَه، ويُشغِلَ فِكرَه، ويُوري غَيظَه، ولا يجاوِزَ ضُرُّه نَفسَه) .

    - وقال الأحنَفُ بنُ قَيسٍ: (خمسٌ هنَّ كما أقولُ: لا راحةَ لحَسودٍ، ولا مُروءةَ لكَذوبٍ، ولا إخاءَ لمَلولٍ، ولا حيلةَ لبخيلٍ، ولا سُؤدُدَ لسَيِّئِ الخُلُقِ) .

    - وقال الشَّعبيُّ: (الحاسِدُ مُنغَصَّ بما في يدِ غَيرِه) .

    - وقال الشَّافعيُّ: (الحاسِدُ طويلُ الحَسَراتِ، عادِمُ الدَّرَجاتِ) .

    -وقال حاتِمٌ الأصَمُّ: (أصلُ المعصيةِ ثلاثةُ أشياءَ: الكِبرُ، والحِرصُ، والحَسَدُ) .

    - وقال ذو النُّونِ المِصريُّ: (الحَسَدُ داءٌ لا يَبرَأُ، وحَسْبُ الحَسودِ من الشَّرِّ ما يلقى) .

    - وقال ابنُ المقَفَّعِ: (الحَسَدُ خُلُقٌ دَنيءٌ، ومن دناءتِه أنَّه يبدَأُ بالأقرَبِ فالأقرَبِ) .

    - وأوصى عبدُ المَلِكِ بنُ صالحٍ ابنًا له فقال: (أي بُنَيَّ احلُمْ؛ فإنَّ مَن حَلُم ساد، ومن تفَهَّم ازداد... وحُسنُ التَّدبيرِ مع الكَفافِ خيرٌ من الكثيرِ مع الإسرافِ، والاقتصادُ يُثمِرُ القليلَ، والإسرافُ يُبيرُ الكثيرَ، ونِعمَ الحَظُّ القناعةُ! وشَرُّ ما صَحِب المرءَ الحَسَدُ...) .

    - وقال الحَصكَفيُّ في خُطبةِ كتابِه ((الدُّرُّ المختار)): (أستغفِرُ اللَّهَ مُستعيذًا به من حَسَدٍ يسُدُّ بابَ الإنصافِ، ويَرُدُّ عن جميعِ جَميلِ الأوصافِ. ألا وإنَّ الحَسَدَ حَسَكٌ، من تعَلَّق به هَلَك، وكفى للحاسِدِ ذَمًّا في آخِرِ سورةِ الفَلَقِ، في اضطرابِه بالقَلَقِ، للهِ دَرُّ الحَسَدِ ما أعدَلَه! بدأ بصاحِبِه فقَتَله!
    وما أنا من كَيدِ الحَسودِ بآمِنٍ
    ولا جاهِلٍ يُزري ولا يتدَبَّرُ
    وللهِ دَرُّ القائِلِ:
    هم يحسُدوني وشَرُّ النَّاسِ كُلِّهِم
    مَن عاش في النَّاس يومًا غيرَ محسودِ
    إذ لا يسودُ سَيِّدٌ بدونِ وَدودٍ يَمدَحُ، وحَسودٍ يَقدَحُ؛ لأنَّ مَن زَرَع الإحَنَ حَصَد المِحَنَ، فاللَّئيمُ يَفضَحُ، والكريمُ يُصلِحُ) .

    وقال ابنُ القَيِّمِ: (الحَسَدُ خُلُقُ نَفسٍ ذميمةٍ وضيعةٍ ساقطةٍ، ليس فيها حِرصٌ على الخيرِ، فلعَجْزِها ومهانتِها تحسُدُ من يكسِبُ الخيرَ والمحامِدَ ويفوزُ بها دونَها، وتتمَنَّى أنْ لو فاته كسْبُها حتَّى يساويَها في العَدَمِ) .
    - وقال أحمد شوقي: (اثنانِ في النَّارِ دُنيا وأُخرى: الحاقِدُ، والحاسِدُ) .
    يتبع


الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •