تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


صفحة 4 من 4 الأولىالأولى 1234
النتائج 61 إلى 64 من 64

الموضوع: دروس من القصص

  1. #61
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,785

    افتراضي رد: دروس من القصص

    فوائد وعِبَر من قصة الأبرص والأقرع والأعمى


    كتبه/ سعيد محمود
    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛



    المقدمة:
    - فلقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يربي أصحابه -وأمته عمومًا- بألوانٍ مِن التربية، وصورٍ مِن التزكية؛ تحقيقًا للمهمة التي بعثه الله لأجلها، ومِن تلكم الأساليب التي كان -صلى الله عليه وسلم- يربي بها أمته: القصص، التي لم تكن لمجرد التسلية، بل كانت للعبرة والعظة، قال -تعالى-: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) (يوسف:3).
    - ومِن ذلك تلكم القصة العجيبة التي قصها النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهي خبر ثلاثة مِن بني إسرائيل ابتلاهم الله -تعالى- بالضراء، ثم قلب ضراءهم إلى سراء؛ ليظهر منهم شاكر النعمة ومَن جحدها.
    روى الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إِنَّ ثَلَاثَةً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ: أَبْرَصَ، وَأَقْرَعَ، وَأَعْمَى، فَأَرَادَ اللهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا، فَأَتَى الْأَبْرَصَ، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: لَوْنٌ حَسَنٌ، وَجِلْدٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ، قَالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ قَذَرُهُ، وَأُعْطِيَ لَوْنًا حَسَنًا وَجِلْدًا حَسَنًا، قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْإِبِلُ -أَوْ قَالَ: الْبَقَرُ، شَكَّ إِسْحَاقُ- إِلَّا أَنَّ الْأَبْرَصَ، أَوِ الْأَقْرَعَ، قَالَ أَحَدُهُمَا: الْإِبِلُ، وَقَالَ الْآخَرُ: الْبَقَرُ- قَالَ: فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ، فَقَالَ: بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيهَا، قَالَ: فَأَتَى الْأَقْرَعَ، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: شَعَرٌ حَسَنٌ وَيَذْهَبُ عَنِّي هَذَا الَّذِي قَذَرَنِي النَّاسُ، قَالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ، وَأُعْطِيَ شَعَرًا حَسَنًا، قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْبَقَرُ، فَأُعْطِيَ بَقَرَةً حَامِلًا، قَالَ: بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيهَا، قَالَ: فَأَتَى الْأَعْمَى، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: أَنْ يَرُدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي، فَأُبْصِرَ بِهِ النَّاسَ، قَالَ: فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ، قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْغَنَمُ، فَأُعْطِيَ شَاةً وَالِدًا. فَأُنْتِجَ هَذَانِ وَوَلَّدَ هَذَا. قَالَ: فَكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِنَ الْإِبِلِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الْبَقَرِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الْغَنَمِ.
    قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الْأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ، قَدِ انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي، فَلَا بَلَاغَ لِيَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ، وَالْجِلْدَ الْحَسَنَ، وَالْمَالَ، بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ عَلَيْهِ فِي سَفَرِي، فَقَالَ: الْحُقُوقُ كَثِيرَةٌ، فَقَالَ لَهُ: كَأَنِّي أَعْرِفُكَ، أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ؟ فَقِيرًا فَأَعْطَاكَ اللَّهُ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا وَرِثْتُ هَذَا الْمَالَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا، فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ، قَالَ: وَأَتَى الْأَقْرَعَ فِي صُورَتِهِ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا، وَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَى هَذَا، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ. قَالَ: وَأَتَى الْأَعْمَى فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابْنُ سَبِيلٍ، انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي، فَلَا بَلَاغَ لِيَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ، شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي، فَخُذْ مَا شِئْتَ، وَدَعْ مَا شِئْتَ، فَوَاللَّهِ لَا أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ شَيْئًا أَخَذْتَهُ لِلَّهِ، فَقَالَ: أَمْسِكْ مَالَكَ، إِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ، فَقَدْ رُضِيَ عَنْكَ، وَسُخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ).
    - قصة يحتاج إلى الاعتبار بها كل مسلم، وقد اشتملت على فوائد كثيرة جدًّا، نقف على خمسٍ فوائد منها، قال -تعالى-: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ) (يوسف:111).


    (1) الابتلاء سنة الله في الدنيا:
    - الابتلاء بالسراء والضراء في الدنيا سنة كونية، كالماء والهواء، إلخ: ففي القصة: (فَأَرَادَ اللهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ)، وقال -تعالى-: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) (الكهف:7)، وقال -تعالى-: (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (الأنبياء:35).
    - بل الضراء في حق المؤمن في الدنيا هي الأصل: قال -تعالى-: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ . وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) (العنكبوت:2-3)، وقال -تعالى-: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا) (البقرة:214)، وسئل النبي -صلى الله عليه وسلم-: يا رسولَ اللهِ! أيُّ الناسِ أشدُّ بلاءً؟ قال: (الأنبياءُ، ثم الصالحون، ثم الأمثلُ فالأمثلُ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).
    - المؤمن الناصح الفالح هو الذي يخرج من امتحان الدنيا غير مفتون في دينه: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) (النحل:110).


    (2) إثبات الملائكة:
    - الملائكة رسل الله في خلقه، بوظائف وأعمال كلفوا بها، وهم في طاعة دائمة لله -عز وجل-، وهم يحبون المؤمنين ويوالونهم: ففي القصة: (فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا، فَأَتَى الْأَبْرَصَ... )، وقال -تعالى-: (بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ . لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) (الأنبياء:26-27)، وقال -تعالى-: (لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (التحريم:6)، وقال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ . نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ) (فصلت:30-31).
    - للملائكة قدرة على التشكل وفق ما به يأمرون: ففي القصة: (ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الْأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ)(1)، وقال -تعالى-: (فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا) (مريم:17).
    - لا تعارض بين كونهم موصوفين بالجمال (مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) (يوسف:31)، وبين مجيئهم في صورة الأبرص والأقرع والأعمى، فالمقصود حينما يكونون على هيئتهم الملائكية.


