تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


صفحة 3 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة
النتائج 41 إلى 60 من 64

الموضوع: دروس من القصص

  1. #41
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,790

    افتراضي رد: دروس من القصص

    دروس مِن قصة نبي الله موسى -عليه السلام- (6)


    بنو إسرائيل وفتنة العافية
    كتبه/ سعيد محمود
    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    مقدمة:
    - مكَّن الله لبني إسرائيل بإهلاك الفراعنة الذين ساموهم سوء العذاب، وأورثهم الأرض مِن بعدهم: قال الله -تعالى-: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ) (الأعراف:137).
    - شكر نعمة التمكين هو إقامة الدين: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (الحج:41)، وقال -تعالى-: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُم ْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (إبراهيم:7).
    - ولذا كان موسى -عليه السلام- يحذرهم مِن الفتنة بعد التمكين: (قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى? رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَك ُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) (الأعراف:129).
    - ولكن... صبر بنو إسرائيل على المحنة والقهر أيام الفرعون، ولم يصبروا على امتحان العافية والحرية بعد زواله: قال الله -تعالى-: (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (الأنبياء:35)، وقال -تعالى-: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا) (الفرقان:20).

    مِن مظاهر فتنة العافية في بني إسرائيل:
    تنبيه: يمكن تقسيم الموعظة على أسبوعين، أو يكون القسم الآخر بعد الصلاة، وهو أنسب لاتصال الفكرة.
    1- البطر على نعمة الله:
    قال -تعالى-: (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ . وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُ مْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) (البقرة:49-50)، وقال -تعالى-: (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (البقرة:57)، وقال: (وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) (البقرة:60).
    - ملخص الآيات: يذكر -تعالى- منته وإحسانه على بني إسرائيل، بما نجاهم مِن أعدائهم، وخلصهم مِن الضيق والحرج، وأنه -تعالى- أنزل عليهم في حال شدتهم وضرورتهم في سفرهم في الأرض التي ليس فيها زرع ولا ضرع، أنزل منًّا مِن السماء: وهو طعام طيب، والسلوى: وهو طير شهي، فيأخذون كفايتهم فيها بغير كلفة ولا تعب، وإذا كان الحر والشمس ظلل الله عليهم الغمام، وهو السحاب الذي سترهم، وأنبع بهم الماء، حيث ضرب موسى -عليه السلام- الحجر فتنفجر منه اثنتا عشرة عينًا، لكل سبط منهم عين تتفجر ماءً زلالاً، فيستقون ويسقون دوابهم، ويدخرون كفايتهم، وهذه نعم مِن الله وعطايا جسيمة؛ فما رعوها حق رعايتها، ولا قاموا بشكرها وحق عبادتها، ثم ضجر كثير منهم منها وتبرموا بها، وسألوا الذي هو أدنى! كما قال الله -تعالى- عنهم: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُو نَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ) (البقرة:61).

    دروس وعبر:
    - البطر حال أهل الغفلة، والشكر حال أهل اليقظة: قال الله -تعالى- عن قوم سبأ: (فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُم ْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) (سبأ:19)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) (رواه مسلم).
    - صور مشرفة مِن أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-: "يقضون ليلة فتح مكة في عبادة وصلاة - زهد عمر بن الخطاب أمير المؤمنين وقد فُتحت له الأمصار، وكان يقول: أخشى أن أكون مِن الذين قال الله عنهم فيهم: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُ مْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ) (الأحقاف:20).
    2- حنينهم إلى الوثنية:
    قال الله -تعالى-: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ . إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) (الأعراف:138-140).
    - ملخص الآيات: يخبر -تعالى- عن بني إسرائيل، بعد خروجهم مِن البحر، وقد عاينوا مِن آيات الله وقدرته، ما دلهم على صدق ما جاء به موسى -عليه السلام- مِن أنهم مروا على قوم يعبدون أصنامًا، فكأنهم سألوهم: لمَ تعبدونها، فزعموا لهم أنها تنفعهم ويسترزقون بها عند الضرورات، فكأن بعض الجهال منهم صدقوا في ذلك، فسألوا نبيهم الكليم أن يجعل لهم آلهة كما لأولئك آلهة، فقال لهم مبينًا أنهم لا يعقلون ولا يهتدون، ثم ذكرهم نعمة الله عليهم في تفضيله إياهم على عالمي زمانهم بالعلم والشرع والرسول الذي بيْن أظهرهم.

    دروس وعبر:
    - الحذر مِن استحسان ما عليه الكفار وأصحاب البدع والضلال ولو بقصد الخير: "العلمانية - التشيع - الصوفية - ... ": فعن أبي واقد الليثي -رضي الله عنه- قال: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمَّا خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ مَرَّ بِشَجَرَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ يُعَلِّقُونَ عَلَيْهَا أَسْلِحَتَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (سُبْحَانَ اللَّهِ، هَذَا كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: (اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ)، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).
    - التنبيه على الفرق بيْن الفريقين: فبنو إسرائيل كانوا مسلمين منذ زمنٍ طويل، وأصحاب النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- الذين قالوا ذلك، كانوا حدثاء عهد بالإسلام "نحو شهر"، وبنو إسرائيل قالوا كفرًا صريحًا، ومسلمو الفتح وقعوا في التبرك الممنوع وهو ذريعة إلى الشرك على أحد القولين؛ فيكون شركًا أصغر، وعلى القول الآخر يكون شركًا أكبر.
    3- عبادتهم العجل:
    قال الله -تعالى-: (وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى . قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى . قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ . فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي . قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ . فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ . أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا . وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي . قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى . قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا . أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي . قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي . قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ . قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي . قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّه ُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا . إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) (طه:83-98).
    - ملخص الآيات: يذكر -تعالى- ما كان مِن أمر بني إسرائيل، حين ذهب موسى -عليه السلام- إلى ميقات ربه ويسأله موسى -عليه السلام- عن أشياءَ كثيرة؛ فعمد رجلٌ منهم يُقال له السامري، فأخذَ ما كانوا أخذوه مِن حُلي قبط مصر، فصاغ منه عِجلاً وألقى فيه قبضة مِن التراب، كان قد أخذها مِن أثر فرس جبريل -عليه السلام- حين رآه يوم أغرق الله فرعون على يديه، فلما ألقاها فيه خار كما يخور العجل الحقيقي. ويُقال: إنه استعمل عجلاً جسدًا. وقيل: بل كانت الريح إذا دخلت مِن دبره، خرجت مِن فمه، فيخور كما تخور البقرة؛ فيرقصون حوله ويفرحون!
    ولما رجع موسى -عليه السلام- إليهم، ورأى ما هم عليه مِن عبادة العجل، ومعه الألواح المتضمنة التوراة، ألقاها حين عاين ما عاين، ثم أقبل عليهم؛ فعنفهم ووبخهم وهجنهم في صنيعهم هذا القبيح، فاعتذروا إليه بما ليس بصحيح مِن أنهم تحرجوا مِن تملك حلي آل فرعون، وهم أهل حرب، وقد أمرهم الله بأخذه وأباحه لهم.
    ثم أقبل على أخيه هارون -عليه السلام- قائلاً: هلا لما رأيت ما صنعوا اتبعتني فأعلمتني بما فعلوا، فقال هارون: إني خشيت مِن تركهم وأنتَ قد استخلفتني فيه، فيزدادوا تفرقًا وضلالاً، وكان -عليه السلام- نهاهم عن هذا الصنيع الفظيع أشد النهي حتى كاد بعضهم أن يقتله!
    ثم أقبل موسى -عليه السلام- على السامري معنفًا، داعيًا عليه بأن لا يمس أحد، معاقبة له على مس ما لم يكن له مسه، ثم عمد إلى هذا العجل فحرقه ثم ذراه في البحر، ثم أخبرهم موسى -عليه السلام- بتوبة الله على مَن يتوب بشرط القتل، كما قال الله -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (البقرة:54)، فقاموا إلى الذين عبدوا العجل فقتلوهم عن آخرهم (قصص الأنبياء لابن كثير، بتصرف).

    دروس وعبر:
    - أثر مخالطة الكفار والإقامة معهم "تأثر بني إسرائيل بالفراعنة في معبوداتهم على مرِّ الزمان": قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ؟ قَالَ: (لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني).
    - إعمال قاعدة اختيار أخف الضررين بالحفاظ على الجماعة، ومحاولة إصلاح الفساد الناشئ: (قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي).
    4- نكولهم عن دخول الأرض المقدسة:
    قال الله -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ . يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ . قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ . قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ . قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ . قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) (المائدة:20-26).
    - ملخص الآيات: يخبر الله -تعالى- أن موسى -عليه السلام-، لما انفصل عن بلاد مصر وواجه بلاد بيت المقدس، وجد فيها قومًا جبارين، فأمر بني إسرائيل بالجهاد، والدخول عليهم ومقاتلتهم وإجلائهم إياهم مِن بيت المقدس، فإن الله كتبه لهم، ووعده إياه على لسان إبراهيم الخليل -عليه السلام-، فأبوا ونكلوا عن الجهاد، وخافوا مِن الجبارين، وقد عاينوا هلاك الفراعنة، وهو أكثر تجبرًا مِن هؤلاء وأشد بأسًا، وأصروا على النكول، فسلط الله عليهم الخوف وألقاهم في التيه، يسيرون ويرحلون ويذهبون ويجيئون، لا يعرفون قرارًا، مدة مِن السنين الطويلة، وكان بذلك الفراق لهم مِن موسى -عليه السلام-.

    دروس وعبر:
    - لا يصلح للجهاد مَن أمتلئ قلبه بالدنيا: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَقَالَ لِقَوْمِهِ: لاَ يَتْبَعْنِي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا، وَلَمَّا يَبْنِ بِهَا، وَلاَ أَحَدٌ بَنَى بُيُوتًا وَلَمْ يَرْفَعْ سُقُوفَهَا، وَلاَ أَحَدٌ اشْتَرَى غَنَمًا أَوْ خَلِفَاتٍ وَهُوَ يَنْتَظِرُ وِلاَدَهَا) (متفق عليه).
    - صورة مشرِّفة مِن أصحاب محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-: "أقوال الصحابة يوم مشاورة النبي -صلى الله عليه وسلم- لهم قبْل معركة بدر".

    خاتمة:
    - موسى -عليه السلام- يحج قبْل وفاته: عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَرَّ بِوَادِي الْأَزْرَقِ، فَقَالَ: (أَيُّ وَادٍ هَذَا؟) فَقَالُوا: هَذَا وَادِي الْأَزْرَقِ، قَالَ: (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ هَابِطًا مِنَ الثَّنِيَّةِ، وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللهِ بِالتَّلْبِيَةِ)، ثُمَّ أَتَى عَلَى ثَنِيَّةِ هَرْشَى، فَقَالَ: (أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟) قَالُوا: ثَنِيَّةُ هَرْشَى، قَالَ: (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ جَعْدَةٍ عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ، خِطَامُ نَاقَتِهِ خُلْبَةٌ وَهُوَ يُلَبِّي) (رواه مسلم).
    وهكذا كانت هذه الأحوال مِن بني إسرائيل مقدمات على طريق كفرهم، وتحريفهم لما أٌنزل عليهم، وهو ما يظهر في كفرهم بالمسيح -عليه السلام-، كما يأتي قريبًا -إن شاء الله-.


  2. #42
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,790

    افتراضي رد: دروس من القصص

    دروس مِن قصة نبي الله أيوب -عليه السلام-


    كتبه/ سعيد محمود

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    مقدمة وتعريف:

    - تنبيه: تجاوزنا الترتيب الزمنى للأنبياء؛ نظرًا لطول قصة نبي الله يوسف -عليه السلام-، والتي تأتي مع القصص الطوال -إن شاء الله-.
    - تعريف بالنبي: هو أيوب بن موص الذي يمتد نسبه إلى نبي الله إبراهيم -عليه السلام-، قال الله -سبحانه وتعالى-: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ . وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ... ) (الأنعام:83- 84).
    - كثر الأنبياء في بني إسرائيل؛ ولذا كان بعضهم يعالِج خللاً في القوم بعد نبي قبله، ولعل أيوب -عليه السلام- كان كذلك، مثال: يوشع بن نون كان يعالج الخلل الإيماني في قومه بعد موسى وهارون -عليهما السلام-.
    أيوب -عليه السلام- وقصة الصبر الجميل:
    - ذكر ملخص القصة ثم تلاوة الآيات: قال الله -تعالى-: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ . ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ . وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَابِ . وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (ص:41-44).
    - ذكر تفاصيل القصة: قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في الفتح: "أصح ما ورد في قصته ما أخرجه ابن أبي حاتم وصححه ابن حبان والحاكم مِن طريق نافع بن يزيد عن عقيل عن الزهري عن أنس -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِنَّ أَيُّوبَ نَبِيَّ اللَّهِ كَانَ فِي بَلائِهِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَرَفَضَهُ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ، إِلا رَجُلانِ مِنْ إِخْوَانِهِ كَانَا مِنْ أَخَصِّ إِخْوَانِهِ، كَانَا يَغْدُوَانِ إِلَيْهِ وَيَرُوحَانِ إِلَيْهِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَتَعْلَمُ، وَاللَّهِ لَقَدْ أَذْنَبَ أَيُّوبُ ذَنْبًا مَا أَذْنَبَهُ أَحَدٌ، قَالَ صَاحِبُهُ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: مُنْذُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً لَمْ يَرْحَمْهُ اللَّهُ فَيَكْشِفُ عَنْهُ، فَلَمَّا رَاحَا إِلَيْهِ لَمْ يَصْبِرِ الرَّجُلُ حَتَّى ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ أَيُّوبُ: لا أَدْرِي مَا يَقُولُ غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ أَمُرُّ عَلَى الرِّجْلَيْنِ يَتَنَازَعَانِ فَيَذْكُرَانِ اللَّهَ فَأَرْجِعُ إِلَى بَيْتِي فَأُكَفِّرُ عَنْهُمَا كَرَاهِيَةَ أَنْ يُذْكَرَ اللَّهُ إِلا فِي حَقٍّ، قَالَ: وَكَانَ يَخْرُجُ إِلَى حَاجَتِهِ فَإِذَا قَضَى حَاجَتَهُ أَمْسَكَتِ امْرَأَتُهُ بِيَدِهِ حَتَّى يَبْلُغَ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَبْطَأَ عَلَيْهَا وَأُوحِيَ إِلَى أَيُّوبَ فِي مَكَانِهِ أَنِ: (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ)، فَاسْتَبْطَأَتْ هُ، فَلَقِيَتْهُ يَنْتَظِرُ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهَا قَدْ أَذْهَبَ اللَّهُ مَا بِهِ مِنَ الْبَلاءِ، وَهُوَ عَلَى أَحْسَنِ مَا كَانَ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ: أَيْ بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ، هَلْ رَأَيْتَ نَبِيَّ اللَّهِ هَذَا الْمُبْتَلَى؟ وَوَاللَّهِ عَلَى ذَلِكَ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ بِهِ مِنْكَ إِذْ كَانَ صَحِيحًا، قَالَ: فَإِنِّي أَنَا هُوَ، وَكَانَ لَهُ أَنْدَرَانِ أَنْدَرٌ لِلْقَمْحَ وَأَنْدَرٌ لِلشَّعِيرِ، فَبَعَثَ اللَّهُ سَحَابَتَيْنِ، فَلَمَّا كَانَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى أَنْدَرِ الْقَمْحِ أَفْرَغَتْ فِيهِ الذَّهَبَ حَتَّى فَاضَ، وَأَفْرَغَتِ الأُخْرَى عَلَى أَنْدَرِ الشَّعِيرِ الْوَرِقَ حَتَّى فَاضَ) (رواه أبو يعلى وابن حبان، وصححه الألباني)".
    - وذكر المفسرون أن أيوب -عليه السلام- اُبتلي في كل شيء مِن أمر الدنيا؛ فابتلي بالمرض في كل بدنه، فلم يبقَ شيء سليم إلا لسانه، وابتلي بموت كل ولده فلم يبقَ منهم واحد، وابتلي بفقد ماله، فلم يبقَ له زرع ولا ضرع ولا درهم ولا مُلك، حتى جعلت امرأته تخدم الناس حتى تطعمه، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

    دروس مِن القصة:

    1- الابتلاء سنة الله في أوليائه المؤمنين:
    - البلايا والمحن للمؤمن تطهير وتزكية، ومنح وعطية: قال الله -تعالى-: (وَلَنَبْلُوَنَّ كُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة:155). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ) (رواه البخاري). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَا يَزَالُ الْبَلاَءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). (يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، وقال: (إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاَءِ) (رواه الترمذي وابن ماجه، وحسنه الألباني).
    - فليس البلاء علامة على هوان العبد على ربه كما ظن صاحب أيوب: فعن مصعب بن سعد عن أبيه قال: قُلْتُ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاَءً؟" قَالَ: (الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاَؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاَءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).
    - وليست العافية مِن البلاء علامة على الكرامة، بل قد يكون الأمر على العكس: فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (هَلْ أَخَذَتْكَ أُمُّ مِلْدَمٍ قَطُّ؟)، قَالَ: "وَمَا أُمُّ مِلْدَمٍ؟" قَالَ: (حَرٌّ يَكُونُ بَيْنَ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ)، قَالَ: "مَا وَجَدْتُ هَذَا قَطُّ"، قَالَ: (فَهَلْ أَخَذَكَ هَذَا الصُّدَاعُ قَطُّ؟)، قَالَ: "وَمَا هَذَا الصُّدَاعُ؟"، قَالَ: (عِرْقٌ يَضْرِبُ عَلَى الإِنْسَانِ فِي رَأْسِهِ)، قَالَ: "مَا وَجَدْتُ هَذَا قَطُّ"، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ: (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا) (رواه أحمد، وصححه الألباني).
    - البلايا والمحن تزهد في الدنيا وترغب في الآخرة، وهكذا الطريق إلى الجنة: قال الله -تعالى-: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا) (البقرة:214). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (يُنَادِي مُنَادٍ: إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلاَ تَسْقَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلاَ تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلاَ تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلاَ تَبْتَئِسُوا أَبَدًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (رواه مسلم).
    2- فضل الصبر والرضا بقضاء الله:
    - صبر أيوب على البلاء كان طلبًا للدرجات العلى: وهذا الصبر الاختياري أفضل مِن الصبر الاضطراري؛ فهو اختيار الأشد والعزيمة لمن علم مِن نفسه القدرة على ذلك، وعن عطاء قال: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أَلاَ أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ أَتَتِ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللَّهَ لِي. قَالَ: (إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ). قَالَتْ: أَصْبِرُ. قَالَتْ: فَإِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ لاَ أَتَكَشَّفَ. فَدَعَا لَهَا. (متفق عليه).
    - الصبر أعظم عطية، وأجره يدل عليه: قال -صلى الله عليه وسلم-: (وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ) (متفق عليه).
    - الصابرون أهل ذكر الله في الملأ الأعلى وأهل رحمته وهدايته: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) (البقرة:155-157).
    - الصابرون أهل محبة الله: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) (آل عمران:146).
    - الصابرون لهم أجر غير ممنون: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر:10).
    - الصابرون هم الفائزون: (إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ) (المؤمنون:111).
    3- فضل الدعاء:
    - كان أيوب -عليه السلام- يدعو ربه صابرًا، ثم دعا ربه كالمقسِم على ربه لما كان أمر قومه مِن سوء الظن به؛ فلا يُتوهم أنه ترك الدعاء لمقامه، أو أن الله عليم بحاله وغني عن سؤاله -كما يظن بعض الصوفية!-، وقد كان النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- يدعو: (اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي بَدَنِي، اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي سَمْعِي، اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي بَصَرِي... ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جَهْدِ الْبَلاَءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ الْقَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ) (رواه البخاري).
    - تأمل دعاء أيوب -عليه السلام- العظيم وما يحمله مِن الافتقار والتذلل؛ فاقتده: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (الأنبياء:83)، (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ) (ص:41).
    - جاء عند بعض المفسرين: "فجزع أيوب مِن قولهما... وخرَّ ساجدًا، فقال: اللهم إن كنتَ تعلم أني لم أبت ليلة قط وأنا أعلم مكان جائع، فصدقني. اللهم إن كنت تعلم أني لم يكن لي قميصان قط وأنا أعلم مكان عار فصدقني، فصدق مِن السماء وهما يسمعان. ثم قال: "اللهم بعزتك لا أرفع رأسي أبدًا حتى تكشف عني".
    - السميع المجيب يجيب الصادقين: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ) (الأنبياء:84)، (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ) (الصافات:75).
    4- جزاء الصبر والتوكل على الله:
    - جعل الله -تعالى- أيوب -عليه السلام- رمزًا للصبر: قال الله -تعالى-: (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (ص:44). وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ أَيُّوبَ نَبِيَّ اللَّهِ كَانَ فِي بَلائِهِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً).
    - المال الوافر كالمطر: قال -صلى الله عليه وسلم-: (وَكَانَ لَهُ أَنْدَرَانِ أَنْدَرٌ لِلْقَمْحَ وَأَنْدَرٌ لِلشَّعِيرِ، فَبَعَثَ اللَّهُ سَحَابَتَيْنِ، فَلَمَّا كَانَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى أَنْدَرِ الْقَمْحِ أَفْرَغَتْ فِيهِ الذَّهَبَ حَتَّى فَاضَ، وَأَفْرَغَتِ الأُخْرَى عَلَى أَنْدَرِ الشَّعِيرِ الْوَرِقَ حَتَّى فَاضَ). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (بَيْنَمَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا خَرَّ عَلَيْهِ رِجْلُ جَرَادٍ مِنْ ذَهَبٍ فَجَعَلَ يَحْثِي فِي ثَوْبِهِ. فَنَادَى رَبُّهُ: يَا أَيُّوبُ أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ وَلَكِنْ لاَ غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ) (رواه البخاري).
    - وكذلك امرأة أيوب -عليه السلام- لما أحسنت؛ جعل الله لها مِن أمرها مخرجًا: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) (الطلاق:2)، (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ) (ص:44)، وكان حلف ليضربن امرأته مائة سوط، واختلف المفسرون في السبب.
    5- أسباب معينة على الصبر:
    1- تدبر ما ورد مِن آيات وأحاديث في فضل الصبر والرضا، والتصبر حتى يصبر: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ) (متفق عليه).
    2- أن يعلم أن هذا قدر الله الذي قدره مِن قبْل خلق السماوات والأرض: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (الحديد:22).
    3- أن ينظر إلى مَن هو أشد منه ابتلاءً؛ فتهون عليه مصيبته أو يقدر أنها كانت أشد مِن ذلك.
    4- أن يقدر أن ذلك المكروه قد يكون هو الخير العظيم: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) (البقرة:216).
    5- أن ينظر في النعم الباقية عنده ويقدر قيمتها: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) (إبراهيم:34). وذُكر في ترجمة عروة بن الزبير -رضي الله عنه-: "أنه قد أصابت رجله الأكلة وهو في أثناء سفره، فجاء الطبيب ورأى قطعها فقطعت، ثم وهو في طريقه أخبر بموت ولده ركضته بغلة في إسطبل، فما زاد عن قوله: اللهم إنه كان لي بنون سبعة فأخذت واحدًا وأبقيت ستة، وكان لي أطراف أربعة فأخذت واحدًا وأبقيت ثلاثة؛ فإن ابتليت فقد عافيت، ولئن أخذت فقد أبقيت" (مواقف إيمانية).
    فاللهم إنا نسألك الثبات على الحق، والرشاد في الأمر.


  3. #43
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,790

    افتراضي رد: دروس من القصص

    دروس مِن قصة نبي الله عيسى -عليه السلام- (1)

    مريم -عليها السلام- "الولادة والاصطفاء"
    كتبه/ سعيد محمود


    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛


    مقدمة:
    - الإشارة إلى استكمال سلسلة مواعظ "دروس مِن قصص الأنبياء -عليهم السلام-"، وأهمية تناول قصة نبي الله عيسى -عليه السلام- لبيان العقيدة الإسلامية فيه، وأنها العقيدة الوسطية بيْن إفراط النصارى، وتفريط اليهود وغيرهم.


    1- تمهيد: جملة مختصرة للعقيدة الإسلامية في عيسى -عليه السلام-:
    - هو عبد الله الله ورسوله، المسيح عيسى ابن مريم بنت عمران، آخر أنبياء بني إسرائيل، بُعث إليهم بالإنجيل مصدقـًا للتوراة.
    - الإيمان به ركن لا يصح الإسلام بغيره: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ، وَابْنُ أَمَتِهِ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ) (متفق عليه).
    - تعتبر ولادة المسيح معجزة إلهية، حيث ولد بلا أب، وذلك على الله يسير.
    - رفع الله المسيح -عليه السلام- إليه في حفظه، لما حاول أعداؤه قتله صلبًا، وإنما قتلوا مَن أُلقي عليه شبهه.
    - ينزل المسيح في آخر الزمان، متبعًا للشريعة الإسلامية، ويقود المسلمين في حرب الدجال واليهود.
    - يمكث المسيح في الأرض مدة مِن الزمان، ويحج إلى بيت الله، ثم يموت ويدفنه المسلمون، ويصلون عليه.


    2- مجمل القصة في القرآن:
    - تعتبر سورة آل عمران أكثر سور القرآن تناولاً للقصة، ويرجع ذلك إلى قدوم وفد نصارى نجران على النبي -صلى الله عليه وسلم- في العام التاسع، فجعلوا يذكرون ما هم عليه مِن التثليث في الأقانيم، ويدًعون بزعمهم أن الله ثالث ثلاثة، فأنزل الله صدر السورة إلى ثلاثة وثمانون آية منها في الرد عليهم، تقرر أن عيسى -عليه السلام- عبد مِن عباد الله، خلقه وصوره في رحم أمه، وأنه خلقه مِن غير أب كما خلق آدم مِن غير أب وأم، وقال له كن فكان، وبيَّن -تعالى- أصل ميلاد أمه مريم -عليها السلام-، وكيف كان مِن أمرها، وكيف حملت بولدها عيسى -عليه السلام-، بل تحداهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالمباهلة على ذلك، فامتنعوا وخافوا.


    3- ولادة مريم الصديقة -عليها السلام-:
    قال الله -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ . ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ . فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (آل عمران:33-37).
    - ملخص الآيات: يذكر -تعالى- أنه اصطفى آدم -عليه السلام-، والخُلص مِن ذريته المتبعين شرعه الملازمين لطاعته، ثم خصص فقال: (وَآلَ إِبْرَاهِيمَ)؛ فدخل فيهم بنو إسماعيل، ثم ذكر فضل هذا البيت الطيب "وهم آل عمران"، والمراد بعمران هذا والد مريم -عليها السلام- مِن سلالة داود -عليه السلام-، وكان أبوها عمران صاحب صلاة بني إسرائيل في زمانه، وكان زكريا -عليه السلام- نبي ذلك الزمان زوج أخت مريم -عليها السلام-، وكانت أم مريم لا تَحْمَل لكبر سن أو نحوه، فاشتهت الولد، فنذرت لله إن حملتْ لتجعلن ولدها محررًا، أي: حبيسًا في خدمة بيت المقدس، فحملت بمريم -عليها السلام-: (فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى) أي: في خدمة بيت المقدس، فاستجاب الله لها في هذا كما تقبل منها نذرها، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا وَالشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ، إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا) (متفق عليه).
    فقامت أمها على رعايتها حتى بلغتْ مِن العمر ما تقدر به على الخدمة في بيت المقدس، فسلمتها إلى العبَّاد الذين هم مقيمون به، وكانت ابنة إمامهم، فتنازعوا فيها أيهم يكفلها، فأراد زكريا -عليه السلام- أن يستبد بها دونهم مِن أجل أن زوجته أختها، فاقترعوا بالأقلام، فساعدته المقادير فخرجت قرعته غالبة لهم، فأتخذ لها زكريا مكانًا شريفًا مِن المسجد ليدخله سواها، فكانت تعبد الله فيه وتقوم بما عليها مِن سدانة البيت إذا جاءت نوبتها، وتقوم بالعبادة ليلها ونهارها حتى صارت يضرب بها المثل بعبادتها في بني إسرائيل، واشتهرت بما ظهر عليها مِن الأحوال الكريمة والصفات الشريفة حتى إنه كان نبي الله زكريا -عليه السلام- كلما دخل عليها موضع عبادتها، يجد عندها رزقًا غريبًا في غير أوانه، فكان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، فيسألها: (أَنَّى لَكِ هَذَا) فتقول: (هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ).


    4- دروس وعبر:
    1- فرْقٌ كبير بيْن الأماني العالية والأماني الدنية "أمنية أم مريم - أمنيات السلف": (إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي)، وروى الحاكم في المستدرك عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال لأصحابه يومًا: "تَمَنَّوْا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَتَمَنَّى لَوْ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ مَمْلُوءَةٌ ذَهَبًا فَأَنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: تَمَنَّوْا. فَقَالَ رَجُلٌ: أَتَمَنَّى لَوْ أَنَّهَا مَمْلُوءَةٌ لَؤْلُؤًا أَوْ زَبَرْجَدًا أَوْ جَوَهِرًا، فَأَنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَتَصَدَّقُ. ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: تَمَنَّوْا، فَقَالُوا: مَا نَدْرِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ عُمَرُ: أَتَمَنَّى لَوْ أَنَّهَا مَمْلُوءَةٌ رِجَالا مِثْلَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ". (أين هذا مِن الأماني الدنية فضلاً عن الخسيسة عند كثير مِن الناس؟! فكم مِن الناس يتمنى أن يكون ولده عالمًا أو داعيًا إلى الله؟ وكم مِن الناس يتمنى أن يكون ولده طبيبًا أو مهندسًا ولو كان بعيدًا عن الدين والطاعة؟! وكم مِن الناس يتمنى أن يكون ولده لاعب كرة أو ممثلاً أو مغنيا؟!).
    2- بطلان بدعة الرهبانية "زكريا كان له زوجة وولد - والد مريم كان إمام بيت المقدس - أم مريم تدعو لذرية مريم": (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ) (آل عمران:38)، (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) (آل عمران:36)، وقال -تعالى-: (وَرَهْبَانِيَّة ً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) (الحديد:27).
    3- إنصاف المسلمين لمريم -عليها السلام- وقد أساء إليها مَن هي منهم نسبًا: قال الله -تعالى- عن اليهود: (وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا) (النساء:156)، وقال -تعالى- عن النصارى: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) (المائدة:116)، وقال: (مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (المائدة:75)، وقال في كتاب المسلمين: (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) (المائدة:42)، وقال نبي الإسلام -صلى الله عليه وسلم-: (حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ العَالَمِينَ: مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني).
    فاللهم صلِّ على عبدك ورسولك عيسى ابن مريم، وعلى أمه الصديقة البتول مريم، وسلِّم تسليمًا كثيرًا، واجمعنا بهم في جنات النعيم، مع نبيك محمد -صلى الله عليه وسلم-، وسائر الأنبياء والمرسلين.

  4. #44
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,790

    افتراضي رد: دروس من القصص

    دروس مِن قصة نبي الله عيسى -عليه السلام- (2)
    ولادة المسيح -عليه السلام-



    كتبه/ سعيد محمود
    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    مقدمة:

    - إشارة مختصرة إلى ما تقدم في المرة السابقة، والذي تختصره الآيات: قال الله -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ . ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ . فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (آل عمران:33-37)، (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) (المائدة:42).

    1- قصة الولادة:
    قال الله -تعالى-: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا . فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا . قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا . قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا . قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا . قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا . فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا . فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا . فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا . وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا . فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) (مريم:16-26).
    - ملخص الآيات: تقدَّم أن مريم -عليه السلام- لما جعلتها أمها محررة تخدم في بيت المقدس، وأنه كفلها زوج أختها -نبي ذلك الزمان- زكريا -عليه السلام-، وأنه أتخذ لها محرابًا، وهو المكان الشريف مِن المسجد لا يدخله أحدٌ عليها، وأنها لما بلغت اجتهدت في العبادة، فلم يكن لها نظير في فنون العبادات، وأنها خاطبتها الملائكة بالبشارة لها باصطفاء الله لها، وبأنه سيهب لها ولدًا يكون نبيًّا مؤيدًا بالمعجزات، وأنه يكون مِن غير أب؛ فتعجبت مِن ذلك! فأخبرتها الملائكة أن الله قادر على ما يشاء، فاستكانت لذلك وسلمت لأمر ربها، وعلمتْ أن هذا فيه محنة عظيمة لها، فإن الناس يتكلمون فيها بسببه؛ لأنهم لا يعلمون حقيقة الأمر، وإنما ينظرون إلى ظاهر الحال مِن غير تدبر أو تعقل.
    وكانت إنما تخرج مِن المسجد في زمن حيضها أو لبعض شأنها، فبينما هي يوم خرجت، وانفردت وحدها شرقي المسجد إذ بعث الله إليها الروح الأمين جبريل -عليه السلام- في هيئة بشرية، فلما رأته خافته، وقالت: أعوذ بالله منك إن كنت ممن يتقي الله، ويبالي بالاستعاذة، فأخبرها الملك أنه ليس مِن البشر، ولكنه ملك بعثه الله إليها ليهب لها ولدًا زكيًّا، قالت: كيف يكون لي ولد ولستُ ذات زوج، ولا أنا ممن يفعل الفاحشة، فأجابها الملك بأن ذلك أمر الله قضاه، وهو سهل عليه ويسير لديه، فإنه على ما يشاء قدير، ويكون مِن ذلك آية للناس ودلالة على عظيم قدرة الله الذي نوع في خلقهم، وأن هذا الغلام سيكون رحمة للعباد بأن يدعوهم إلى عبادة الله وحده في صغره وكبره، ثم نفخ الملك في جيب درعها فنزلت النفخة إلى فرجها فحملت عن فورها، كما قال الله -تعالى-: (فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا)، وما هو إلا أن حملت به فوضعته، وقد ألجأها الطلق إلى جذع نخلة وعند ذلك قالت: (يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا)، وذلك أنها علمتْ أن الناس يتهمونها ولا يصدقونها، مع أنها كانت مِن العابدات وهي مِن بيت النبوة والديانة، فعند ذلك أنطق الله الغلام، فقال: (أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) وهو النهر الصغير (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا) ولم يكن ذلك زمان التمر، ولكن خرق الله لها العادة إكرامًا وتثبيتًا، ثم قال لها: (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَ?نِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا)، أي: قولي لهم ذلك بلسان الحال والإشارة، وكان ذلك في شريعتهم، أما في شريعتنا؛ فيُكره للصائم صمت يوم إلى الليل.

    دروس وعبر مستفادة:

    1- ولادة المسيح أمر عجيب عند الناس، لكنها عند الله أمر يسير؛ فهناك ما هو أعجب في الخلق: قال الله -تعالى-: (أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ) (النازعات:27)، وقال: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) (البقرة:255)، وقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً) (النساء:1)، وقال: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) (آل عمران:59).
    2- ورع الصالحين يمنعهم مِن أخذ المشروع لهم في الدين إذا كان فيه شبهة عند الجاهلين: (يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا) (مريم:23)، وقال -تعالى- عن نبينا محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ) (الأحزاب:37).
    3- جواز تمني الموت عند خوف الفتنة في الدين: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا فَلْيَقُلْ: اللهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي) (متفق عليه).

    2- محنة مريم -عليها السلام- مع قومها:
    قال الله -تعالى-: (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا . يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا . فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا . قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا . وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا . وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا . وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا . ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ . مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ . وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ . فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (مريم:27-37).