    (3) نعم الله علينا لا تحصى:
    - في القصة قيمة نعمة اللون الحسن والشعر الحسن والبصر، حيث لم يطلب الثلاثة قبلها شيئًا مِن الدنيا.
    - نحن نملك نعمًا كثيرة لا تقدر بالمال: "جاء رجل إلى يونس بن عبيد يشكو ضيق حاله، فقال له يونس: أيسرك ببصرك هذا الذي تبصر به مائة ألف درهم؟ قال لا. فبيديك مائة ألف؟ قال لا. قال: فبرجليك؟ قال: لا، فقال يونس: أرى عندك مئين الألوف وأنت تشكو الحاجة!"، وقال -تعالى-: (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) (النحل:18)، وقال -تعالى-: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) (الذاريات:21).
    - انظر إلى المبتلين لتعرف قيمة ما أنت فيه من النعم(2): قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (انْظُرُوا إِلَى مَنْ هو أَسفَل مِنْكُمْ وَلا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوقَكُم؛ فهُوَ أَجْدَرُ أَن لا تَزْدَرُوا نعمةَ اللَّه عَلَيْكُمْ) (متفق عليه)، وكان -صلى الله عليه وسلم- إذا رأى المبتلى قال: (الحمدُ للهِ الذي عافَانِي مِمَّا ابْتلاكَ به، وفَضَّلَنِي على كَثيرٍ مِمَّنْ خلق تَفضِيلًا) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).


    (4) أثر البيئة على خلق الإنسان وسلوكه:
    - هذا ظاهر من حال الثلاثة في طلبهم، الذي ناسب ما آل إليه حال كل منهم عند امتحان الملك لهم: ففي القصة: (فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟) (طلب الأول: جلد حسن ومال كثير "الْإِبِلُ" - وطلب الثاني: شعر حسن ومال كثير "البقر" - وطلب الثالث: أن يرد الله إليه بصره ومال يسير "الغنم").
    - الإنسان يتأثر بما يخالط من الكائنات (بيئة قاسية - بُعد عن العلماء - ... ): قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ألَا إنَّ القَسْوَةَ وغِلَظَ القُلُوبِ في الفَدَّادِينَ، عِنْدَ أُصُولِ أذْنَابِ الإبِلِ) (متفق عليه)، وقال -تعالى-: (الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ) (التوبة:97)، وقال: (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) (الحجرات:4)، وقال عمر للنبي -صلى الله عليه وسلم-: (فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى الأَنْصَارِ إِذَا قَوْمٌ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَأْخُذْنَ مِنْ أَدَبِ نِسَاءِ الأَنْصَارِ)(3) (متفق عليه).


    (5) شكر النعم سبب بقائها، وجحودها سبب في زوالها:
    - شَكَر الأعمى، فرد الله عليه بصره، وأبقى عليه نعمته: ففي القصة: (فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي، فَخُذْ مَا شِئْتَ، وَدَعْ مَا شِئْتَ، فَوَاللَّهِ لَا أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ شَيْئًا أَخَذْتَهُ لِلَّهِ، فَقَالَ: أَمْسِكْ مَالَكَ، إِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ، فَقَدْ رُضِيَ عَنْكَ، وَسُخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ).
    - هكذا سنة الله جارية في كلِّ مَن شكر: قال -تعالى-: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُم ْ) (إبراهيم:7)، وقال عن شكر نبيه سليمان -عليه السلام-: (فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ)(4) (النمل:40).
    - وعلى الجانب الآخر: جحد الأبرص والأقرع فأزال الله منهما النعمة، وردهما إلى ما كانا عليه: ففي القصة: (ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الْأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ... فَقَالَ: الْحُقُوقُ كَثِيرَةٌ، فَقَالَ لَهُ: كَأَنِّي أَعْرِفُكَ، أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ؟ فَقِيرًا فَأَعْطَاكَ اللَّهُ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا وَرِثْتُ هَذَا الْمَالَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا، فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ... )، وَقَالَ المَلَك للرجل الصالح: (أَمْسِكْ مَالَكَ، إِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ، فَقَدْ رُضِيَ عَنْكَ وَسُخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ).
    - وهكذا سنة الله جارية في كلِّ مَن عصاه وجحد نعمه: قال الله -تعالى-: (وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (إبراهيم:7)، وقال: (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَ ا مُصْبِحِينَ . وَلَا يَسْتَثْنُونَ . فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ . فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ) (القلم:17-20)، وقال -تعالى-: (سَنَسْتَدْرِجُه ُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ) (الأعراف:182)، قال سفيان بن عيينة -رحمه الله-: "نُسبِغ عليهم النِّعم، ونمنعهم الشكر" (كتاب الشكر لابن أبي الدنيا).
    وصدق القائل:
    إذا كـنـت في نعمة فارعـهـا فـإن الـذنـوب تـزيـل الـنعـم

    وحـطهـا بطاعة رب العـبـاد فـرب الـعـبـاد سـريـع النقـم

    فاللهم اجعلنا من عبادك الشاكرين.
    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــ ــــــــ
    (1) استنبط منه بعض الفقهاء دليلًا على جواز التنكر للوصول إلى الحق أو مصلحة شرعية: كتنكر الأمير على الرعية، وكعمل عسس الشرطة.
    (2) انظر إلى المرضى وقد أُعطيت الصحة، وانظر إلى العقماء وقد أُعطيت الولد، وانظر إلى الخائفين وقد أعطيت الأمن، بل انظر إلى كثيرٍ مِن الأغنياء وقد أصيبوا بالأمراض التي عُوفيت أنت منها وتستمتع بمأكلك ومشربك وهم يحسدونك على ذلك "ارض بما قسمه الله لك تكن أغنى الناس".
    (3) المقصود أن رجال الأنصار فيهم لين عريكة، فتجترأ المرأة عندهم بالجدل والصخب، بخلاف نساء قريش، كن يخفن غلظة رجال قريش لما كان من مخالطتهم الإبل، والطبيعة الجبلية الصحراوية.
    (4) يحسن الإشارة باختصارٍ إلى أركان شكر النعم الثلاثة: الإقرار بالنعمة، ونسبتها إلى المنعِم، وبذلها فيما يرضي المنعم.


  2. #62
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,785

    افتراضي رد: دروس من القصص

    قصة الذي أحبه الله لحبه لأخيه

    كتبه/ سعيد محمود
    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    المقدمة:
    - فهذه قصة رجل ارتحل مِن بلده إلى بلدٍ أخرى، وليس له مِن قصد إلا أن يزور أخًا له في الله، فأرسل الله له مَلَكًا يبشِّره بأعظم بشارة: فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَأَرْصَدَ اللَّهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا، فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ؟ قَالَ: هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟ قَالَ: لَا، غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ: فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ) (رواه مسلم).
    - الحب في الله أحد خصال الإيمان، وهذه درجة أعلى من مجرد أخوة الدين(1): قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ثَلَاثٌ مَن كُنَّ فيه وجَدَ حَلَاوَةَ الإيمَانِ: أنْ يَكونَ اللَّهُ ورَسولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ ممَّا سِوَاهُمَا، وأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إلَّا لِلَّهِ، وأَنْ يَكْرَهَ أنْ يَعُودَ في الكُفْرِ كما يَكْرَهُ أنْ يُقْذَفَ في النَّارِ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَن أحبَّ للَّهِ وأبغضَ للَّهِ، وأعطى للَّهِ ومنعَ للَّهِ فقدِ استَكْملَ الإيمانَ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

    (1) فضل الحب في الله (الأخوة في الله):
    - سبب لنيل محبة الله في الدنيا والآخرة(2): (القصة التي بين أيدينا)، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الله الله -تبارك وتعالى-: (وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّي نَ فِيَّ، وَالْمُتَجَالِس ِينَ فِيَّ، وَالْمُتَزَاوِر ِينَ فِيَّ) (رواه أحمد وابن حبان، وصححه الألباني).
    - أخوة الصالحين بركة وذكر جميل(3): ففي الحديث: (قَالَ هُمْ الْجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ) (رواه البخاري)، قال ابن كثير في قوله -تعالى-: (وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ) (الكهف:18): "وشملت كلبهم بركتهم، فأصابه ما أصابهم من النوم على تلك الحال، وهذا فائدة صحبة الأخيار" (تفسير ابن كثير).
    - هم آمنون يوم الفزع الأكبر: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ: ... )، وذكر منهم: (وَرَجُلانِ تَحَابَّا في اللَّه: اجتَمَعا عَلَيهِ، وتَفَرَّقَا عَلَيهِ) (متفق عليه).
    ومن الصور المشرقة في ذلك: (طلحة والزبير، وعبد الله بن حرام وعمرو بن الجموح، اجتمعا على الدين والجهاد، وافترقا وقتلا شهداء في يومٍ واحدٍ).
    - هم أهل ولاية الله، والمكانة التي يغبطهم عليها الأنبياء والشهداء في الآخرة: قال -صلى الله عليه وسلم-: (إنَّ مِن عبادِ اللهِ لَأُناسًا ما هم بأنبياءَ ولا شُهداءَ، يغبِطُهم الأنبياءُ والشُّهداءُ يومَ القيامةِ بمكانِهم مِن اللهِ -تَعَالَى-). قالوا: يا رسولَ اللهِ، تُخبِرُنا مَن هُمْ؟ قال: (هم قومٌ تحابُّوا برُوحِ اللهِ على غيرِ أرحامٍ بَيْنَهم، ولا أموالٍ يتعاطَوْنَها، فواللهِ إنَّ وجوهَهم لَنُورٌ، وإنَّهم على نُورٍ، لا يخافونَ إذا خاف النَّاسُ، ولا يحزَنونَ إذا حزِن النَّاسُ) وقرَأ هذه الآيةَ: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (يونس:62) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

    (2) عوامل تقوية الأخوة في الله:
    هي بمثابة الحقوق في الأخوة في الله، وهي على قسمين: معنوية ومادية.
    أولًا: العوامل المعنوية:
    - زيارته والسؤال عنه دون النظر إلى درجة الفضل بينهما (القصة بين أيدينا): قال النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الله الله -تبارك وتعالى-: (وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّي نَ فِيَّ، وَالْمُتَجَالِس ِينَ فِيَّ، وَالْمُتَزَاوِر ِينَ فِيَّ) (رواه أحمد وابن حبان، وصححه الألباني)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ عَادَ مَرِيضًا أَوْ زَارَ أَخًا لَهُ فِي اللَّهِ نَادَاهُ مُنَادٍ: أَنْ طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ، وَتَبَوَّأْتَ مِنْ الْجَنَّةِ مَنْزِلًا) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).
    قال الإمام الشافعي -رحمه الله- لما عجب البعض من زيارته لتلميذه أحمد بن حنبل:
    قــالـوا يـزورك أحــمـد وتــــزوره قـلـتُ: الـفـضـائل لا تغـادر منزله

    إن زارنـي فـلــفـضــلـه أو زرتــه فلفضله فالفضل في الحالين له(5)