    - ملخص الآيات:
    دلت الآيات على أنها حملت ولدها بنفسها وأتت به قومها تحمله، فلما رأوا ذلك قالوا: (لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا)، والفرية هي المنكرة العظيمة مِن الفعال والمقال، ثم قالوا: (يَا أُخْتَ هَارُونَ)، وكان لها أخ اسمه هارون، وكان مشهورًا بالعبادة والصلاح والخير، ولهذا قالوا: (مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا)، أي: لستِ مِن بيت هذا شيمتهم ولا سجيتهم؛ لا أخوك، ولا أبوك، ولا أمك؛ فاتهموها بالفاحشة العظمى، وربما اتهموا بها بعض الصالحين، كزكريا النبي -عليه السلام-، وابن خالتها يوسف النجار.
    فلما ضاق الحال وانحصر المجال، وامتنع المقال، عظم التوكل على ذي الجلال، ولم يبقَ إلا الإخلاص والاتكال (فَأَشَارَتْ إِلَيْه)، أي: خاطبوه وكلموه فإن جوابكم عليه، وما تبغون مِن الكلام لديه، فعندها قالوا: (قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا)، وما هذا منك إلا على سبيل التهكم بنا والاستهزاء، فعندها نطق الرضيع فقال: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ) معترفًا بالعبودية، تنزيهًا لله عن قول الظالمين الذين زعموا بعد ذلك أنه ابن الله (آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا . وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ) ثم برأ أمه مما نسبها إليه الجاهلون، فإن الله لا يعطي النبوة لولد زنا، وأنه مبارك حيث يحمل دعوة التوحيد أينما كان. (وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ) وظيفة العبودية على الجوارح. (وَالزَّكَاةِ) وظيفة العبودية على المال. (مَا دُمْتُ حَيًّا . وَبَرًّا بِوَالِدَتِي)، لتأكد حقها عليه. (وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا) أي: لستُ بفظ ولا غليظ. (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) أي السلامة عليَّ مِن الآثام والشرور في كل مراحل وجودي. (ذَ?لِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ) ثم ختمت الآيات بتقرير عبودية المسيح خلافًا لمَن عبدوه وجعلوه ولدًا لله -عز وجل-: (مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى? أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ).

    دروس وعِبَر مستفادة:

    1- الغلو في الأنبياء والمرسلين والصالحين، طريق الشرك على مرِّ الزمان؛ ولذلك كانت وظيفة الأنبياء حماية جناب التوحيد: (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا)، وعن أنس -رضي الله عنه- أن ناسًا قالوا: يَا مُحَمَّدُ يَا سَيِّدَنَا وَابْنَ سَيِّدِنَا، وَخَيْرَنَا وَابْنَ خَيْرِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِتَقْوَاكُمْ، لَا يَسْتَهْوِيَنَّ كُمُ الشَّيْطَانُ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَاللهِ مَا أُحِبُّ أَنْ تَرْفَعُونِي فَوْقَ مَنْزِلَتِي الَّتِي أَنْزَلَنِي اللهُ) (رواه أحمد، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لاَ تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ) (متفق عليه).
    2- المسيح -عليه السلام- أعظم مَن تكلم في المهد: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي المَهْدِ إِلَّا ثَلاَثَةٌ: عِيسَى، وَكَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ، كَانَ يُصَلِّي، جَاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ، فَقَالَ: أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي، فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لاَ تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ وُجُوهَ المُومِسَاتِ، وَكَانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ، فَتَعَرَّضَتْ لَهُ امْرَأَةٌ وَكَلَّمَتْهُ فَأَبَى، فَأَتَتْ رَاعِيًا فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَلَدَتْ غُلاَمًا، فَقَالَتْ: مِنْ جُرَيْجٍ فَأَتَوْهُ فَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ وَأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ، فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى ثُمَّ أَتَى الغُلاَمَ، فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ يَا غُلاَمُ؟ قَالَ: الرَّاعِي، قَالُوا: نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ؟ قَالَ: لاَ، إِلَّا مِنْ طِينٍ. وَكَانَتِ امْرَأَةٌ تُرْضِعُ ابْنًا لَهَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ رَاكِبٌ ذُو شَارَةٍ فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهُ، فَتَرَكَ ثَدْيَهَا وَأَقْبَلَ عَلَى الرَّاكِبِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى ثَدْيِهَا يَمَصُّهُ، ثُمَّ مُرَّ بِأَمَةٍ، فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هَذِهِ، فَتَرَكَ ثَدْيَهَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا، فَقَالَتْ: لِمَ ذَاكَ؟ فَقَالَ: الرَّاكِبُ جَبَّارٌ مِنَ الجَبَابِرَةِ، وَهَذِهِ الأَمَةُ يَقُولُونَ: سَرَقْتِ، زَنَيْتِ، وَلَمْ تَفْعَلْ) (متفق عليه).
    فائدة: رجح الأمين الشنقيطي في أضواء البيان أن الذي تكلم مِن تحتها هو ابنها عيسى -عليه السلام-، لقرينتين:
    الأولى: أن الضمير يرجع إلى أقرب مذكور، وأقرب مذكور هو عيسى -عليه السلام-.
    الثانية: أنها لما جاءت أشارت إليه ليكلموه، قرينة على أنها عرفتْ قبْل ذلك أنه يتكلم على سبيل خرق العادة.

    خاتمة:

    ولادة المسيح عيسى -عليه السلام- بلا أب، أو كونه تكلم في المهد، أو غير ذلك مِن المعجزات التي أيده الله بها، لا تسوغ الغلو فيه، وزعم الألوهية له، ولقد أيد الله المسيح -عليه السلام- بكثير مِن الآيات والمعجزات في مواجهة أعدائه المكذبين الذين انتشر فيهم السحر وعلم الطب، وهذا ما يظهر معنا عند الحديث عن دعوته -عليه السلام- في قومه.
    وهو ما يأتي عليه الحديث في المرة القادمة -إن شاء الله-.


  5. #45
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,790

    افتراضي رد: دروس من القصص

    دروس مِن قصة نبي الله عيسى -عليه السلام- (3) دعوته ومعجزاته ورفعه

    كتبه/ سعيد محمود

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    المقدمة:
    - الإشارة إلى ما تقدَّم باختصار: (ولادة المسيح ومحنة مريم -عليها السلام- مع قومها - تكلم المسيح في المهد بالعبودية والتوحيد).
    - ما يتضمنه حديث اليوم إجمالاً: (دعوة المسيح وما أيده الله به مِن المعجزات، وموقف بني إسرائيل منه، وكيف أنهم حاولوا قتله؛ فنجاه الله منهم ورفعه إليه، وما ترتب على ظنهم القتل والصلب له عندهم وغيرهم).

    1- دعوته -عليه السلام-:
    - دعوته إلى التوحيد والتبشير بنبوة محمد -صلى الله عليه وسلم-: قال الله -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) (الصف:6).
    - حفظ الله له وتأييده بالمعجزات: قال الله -تعالى-: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) (المائدة:110).
    - تكذيب عامة بني إسرائيل لدعوته (جمهور اليهود): قال الله -تعالى-: (وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ) (المائدة:110)، وقال: (فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ) (الصف:14).
    - تكوينه -عليه السلام- لجماعة صالحة تحمل دعوة الله إلى الناس وتنصر دينه ورسوله -صلى الله عليه وسلم-: قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قال عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّي نَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قال الْحَوَارِيُّون َ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ) (الصف:14). قال الله -تعالى-: (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّون َ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (آل عمران:52).
    - تبشيره -عليه السلام- بنبينا محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- وتحذيره بني إسرائيل مِن انقطاع النبوة فيهم مِن بعده: قال الله -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) (الصف:6).
    - درس وعبرة: معجزة كل نبي في زمانه بما يناسِب أهل ذلك الزمان، فعيسى -عليه السلام- بُعث في زمان انتشار الطب والحكماء؛ فأرسل بالمعجزات التي لا يستطيعونها. وموسى -عليه السلام- بُعث في زمن كثُر فيه السحرة الأذكياء؛ فبُعث بآياتٍ بهرت الأبصار وخضعت لها الرقاب، ومحمد -صلى الله عليه وسلم- بُعث في زمن الفصحاء البلغاء؛ فبعثه الله بالقرآن العظيم بلفظه المعجز، وقد تحدى به الإنس والجن أن يأتوا بمثله، أو بعشر سورٍ مِن مثله، أو بسورةٍ واحدةٍ؛ فما استطاعوا.

    2- رفعه -عليه السلام-:
    - اليهود بعد التكذيب يمكرون بالمسيح -عليه السلام- ويسعون في قتله: فحرضوا عليه ملك اليونان الذي كان يعبد الكواكب بأن المسيح -عليه السلام- يفسد الناس ويضلهم، ويفسد على الملك رعاياه، حتى أمر الملِك بقتله، ولكن... قال الله -تعالى-: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ . إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (آل عمران:54-55).
    - الله -عز وجل- يرفع نبيه إليه في حفظه إلى أن يعود قبْل يوم القيامة: قال الله -تعالى-: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا . وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا . وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا . بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا . وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا) (النساء:155-159).
    - وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "لما أراد الله أن يرفع عيسى -عليه السلام- إلى السماء، خرج على أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلاً منهم، فخرج عليهم مِن عين في البيت، ورأسه يقطر ماء، فقال: أيكم يُلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي؟ فقام شاب مِن أحدثهم سنًّا فقال له: اجلس، ثم أعاد عليهم، فقام الشاب، فقال: اجلس، ثم أعاد عليهم، فقام الشاب، فقال: أنا. فقال: أنتَ هو ذاك؛ فألقي عليه شبه عيسى -عليه السلام-، ورُفع عيسى مِن روزنة في البيت إلى السماء. وجاء الطلب مِن اليهود؛ فأخذوا الشبيه فقتلوه ثم صلبوه، فكفر بعضهم بعد أن آمن به، وافترقوا ثلاث فرق، فقالت طائفة: كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء، وقالت فرقه: كان فينا ابن الله ما شاء ثم رفعه الله إليه، وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء هم المسلمون، فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامسًا حتى بُعث الله محمدًا -صلى الله عليه وسلم-" (رواه ابن أبي حاتم في تفسيره، وقال ابن كثير: هذا إسناد صحيح إلى ابن عباس على شرط مسلم).
    - سؤال و جواب: ربما يسأل سائل ويقول: لماذا لم يرفعه الله دون قتل أحد فيكون في ذلك نجاة وآية وحجة على المكذبين؟!
    والجواب: هو نفس الجواب على كثير مِن أقدار الله -عز وجل-، مثل: لماذا خلق الله إبليس؟ لماذا جعل إخراج آدم -عليه السلام- مِن الجنة بأكل الشجرة؟ لماذا خلق الله عيسى -عليه السلام- مِن أم بلا أب؟ وهكذا... فإن هناك حكم يريدها الله -عز وجل- مِن ذلك، ومنها: الابتلاء والامتحان، والتدافع بيْن الناس؛ ليميز الله الخبيث مِن الطيب.

    3- أعظم الدروس: بيان أن الله منزه عن الولد:
    - الآيات البينات في كتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تقرر ذلك وتبيِّن كفر وضلال مَن اعتقد لله الولد: قال الله -تعالى-: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا . لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا . تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا . أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا . وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا . إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) (مريم:88-93)، وقال -تعالى-: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا . لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُم ْ إِلَيْهِ جَمِيعًا) (النساء:171-172)، وقال -تعالى-: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ . لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُو نَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (المائدة:72-75)، وقال -تعالى-: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ . اللَّهُ الصَّمَدُ . لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ . وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) (الإخلاص)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (قَالَ اللَّهُ: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا وَأَنَا الأَحَدُ الصَّمَدُ، لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفْئًا أَحَدٌ) (رواه البخاري)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ، يَدَّعُونَ لَهُ الوَلَدَ ثُمَّ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ) (متفق عليه).
    - لوازم هذه العقيدة الفاسدة، وما صاحبها مِن افتراءات: (الله يضحي بنفسه -تعالى- لتخليص البشرية مِن خطيئة آدم، أو بولده عند طائفة منهم! - عدم توبة آدم - وصف الله بالظلم إذ يحاسب البشرية كلها على خطأ آدم - كون الأنبياء والمرسلين جميعًا أصحاب خطيئة ولا عبرة بدعوتهم الخلق للتوبة والعمل الصالح - تهوين المعاصي والذنوب والكبائر، بل والكفر في نفوس الناس بعد المسيح؛ لأنهم صاروا في نجاة مِن خطيئة آدم - ... ).
    - المسيح يتبرأ مِن عابديه يوم القيامة: قال الله -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ . مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ . إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (المائدة:116-118).

    خاتمة:
    لقد رفع الله -تعالى- إليه عبده ورسوله عيسى -عليه السلام- حتى يكون الزمان الذي ينزل فيه المسيح -عليه السلام- إلى الأرض فيملأها قسطـًا وعدلاً، ويقيم شريعة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-؛ فمتى يكون ذلك؟
    هذا ما سيأتي عليه الحديث في المرة القادمة -إن شاء الله-.


  6. #46
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,790

    افتراضي رد: دروس من القصص

    دروس مِن قصة نبي الله عيسى -عليه السلام- (4)



    نزول المسيح -عليه السلام-
    كتبه/ سعيد محمود
    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    المقدمة:
    - التذكير بما سبق مِن خلال الإشارة إلى إخبار الكتاب والسُّنة عن أن اليهود ادعوا أنهم قتلوا نبي الله عيسى ابن مريم -عليه السلام-، وأن الحقيقة أنه لم يُقتل ولم يُصلب -كما زعموا!-، ولكن ألقى الله شبهه على غيره، أما هو فقد رفعه الله إلى السماء: قال الله -تعالى-: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَ?كِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا . بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) (النساء:157-158).
    - الإشارة إلى بعض الأدلة على نزول المسيح -عليه السلام- في آخر الزمان: قال الله -تعالى-: (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَة) (الزخرف:61)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَ عِيسى نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ نَازِلٌ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

    (1) وقت نزوله -عليه السلام-:
    - قبْل نزول المسيح -عليه السلام- يعاني المسلمون محنًا شديدة: "ظهور الدجال وما سبقه مِن محن ملاحم المسلمين": قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَإِنَّ قَبْلَ خُرُوجِ الدَّجَّالِ ثَلاَثَ سَنَوَاتٍ شِدَادٍ يُصِيبُ النَّاسَ فِيهَا جُوعٌ شَدِيدٌ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَيَنْزِلَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ -عَلَيْهِ السَّلَام-) (رواه أحمد بسندٍ صحيح).
    - المسيح -عليه السلام- عند نزوله يصلي خلف إمام المسلمين تنبيهًا على اتباعه لرسالة الإسلام، ثم يقودهم في حرب الدجال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فَبَيْنَمَا هُمْ يُعِدُّونَ لِلْقِتَالِ، يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ، إِذْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَّهُمْ... ) (رواه مسلم)، وفي الرواية الأخرى: (فَبَيْنَمَا إِمَامُهُمْ قَدْ تَقَدَّمَ يُصَلِّي بِهِمْ الصُّبْحَ، إِذْ نَزَلَ عَلَيْهِمْ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ -عليه السلام- الصُّبْحَ، فَرَجَعَ ذَلِكَ الْإِمَامُ يَنْكُصُ يَمْشِي الْقَهْقَرَي، لِيَتَقَدَّمَ عِيسَى -عليه السلام- يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَيَضَعُ -عِيسَى عليه السلام- يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: تَقَدَّمْ فَصَلِّ، فَإِنَّهَا لَكَ أُقِيمَتْ، فَيُصَلِّي بِهِمْ إِمَامُهُمْ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني).

    (2) قضاء عيسى -عليه السلام- على الدجال:
    - إشارة مختصرة عن فتنة الدجال و أتباعه: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّهُ لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ، مُنْذُ ذَرَأَ اللَّهُ ذُرِّيَّةَ آدَمَ، أَعْظَمَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا إِلَّا حَذَّرَ أُمَّتَهُ الدَّجَّالَ، وَأَنَا آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَنْتُمْ آخِرُ الْأُمَمِ، وَهُوَ خَارِجٌ فِيكُمْ لَا مَحَالَةَ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني).
    - اليهود ينتظرون الدجال على أنه الملِك -المسيح داود- الذي يعيد لهم مجدهم ليحكموا العالم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مِنْ يَهُودِ أَصْبَهَانَ، سَبْعُونَ أَلْفًا عَلَيْهِمُ الطَّيَالِسَةُ) (رواه مسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (وَأَكْثَرُ مَنْ يَخْرُجُ إِلَيْهِ النِّسَاءُ، وَذَلِكَ يَوْمُ التَّخْلِيصِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ، فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ) (رواه مسلم)، (وَأَكْثَرُ مَنْ يَخْرُجُ إِلَيْهِ النِّسَاءُ، وَذَلِكَ يَوْمُ التَّخْلِيصِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني).
    - أول عمل للمسيح -عليه السلام- بعد نزوله هو مواجهة الدجال بعد حصاره لجماعةٍ مِن المسلمين في بيت المقدس: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فَإِذَا انْصَرَفَ، قَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: افْتَحُوا الْبَابَ، فَيُفْتَحُ، وَوَرَاءَهُ الدَّجَّالُ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ يَهُودِيٍّ، كُلُّهُمْ ذُو سَيْفٍ مُحَلًّى وَسَاجٍ، فَإِذَا نَظَرَ إِلَيْهِ الدَّجَّالُ ذَابَ، كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ، وَيَنْطَلِقُ هَارِبًا، وَيَقُولُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنَّ لِي فِيكَ ضَرْبَةً، لَنْ تَسْبِقَنِي بِهَا، فَيُدْرِكُهُ عِنْدَ بَابِ اللُّدِّ الشَّرْقِيِّ، فَيَقْتُلُهُ، فَيَهْزِمُ اللَّهُ الْيَهُودَ) (رواه ابن ماجه وابن خزيمة والحاكم في المستدرك).

    (3) إهلاك الله يأجوج ومأجوج في زمانه:
    - يأجوج ومأجوج أمتان كثيرتا العدد، ولا طاقة لأحدٍ بمواجهتهم، يخرجون على الناس بعد هلاك الدجال: قال الله -تعالى-: (حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ) (الأنبياء:96)، وفي حديث النواس الطويل: (ثُمَّ يَأْتِي عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قَوْمٌ قَدْ عَصَمَهُمْ اللَّهُ مِنْهُ فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ فَيَقُولُونَ لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَرَّةً مَاءٌ، وَيُحْصَرُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لِأَحَدِهِمْ خَيْرًا مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ لِأَحَدِكُمْ الْيَوْمَ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ فَيُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ النَّغَفَ فِي رِقَابِهِمْ فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى الْأَرْضِ فَلَا يَجِدُونَ فِي الْأَرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إِلَّا مَلَأَهُ زَهَمُهُمْ وَنَتْنُهُمْ فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى اللَّهِ فَيُرْسِلُ اللَّهُ طَيْرًا كَأَعْنَاقِ الْبُخْتِ فَتَحْمِلُهُمْ فَتَطْرَحُهُمْ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ مَطَرًا لَا يَكُنُّ مِنْهُ بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ فَيَغْسِلُ الْأَرْضَ حَتَّى يَتْرُكَهَا كَالزَّلَفَةِ) (رواه مسلم).