    - ذكره بما يحب في حضوره وغيابه: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا أَحَبَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فِي اللَّهِ فَلْيُعْلِمْهُ فَإِنَّهُ أَبْقَى فِي الْأُلْفَةِ وَأَثْبَتُ فِي الْمَوَدَّةِ) (أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الإخوان، وحسنه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَن ردَّ عَن عِرضِ أخيهِ ردَّ اللَّهُ عن وجهِهِ النَّارَ يومَ القيامةِ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، وقيل لمعاوية -رضي الله عنه-: "أيُّما أحب إليك؟ قال: صديق يُحَبِّبُنِي إلى الناس".
    - الدعاء له في حياته وبعد مماته: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (دُعَاءُ الْأَخِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ لَا يُرَدُّ) (رواه البزار، وصححه الألباني).
    - العفو عن زلاته وهفواته فالاختلاف طبيعة الخلق: قال -صلى الله عليه وسلم-: (لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ) (رواه مسلم)، وعن أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال: "كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- إذْ أقْبَلَ أبو بَكْرٍ آخِذًا بطَرَفِ ثَوْبِهِ حتَّى أبْدَى عن رُكْبَتِهِ، فَقَالَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (أمَّا صَاحِبُكُمْ فقَدْ غَامَرَ) فَسَلَّمَ وقَالَ: إنِّي كانَ بَيْنِي وبيْنَ ابْنِ الخَطَّابِ شيءٌ، فأسْرَعْتُ إلَيْهِ ثُمَّ نَدِمْتُ، فَسَأَلْتُهُ أنْ يَغْفِرَ لي فأبَى عَلَيَّ، فأقْبَلْتُ إلَيْكَ، فَقَالَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لكَ يا أبَا بَكْرٍ، ثَلَاثًا، ثُمَّ إنَّ عُمَرَ نَدِمَ، فأتَى مَنْزِلَ أبِي بَكْرٍ، فَسَأَلَ: أثَّمَ أبو بَكْرٍ؟ فَقالوا: لَا، فأتَى إلى النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَسَلَّمَ، فَجَعَلَ وجْهُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- يَتَمَعَّرُ، حتَّى أشْفَقَ أبو بَكْرٍ، فَجَثَا علَى رُكْبَتَيْهِ، فَقَالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، واللَّهِ أنَا كُنْتُ أظْلَمَ، مَرَّتَيْنِ... " (رواه البخاري).
    - موالاته ونصرته في الحق، ونصحه وإرشاده إذا تركه: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا) فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: (تَحْجُزُهُ، أَوْ تَمْنَعُهُ، مِنَ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ) (رواه البخاري).

    ثانيًا: العوامل المادية:
    - المواساة بالمال التي تصل إلى المشاركة والإيثار: "جاء رجل مِن السلف إلى بيت صديقٍ له، فخرج إليه فقال: ما جاء بك؟ قال: علي أربعمائة درهم، فدخل الدار فوزنها ثم خرج فأعطاه ثم عاد إلى الدار باكيًا، فقالت زوجته: هلا تعللت عليه إذا كان إعطاؤه يشق عليك. فقال: إنما أبكي لأني لم أفتقد حاله فاحتاج أن يقول لي ذلك!" (التبصرة) "ورأى أحد السلف رَجُلَيْنِ يَصْطَحِبَانِ لَا يَفْتَرِقَانِ فَسَأَلَ عَنْهُمَا فَقِيلَ: هُمَا صَدِيقَانِ، فَقَالَ: مَا بَالُ أَحَدِهِمَا فَقِيرٌ، وَالْآخَرِ غَنِيٌّ؟!".
    - الإعانة بالنفس والبدن على قضاء الحاجات(6): قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ولأَنْ أمشيَ مع أخٍ في حاجةٍ؛ أَحَبُّ إليَّ مِن أَنْ أعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجدِ -يَعْنِي مَسْجدَ الْمَدِينَةِ- شَهْرًا) (رواه الطبراني وقال الألباني: حسن لغيره).

    (3) مِن أقوال السلف في فضل صديق الخير:
    - نظروا في أثر أخوة الخير في الدنيا والآخرة، فكانت منهم هذه الدرر مِن الأقوال: قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "لِقَاءُ الْإِخْوَانِ جَلَاءُ الْأَحْزَانِ"، وقال بعض السلف: "رُب صديق أودُّ من شقيق"، وقال آخر: "أَفْضَلُ الذَّخَائِرِ أَخٌ وفِيٌّ"، وقال آخر: "صديق مُسَاعدُ عضدٌ وَسّاعدً" (أدب الدنيا والدين، ص161).
    - فقدان صاحب الخير عندهم مصيبة: قال الامام أحمد -رحمه الله-: "إذا مات أصدقاء الرجل ذل" (طبقات الحنابلة). وقال سفيان بن عيينه: "قال لي أيوب: إنَّهُ لَيَبْلُغُنِي مَوْتُ الرَّجُلِ مِنْ إخْوَانِي فَكَأَنَّمَا سَقَطَ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِي" (الآداب الشرعية)، وقال الخليل بن أحمد: "الرجل بلا صديقٍ كاليمين بلا شمال".
    وقال الشاعر:
    لـكـل شـيء عـدمـتـه عـوض وما لفقد الصديق من عوض

    وقال جعفر بن محمد: "لقد عظمت مكانة الصديق، ألم تسمعوا قوله -تعالى- في أهل النار: (فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ . وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ) (الشعراء: 100-101)".

    خاتمة:
    عود على بدء: لقد كان حب الرجل الصالح لأخيه في الله آثار عظيمة تظهر في إرسال مَلَك إليه يبشره بمحبة الله، التي هي سبب كل فلاح ونجاح وخير لأمثاله في الدنيا والآخرة، فمَن أحبه ربه، سعد في الدنيا والآخرة.
    نسأل الله أن يجمعنا على محبته.
    والحمد لله رب العالمين.
    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــ
    (1) المقصود بالحب في الله (الأخوة في الله): وهي رابطة نفسية تورث الشعور العميق بالعاطفة والمحبة والاحترام، مع مَن تربطك وإياه أواصر العقيدة الإسلامية، وركائز الإيمان والعمل الصالح، وسيظهر ذلك خلال كلامنا عن فضل الحب في الله.
    (2) لما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم خيبر: (لَأُعْطِيَنَّ هذِه الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ علَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللَّهَ ورَسوله ويُحِبُّهُ اللَّهُ ورَسولُهُ) قالَ: "فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ أيُّهُمْ يُعْطَاهَا... " (متفق عليه)، تصور إذا كان السلطان يحبك؟ وماذا سيترتب على هذه المحبة؟ فكيف إذا كان ذلك مِن الله الذي له مُلك السماوات والأرض؟!
    (3) ومِن القصة معنا شاهد: وهو ما حصل لهذا الرجل من الخير والذكر الجميل حتى يذكره الأنبياء -عليهم السلام-.
    (4) قال الخطابي في معالم السنن: "فسروه بالقرآن، وعلى هذا يتناول قوله -تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا) (الشورى:52)؛ لأن القلوب تحيا به، كما تكون حياة النفوس والأبدان بالأرواح.
    (5) وقد ذكر ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد، قصة طريفة في زيارته لإسحاق بن راهويه.
    (6) والمقصود أن تؤدي له ذلك، تريد وجه الله، لا تبتغي مقابلًا منه، ولا ذكرًا مِن غيره.


  3. #63
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,785

    افتراضي رد: دروس من القصص

    دروس من قصة السحابة التي أُمرت أن تسقي حديقة الرجل الصالح

    كتبه/ سعيد محمود
    الحمد لله، والص

    المقدمة:
    - مِن وسائل التربية النبوية القصص: قال -تعالى-: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (يوسف:111).
    - ومن ذلك: قصة الرجل المزارع الصالح، الذى أمر الله السحاب بسقي مزرعته مِن بين مزارع الناس مِن حوله؛ لاستقامته على أمر الله: روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (بَيْنا رَجُلٌ بفَلاةٍ مِنَ الأرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتًا في سَحابَةٍ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ، فَتَنَحَّى ذلكَ السَّحابُ، فأفْرَغَ ماءَهُ في حَرَّةٍ، فإذا شَرْجَةٌ مِن تِلكَ الشِّراجِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذلكَ الماءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ الماءَ، فإذا رَجُلٌ قائِمٌ في حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الماءَ بمِسْحاتِهِ، فقالَ له: يا عَبْدَ اللهِ ما اسْمُكَ؟ قالَ: فُلانٌ، لِلاِسْمِ الذي سَمِعَ في السَّحابَةِ، فقالَ له: يا عَبْدَ اللهِ لِمَ تَسْأَلُنِي عَنِ اسْمِي؟ فقالَ: إنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا في السَّحابِ الذي هذا ماؤُهُ يقولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ، لاِسْمِكَ، فَما تَصْنَعُ فيها؟ قالَ: أمَّا إذْ قُلْتَ هذا، فإنِّي أنْظُرُ إلى ما يَخْرُجُ مِنْها، فأتَصَدَّقُ بثُلُثِهِ، وآكُلُ أنا وعِيالِي ثُلُثًا، وأَرُدُّ فيها ثُلُثَهُ) (رواه مسلم).

    شرح مجمل للقصة، ثم التعرض لذكر الدروس والفوائد:


    (1) رعاية الله وحفظه للصالحين من عباده الذين يستقيمون على أمره:
    - إذا رضي الله عن العبد، سخَّر له ما يشاء، وغيَّر له نواميس الكون: ففي القصة: (اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ)(1)، وفي قصة الرجل الأمين والخشبة: (فرَمى بها في البحرِ حتَّى وَلَجَتْ فيه، ثمَّ انصَرَفَ) (رواه البخاري)، وفي آخر القصة: (قالَ: فإنَّ اللَّهَ قدْ أَدَّى عَنْكَ الذي بَعَثْتَ في الخَشَبَةِ، فَانْصَرِفْ بالألْفِ الدِّينَارِ رَاشِدًا) (رواه البخاري)(2).
    - وقفات تأمل: تظهر كيف غير الله للصالحين نواميس الكون: (هاجر أم إسماعيل -عليها السلام- وقصة بئر زمزم - مريم -عليها السلام- وتوفر الرزق في محرابها - جريج العابد وإنطاق الله لرضيع المرأة البغي - ... )، قال -تعالى-: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (الطلاق:2-3).

    (2) فضل الصدقة والإنفاق في سبيل الله:


    - الصدقة تحفظ المال وتزكيه وتباركه: ففي القصة: (أمَّا إذْ قُلْتَ هذا، فإنِّي أنْظُرُ إلى ما يَخْرُجُ مِنْها، فأتَصَدَّقُ بثُلُثِهِ)، وفي رواية: (وَأَجْعَلُ ثُلُثًا فِي الْمَسَاكِينِ وَالسَّائِلِينَ وَابْنِ السَّبِيلِ) (رواه أبو داود الطيالسي في مسنده، وصححه الألباني)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ثلاثةٌ أقسِمُ عليْهنَّ، وأحدِّثُكم حديثًا فاحفظوهُ، قالَ: ما نقصَ مالُ عبدٍ من صدقةٍ، ولا ظلِمَ عبدٌ مظلمةً فصبرَ عليْها إلَّا زادَهُ اللَّهُ عزًّا، ولا فتحَ عبدٌ بابَ مسألةٍ إلَّا فتحَ اللَّهُ عليْهِ بابَ فقرٍ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).
    - البخل والإمساك يذهب المال وبركته، ويعرِّض للعقوبة: قال الله -تعالى- عن أصحاب المزرعة البخلاء: (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَ ا مُصْبِحِينَ . وَلَا يَسْتَثْنُونَ . فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ . فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ . فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ . أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ . فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ . أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ) (القلم:17-24).
    - المتصدق في زيادة وسعادة، والبخيل في نقص وضيق وغم: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَثَلُ البَخِيلِ والمُنْفِقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عليهما جُبَّتانِ مِن حَدِيدٍ مِن ثُدِيِّهِما إلى تَراقِيهِما، فأمَّا المُنْفِقُ فلا يُنْفِقُ إلَّا سَبَغَتْ أوْ وفَرَتْ علَى جِلْدِهِ، حتَّى تُخْفِيَ بَنانَهُ وتَعْفُوَ أثَرَهُ، وأَمَّا البَخِيلُ فلا يُرِيدُ أنْ يُنْفِقَ شيئًا إلَّا لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكانَها، فَهو يُوَسِّعُها ولا تَتَّسِعُ) (متفق عليه)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ما مِن يَومٍ يُصْبِحُ العِبادُ فِيهِ، إلَّا مَلَكانِ يَنْزِلانِ، فيَقولُ أحَدُهُما: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويقولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا) (رواه البخاري ومسلم).