    (4) مهمة عيسى -عليه السلام- بعد هلاك الدجال ويأجوج ومأجوج:
    - يتفرغ عيسى -عليه السلام- للمهمة الكبرى التي نزل مِن أجلها، وهي القضاء على الأديان المحرفة، وتكذيب دعوى قتله وصلبه، وتحكيم شريعة الإسلام: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ المَالُ حَتَّى لاَ يَقْبَلَهُ أَحَدٌ، حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) (متفق عليه). وفي رواية: قال -صلى الله عليه وسلم-: (فَيُقَاتِلُ النَّاسَ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَيَدُقُّ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيُهْلِكُ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِسْلَامَ، وَيُهْلِكُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُتَوَفَّى فَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ) (رواه أبو داوود، وصححه الألباني).
    - طيب العيش زمن المسيح: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (طُوبَى لِعَيْشٍ بَعْدَ الْمَسِيحِ يُؤْذَنُ لِلسَّمَاءِ فِي الْقَطْرِ, وَيُؤْذَنُ لِلْأَرْضِ فِي النَّبَاتِ, حَتَّى لَوْ بَذَرْتَ حَبَّكَ عَلَى الصَّفَا لَنَبَتَ, وَحَتَّى يَمُرُّ الرَّجُلُ عَلَى الْأَسَدِ فَلَا يَضُرَّهُ, وَيَطَأُ عَلَى الْحَيَّةِ فَلَا تَضُرَّهُ, وَلَا تَشَاحَّ, وَلَا تَحَاسُدَ, وَلَا تَبَاغُضَ) (رواه أبو بكر الأنباري في حديثه والنقاش في فوائد العراقيين، وصححه الألباني).

    (5) بقاء عيسى -عليه السلام- في الأرض:
    - بقاء عيسى -عليه السلام- في الأرض أربعون عامًا، يحج فيها إلى بيت الله، ثم يموت ويصلي عليه المسلمون: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُتَوَفَّى فَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُهِلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرَّوْحَاءِ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا أَوْ لَيَثْنِيَنَّهُ مَا) (رواه مسلم).

    (6) خلاصة العقيدة الإسلامية في المسيح -عليه السلام-:
    - هو عبد الله ورسوله، بُعث بالإنجيل مصدقًا للتوراة، ومبشرًا بمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وهو آخر أنبياء بني إسرائيل.
    - تعتبر ولادته معجزة إلهية، حيث وُلد بلا أب، وذلك على الله يسير.
    - رفع إلى ربه في حفظه لما حاول أعداؤه قتله صلبًا، فقتلوا مَن ألقي عليه شبهه.
    - ينزل في آخر الزمان، متبعًا لشريعة الإسلام، يقود المسلمين في حرب الدجال واليهود.
    - يمكث المسيح في الأرض أربعون سنة، يحج إلى بيت الله، ثم يموت ويدفنه المسلمون ويصلون عليه.
    - الإيمان بذلك جزءٌ مِن إيمان المسلم، لا يصح إلا به.
    فاللهم صلِّ عليه وعلى نبينا محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، واجمعنا بهم في جنات النعيم.

  7. #47
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,790

    افتراضي رد: دروس من القصص

    دروس مِن قصة موت أبي طالب

    كتبه/ سعيد محمود
    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    الغرض مِن الموعظة:
    الوقوف على أعظم الدروس والعبر في القصة وهى كثيرة، والتي من أعظمها، فضل التوحيد ومعناه.

    مقدمة:
    - شرح مجمل للقصة مِن خلال الحديث: عن سعيد ابن المسيب عن أبيه: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الوَفَاةُ، جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ المُغِيرَةِ، فَقَالَ: (أَيْ عَمِّ قُلْ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ) فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ، وَيُعِيدَانِهِ بِتِلْكَ المَقَالَةِ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (وَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَن َّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ) فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) (التوبة:113)، وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) (القصص:56) (متفق عليه).
    - نبذة مختصرة عن أبي طالب ومواقفه مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، سيظهر تأثيرها عند تناول الدروس: "كفالته للنبي في الصغر - دخوله في الحصار مع النبي صلى الله عليه وسلم - نصرته له إلى موته".
    ومِن أقواله للنبي -صلى الله عليه وسلم-: "وَاللَهِ لَن يَصِلوا إِلَيكَ بِجَمعِهِم حَتّى أُوَسَّدَ في التُرابِ دَفينا!".
    وقال:
    وَلَقـَدْ عـَلِمْـتُ بِأَنَّ دِيـنَ مُحَـمَّـدٍ مِـنْ خَـيْـرِ أَدْيَـانِ البَـرِيَّةِ دِيـنـَا
    لَوْلاَ المَـلامَةُ أَو حَـذَارِ مَـسَبَّـةٍ لَوَجَدْتـَني سَـمْحاً بِـذَاكَ مُبِينـَا!


    دروس وعِبَر مِن موت أبي طالب:


    (1) فضل التوحيد وما يكفر مِن الذنوب:
    - أبو طالب الشريف بأعماله الكثيرة للنبي -صلى الله عليه وسلم- يُخلد في النار؛ لأنه مات على الشرك، وغيره مِن غمار الناس وعمله قليل يدخل الجنة، لأنه مات على التوحيد: عن جرير بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَلَمَّا بَرَزْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ، إِذَا رَاكِبٌ يُوضِعُ نَحْوَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "كَأَنَّ هَذَا الرَّاكِبَ إِيَّاكُمْ يُرِيدُ" فَانْتَهَى إِلَيْنَا الرَّجُلُ، فَسَلَّمَ فَرَدَدْنَا عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟" قَالَ: مِنْ أَهْلِي وَوَلَدِي وَعَشِيرَتِي. قَالَ: "فَأَيْنَ تُرِيدُ؟"، قَالَ: أُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "فَقَدْ أَصَبْتَهُ" قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي مَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: "تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ الْبَيْتَ" قَالَ: قَدْ أَقْرَرْتُ، قَالَ: ثُمَّ إِنَّ بَعِيرَهُ دَخَلَتْ يَدُهُ فِي شَبَكَةِ جُرْذَانٍ، فَهَوَى بِعِيرُهُ وَهَوَى الرَّجُلُ، فَوَقَعَ عَلَى هَامَتِهِ فَمَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "عَلَيَّ بِالرَّجُلِ" فَوَثَبَ إِلَيْهِ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- فَأَقْعَدَاهُ، فَقَالَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُبِضَ الرَّجُلُ! قَالَ: فَأَعْرَضَ عَنْهُمَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ثُمَّ قَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "أَمَا رَأَيْتُمَا إِعْرَاضِي عَنِ الرَّجُلِ، فَإِنِّي رَأَيْتُ مَلَكَيْنِ يَدُسَّانِ فِي فِيهِ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ مَاتَ جَائِعًا"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "هَذَا مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) (الأنعام:82)، ثُمَّ قَالَ: "دُونَكُمْ أَخَاكُمْ"، قَالَ: فَاحْتَمَلْنَاه ُ إِلَى الْمَاءِ فَغَسَّلْنَاهُ وَحَنَّطْنَاهُ وَكَفَّنَّاهُ". وَفِيِ رِوايةٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "هَذَا مِمَّنْ عَمِلَ قَلِيلًا وَأُجِرَ كَثِيرًا" (أخرجه الإمام أحمد في المسند، والطبراني في المعجم الكبير).
    - ليس التوحيد الذي ينفع يوم القيامة هو مجرد حروف تُقال، وإلا قالها المشركون: فكان آخر ما قال: "هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ"، فأبى أن يقول: "لا إله إلا الله"، قال الله -تعالى- عن المشركين: (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ . وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ) (الصافات:35-36)، وقال -تعالى- عنهم: (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) (ص:5). "يحسن بالمتحدث أن يَذكر نبذة مختصرة في معنى التوحيد وأنواعه، أو يردف الموعظة بحديثٍ مستقل عن ذلك".
    - قالها المنافقون في الدنيا فلم تنفعهم: قال الله -تعالى-: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ . يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) (البقرة:8-9)، وقال: (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ) (المجادلة:16)، وقال -تعالى-: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) (النساء:145).

    (2) هداية التوفيق بيد الله:
    - الله وحده الذي يملك القلوب: فأعادها عليه النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأعادا عليه، فكان آخر ما قال: "هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ"، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ) (رواه مسلم)، وقال -تعالى-: (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) (القصص:56)، وقال -تعالى-: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) (الأنعام:125).
    - خوف الصالحين مِن سوء الخاتمة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، ويقول: (يَا وَلِيَّ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، ثَبِّتْنِي بِهِ حَتَّى أَلْقَاكَ) (رواه الطبراني، وصححه الألباني)، وقال -تعالى- عن يوسف: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (يوسف:101).
    - الموفق إلى هداية التوفيق، مَن أطاع الأنبياء الذين جاءوا بهداية الإرشاد والبيان: قال الله -تعالى-: (مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) (النساء:80)، وقال: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (آل عمران:31)، وقال: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (الشورى:52)، وقال: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) (الحشر:7)، وقال: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النور:63).

    (3) وفاء النبي -صلى الله عليه وسلم- العظيم:
    - وهو ظاهر في القصة مِن جده -صلى الله عليه وسلم-، وحرصه على إسلام عمه الذي أحسن إليه: (أَيْ عَمِّ قُلْ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ)، وقوله: (وَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَن َّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ)، وعن أبى سعيد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر عنده عمه أبو طالب، فقال: (لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ، يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ) (متفق عليه).
    - صور مِن عظيم وفائه لمَن أسدى إليه معروفًا، ولو كان مِن الكفار: قوله -صلى الله عليه وسلم- يوم بدر في أسرى المشركين: (لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لتركتهم لَهُ) (رواه البخاري). "وحمل عبد الله ابن سلول إلى قبره وفاءً لمعروفه بكسوته قميصه لحمزة عم النبي - صلى الله عليه وسلم-".

    (4) مضرة أصحاب السوء على الإنسان:
    - وهو ظاهر في القصة مِن تأثير الرجلين على أبي طالب "أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟": وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّمَا مَثَلُ الجليس الصالحُ والجليسُ السوءِ كحامِلِ المسك، ونافخِ الكِيْرِ فحاملُ المسك: إِما أن يُحْذِيَكَ، وإِما أن تبتاع منه، وإِمَّا أن تجِدَ منه ريحا طيِّبة، ونافخُ الكير: إِما أن يَحرقَ ثِيَابَكَ، وإِما أن تجد منه ريحا خبيثَة) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني).

    (5) مضرة تعظيم الأسلاف والأكابر مِن أهل الباطل:
    - وهو ظاهر مِن تلقين الرجلين، وتأثر أبي طالب: "أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟"، فأعادها عليه النبي -عليه الصلاة والسلام-، فأعادا فكان آخر ما قال: "هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ"، فأبى أن يقول: "لا إله إلا الله"، وقال الله -تعالى-: (وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ) (الزخرف:23).
    - خطورة التمسك بما عليه الآباء والكثرة مِن الناس مِن أهل الباطل: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) (يوسف:103)، (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ) (الأنعام:116). "صور مؤسفة: الاعتزاز بالفراعنة والفاطميين، وغيرهم مِن الأسلاف الكفار وأهل الضلال!".
    - الواجب اتباع أمر الله ورسوله، والسلف الصالحين/ والآباء والأجداد المتبعين لهم: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (النور:51)، (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) (الأحزاب:36)، (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة:100)، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (التوبة:23).
    نسأل الله -تعالى- أن يُحسن خاتمتنا في الأمور كلها، وأن ينجينا مِن خزي الدنيا وعذاب الآخرة.


  8. #48
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,790

    افتراضي رد: دروس من القصص

    دروس مِن قصة الثلاثة الذين خلفوا (1)

    الخروج إلى تبوك

    كتبه/ سعيد محمود
    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    الغرض مِن الموعظة:
    - الوقوف على الدروس والعِبَر الإيمانية والتربوية والدعوية الكثيرة التي اشتملتها القصة، في مواجهة ظاهرة التخاذل واستمراء الواقع المرير مِن بعض أبناء العمل الإسلامي.

    المقدمة:
    - هي القصة التي تُظهر عظيم تربية أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقد كانت ضمن أحداث غزوة تبوك، آخر غزواته -صلى الله عليه وسلم- والتي امتحن الله فيها الصحابة؛ كأن ذلك كان مِن باب طمأنته -صلى الله عليه وسلم- عليهم قبْل موته بأنهم مؤهلون لتحمل المسؤولية مِن بعده.
    - إنها قصة الثلاثة الذين خُلفوا ثم تاب الله عليهم، وباسم توبتهم سُميت سورة التوبة، إشارة إلى عظيم قدر قصتهم.
    - قصة عظيمة تظهر شهود حكمة الله في تقليب القلوب، فإن الثلاثة -رضي الله عنهم- منهم مَن شهد بدرًا، ومنهم مَن شهد العقبة، ومع ذلك لم تؤمن عليهم الفتنة.
    - هذه القصة المليئة بالفوائد والدروس التربوية والدعوية والإيمانية؛ ولذا تناولتها كل المصادر الشرعية: القرآن والسُّنة، والأخبار والسِّير، وسوف نسير مع أحداثها مِن خلال هذه المصادر.

    أولًا: الأخبار والسير:
    - لماذا الأخبار والسِّير أولًا؟
    الجواب: لبيان الظروف والأجواء المواكبة للقصة، حيث التعرض لغزوة تبوك التي هي سبب القصة، ولابد مِن الرجوع الى السيرة أولًا، فإذا استحضرنا ذلك بيْن يدي أخبار القرآن والسُّنة، تسنى لنا فهم ما جاء فيها جيدًا مِن خلال نقاط ثلاث.
    1- سبب غزوة تبوك:
    - كانت غزوة تبوك في السَّنة التاسعة بعد العودة مِن غزوة حنين بنحو ستة أشهر، والتي كانت بعد فتح مكة.
    - كان للحدثين أثر كبير على مجريات الأحداث في الجزيرة وما حولها، فقد كان العرب ينتظرون نهاية الصراع بيْن النبي -صلى الله عليه وسلم- وقريش، فلما كان فتح مكة، ثم سقوط آخر معاقل الوثنية يوم حنين، دخلوا في دين الله -عز وجل- أفواجًا.
    - لكن كان هناك عدو آخر، يشكِّل أكبر قوة عسكرية على وجه الأرض يومئذٍ يراقِب الأوضاع، وهم الروم، فلما كان النصر للمسلمين جعلوا يتجهزون لغزو المدينة؛ للقضاء على قوة المسلمين، وذلك بالاستعانة بمتنصرة العرب (غسان - لخم - وجذام).
    - الأنباء تصل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فيقرر الخروج لغزوهم في عقر دارهم، وعدم الانتظار لملاقاتهم فضلًا عن وصولهم المدينة؛ لما في ذلك مِن الأثر السيئ على الجزيرة التي انصبغت بدين الإسلام.
    2- ظروف تجهيز الجيش:
    - الإعلان والتصريح بالغزو، واستدعاء المسلمين مِن كل أنحاء الجزيرة مِن حول المدينة، واستنفارهم للخروج.
    - النبي -صلى الله عليه وسلم- يشحذ همم المسلمين، والآيات تنزل مِن سورة التوبة تستنفرهم وتثير همتهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ . إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة:38-40).
    - المسلمون يسارعون في الاستجابة ويتسابقون مِن كل جهة يقصدون المدينة، حتى اجتمع له ثلاثون ألفًا.
    - ولكن... مِن أين سيكون تجهيز كل هذا العدد: (المراكب - السلاح - المؤنة) مع طول السفر (حوالي 1200 كيلو متر) ذهابًا وإيابًا وشدة الحر الذي يحتاج إلى الماء الكثير أثناء الطريق؟!
    3- موقف المسلمين مِن ذلك:
    - جعل الناس يأتون بصدقاتهم قليلها وكثيرها: (جاء عبد الرحمن بن عوف بمائتي أوقية فضة - وجاء عمر بن الخطاب بنصف ماله - وجاء أبو بكر بماله كله - وجاء العباس بمالٍ كثيرٍ).
    - وأما عثمان بن عفان: فقد جاء بثلاثمائة بعير، مائة بعد مائة بأحلاسها وأقتابها، ثم جعل يأتي بالزيادة كلما سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يناشِد الناس حتى بلغت صدقته 900 بعير ومائة فرس، ثم جاء قبْل الخروج إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو جالس فنثر في حجره ألف دينار، فجعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقلبها وهو يقول: (مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ اليَوْمِ) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني).
    - وجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- يعتذر لبعض الناس الذين لا يجد ما يحملهم عليه: "كان البعير الواحد يتعاقب عليه 18 رجلًا" (الرحيق المختوم)، (وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ) (التوبة:92).
    - وجعل الناس يتتابعون في التصدق، حتى جاء بعضهم بمدٍّ مِن طعامٍ، حتى جعل المنافقون يتهمون الفريقين المكثر والمقل: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِين َ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ? سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (التوبة:79).
    - وهكذا تحرك الجيش الإسلامي نحو تبوك في ظروفٍ شديدة العسر؛ ولذا سميت: بـ"غزوة العسرة"، كما ذكرها الله في القرآن.
    - في كل ذلك، لم يتخلف عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا المنافقون، وإلا ثلاثة نفرٍ مِن المسلمين الصالحين بغير عذرٍ، وهم الذين دارت حولهم القصة (قصة الثلاثة الذين خلفوا).

    ثانيًا: حديث القرآن عن القصة:
    - لقد بلغ مِن عظيم أمر الثلاثة، وأهمية قصتهم أن تحدث عنها القرآن: قال الله -تعالى-: (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِي نَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ . وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ . مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ . وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (التوبة:117-121).