    (3) فضل العمل والسعي في طلب الأرزاق:


    - كان صاحب القصة يعمل بالزراعة، ويأكل من كسب يده: ففي القصة: (فإذا رَجُلٌ قائِمٌ في حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الماءَ بمِسْحاتِهِ).
    - العمل في طلب الأرزاق أفضل من قبول الهدايا والعطايا، فضلًا عن سؤال الناس: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ما أكلَ أحدٌ طعامًا قطُّ، خيرًا من أنْ يأكلَ من عمَلِ يدِهِ وإنَّ نبيَّ اللهِ داودَ -عليه السلام- كان يأكلُ من عمَلِ يدِهِ)(3) (رواه البخاري)، وروى عن ابن عباس-رضي الله عنهما-: "كانَ داودُ زرَّادًا، وَكانَ آدمُ حرَّاثًا، وَكانَ نوحٌ نجَّارًا، وَكانَ إدريسُ خيَّاطًا، وَكانَ موسى راعيًا" (رواه الحاكم في المستدرك). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَا كَسَبَ الرَّجُلُ كَسْبًا أَطْيَبَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَمَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَخَادِمِهِ، فَهُوَ صَدَقَةٌ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَاللَّهِ لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلًا فَيَحْتَطِبَ فَيَحْمِلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَأْكُلَ أَوْ يَتَصَدَّقَ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلًا أَغْنَاهُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، فَيَسْأَلَهُ، أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ، ذَلِكَ بِأَنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى) (رواه أحمد في مسنده بسندٍ صحيحٍ).

    (4) فضل الوسطية والاعتدال:


    - كان صاحب القصة مثالًا للعامل المسلم، فهو يعرف لكل ذي حق حقه: ففي القصة: (فإنِّي أنْظُرُ إلى ما يَخْرُجُ مِنْها، فأتَصَدَّقُ بثُلُثِهِ، وآكُلُ أنا وعِيالِي ثُلُثًا، وأَرُدُّ فيها ثُلُثَهُ)، ومن ذلك توجيه النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الثُّلثُ والثُّلثُ كثيرٌ) (رواه البخاري).

    - وقفة مهمة: التحذير من المغالاة في جانب من الثلاثة على حساب الجوانب الأخرى بأمثلة:


    1- المغالاة في جانب العمل والسعي في طلب الرزق على حساب الجوانب الأخرى: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (تَعِسَ عبدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الخَمِيصَةِ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وإذَا شِيكَ فلا انْتَقَشَ) (رواه البخاري، وابن ماجه واللفظ له).
    2- المغالاة في جانب الأهل على حساب الجوانب الأخرى(4): قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ . وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ) (المنافقون:9-10)، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (التغابن:14).
    3- المغالاة في جانب العبادة على حساب الجوانب الأخرى: عن أنس -رضي الله عنه-: أنَّ نفَرًا مِن أصحابِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال بعضُهم: لا أتزوَّجُ النِّساءَ، وقال بعضُهم: لا آكُلُ اللَّحْمَ، وقال بعضُهم: لا أنامُ على فِراشٍ، وقال بعضُهم: أصومُ فلا أُفطِرُ، فبلَغ ذلكَ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فحمِد اللهَ وأثنى عليه، ثمَّ قال: (ما بالُ أقوامٍ يقولونَ كذا وكذا، لكنِّي أُصلِّي وأنامُ، وأصومُ وأُفطِرُ، وأتزوَّجُ النِّساءَ، فمَن رغِب عن سُنَّتي فليس منِّي) (متفق عليه).
    - خير الأمور الوسط: قال -تعالى-: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) (البقرة:143)، وعن عائشة -رضي الله عنها-قالت: "مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ" (متفق عليه)، وقال سلمان لأبي الدرداء: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (صَدَقَ سَلْمَانُ) (رواه البخاري).
    خاتمة:
    - تذكير بالقصة والإشارة إلى فضل الاستقامة على دين الله -سبحانه وتعالى-.
    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـ
    (1) أي: دون سائر المزارع من حولها، وهذا أمر عجيب!
    (2) إشارة الى رعاية الله لهذا الرجل الصالح من خلال مشاهد: (كيف سخَّر الله البحر لحمل الخشبة، وتوجيهها الى جهة معينة، وعدم غرقها، أو أخذها من بعض السفن، وكيف سخر صاحب المال للخروج في وقت وصول الخشبة، وكيف سخره لأخذها، ونشرها، و... و... ).

    (3) والحكمة في تخصيص داود بالذكر: أن اقتصاره في أكله على ما يعمله بيده لم يكن من الحاجة؛ لأنه كان خليفة في الأرض كما قال الله: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ) (ص:26).
    (4) إن الحكايات المأسوية في هذا المعنى لا تُحصى. ومِن ذلك: قصة الرجل الذي كان معي في المخيم في الحج، وكان موظفًا كبيرًا في إحدى شركات البترول، فلما بلغ سن المعاش تغيرت معاملة زوجته وأولاده، واحتالوا عليه حتى كتب لهم أكثر ممتلكاته ثم أخرجوه من المنزل في مواقف مؤلمة، ثم شاء الله له خيرًا من أهله وولده، فتزوج من امرأة صالحة رضيت بحاله، أغناه الله معها، حيث عاد إلى عمله مستشارًا، فتحسنت أحواله المادية مرة أخرى وخرج مع هذه الزوجة للحج شكرًا لله -عز وجل-.

  4. #64
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,785

    افتراضي رد: دروس من القصص

    دروس من قصة المفاخِر بآبائه


    كتبه/ سعيد محمود
    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    المقدمة:

    - مِن هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- التربية بالقصص؛ لما فيه مِن العِبَر والدروس: قال -تعالى-: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (يوسف:111).
    - مِن هذا القصص التربوي ما فيه الترهيب من الأخلاق الذميمة، والتي منها المفاخرة بالآباء الفاسدين والكافرين: روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي بن كعب قال: انْتَسَبَ رَجُلَانِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بْنِ فُلَانٍ، فَمَنْ أَنْتَ لَا أُمَّ لَكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (انْتَسَبَ رَجُلَانِ عَلَى عَهْدِ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، حَتَّى عَدَّ تِسْعَةً، فَمَنْ أَنْتَ لَا أُمَّ لَكَ؟ قَالَ: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ ابْنُ الْإِسْلَامِ. قَالَ: فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: أَنَّ هَذَيْنِ الْمُنْتَسِبَيْ نِ، أَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الْمُنْتَمِي أَوِ الْمُنْتَسِبُ إِلَى تِسْعَةٍ فِي النَّارِ، فَأَنْتَ عَاشِرُهُمْ، وَأَمَّا أَنْتَ يَا هَذَا الْمُنْتَسِبُ إِلَى اثْنَيْنِ فِي الْجَنَّةِ، فَأَنْتَ ثَالِثُهُمَا فِي الْجَنَّةِ) (رواه أحمد والبيهقي في شعب الإيمان، وصححه الألباني).
    - شرح مجمل للقصة، ثم الإشارة إلى الدروس المستفادة كعناوين.

    (1) الناس سواسية من حيث الأصل:

    - لا اختصاص لواحدٍ مِن البشر بفضيلة، باعتبار الأصل الذي خلق منه: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى) (رواه أحمد، وصححه الألباني).
    - هذا الاختلاف بين البشر في الأشكال والألوان، آية من آيات الله؛ ليتمايز الناس وليتعارفوا، وليتعاونوا على الخير، وإكمال رسالة أبيهم آدم: قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات:13).
    - ولكن أكثر الناس يجهلون هذه الحقيقة أو ينسونها؛ ولذلك تكثر الخصومات والعداوات والحروب المدمرة بين البشر(1): فعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: كُنَّا في غَزَاةٍ فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ، رَجُلًا مِنَ الأنْصَارِ، فَقالَ الأنْصَارِيُّ: يا لَلْأَنْصَارِ، وقالَ المُهَاجِرِيُّ: يا لَلْمُهَاجِرِين َ، فَسَمِعَ ذلكَ رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقالَ: (ما بَالُ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ)، قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الأنْصَارِ، فَقالَ: (دَعُوهَا، فإنَّهَا مُنْتِنَةٌ) (متفق عليه).
    - أعداء الإسلام في كل زمان يحيون هذه النعرة -الفخر بالآباء ولمز الآخرين- في قلوب المؤمنين لتفريقهم: قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير قوله -تعالى-: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) (آل عمران:103)، قال: "وقد ذكر محمد بن إسحاق وغيره: أن هذه الآية نزلت في شأن الأوس والخزرج، وذلك أن رجلًا مِن اليهود، مر بملأ مِن الأوس والخزرج، فساءه ما هم عليه مِن الاتفاق والألفة، فبعث رجلًا معه، وأمره أن يجلس بينهم، ويذكرهم ما كان من حروبهم يوم بعاث وتلك الحروب، ففعل، فلم يزل ذلك دأبه حتى حميت نفوس القوم، وغضب بعضهم على بعض، وتثاوروا، ونادوا بشعارهم، وطلبوا أسلحتهم، وتواعدوا إلى الحرة، فبلغ ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- فأتاهم فجعل يسكنهم، ويقول: أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ وتلا عليهم هذه الآية، فندموا على ما كان منهم، واصطلحوا وتعانقوا، وألقوا السلاح -رضى الله عنهم-" (تفسير ابن كثير).
    - ولذلك اشتد النبي -صلى الله عليه وسلم- في محاربة هذا المرض الخبيث ليقيه أمته: فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لينتهيَنَّ أقوامٌ يفتخرونَ بِآبائِهِمُ الذينَ ماتُوا، إِنَّما هُمْ فَحْمُ جهنمَ، أوْ ليكونُنَّ أَهْوَنَ على اللهِ مِنَ الجُعَلِ، الذي يُدَهْدِهُ الخِرَاءَ بِأنْفِهِ، إِنَّ اللهَ قد أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الجاهليةِ، وفَخْرَها بِالآباءِ، إِنَّما هو مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، أوْ فَاجِرٌ شَقِيٌّ، الناسُ كلُّهُمْ بَنُو آدمَ، وآدَمُ خُلِقَ من تُرَابٍ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني). وقال: (لَا تَفْتَخِرُوا بِآبَائِكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَمَّا يُدَهْدِهُ الْجُعَلُ بِمَنْخِرَيْهِ خَيْرٌ مِنْ آبَائِكُمُ الَّذِينَ مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ) (رواه أحمد وابن حبان، وصححه الألباني).

    (2) الناس يتفاضلون عند الله بالدين والصلاح:

    - لا يتفاضل الناس عند الله بآبائهم وأجدادهم، ولا بأشكالهم وقبائلهم، وإنما بالتقى والصلاح: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ) (رواه مسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى) (سبق تخريجه)، وقال -تعالى-: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعراء:88-89).
    - يكرم الإنسان بكرم آبائه وأجداده الأتقياء، إن هو أحبهم وسار على نهجهم وطريقتهم، وعند ذلك حُق له أن يتعزز بانتسابه إليهم: قال الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف -عليه السلام-: (وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ) (يوسف:38).
    وفي القصة مِن قول الرجل الصالح: (أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ ابْنُ الْإِسْلَامِ)، ويروَى أن مثل هذا وقع لسلمان الفارسي -رضي الله عنه-، فقد ذكر جمع من الرجال، كان فيهم سلمان آباءهم، فلما جاء دور سلمان، قال: "أنا ابن الإسلام"، فلما بلغ عمر -رضي الله عنه- الخبر بكى، وقال: "وأنا ابن الإسلام"، ولما قيل عن صفية -رضي الله عنها-: إنها ابنة يهودي، قال لها النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّك ابْنة نَبِيٍّ وَإِنَّ عَمَّكِ لَنَبِيٌّ وَإِنَّكِ لَتَحْتَ نَبِيٍّ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).
    ولما قال رستم قائد الفرس لربعي بن عامر: من أنتم؟ قال: "نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة"؛ ولم يفتخر بآباء ولا أجداد!
    - أما المفاخر بالأباء والأجداد الكفرة والفسقة الذين عاثوا في الأرض فساًدً، فطريقته غالبًا ستكون طريقتهم، ومصيره غالبًا يكون مِن مصيرهم: ففي القصة: (أمَّا أنتَ أيها المنتمي أو المنتَسِبُ إلى تسعةٍ في النَّارِ، فأنتَ عاشرُهم)، وفي قصة وفاة أبي طالب: (حتَّى قالَ أبو طَالِبٍ آخِرَ ما كَلَّمَهُمْ: علَى مِلَّةِ عبدِ المُطَّلِبِ،وأَ بَى أنْ يَقُولَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ) (متفق عليه).