    ثالثًا: حديث السُّنة عن القصة:
    - تلاوة الحديث مِن الورقة لتحضير النفوس للدروس والفوائد التي تأتى تسلسلًا في مواعظ قادمة -إن شاء الله-؛ لأنها الفرصة الوحيدة التي يتيسر فيها ذكر القصة كاملة على الأسماع، وإلا فإننا سنقطع القصة بحسب الدروس والفوائد.
    أخرج الإمامان البخاري ومسلم في صحيحهما: "عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ -وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ- قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ -رضي الله عنه- يُحَدِّثُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ قِصَّةِ تَبُوكَ، قَالَ كَعْبٌ: لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا إِلَّا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، غَيْرَ أَنِّي كُنْتُ تَخَلَّفْتُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَلَمْ يُعَاتِبْ أَحَدًا تَخَلَّفَ عَنْهَا، إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ، حَتَّى جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ، وَلَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَيْلَةَ العَقَبَةِ، حِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الإِسْلاَمِ، وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ، وَإِنْ كَانَتْ بَدْرٌ، أَذْكَرَ فِي النَّاسِ مِنْهَا، كَانَ مِنْ خَبَرِي: أَنِّي لَمْ أَكُنْ قَطُّ أَقْوَى وَلاَ أَيْسَرَ حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ، فِي تِلْكَ الغَزَاةِ، وَاللَّهِ مَا اجْتَمَعَتْ عِنْدِي قَبْلَهُ رَاحِلَتَانِ قَطُّ، حَتَّى جَمَعْتُهُمَا فِي تِلْكَ الغَزْوَةِ، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُرِيدُ غَزْوَةً إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا، حَتَّى كَانَتْ تِلْكَ الغَزْوَةُ، غَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا، وَمَفَازًا وَعَدُوًّا كَثِيرًا، فَجَلَّى لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ، فَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِ الَّذِي يُرِيدُ، وَالمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَثِيرٌ، وَلاَ يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ -يُرِيدُ الدِّيوَانَ-.
    قَالَ كَعْبٌ: فَمَا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَتَغَيَّبَ إِلَّا ظَنَّ أَنْ سَيَخْفَى لَهُ، مَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْيُ اللَّهِ، وَغَزَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تِلْكَ الغَزْوَةَ حِينَ طَابَتِ الثِّمَارُ وَالظِّلاَلُ، وَتَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَالمُسْلِمُونَ مَعَهُ، فَطَفِقْتُ أَغْدُو لِكَيْ أَتَجَهَّزَ مَعَهُمْ، فَأَرْجِعُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: أَنَا قَادِرٌ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَتَمَادَى بِي حَتَّى اشْتَدَّ بِالنَّاسِ الجِدُّ، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَالمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جَهَازِي شَيْئًا، فَقُلْتُ أَتَجَهَّزُ بَعْدَهُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ أَلْحَقُهُمْ، فَغَدَوْتُ بَعْدَ أَنْ فَصَلُوا لِأَتَجَهَّزَ، فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، ثُمَّ غَدَوْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، فَلَمْ يَزَلْ بِي حَتَّى أَسْرَعُوا وَتَفَارَطَ الغَزْوُ، وَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ، وَلَيْتَنِي فَعَلْتُ، فَلَمْ يُقَدَّرْ لِي ذَلِكَ، فَكُنْتُ إِذَا خَرَجْتُ فِي النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَطُفْتُ فِيهِمْ، أَحْزَنَنِي أَنِّي لاَ أَرَى إِلَّا رَجُلًا مَغْمُوصًا عَلَيْهِ النِّفَاقُ، أَوْ رَجُلًا مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ مِنَ الضُّعَفَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى بَلَغَ تَبُوكَ، فَقَالَ: وَهُوَ جَالِسٌ فِي القَوْمِ بِتَبُوكَ: (مَا فَعَلَ كَعْبٌ؟) فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَبَسَهُ بُرْدَاهُ، وَنَظَرُهُ فِي عِطْفِهِ. فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: بِئْسَ مَا قُلْتَ، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
    قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنَّهُ تَوَجَّهَ قَافِلًا حَضَرَنِي هَمِّي، وَطَفِقْتُ أَتَذَكَّرُ الكَذِبَ، وَأَقُولُ: بِمَاذَا أَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ غَدًا، وَاسْتَعَنْتُ عَلَى ذَلِكَ بِكُلِّ ذِي رَأْيٍ مِنْ أَهْلِي، فَلَمَّا قِيلَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدْ أَظَلَّ قَادِمًا زَاحَ عَنِّي البَاطِلُ، وَعَرَفْتُ أَنِّي لَنْ أَخْرُجَ مِنْهُ أَبَدًا بِشَيْءٍ فِيهِ كَذِبٌ، فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ، وَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَادِمًا، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ، فَيَرْكَعُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ جَاءَهُ المُخَلَّفُونَ، فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ وَيَحْلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا، فَقَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلاَنِيَتَهُمْ ، وَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ، فَجِئْتُهُ فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُغْضَبِ، ثُمَّ قَالَ: (تَعَالَ) فَجِئْتُ أَمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لِي: (مَا خَلَّفَكَ، أَلَمْ تَكُنْ قَدْ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟!). فَقُلْتُ: بَلَى، إِنِّي وَاللَّهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، لَرَأَيْتُ أَنْ سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ، وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا، وَلَكِنِّي وَاللَّهِ، لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ اليَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عَنِّي، لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ، وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ، تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ، إِنِّي لَأَرْجُو فِيهِ عَفْوَ اللَّهِ، لاَ وَاللَّهِ، مَا كَانَ لِي مِنْ عُذْرٍ، وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى، وَلاَ أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ).
    فَقُمْتُ، وَثَارَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَاتَّبَعُونِي، فَقَالُوا لِي: وَاللَّهِ مَا عَلِمْنَاكَ كُنْتَ أَذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هَذَا، وَلَقَدْ عَجَزْتَ أَنْ لاَ تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِمَا اعْتَذَرَ إِلَيْهِ المُتَخَلِّفُون َ، قَدْ كَانَ كَافِيَكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَكَ، فَوَاللَّهِ مَا زَالُوا يُؤَنِّبُونِي حَتَّى أَرَدْتُ أَنْ أَرْجِعَ فَأُكَذِّبَ نَفْسِي، ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَقِيَ هَذَا مَعِي أَحَدٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ، رَجُلاَنِ، قَالاَ مِثْلَ مَا قُلْتَ، فَقِيلَ لَهُمَا مِثْلُ مَا قِيلَ لَكَ، فَقُلْتُ: مَنْ هُمَا؟ قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ العَمْرِيُّ، وَهِلاَلُ بْنُ أُمَيَّةَ الوَاقِفِيُّ، فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ، قَدْ شَهِدَا بَدْرًا، فِيهِمَا أُسْوَةٌ، فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِي، وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- المُسْلِمِينَ عَنْ كَلاَمِنَا أَيُّهَا الثَّلاَثَةُ مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ، فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ، وَتَغَيَّرُوا لَنَا حَتَّى تَنَكَّرَتْ فِي نَفْسِي الأَرْضُ فَمَا هِيَ الَّتِي أَعْرِفُ، فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا يَبْكِيَانِ، وَأَمَّا أَنَا، فَكُنْتُ أَشَبَّ القَوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلاَةَ مَعَ المُسْلِمِينَ، وَأَطُوفُ فِي الأَسْوَاقِ وَلاَ يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ، وَآتِي رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلاَةِ، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلاَمِ عَلَيَّ أَمْ لاَ؟ ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ، فَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلاَتِي أَقْبَلَ إِلَيَّ، وَإِذَا التَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي، حَتَّى إِذَا طَالَ عَلَيَّ ذَلِكَ مِنْ جَفْوَةِ النَّاسِ، مَشَيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ أَبِي قَتَادَةَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّي وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَوَاللَّهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلاَمَ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ، أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُنِي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ، فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَفَاضَتْ عَيْنَايَ، وَتَوَلَّيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ الجِدَارَ.
    قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي بِسُوقِ المَدِينَةِ، إِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ أَنْبَاطِ أَهْلِ الشَّأْمِ، مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامِ يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ، يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ، حَتَّى إِذَا جَاءَنِي دَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ، فَإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوَانٍ، وَلاَ مَضْيَعَةٍ، فَالحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ، فَقُلْتُ لَمَّا قَرَأْتُهَا: وَهَذَا أَيْضًا مِنَ البَلاَءِ، فَتَيَمَّمْتُ بِهَا التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهُ بِهَا، حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً مِنَ الخَمْسِينَ، إِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَأْتِينِي، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ، فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا؟ أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ؟ قَالَ: لاَ، بَلِ اعْتَزِلْهَا وَلاَ تَقْرَبْهَا، وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَيَّ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقُلْتُ لِامْرَأَتِي: الحَقِي بِأَهْلِكِ، فَتَكُونِي عِنْدَهُمْ، حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِي هَذَا الأَمْرِ، قَالَ كَعْبٌ: فَجَاءَتِ امْرَأَةُ هِلاَلِ بْنِ أُمَيَّةَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ هِلاَلَ بْنَ أُمَيَّةَ شَيْخٌ ضَائِعٌ، لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ، فَهَلْ تَكْرَهُ أَنْ أَخْدُمَهُ؟ قَالَ: (لاَ، وَلَكِنْ لاَ يَقْرَبْكِ). قَالَتْ: إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا بِهِ حَرَكَةٌ إِلَى شَيْءٍ، وَاللَّهِ مَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ، مَا كَانَ إِلَى يَوْمِهِ هَذَا، فَقَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِي: لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي امْرَأَتِكَ كَمَا أَذِنَ لِامْرَأَةِ هِلاَلِ بْنِ أُمَيَّةَ أَنْ تَخْدُمَهُ؟ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لاَ أَسْتَأْذِنُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَمَا يُدْرِينِي مَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا اسْتَأْذَنْتُهُ فِيهَا، وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ؟ فَلَبِثْتُ بَعْدَ ذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ، حَتَّى كَمَلَتْ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ كَلاَمِنَا، فَلَمَّا صَلَّيْتُ صَلاَةَ الفَجْرِ صُبْحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، وَأَنَا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الحَالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ، قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي، وَضَاقَتْ عَلَيَّ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ، أَوْفَى عَلَى جَبَلِ سَلْعٍ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ، قَالَ: فَخَرَرْتُ سَاجِدًا، وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ، وَآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلاَةَ الفَجْرِ، فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا ، وَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ، وَرَكَضَ إِلَيَّ رَجُلٌ فَرَسًا، وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ، فَأَوْفَى عَلَى الجَبَلِ، وَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الفَرَسِ، فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي، نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ، فَكَسَوْتُهُ إِيَّاهُمَا، بِبُشْرَاهُ وَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ، وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا ، وَانْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَيَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا، يُهَنُّونِي بِالتَّوْبَةِ، يَقُولُونَ: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ، قَالَ كَعْبٌ: حَتَّى دَخَلْتُ المَسْجِدَ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ إِلَيَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّانِي، وَاللَّهِ مَا قَامَ إِلَيَّ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ غَيْرَهُ، وَلاَ أَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ، قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ: (أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ)، قَالَ: قُلْتُ: أَمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: (لاَ، بَلْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ). وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ، فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ). قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا نَجَّانِي بِالصِّدْقِ، وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لاَ أُحَدِّثَ إِلَّا صِدْقًا، مَا بَقِيتُ. فَوَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ أَبْلاَهُ اللَّهُ فِي صِدْقِ الحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلاَنِي، مَا تَعَمَّدْتُ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَى يَوْمِي هَذَا كَذِبًا، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِي اللَّهُ فِيمَا بَقِيتُ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالمُهَاجِرِين َ وَالأَنْصَارِ) (التوبة:117) إِلَى قَوْلِهِ: (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة:119)، فَوَاللَّهِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطُّ بَعْدَ أَنْ هَدَانِي لِلْإِسْلاَمِ، أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أَنْ لاَ أَكُونَ كَذَبْتُهُ، فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا، فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا -حِينَ أَنْزَلَ الوَحْيَ- شَرَّ مَا قَالَ لِأَحَدٍ، فَقَالَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ) (التوبة:95) إِلَى قَوْلِهِ: (فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَرْضَى عَنِ القَوْمِ الفَاسِقِينَ) (التوبة:96).
    قَالَ كَعْبٌ: وَكُنَّا تَخَلَّفْنَا أَيُّهَا الثَّلاَثَةُ عَنْ أَمْرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حِينَ حَلَفُوا لَهُ، فَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَأَرْجَأَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَمْرَنَا حَتَّى قَضَى اللَّهُ فِيهِ، فَبِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ: (وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا) (التوبة:118)، وَلَيْسَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ مِمَّا خُلِّفْنَا عَنِ الغَزْوِ، إِنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إِيَّانَا، وَإِرْجَاؤُهُ أَمْرَنَا، عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقَبِلَ مِنْهُ".
    - التذكير بأننا سنقف تباعًا مع القصة بالمدارسة، والوقوف على الدروس المتنوعة منها في المواعظ القادمة -إن شاء الله-.
    والحمد لله رب العالمين.


  9. #49
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,790

    افتراضي رد: دروس من القصص

    دروس مِن قصة الثلاثة الذين خلفوا (2)


    (خطر الركون إلى متاع الدنيا - أهمية استشعار المسؤولية)

    كتبه/ سعيد محمود
    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    المقدمة:
    - التذكير بفضل القصة، حيث الوقوف على الدروس والفوائد الكثيرة مِن هذه القصة العظيمة، التي مِن أجلها نزل القرآن الكريم.
    - التنبيه على أهميتها وأثرها على قلوب الصالحين: "كان الإمام أحمد إذا قرأ الآيات: (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ... ) (التوبة:118)، بكى أشد مما يبكي في غيرها!".
    - تذكير موجز لما سبق في الموعظة السابقة، ثم الوقوف على الفوائد مِن خلال مواضع حديث كعب -رضي الله عنه-.

    1- خطر فتنة الدنيا والركون إلى متاعها:
    - ما هو متاع الحياة الدنيا؟ (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) (آل عمران:14).
    - كاد السابقون أن يهلكوا بسبب متاع الدنيا: قال كعب -رضى الله عنه-: "كَانَ مِنْ خَبَرِي: أَنِّي لَمْ أَكُنْ قَطُّ أَقْوَى وَلاَ أَيْسَرَ حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ، فِي تِلْكَ الغَزَاةِ، وَاللَّهِ مَا اجْتَمَعَتْ عِنْدِي قَبْلَهُ رَاحِلَتَانِ قَطُّ، حَتَّى جَمَعْتُهُمَا فِي تِلْكَ الغَزْوَةِ... " ثم بيَّن السبب فقال: "وَغَزَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تِلْكَ الْغَزْوَةَ حِينَ طَابَتِ الثِّمَارُ وَالظِّلَالُ، فَأَنَا إِلَيْهَا أَصْعَرُ... ". أَصْعَرُ: أي أميل.
    - انظر أثر فتنة المال وطلب الراحة على الصالحين (شهدوا العقبة وبدرًا) فكيف بمَن دونهم؟! قال الله -تعالى-: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ . وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) (العنكبوت:2-3).
    وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ: تُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ وَآبَاءِ أَبِيكَ، فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ: تُهَاجِرُ وَتَدَعُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ، وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرِ كَمَثَلِ الْفَرَسِ فِي الطِّوَلِ، فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ، فَقَالَ: تُجَاهِدُ فَهُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ، فَتُقَاتِلُ فَتُقْتَلُ، فَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ، وَيُقْسَمُ الْمَالُ، فَعَصَاهُ فَجَاهَدَ) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ قُتِلَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ غَرِقَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ وَقَصَتْهُ دَابَّتُهُ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني).
    - واعلم -رحمك الله- أن الأموال والأولاد والأزواج وسائر المتاع (نعمة أو نقمة): عن بريدة -رضي الله عنه- قال: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَقْبَلَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-، عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَعْثُرَانِ وَيَقُومَانِ، فَنَزَلَ فَأَخَذَهُمَا، فَصَعِدَ بِهِمَا الْمِنْبَرَ، ثُمَّ قَالَ: (صَدَقَ اللَّهُ: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ) (التغابن:15)، رَأَيْتُ هَذَيْنِ فَلَمْ أَصْبِرْ)، ثُمَّ أَخَذَ فِي الْخُطْبَةِ. (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ) (رواه مسلم).
    2- أهمية استشعار المسؤولية:
    - المقصود مِن ذلك: أن بعض الناس يهرب مِن العمل للدين وتحمل المسؤولية، وإن اختلفت الأعذار والتأويلات، فمنهم مَن يؤثر البُعد وعدم المشاركة مِن باب: "لا أحب المشاكل"، ومنهم مَن يفتعل الأعذار "لو استطعنا لخرجنا معكم"، ومنهم مِن باب: "بيوتنا عورة"، ومنهم مِن باب: "ائذن لي ولا تفتني"، ومنهم مِن يقول: "العاملون كثير، وغيابي لن يؤثر".
    - وهذا الأخير الذي وقع فيه الثلاثة -رضي الله عنهم- (1 في 30000): قال كعب -رضي الله عنه-: " وَالمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَثِيرٌ، وَلاَ يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ -يُرِيدُ الدِّيوَانَ-، قَالَ كَعْبٌ: فَمَا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَتَغَيَّبَ إِلَّا ظَنَّ أَنْ سَيَخْفَى لَهُ، مَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْيُ اللَّهِ" (فماذا لو قال الناس جميعًا ذلك؟! أو قال نصفهم ذلك؟!).

    مواقف مشرفة في استشعار المسؤولية:
    - وعلى الجانب الآخر كانت هناك صور رائعة في استشعار المسؤولية تغلبت على العوائق والفتن والصعاب.

    أولًا: موقف أبي ذر الغفاري:
    قال ابن إسحاق -رحمه الله: "ثم مضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سائرًا، فجعل يتخلف عنه الرجل، يقولون: يا رسول الله، تخلف فلان، فيقول: دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه الله -تعالى- بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه، حتى قيل: يا رسول الله، قد تخلف أبو ذر، وأبطأ به بعيره، فقال: دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه؛ وتلوم أبو ذر على بعيره، فلما أبطأ عليه، أخذ متاعه فحمله على ظهره! ثم خرج يتبع أثر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ماشيًا، ونزل رسول الله في بعض منازله، فنظر ناظر مِن المسلمين فقال: يا رسول الله، إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحده؛ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: كن أبا ذر. فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول الله، هو والله أبو ذر؛ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده"(1) (السيرة لابن هشام، 4/ 178).

    ثانيًا: موقف أبي خيثمة:
    قال ابن إسحاق: "ثم إن أبا خيثمة رجع بعد أن سار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أيامًا إلى أهله في يوم حارّ، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه قد رشت كل واحدة منهما عريشها، وبردت له فيه ماء، وهيأت له فيه طعامًا، فلما دخل قام على باب العريش، فنظر إلى امرأتيه، وما صنعتا له، فقال: رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الضح والريح والحر، وأبو خيثمة في ظل بارد، وطعام مهيأ، وامرأة حسناء في ماله مقيم؟! ما هذا بالنَصَف، ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فهيِّئا لي زادًا، ففعلتا، ثم قدم ناضحه فارتحله، ثم خرج في طلب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى أدركه حين نزل تبوك، وقد كان أدرك أبا خيثمة عميرُ بن وهب الجمحي في الطريق، يطلب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فترافقا، حتى إذا دنوا مِن تبوك، قال أبو خيثمة لعمير بن وهب: إن لي ذنبًا، فلا عليك أن تخلف عني حتى آتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ففعل حتى إذا دنا مِن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو نازل بتبوك، قال الناس: هذا راكب على الطريق مقبل، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "كن أبا خيثمة"، فقالوا: يا رسول الله، هو -والله- أبو خيثمة، فلما أناخ أقبل فسلم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أوْلى لك يا أبا خيثمة" (السيرة النبوية لابن هشام)، (البداية والنهاية، 5/ 8).

    ثالثًا: موقف لداعية معاصر:
    "الشيخ عبد الرحمن السميط -رحمه الله- أسلم على يديه ما يقرب مِن 11 مليون في أفريقيا مِن خلال مؤسسة "العون المباشر"، وأقام أكثر مِن 5000 مسجد، ووزع خمسة ملايين مصحف!".
    فهلا استشعرنا مسؤولية نصرة الدين والعمل لأجله؟!
    ومَن عليه مسؤولية مواجهة كل هذا الانحراف الذي تعيشه مجتمعات المسلمين؟! إنها مسؤوليتي أنا وأنت.
    فماذا نقدِّم نحن لنصرة دين الله؟!
    فاللهم انصر دينك وكتابك، وسنة نبيك، وعبادك المؤمنين.
    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــ ـــــــــــ
    (1) ومضى الزمان وجاء عصر عثمان -رضي الله عنه-، ثم حدثتْ أمور، وسير أبو ذر إلى الربذة، فلما حضره الموت أوصى امراته وغلامه: "إذا مت فغسلاني وكفناني ثم احملاني فضعاني على قارعة الطريق، فأول ركب يمرون بكم فقولوا: هذا أبو ذر، صاحب رسول الله"، فلما مات فعلوا به كذلك، فطلع ركب فما علموا به حتى كادت ركابهم تطأ سريره، فإذا ابن مسعود في رهطٍ مِن الكوفة، فقال: "ما هذا؟ فقيل: جنازة أبي ذر"، فاستهل ابن مسعود يبكي، فقال: "صدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: يرحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده" فنزل فوليه بنفسه حتى دفنه. (سيرة ابن هشام).


  10. #50
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,790

    افتراضي رد: دروس من القصص

    دروس مِن قصة الثلاثة الذين خلفوا (3)



    خطر التسويف بالأعمال الصالحة

    كتبه/ سعيد محمود
    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    المقدمة:
    - تكرير التذكير بفضل القصة وأثرها على قلوب الصالحين: قال كثير مِن العلماء: "ما قرأها أو طالعها أحد إلا رقَّ قلبه".
    - حاجتنا إلى الدروس التربوية الكثيرة التي اشتملتها القصة، في زمانٍ غابت فيه التربية وحلت فيه أرذل الصفات الأخلاقية.
    - التذكير بالقصة باختصارٍ، ثم الإشارة إلى وقفة اليوم، أو الدرس المأخوذة مِن القصة اليوم.

    أولًا: خطر التسويف:
    - المقصود بذلك: تأخير فعل الخير بغير مسوغٍ أو مقتضى.
    - وهذا هو التسويف الذي وقع فيه الثلاثة -رضي الله عنهم-: قال كعب بن مالك -رضي الله عنه-: "وَتَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَالمُسْلِمُونَ مَعَهُ، فَطَفِقْتُ أَغْدُو لِكَيْ أَتَجَهَّزَ مَعَهُمْ، فَأَرْجِعُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: أَنَا قَادِرٌ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَتَمَادَى بِي حَتَّى اشْتَدَّ بِالنَّاسِ الجِدُّ، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَالمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جَهَازِي شَيْئًا، فَقُلْتُ أَتَجَهَّزُ بَعْدَهُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ أَلْحَقُهُمْ، فَغَدَوْتُ بَعْدَ أَنْ فَصَلُوا لِأَتَجَهَّزَ، فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، ثُمَّ غَدَوْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، فَلَمْ يَزَلْ بِي حَتَّى أَسْرَعُوا وَتَفَارَطَ الغَزْوُ، وَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ، وَلَيْتَنِي فَعَلْتُ، فَلَمْ يُقَدَّرْ لِي ذَلِكَ".
    - حذر الشرع الحكيم مِن التسويف: قال الله -تعالى-: (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ . وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المنافقون:10-11)، وقال: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ . لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (المؤمنون:99-100).
    - وحث الشرع على المبادرة بالأعمال الصالحة وعدم التسويف بها: قال الله -تعالى-: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) (الأنبياء:90)، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (الأنفال:24)، وقال: (سَابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ) (الحديد:21).
    وقال النبي -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: (اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغُلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ) (رواه الحاكم، وصححه الألباني).
    وقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "القوة في العمل ألا تؤخر عمل اليوم إلى الغد".
    وقال الحسن البصري -رحمه الله-: "إياك والتسويف، فإنك بيومك ولست بغدك".
    وقال ابن القيم -رحمه الله-: "الرجل إذا حضرت له فرصة القربة والطاعة، فالحزم كل الحزم في انتهازها والمبادرة إليها، والعجز في تأخيرها والتسويف بها".

    ثانيًا: أسباب التسويف:
    - هذه أبرز الأسباب، ولا يلزم اجتماعها، وإلا فإن الواحدة منها كفيلة بوقوع صاحبها في التسويف، وإن كان بعضها أشد مِن بعض.
    1- ضعف الإرادة والعزيمة:
    - الشرع يحث على قوة الإرادة في الخير، ويحذر مِن الضعف والعجز والتردد: قال الله -تعالى-: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:63)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ) (رواه مسلم).
    وقال الشاعر:
    إذا كُنتَ ذا رأيٍ فَكُنْ ذا عَزيمَةٍ فـإنَّ فـَسـادَ الــرأيِ أنْ تَـترددا


    صور مِن قوة الإرادة ونفاذ العزيمة:
    - النبي -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- يواجه قريشًا يوم الحديبية رغم المحاولات الكثيرة لإضعافه عن موقفه: قال -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: (فَمَاذَا تَظُنُّ قُرَيْشٌ، وَاللَّهِ إِنِّي لَا أزالُ أُجَاهِدُهُمْ عَلَى الَّذِي بَعَثَنِي اللَّهُ لَهُ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ لَهُ أَوْ تَنْفَرِدَ هَذِهِ السَّالِفَةُ " (رواه أحمد في مسنده بسندٍ حسن).
    - أبو بكر -رضي الله عنه- يواجه آراء الصحابة المخالفة له في إيقاف جيش أسامة -رضي الله عنه-، وحروب المرتدين ومانعي الزكاة: فقال -رضي الله عنه-: "والذي نفس أبي بكر بيده، لو ظننتُ أن السباع تخطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولو لم يبقَ في القرى غيري لأنفذته"، وقال في مانعي الزكاة: "وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ" (متفق عليه).
    - الإمام أحمد -رحمه الله- يواجِه فتنة خلق القرآن بقوة إرادة ونفاذ عزيمة، في الوقت الذي ضعف الناس فيه عن مواجهة الأمراء المبتدعين، وانزوى بعض العلماء صيانة لعرضه ونفسه.

    2- ضعف الاحتساب:
    - المحتسب للأجر وطلب الدرجات عند الله، ما إن يبلغه دليل الفضل والأجر، يقبل على الخير غير مسوف، وتهون عنده الصعاب: عن عبد الله بن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: سمعتُ أبي وهو بحضرة العدو يقول: قال رسول الله -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: سَمِعْتُ أَبِي، وَهُوَ بِحَضْرَةِ الْعَدُوِّ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (إِنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ)، فَقَامَ رَجُلٌ رَثُّ الْهَيْئَةِ، فَقَالَ: يَا أَبَا مُوسَى، آنْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلَامَ، ثُمَّ كَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ فَأَلْقَاهُ، ثُمَّ مَشَى بِسَيْفِهِ إِلَى الْعَدُوِّ فَضَرَبَ بِهِ حَتَّى قُتِلَ" (رواه مسلم)(1).
    - أهل الاسلام أولى بالاحتساب والصبر لنيل المنازل العالية عند الله: قال الشيخ "محمد إسماعيل المقدم" في علو الهمة (ص 2965): "قال د.عبد الودود شلبي في كتابه: "محكمة التاريخ": أذكر أنني ترددت كثيرًا جدًّا على مركزٍ مِن مراكز إعداد المبشرين في مدريد، وفي فناء المبنى الواسع وضعوا لوحة كبيرة كتبوا عليها: أيها المبشر الشاب! نحن لا نعدك بوظيفةٍ أو عملٍ أو سكنٍ أو فراشٍ وثيرٍ، إننا ندرك أنك لن تجد في عملك التبشيري إلا التعب والمرض في سبيل المسيح. وكل ما نقدمه إليك هو العلم والخبز وفراش خشن في كوخ صغير، أجرك كله ستجده عند الله، إذا أدركك الموت وأنت في طريق المسيح كنت مِن السعداء".
    وهذه الكلمات حركت كثيرًا مِن جند الشيطان المبشرين بالنيران، مِن حملة الشهادات في الطب والجراحة والصيدلة، وغيرها مِن التخصصات للذهاب إلى الصحاري القاحلة، والغابات التي لا توجد فيها إلا الخيام والمستنقعات المليئة بالنتن والميكروبات... تضحية بكل هذا لأجل الباطل الذي يعتقد صحته!

    3- مصاحبة الكسالى والمسوفين:
    - الماء والهواء يفسدان بمجاورة الجيف، فكيف بالنفوس البشرية؟! فالكسول شعاره: "أمامك ليل طويل فارقد!"، قال النبي -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: (الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ" (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني). وقالوا: "الطباع سراقة!".
    - الكسل والتسويف يفوت الخير ويؤخر عن المنازل العالية: قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "لَمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قُلْتُ لِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ: هَلُمَّ فَلْنَسْأَلْ أَصْحَابَ النَّبِيِّ عَنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَإِنَّهُمْ كَثِيرٌ. قَالَ: الْعَجَبُ لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، أَتَرَى النَّاسَ يَحْتَاجُونَ إِلَيْكَ وَفِي الأَرْضِ مَنْ تَرَى مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ؟ قَالَ : فَتَرَكَ ذَلِكَ، وَأَقْبَلْتُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ وَتَتَبُّعِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَإِنْ كُنْتُ لَيَبْلُغُنِي الْحَدِيثُ عَنْ رَجُلٍ سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ فَأَجِدُهُ قَائِلًا: فَأَتَوَسَّدُ رِدَائِي عَلَى بَابِهِ تَسْفِي الرِّيَاحُ فِي وَجْهِي حَتَّى يَخْرُجَ، فَيَقُولُ: مَا جَاءَ بِكَ يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ؟ فَأَقُولُ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْكَ، فَيَقُولُ: فَهَلا بَعَثْتَ إِلَيَّ حَتَّى آتِيَكَ، فَأَقُولُ: "أَنَا كُنْتُ أَحَقَّ أَنْ آتِيَكَ، فَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَمُرُّ بِي بَعْدُ، وَالنَّاسُ يَسْأَلُونِي، فَيَقُولُ: أَنْتَ كُنْتَ أَعْقَلَ مِنِّي" (فضائل الصحابة للإمام لأحمد).

    خاتمة:
    - تذكير بدرس اليوم مِن قصة الثلاثة، والتحذير بإجمالٍ مِن خطر التسويف بالأعمال الصالحة.
    - التذكير بأن التسويف كاد أن يهلك مَن شهد بدرًا والعقبة، وتسبب في هجر الناس لهم، ولولا رحمة الله -تعالى- بهم: (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا) (التوبة:118)؛ لكانوا في صفوف المنافقين!
    - لا بأس مِن إعادة عبارات كعب بن مالك -رضي الله عنه- شاهد درس اليوم لتكون عالقة بأذهان السامعين، ورابطة بينهم وبيْن الفوائد المذكورة.
    نسأل الله -تعالى- أن يقينا وإياكم شر التسويف، وأن يجعلنا مِن السباقين للخيرات.
    والحمد لله رب العالمين.
    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــ ــــــ
    (1) المقصود بذلك: أن قوة الإرادة هي قوة العزيمة التي تحمل صاحبها على المبادرة والاحترام بقوةٍ على فعل الخيرات دون ترددٍ.

  11. #51
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,790

    افتراضي رد: دروس من القصص

    دروس مِن قصة الثلاثة الذين خلفوا (4)

    خطر المنافقين على مجتمعات المسلمين

    كتبه/ سعيد محمود
    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛


    المقدمة:
    - تكرير التذكير على فضل القصة وكثرة الدروس والفوائد المستفادة منها، وأثرها على قلوب الصالحين.
    - ذكر الشاهد مِن القصة لدرس اليوم: قال كعب -رضي الله عنه-: "فَكُنْتُ إِذَا خَرَجْتُ فِي النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَطُفْتُ فِيهِمْ، أَحْزَنَنِي أَنِّي لاَ أَرَى إِلَّا رَجُلًا مَغْمُوصًا عَلَيْهِ النِّفَاقُ، أَوْ رَجُلًا مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ مِنَ الضُّعَفَاءِ" (متفق عليه).
    - المؤمن لا يرضى أن يكون مع هذا الصنف الخبيث: قال الله فيهم: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ) (المائدة:41).


    أولًا: موقفهم مِن الخروج إلى تبوك:
    1- أقاموا قبْل الغزوة بقليلٍ مسجد الضرار؛ لإحاكة المؤامرات والدسائس للمسلمين: قال الله -تعالى-: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ . لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِين َ . أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ . لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (التوبة:107-110).
    2- حاولوا تثبيط الناس عن الخروج مع النبي -صلى الله عليه وسلم- بحجة شدة الحر: قال -تعالى-: (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ ? قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ) (التوبة:81).
    3- حاولوا بث الفتنة أثناء التجهيز بخصوص غنائم حنين، وذلك بلمز النبي -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- بأنه يحابى قومه: قال -تعالى-: (وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ) (التوبة:58).
    4- الإرجاف والتخويف في الناس والتهويل مِن شأن العدو: قال بعضهم لبعض المسلمين: "أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضًا، والله لكأنا بكم غدًا مقرنين في الحبال!"، فأنزل الله: (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ) (التوبة:64).
    5- الهروب والتخلف والاعتذار بالحجج الكاذبة أو الواهية: قال الله -تعالى-: (لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) (التوبة:42)، وقال: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) (التوبة:49).


    ثانيًا: لماذا هم الأخطر على المسلمين؟!
    - للمسلمين أعداء كثر، ولكن المنافقين أشدهم وأخطرهم: قال -تعالى-: (هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (المنافقون:4).
    - سبب اختصاصهم بأشد العداوة للمسلمين مِن وجوه:
    1- حرب الكفار علينا أيام، وحرب المنافقين على الدوام؛ لأنهم يعيشون بيننا.
    2- حرب الكفار علينا معلنة، فيتحفز المسلم ويأخذ حذره، وحرب المنافقين في الغالب مستمرة، وهي أشر.
    3- الكفار لا يطلعون على عوراتنا ونقاط ضعفنا، بخلاف المنافقين.
    4- وأعظم ذلك كثرة حديث القرآن عنهم تحذيرًا مِن شرهم وعظيم خطرهم: (سورة التوبة 129 آية منها 100 آية تتحدث عن صفات المنافقين؛ ولذا سميت الفاضحة - افتتحت سورة البقرة في صدر المصحف بالكلام عن أصناف العالم الثلاثة في نحو عشرين آية، فكان نصيب المؤمنين أربع آيات، والكافرين آيتان، والمنافقين ثلاثة عشر آية - 340 آية مِن الآيات الطوال في القرآن تتحدث عن المنافقين - 17 سورة مدنية من 30 تتحدث عن المنافقين).
    وقفة مهمة: كل ذلك وهم يومئذٍ ثلاثة في الألف في مجتمع المسلمين! قال كعب: "وكانوا بضع وثمانين رجلاً"؛ فكيف وقد صاروا كثرة في مجتمعات المسلمين بعد ذلك؟!
    سمع حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- رجلًا يقول: "اللهم أهلك المنافقين! فقال: يا ابن أخي، لو هلك المنافقون لاستوحشتم في طرقكم مِن قلة السالك!".
    وقال -رضي الله عنه-: "المنافقون الَّذِينَ فِيكُمُ الْيَوْمَ شَرٌّ مِنَ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-! فَقُلْنَا: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَكَيْفَ ذَاكَ؟! قَالَ: إِنَّ أُولَئِكَ كَانُوا يُسِرُّونَ نِفَاقَهُمْ، وَإِنَّ هَؤُلَاءِ يُعْلِنُونَ"، وقال مالك -رحمه الله-: "النفاق في زمان النبي -صلى الله عليه وسلم- هو الزندقة في زماننا" (مدارج السالكين لابن القيم، 1/ 313).
    ثالثًا: مِن صفات المنافقين:
    1- قلوبهم ممتلئة بالشبهات والشكوك التي أهلكتهم: قال -تعالى-: (فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) (البقرة:10). (أمثلة عصرية: الهجوم على ثوابت الدين: كالحدود، والمواريث، وفتنة القبر، ونحو ذلك).
    2- يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف: قال -تعالى-: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَا تُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (التوبة:67). (أمثلة عصرية: منع الحجاب أو النقاب مع إباحة العري! - دعاء الركوب في الطائرة عنصرية والموسيقى تحضر وحرية! - المناداة بمنع مادة الدين مِن الدراسة!).
    3- المتمسك بالكتاب والسُّنة عندهم مخبول، وكلامه غير معقول: قال -تعالى-: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ) (البقرة:13). (أمثلة عصرية: السخرية مِن السمت الإسلامي - التطاول على العلماء والأئمة، بل والصحابة - الإنكار على المعلمة التي جمعت الأولاد للصلاة!).
    4- يبغضون التحاكم الى كتاب الله وسنة رسول الله -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: قال -تعالى-: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى? مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا) (النساء:61). (أمثلة عصرية: قول بعضهم الشريعة رجعية! - لا تدخلوا الدين في حياتنا!).
    5- يسوؤهم ويغمهم ظهور أهل الدين وعافيتهم، ويسرهم ويفرحهم نزول البلايا والمصائب بهم: قال -تعالى-: (إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَّهُمْ فَرِحُونَ) (التوبة:50). (أمثلة عصرية: الهجوم على الدعاة إلى الله والشماتة بهم والتشهير بهم في الوقت الذي يكتمون نجاحهم وتفوقهم).
    رابعًا: عاقبة المنافقين يوم القيامة:
    - أشد الناس عذابًا عند الله: قال -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) (النساء:140)، وقال: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) (النساء:145).
    - جعل الله عذابهم مِن جنس عملهم: قال الله -تعالى-: (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات ِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِ مْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَا تُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ . يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ . فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِير) (الحديد:12-15).


    خاتمة: عود على بدء:
    - إن كلام كعب -رضي الله عنه- يبيِّن عظيم سوء وخبث هذا الصنف، ويبيِّن أن يحذر المسلم مِن النفاق أو أن يكون مع المنافقين ولو كان كارهًا: قال -رضي الله عنه-: "فَكُنْتُ إِذَا خَرَجْتُ فِي النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَطُفْتُ فِيهِمْ، أَحْزَنَنِي أَنِّي لاَ أَرَى إِلَّا رَجُلًا مَغْمُوصًا عَلَيْهِ النِّفَاقُ، أَوْ رَجُلًا مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ مِنَ الضُّعَفَاءِ".
    عصمنا الله وإياكم مِن الكفر والنفاق.
    وجعلنا وإياكم مع النبيين والصديقين، والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.


  12. #52
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,790

    افتراضي رد: دروس من القصص

    دروس مِن قصة الثلاثة الذين خلفوا (5)

    فضل الصدق
    كتبه/ سعيد محمود
    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    المقدمة:

    - تكرير التنبيه على فضل القصة، وكثرة الدروس الإيمانية والتربوية والدعوية فيها، وأثر ذلك على القلوب.
    - ذكر الشاهد مِن القصة على درس اليوم "فضل الصدق": قال كعب -رضي الله عنه-: وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى بَلَغَ تَبُوكَ، فَقَالَ: وَهُوَ جَالِسٌ فِي القَوْمِ بِتَبُوكَ: (مَا فَعَلَ كَعْبٌ؟) فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَبَسَهُ بُرْدَاهُ، وَنَظَرُهُ فِي عِطْفِهِ. فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: بِئْسَ مَا قُلْتَ، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
    قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنَّهُ تَوَجَّهَ قَافِلًا حَضَرَنِي هَمِّي، وَطَفِقْتُ أَتَذَكَّرُ الكَذِبَ، وَأَقُولُ: بِمَاذَا أَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ غَدًا، وَاسْتَعَنْتُ عَلَى ذَلِكَ بِكُلِّ ذِي رَأْيٍ مِنْ أَهْلِي، فَلَمَّا قِيلَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدْ أَظَلَّ قَادِمًا زَاحَ عَنِّي البَاطِلُ، وَعَرَفْتُ أَنِّي لَنْ أَخْرُجَ مِنْهُ أَبَدًا بِشَيْءٍ فِيهِ كَذِبٌ، فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ، وَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَادِمًا، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ، فَيَرْكَعُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ جَاءَهُ المُخَلَّفُونَ، فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ وَيَحْلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا، فَقَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلاَنِيَتَهُمْ ، وَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ، فَجِئْتُهُ فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُغْضَبِ، ثُمَّ قَالَ: (تَعَالَ) فَجِئْتُ أَمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لِي: (مَا خَلَّفَكَ، أَلَمْ تَكُنْ قَدْ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟!). فَقُلْتُ: بَلَى، إِنِّي وَاللَّهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، لَرَأَيْتُ أَنْ سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ، وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا، وَلَكِنِّي وَاللَّهِ، لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ اليَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عَنِّي، لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ، وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ، تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ، إِنِّي لَأَرْجُو فِيهِ عَفْوَ اللَّهِ، لاَ وَاللَّهِ، مَا كَانَ لِي مِنْ عُذْرٍ، وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى، وَلاَ أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ).
    فَقُمْتُ، وَثَارَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَاتَّبَعُونِي، فَقَالُوا لِي: وَاللَّهِ مَا عَلِمْنَاكَ كُنْتَ أَذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هَذَا، وَلَقَدْ عَجَزْتَ أَنْ لاَ تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِمَا اعْتَذَرَ إِلَيْهِ المُتَخَلِّفُون َ، قَدْ كَانَ كَافِيَكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَكَ، فَوَاللَّهِ مَا زَالُوا يُؤَنِّبُونِي حَتَّى أَرَدْتُ أَنْ أَرْجِعَ فَأُكَذِّبَ نَفْسِي، ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَقِيَ هَذَا مَعِي أَحَدٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ، رَجُلاَنِ، قَالاَ مِثْلَ مَا قُلْتَ، فَقِيلَ لَهُمَا مِثْلُ مَا قِيلَ لَكَ، فَقُلْتُ: مَنْ هُمَا؟ قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ العَمْرِيُّ، وَهِلاَلُ بْنُ أُمَيَّةَ الوَاقِفِيُّ، فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ، قَدْ شَهِدَا بَدْرًا، فِيهِمَا أُسْوَةٌ، فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِي".
    - هكذا مضى كعب -رضي الله عنه- على موقفه بأن يصدق، يرجو عاقبة الصدق: قال النبي -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: (عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا) (متفق عليه).

    (1) منزلة الصدق مِن الدين:

    - الصدق أفضل السمات الإنسانية والفضائل الأخلاقية التي يجب على المسلم أن يتحلى بها (ملاحظة ذلك في قصة الثلاثة حيث جاء الأمر به في سياق توبتهم): قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة:119).
    - الصدق يميز أهل الإيمان مِن أهل النفاق، والصادقين مِن الكاذبين: قال -تعالى- معاتبًا النبي -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: (عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى? يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ) (التوبة:43).
    - الصدق جعل الصادقين يسبقون الشهداء وعموم الصالحين: قال -تعالى-: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِين َ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) (النساء:69).
    - لذا جعله الله وصفًا لأحسن الناس بعد الأنبياء: قال -تعالى-: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحشر:8).

    (2) مجالات الصدق ومتعلقاته:

    متعلقات الصدق ثلاثة: (مع الله - مع النفس - مع الناس)، ومجالاته كثيرة نجملها في أربعة: (الأقوال - الأفعال - النيات - الأحوال).
    أولًا: الصدق في الأقوال:
    معناه: مطابقة الأقوال للأفعال والنيات، فلا يكذب ولا يراوغ: قال النبي -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: (آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ) (متفق عليه)، وروي عن عائشة -رضي الله عنها- أنها سألت النبي -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: "بمَ يعرف المؤمن؟ قال: بوقاره ولين كلامه وصدق حديثه".
    - مواقف في أهمية صدق الأقوال: (صدق الثلاثة الذين خلفوا وأثره بعد ذلك)، وعن أنس بن مالك، قال: "غَابَ عَمِّي أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ المُشْرِكِينَ، لَئِنِ اللَّهُ أَشْهَدَنِي قِتَالَ المُشْرِكِينَ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، وَانْكَشَفَ المُسْلِمُونَ، قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاَءِ -يَعْنِي أَصْحَابَهُ- وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاَءِ -يَعْنِي المُشْرِكِينَ- ثُمَّ تَقَدَّمَ، فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَقَالَ: يَا سَعْدُ بْنَ مُعَاذٍ، الجَنَّةَ وَرَبِّ النَّضْرِ إِنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ، قَالَ سَعْدٌ: فَمَا اسْتَطَعْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَنَعَ، قَالَ أَنَسٌ: فَوَجَدْنَا بِهِ بِضْعًا وَثَمَانِينَ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ أَوْ طَعْنَةً بِرُمْحٍ، أَوْ رَمْيَةً بِسَهْمٍ وَوَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ وَقَدْ مَثَّلَ بِهِ المُشْرِكُونَ، فَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ إِلَّا أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ قَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نُرَى أَوْ نَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَشْبَاهِهِ: (مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) (الأحزاب:23) إِلَى آخِرِ الآيَةِ" (متفق عليه). وقال أنس -رضي الله عنه-: إِنَّ أُخْتَهُ وَهِيَ تُسَمَّى الرُّبَيِّعَ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ امْرَأَةٍ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لاَ تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا، فَرَضُوا بِالأَرْشِ، وَتَرَكُوا القِصَاصَ"، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ) (متفق عليه).

    ثانيًا: صدق الأفعال:

    معناه: مطابقة الأفعال للأقوال والنيات، فلا يكذب فعله قوله: قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ . كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) (الصف:2-3).
    - مواقف في أهمية صدق الأفعال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَقَالَ لِقَوْمِهِ: لاَ يَتْبَعْنِي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا وَلَمَّا يَبْنِ بِهَا، وَلاَ أَحَدٌ بَنَى بُيُوتًا وَلَمْ يَرْفَعْ سُقُوفَهَا، وَلاَ أَحَدٌ اشْتَرَى غَنَمًا أَوْ خَلِفَاتٍ وَهُوَ يَنْتَظِرُ وِلاَدَهَا... ) (رواه البخاري).
    وعن إسحاق بن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال: "حدثني أبي: أن عبد الله بن جحش قال يوم أحد: ألا تأتي ندعو الله -تعالى-، فخلوا في ناحية، فدعا سعد فقال: يا رب، إذا لقينا العدو غدًا، فلقني رجلًا شديدًا بأسه، شديدًا حرده، أقاتله، ويقاتلني، ثم ارزقني الظفر عليه، حتى أقتله وآخذ سلبه. فأمن عبد الله، ثم قال: اللهم ارزقني غدًا رجلًا شديدًا بأسه، شديدًا حرده، فأقاتله، ويقاتلني، ثم يأخذني، فيجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتك غدًا قلت لي: يا عبد الله، فيم جدع أنفك وأذناك؟ فأقول: فيك وفي رسولك، فتقول: صدقت. قال سعد: أنت دعوته خيرًا مِن دعوتي، فلقد رأيته آخر النهار، وإن أنفه وأذنه لمعلق في خيط!" (صفة الصفوة لابن الجوزي).

    ثالثًا: صدق النيات والإرادات:

    معناه: العزم الصادق في إرادة فعل الخيرات مع الأقوال والأفعال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لكل امْرِئ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهجرَته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ) (متفق عليه).
    - مواقف في أهمية صدق النية: عن شداد بن الهاد -رضي الله عنه-: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَعْرَابِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ، ثُمَّ قَالَ: أُهَاجِرُ مَعَكَ، فَأَوْصَى بِهِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَعْضَ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا كَانَتْ غَزْوَةٌ غَنِمَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سَبْيًا، فَقَسَمَ وَقَسَمَ لَهُ، فَأَعْطَى أَصْحَابَهُ مَا قَسَمَ لَهُ، وَكَانَ يَرْعَى ظَهْرَهُمْ، فَلَمَّا جَاءَ دَفَعُوهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: قِسْمٌ قَسَمَهُ لَكَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَأَخَذَهُ فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: (قَسَمْتُهُ لَكَ)، قَالَ: مَا عَلَى هَذَا اتَّبَعْتُكَ، وَلَكِنِّي اتَّبَعْتُكَ عَلَى أَنْ أُرْمَى إِلَى هَاهُنَا، وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ بِسَهْمٍ، فَأَمُوتَ فَأَدْخُلَ الْجَنَّةَ فَقَالَ: (إِنْ تَصْدُقِ اللَّهَ يَصْدُقْكَ)، فَلَبِثُوا قَلِيلًا ثُمَّ نَهَضُوا فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ، فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُحْمَلُ قَدْ أَصَابَهُ سَهْمٌ حَيْثُ أَشَارَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (أَهُوَ هُوَ؟) قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: (صَدَقَ اللَّهَ فَصَدَقَهُ)، ثُمَّ كَفَّنَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي جُبَّةِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ثُمَّ قَدَّمَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ، فَكَانَ فِيمَا ظَهَرَ مِنْ صَلَاتِهِ: (اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُكَ خَرَجَ مُهَاجِرًا فِي سَبِيلِكَ فَقُتِلَ شَهِيدًا، أَنَا شَهِيدٌ عَلَى ذَلِكَ) (رواه النسائي، وصححه الألباني).

    رابعًا: صدق الأحوال:

    معناه: مطابقة حاله الظاهر لأقواله وأفعاله ونيته (ظهور آثار الصدق على الوجه والجوارح وسائر التصرفات): عن عبد الله بن سلام -رضي الله عنه- قال: "لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- المَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَبَنْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ" (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).
    - موقف في أهمية صدق الأحوال: عن عتبة بن أبي سفيان قال: "خطب بلال لأخيه امرأة قرشية، فقال لأهلها: نحن مَن قد عرفتم، كنا عبدين فأعتقنا الله -تعالى-، وكنا ضالين فهدانا الله -تعالى-، وكنا فقيرين فأغنانا الله -تعالى-، وأنا أخطب إليكم فلانة لأخي، فإن تنكحوها له فالحمد لله -تعالى-، وإن تردونا فالله أكبر. فأقبل بعضهم على بعض، فقالوا: بلال ممن عرفتم سابقته، ومشاهده ومكانه مِن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فزوجوا أخاه، فزوجوه، فلما انصرفوا قال له أخوه: يغفر الله لك أما كنت تذكر سوابقنا ومشاهدنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتترك ما عدا ذلك، فقال: مه يا أخي، صدقت فأنكحك الصدق" (تاريخ دمشق لابن عساكر).

    خاتمة: إشارة إلى ثمرات الصدق:

    - للصدق ثمرات كثيرة وجميلة تحتاج إلى حديثٍ منفصلٍ نجملها في عبارة وإشارة، وهي: (تحقيق العبودية لله - نيل الثناء عند الله وعند الصالحين - بركة وتوفيق في العمر والرزق - علو قدر ومنزلة في القلوب - راحة نفسية وطمأنينة)، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ، وَإِنَّ الكَذِبَ رِيبَةٌ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، وقال كعب بن مالك في سياق قصته: "إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا نَجَّانِي بِالصِّدْقِ، وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لاَ أُحَدِّثَ إِلَّا صِدْقًا، مَا بَقِيتُ".
    فاللهم ارزقنا الصدق في الأقوال والأعمال، وسائر الأحوال، واحشرنا مع النبيين والصديقين.

  13. #53
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,790

    افتراضي رد: دروس من القصص

    دروس مِن قصة الثلاثة الذين خلفوا (6)

    مشروعية الزجر بالهجر

    كتبه/ سعيد محمود
    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    المقدمة:
    - تكرير التنبيه على فضل القصة، وكثرة الدروس المأخوذة منها.
    - ذكر الشاهد لدرس اليوم "مشروعية الزجر بالهجر" مِن القصة: قال كعب بن مالك -رضي الله عنه-: "وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- المُسْلِمِينَ عَنْ كَلاَمِنَا أَيُّهَا الثَّلاَثَةُ مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ، فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ، وَتَغَيَّرُوا لَنَا حَتَّى تَنَكَّرَتْ فِي نَفْسِي الأَرْضُ فَمَا هِيَ الَّتِي أَعْرِفُ، فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا يَبْكِيَانِ، وَأَمَّا أَنَا، فَكُنْتُ أَشَبَّ القَوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلاَةَ مَعَ المُسْلِمِينَ، وَأَطُوفُ فِي الأَسْوَاقِ وَلاَ يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ، وَآتِي رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلاَةِ، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلاَمِ عَلَيَّ أَمْ لاَ؟ ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ، فَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلاَتِي أَقْبَلَ إِلَيَّ، وَإِذَا التَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي، حَتَّى إِذَا طَالَ عَلَيَّ ذَلِكَ مِنْ جَفْوَةِ النَّاسِ، مَشَيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ أَبِي قَتَادَةَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّي وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَوَاللَّهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلاَمَ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ، أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُنِي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ، فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَفَاضَتْ عَيْنَايَ، وَتَوَلَّيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ الجِدَارَ.
    قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي بِسُوقِ المَدِينَةِ، إِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ أَنْبَاطِ أَهْلِ الشَّأْمِ، مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامِ يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ، يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ، حَتَّى إِذَا جَاءَنِي دَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ، فَإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوَانٍ، وَلاَ مَضْيَعَةٍ، فَالحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ، فَقُلْتُ لَمَّا قَرَأْتُهَا: وَهَذَا أَيْضًا مِنَ البَلاَءِ، فَتَيَمَّمْتُ بِهَا التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهُ بِهَا، حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً مِنَ الخَمْسِينَ، إِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَأْتِينِي، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ، فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا؟ أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ؟ قَالَ: لاَ، بَلِ اعْتَزِلْهَا وَلاَ تَقْرَبْهَا، وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَيَّ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقُلْتُ لِامْرَأَتِي: الحَقِي بِأَهْلِكِ، فَتَكُونِي عِنْدَهُمْ، حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِي هَذَا الأَمْرِ، قَالَ كَعْبٌ: فَجَاءَتِ امْرَأَةُ هِلاَلِ بْنِ أُمَيَّةَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ هِلاَلَ بْنَ أُمَيَّةَ شَيْخٌ ضَائِعٌ، لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ، فَهَلْ تَكْرَهُ أَنْ أَخْدُمَهُ؟ قَالَ: (لاَ، وَلَكِنْ لاَ يَقْرَبْكِ). قَالَتْ: إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا بِهِ حَرَكَةٌ إِلَى شَيْءٍ، وَاللَّهِ مَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ، مَا كَانَ إِلَى يَوْمِهِ هَذَا، فَقَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِي: لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي امْرَأَتِكَ كَمَا أَذِنَ لِامْرَأَةِ هِلاَلِ بْنِ أُمَيَّةَ أَنْ تَخْدُمَهُ؟ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لاَ أَسْتَأْذِنُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَمَا يُدْرِينِي مَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا اسْتَأْذَنْتُهُ فِيهَا، وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ؟ فَلَبِثْتُ بَعْدَ ذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ، حَتَّى كَمَلَتْ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ كَلاَمِنَا".
    - وهكذا كانت العقوبة بالتأديب بالهجر الذي هو فرع على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لبقاء سلامة المجتمع مِن انتشار نوع المعصية: قال -تعالى-: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران:110).
    1- وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع الإسلامي:
    - إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مِن أهم العبادات التي تميز المؤمنين، وتجعلهم مِن المرحومين في الدنيا والآخرة: قال الله -تعالى-: (وَالْمُؤْمِنُون َ وَالْمُؤْمِنَات ُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة:71).
    - ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يؤدي إلى انتشار المعاصي، ويهدد بنزول العذاب: قال الله -سبحانه وتعالى-: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ . كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (المائدة:78-79)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ فلَا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني).
    - ولذا كان واجبًا على كل مسلم كل بحسبه: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإيمَانِ) (رواه مسلم).
    2- مشروعية الزجر والتأديب بالهجر:
    وصور الهجر كثيرة، ومنها: هجر الكلام، والمجالسة، والمؤاكلة، والزيارة، والعيادة، والفراش، وغير ذلك.
    - وجوب هجر أهل البدع والكبائر والضلالات والدعاة إلى النظم المخالفة لتعاليم الإسلام: قال -تعالى-: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (الأنعام:68)، وقال -تعالى-: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) (النساء:140).
    - جواز هجر الصالحين إذا أذنبوا تأديبًا لهم؛ لئلا يعودوا إلى الذنب: (هجر النبي -صلى الله عليه وسلم- لنسائه شهرًا لما أكثرن عليه في النفقة) (متفق عليه). وعن سعيد بن جبير: أَنَّ قَرِيبًا لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ خَذَفَ، قَالَ: فَنَهَاهُ، وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَهَى عَنِ الْخَذْفِ، وَقَالَ: (إِنَّهَا لَا تَصِيدُ صَيْدًا، وَلَا تَنْكَأُ عَدُوًّا، وَلَكِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ، وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ)، قَالَ: فَعَادَ، فَقَالَ: أُحَدِّثُكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَهَى عَنْهُ، ثُمَّ تَخْذِفُ، لَا أُكَلِّمُكَ أَبَدًا. (متفق عليه). وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (ائْذَنُوا لِلنِّسَاءِ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسَاجِدِ) فَقَالَ ابْنٌ لَهُ: يُقَالُ لَهُ وَاقِدٌ: إِذَنْ يَتَّخِذْنَهُ دَغَلًا. قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدْرِهِ وَقَالَ: "أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَتَقُولُ: لَا!" (رواه البخاري ومسلم واللفظ له).
    - هجر الزوجة إذا نشزت على الزوج حتى ترجع: قال الله -تعالى-: (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ) (النساء:34).

    3- مِن ضوابط الزجر بالهجر:
    أولًا: التفريق بيْن الهجر لأمرٍ ديني والهجر لأمرٍ دنيوي:
    - الإنسان مجبول على الغضب لنفسه، فعفي عن الهجر ثلاثة ليذهب عنه ذلك: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَلْتَقِيَانِ، فَيُعْرِضُ هَذَا، وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا) (رواه مسلم).
    - وأما الهجر للدين فتجوز الزيادة التي يحصل بها المقصود: ومنه كان هجر الثلاثة؛ لأن تخلفهم كان مِن الكبائر، قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) (التوبة:38).

    ثانيًا: أن يكون مِن ذي سلطان مادي أو معنوي:
    - الشاهد من القصة: قول كعب -رضي الله عنه-: "وَآتِي رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلاَةِ، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلاَمِ عَلَيَّ أَمْ لاَ؟"، وقوله: "فاجتنبنا النَّاسُ، وَتَغَيَّرُوا لَنَا "، و(موقف أبي قتادة).
    - عمر بن الخطاب يعاقِب مَن يحدث الشبهات بالهجر بعد الضرب: "عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ صَبِيغًا الْعِرَاقِيَّ جَعَلَ يَسْأَلُ عَنْ أَشْيَاءَ مِنَ الْقُرْآنِ فِي أَجْنَادِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى قَدِمَ مِصْرَ، فَبَعَثَ بِهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَلَمَّا أَتَاهُ الرَّسُولُ بِالْكِتَابِ فَقَرَأَهُ فَقَالَ: أَيْنَ الرَّجُلُ؟ فَقَالَ: فِي الرَّحْلِ، قَالَ عُمَرُ: أَبْصِرْ أَنْ يكونَ ذَهَبَ فَتُصِيبَكَ مِنِّي بِهِ الْعُقُوبَةُ الْمُوجِعَةُ، فَأَتَاهُ بِهِ، فَقَالَ عُمَرُ: تَسْأَلُ مُحْدَثَةً، فأرْسلَ عُمَرُ إِلَى رَطَائِبَ مِنْ جَرِيدٍ، فَضَرَبَهُ بِهَا حَتَّى تَرَكَ ظَهْرَهُ دَبِرَةً، ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى بَرَأَ، ثُمَّ عَادَ لَهُ، ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى بَرَأَ، فَدَعَا بِهِ لِيَعُودَ لَهُ. قَالَ: فقالَ صَبِيغٌ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ قَتْلِي، فَاقْتُلْنِي قَتْلًا جَمِيلًا، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُدَاوِيَنِي، فَقَدْ وَاللَّهِ بَرَأْتُ، فَأَذِنَ لَهُ إِلَى أَرْضِهِ، وَكَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنْ لَا يُجَالِسَهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الرَّجُلِ، فَكَتَبَ أَبُو مُوسَى إِلَى عُمَرَ: أَنْ قَدْ حَسُنَتْ تَوْبَتُهُ، فَكَتَبَ عُمَرُ: أنِ ائْذَنْ لِلنَّاسِ بِمُجَالَسَتِهِ " (ذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة، وصحح بعض أسانيدها).
    - عائشة -رضى الله عنها- تعاقب عبد الله بن الزبير بهجره، ولم ترجع حتى استشفع عندها بالصحابة مرارًا: وذلك لما قال عبد الله بن الزبير "فِي بَيْعٍ أَوْ عَطَاءٍ أَعْطَتْهُ عَائِشَةُ: وَاللَّهِ لَتَنْتَهِيَنَّ عَائِشَةُ أَوْ لَأَحْجُرَنَّ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: أَهُوَ قَالَ هَذَا؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَتْ: هُوَ لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ، أَنْ لاَ أُكَلِّمَ ابْنَ الزُّبَيْرِ أَبَدًا" (رواه البخاري).

    ثالثًا: ألا يؤدي إلى مفسدة وشر أكبر:
    - كثيرٌ مِن الناس ضعيف الإيمان لا يتحمل الهجر، فربما فتن وانقلب: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (الحج:11).
    - والبعض لا يرى فعله خطأ، ويرى أنه مِن المصلحين، ومَن أنكر عليه فهو مِن الجاهلين أو المتكبرين: قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "إِنَّ المُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ"، فَقَالَ بِهِ هَكَذَا! (رواه البخاري).
    - والبعض الآخر يكون ضحية الصيد في الماء العكر، فلا بد مِن الحذر: قال كعب عن رسالة ملك غسان: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوَانٍ، وَلاَ مَضْيَعَةٍ، فَالحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ".
    - وهنا سنترك العلاج بالهجر، وننتقل إلى التأليف وتقليل الشر على قدر المستطاع؛ وإلا فإن النبي -صَلَّى الله عليه وسلم- لم يهجر المنافقين: قال كعب -رضي الله عنه-: "جَاءَهُ المُخَلَّفُونَ، فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ وَيَحْلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا، فَقَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلاَنِيَتَهُمْ ، وَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ" (متفق عليه).

    خاتمة:
    - الزجر بالهجر وسيلة مِن وسائل إصلاح الأفراد والمجتمعات، إذا أقامها المسلمون بضوابطها: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران:110).


  14. #54
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,790

    افتراضي رد: دروس من القصص

    دروس مِن قصة الثلاثة الذين خلفوا (7)

    وقفات مع توبة الله على الثلاثة

    كتبه/ سعيد محمود
    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    المقدمة:
    - تكرير التنبيه على فضل القصة، وكثرة الدروس المأخوذة منها.
    - ذكر الشاهد مِن القصة لوقفات اليوم: قال كعب -رضي الله عنه-: "فَلَبِثْتُ بَعْدَ ذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ، حَتَّى كَمَلَتْ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ كَلاَمِنَا، فَلَمَّا صَلَّيْتُ صَلاَةَ الفَجْرِ صُبْحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، وَأَنَا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الحَالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ، قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي، وَضَاقَتْ عَلَيَّ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ، أَوْفَى عَلَى جَبَلِ سَلْعٍ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ، قَالَ: فَخَرَرْتُ سَاجِدًا، وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ، وَآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلاَةَ الفَجْرِ، فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا ، وَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ، وَرَكَضَ إِلَيَّ رَجُلٌ فَرَسًا، وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ، فَأَوْفَى عَلَى الجَبَلِ، وَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الفَرَسِ، فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي، نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ، فَكَسَوْتُهُ إِيَّاهُمَا، بِبُشْرَاهُ وَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ، وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا ، وَانْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَيَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا، يُهَنُّونِي بِالتَّوْبَةِ، يَقُولُونَ: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ، قَالَ كَعْبٌ: حَتَّى دَخَلْتُ المَسْجِدَ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ إِلَيَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّانِي، وَاللَّهِ مَا قَامَ إِلَيَّ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ غَيْرَهُ، وَلاَ أَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ، قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ: (أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ)، قَالَ: قُلْتُ: أَمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: (لاَ، بَلْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)، ثم قال: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِي نَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ . وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة:117-119)" (سيكون لنا حديث منفرد في المرة القادمة إن شاء الله عن تناول القرآن لتوبتهم، وتعرضه لأحوالهم الإيمانية).
    - وهكذا كانت النهاية السعيدة، بعد بكاءٍ وأحزانٍ وآلام دامت خمسين ليلة، ولنا معها وقفات ثلاث: (موقف مجتمع الصحابة مِن توبة إخوانهم - خير يوم في حياة الثلاثة - مِن آداب شكر النعم).


    الوقفة الأولى: موقف مجتمع الصحابة مِن توبة إخوانهم:
    فمع عظيم امتثال الصحابة للأمر بالمقاطعة؛ إلا أنهم كذلك كانوا مهمومين مغمومين مشفقين على الثلاثة وعلى مصيرهم، لما رأوا منهم صدق التوبة، وهذا ظاهر مِن أمورٍ ثلاثة:
    1- انتظارهم الوحي بين لحظة وأخرى: ففي بعض الروايات أن توبتهم نزلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في السحر، والنبي عند أم سلمة، وكانت أم سلمة كثيرًا ما تذكر كعبًا للنبي -صلى الله عليه وسلم- وتثنى عليه خيرًا، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يَا أُمَّ سَلَمَةَ تِيبَ عَلَى كَعْبٍ) ثم تلا عليها الآيات، قَالَتْ: أَفَلاَ أُرْسِلُ إِلَيْهِ فَأُبَشِّرَهُ؟ قَالَ: (إِذًا يَحْطِمَكُمُ النَّاسُ فَيَمْنَعُونَكُ مُ النَّوْمَ سَائِرَ اللَّيْلَةِ) (رواه البخاري).
    2- مسارعتهم بتبشير الثلاثة: قال كعب -رضي الله عنه-: "سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ، أَوْفَى عَلَى جَبَلِ سَلْعٍ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ، قَالَ: فَخَرَرْتُ سَاجِدًا، وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ، وَآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلاَةَ الفَجْرِ، فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا ، وَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ، وَرَكَضَ إِلَيَّ رَجُلٌ فَرَسًا، وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ، فَأَوْفَى عَلَى الجَبَلِ، وَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الفَرَسِ".
    3- مظاهر الفرحة والتهنئة ملأت المدينة: قال كعب -رضي الله عنه-: "وَانْطَلَقْتÙ � إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَيَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا، يُهَنُّونِي بِالتَّوْبَةِ، يَقُولُونَ: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ"، وَقَالَ كَعْبٌ: "فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ... ".


    الوقفة الثانية: خير يوم في حياة الثلاثة:
    قال كعب -رضي الله عنه-: "فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ: (أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ)، قَالَ: قُلْتُ: أَمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: (لاَ، بَلْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)".
    - ولمَ لا يكون خير الأيام، والله يفرح بذلك؟! قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ، إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ) (رواه مسلم).
    - التوبة ندم وانكسار وافتقار وضعف، والله يحب مَن اتصف له بذلك فيكون منه أقرب: (الله مع التائب وأقرب إليه كما هو للمؤمن المريض، لاشتراكهما في وصف الضعف والانكسار والافتقار إلى الله -عز وجل-): قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ. يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي! قَالَ: يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ، فَلَمْ تُطْعِمْهُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي. يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ ، فَلَمْ تَسْقِنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا عَلِمْتَ إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي) (رواه مسلم).
    لطيفة: هل يوم توبتهم أفضل مِن يوم إسلامهم؟
    قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: "واستشكل هذا الإطلاق بيوم إسلامه، فإنه مرَّ عليه بعد أن ولدته أمه وهو خير أيامه، فقيل: هو مستثنى تقديرًا وإن لم ينطق به لعدم خفائه، والأحسن في الجواب: أن يوم توبته مكمل ليوم إسلامه، فيوم إسلامه بداية سعادته، ويوم توبته مكمل لها؛ فهو خير جميع أيامه، وإن كان يوم إسلامه خيرها، فيوم توبته المضاف إلى إسلامه خير مِن يوم إسلامه المجرد عنها، والله أعلم" (فتح الباري).
    قلتُ: وأضاف بعض العلماء اعتبار ذكرهم في القرآن وتعظيم شأن توبتهم حتى سميت السورة بذلك (حاول أن تتخيل آيات مِن القرآن تذكر في المحاريب وعلى ألسنة القراء، وأصحابها أحياء يرزقون؛ فأي شرف أعظم مِن هذا؟!).
    والخلاصة: أن يوم التوبة ولحظة التوبة مِن خير أيام ولحظات حياة الإنسان: قال الله -تعالى-: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ . أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) (آل عمران:135-136).


    الوقفة الثالثة: مِن آداب شكر النعم:
    1- سجود الشكر: قال كعب -رضي الله عنه-: "سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ، أَوْفَى عَلَى جَبَلِ سَلْعٍ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ، قَالَ: فَخَرَرْتُ سَاجِدًا، وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ"، وفي رواية الواقدي: "وكان الذي بشَّر هلال بن أمية بتوبته سعيد بن زيد. قال سعيد: فسجد، فما ظننته يرفع رأسه حتى تخرج نفسه. يعني: لما كان فيه مِن الجهد".
    2- مكافأة مَن يحمل البشرى بالنعمة: قال كعب -رضي الله عنه-: "فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي، نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ، فَكَسَوْتُهُ إِيَّاهُمَا، بِبُشْرَاهُ وَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ، وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا "، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ) (رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني).
    3- التصدق بالمال أو بغيره: قال كعب -رضي الله عنه-:‏ فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ) (متفق عليه).
    - وهكذا كان مجتمعهم يقوم على ميزان العلاقة في الله: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أوثقُ عُرَى الإيمانِ: الموالاةُ في اللهِ، والمُعاداةُ في اللهِ، والحبُّ في اللهِ، والبُغضُ في اللهِ -عزَّ وجلَّ-) (رواه الطبراني، وصححه الألباني).

    خاتمة: تنويه إلى الحديث القادم والأخير (أهمية أعمال القلوب):
    - والوقفات كثيرة جدًّا مع قصة توبتهم، ولا يزال لنا بقية حديث حول تناول القرآن لقصة توبتهم، والأحوال الإيمانية التي عاشها الثلاثة أثناء محنتهم: (حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ)، (وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ)، (وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ).
    فاللهم تب علينا أنك أنت التواب الرحيم.


  15. #55
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,790

    افتراضي رد: دروس من القصص

    دروس مِن قصة الثلاثة الذين خلفوا (8)

    كتبه/ سعيد محمود
    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    خاتمة: التناول القرآني للقصة:

    المقدمة:
    - التناول القرآني يركِّز على الأحوال الإيمانية القلبية التي كانت هي أعظم أسباب التوبة عند الثلاثة -رضى الله عنهم-: قال الله -تعالى-: (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيم) (التوبة:118).
    - الأحوال الإيمانية القلبية هي أشرف العبادات؛ لأن أعمال الجوارح لا تصلح بغيرها، فهي كالروح للجسد: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَلاَ وإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ، صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وهِيَ القَلْبُ) (متفق عليه).
    الحالة الإيمانية القلبية الأولى: (حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ):
    - أرض المدينة التي وُلدوا فيها تتنكر لهم بسبب شؤم المعصية: قال كعب -رضي الله عنه-: "وتغيّرو لَنَا حَتَّى تَنَكَّرَتْ فِي نَفْسِي الأَرْضُ فَمَا هِيَ الَّتِي أَعْرِفُ" (متفق عليه).
    - الأرض تتأثر بالمعاصي، وتضيق بالعصاة، وتستريح بموتهم: عن أبي قتادة -رضي الله عنه-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ، فَقَالَ: (مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا المُسْتَرِيحُ وَالمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ قَالَ: (العَبْدُ