    (3) أثر التربية النبوية بالقصة على الصدر الأول -رضي الله عنهم-:

    - لقد كانت القصة من أعظم الوسائل النبوية في التربية، ومعالجة الأمراض النفسية والقلبية التي تعرض، لانتزاع كبر الجاهلية من القلوب، وإبداله بالتواضع وكريم الأخلاق، ففي القصة لقن النبي -صلى الله عليه وسلم- المفاخر درسًا يردعه وأمثاله عن هذا الباطل بالمثال في الأمم السابقة: (أَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الْمُنْتَمِي أَوِ الْمُنْتَسِبُ إِلَى تِسْعَةٍ فِي النَّارِ، فَأَنْتَ عَاشِرُهُمْ، وَأَمَّا أَنْتَ يَا هَذَا الْمُنْتَسِبُ إِلَى اثْنَيْنِ فِي الْجَنَّةِ، فَأَنْتَ ثَالِثُهُمَا فِي الْجَنَّةِ).
    - ولقد كان أول مَن يطبق ما يقول تطبيقًا عمليًّا، ليكون لهم قدوة: عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: أتى النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- رجلٌ، فَكَلَّمَهُ، فجَعلَ ترعدُ فرائصُهُ، فقالَ لَهُ: (هوِّن عليكَ، فإنِّي لستُ بملِكٍ، إنَّما أَنا ابنُ امرأةٍ تأكُلُ القَديدَ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني)، وكان يقول: (آكُلُ كَمَا يَأكُلُ الْعَبْدُ، وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ) (رواه ابن حبان والبيهقي، وصححه الألباني).
    - الصدر الأول خير مَن تعلم واقتدى به -صلى الله عليه وسلم-: فعن عروة بن الزبير-رضى الله عنه- قال: "رأيت عمر بن الخطَّاب -رضي الله عنه- على عاتقه قربة ماء، فقلت: يا أمير المؤمنين، لا ينبغي لك هذا، فقال: لما أتاني الوفود سامعين مطيعين دَخَلَت نفسي نخوة، فأردت أن أكسرها" (ذكره القشيري في الرسالة القشيرية)، وذكر ابن سعد في الطبقات عن رجاء بن حيوة، قال: "سَمَرْتُ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَعَشِيَ السِّرَاجُ فَقُلْتُ: أَلَا أُنَبِّهُ هَذَا الْغُلَامَ يُصْلِحُهُ؟ فَقَالَ: لَا، دَعْهُ يَنَامُ. فَقُلْتُ: أَفَلَا أَقُومُ أُصْلِحُهُ؟ فَقَالَ: لَا، لَيْسَ مِنْ مُرُوءَةِ الرَّجُلِ اسْتِخْدَامُ ضَيْفِهِ. ثُمَّ قَامَ بِنَفْسِهِ فَأَصْلَحَهُ وَصَبَّ فِيهِ زَيْتًا، ثُمَّ جَاءَ وَقَالَ: قُمْتُ وَأَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَجِئْتُ وَأَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ" (البداية والنهاية).

    (4) خاتمة: أمور تعين على التواضع واجتناب الكبر:

    1- شهود ضعف النفس وعيوبها: قال -تعالى-: (فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ . خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ . يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ) (الطارق:5-7)، وقال الأحنف بن قيس: "عجبًا لابن آدم يتكبر وقد خرج من مجرى البول مرتين" (إحياء علوم الدين للغزالي).
    2- تذكر عاقبة الكبر: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يُحشَرُ المتَكَبِّرونَ يومَ القيامةِ أمثالَ الذَّرِّ في صُوَرِ الرِّجالِ يغشاهمُ الذُّلُّ من كلِّ مَكانٍ، يُساقونَ إلى سجنٍ في جَهَنَّمَ يسمَّى بولُسَ، تعلوهُم نارُ الأَنْيار، ِ يَسقونَ من عُصارةِ أَهْلِ النَّارِ طينةَ الخبالِ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).
    3- ترك نفيس الطعام والشراب: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ تَرَكَ اللِّباس تَواضُعًا للَّه، وَهُوَ يَقْدِرُ علَيْهِ، دعاهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رُؤُوسِ الخَلائِقِ حَتَّى يُخيِّره منْ أَيِّ حُلَلِ الإِيمان شَاءَ يلبَسُها) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).
    4- مجالسة المساكين والفقراء الصالحين وزيارتهم، لا سيما لمن كان كثير المجالسة للكبراء والوجهاء: قال -تعالى- للنبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) (الكهف:28).
    "ومرَّ الحسن -رحمه الله - على صبيانٍ معهم كسر خبزٍ، فاستضافوه، فنزل فأكل معهم، ثم حملهم إلى منزله فأطعمهم وكساهم، وقال: "اليد لهم؛ لأنهم لا يجدون شيئًا غير ما أطعموني، ونحن نجد أكثر منه" (مدارك السالكين).
    فاللهم اجعلنا من عبادك المتواضعين.
    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــــــــ
    (1) وأنت ترى آثار ذلك في الشعب الواحد (أبيض وأسود - غني وفقير)، والأمة الواحدة (شامي ومصري، وإفريقي وخليجي، وفارسي وعثماني)، وهذا من أخلاق الجاهلية، فلقد كانت القبيلة والقومية في الجاهلية راية يقاتل من تحتها.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •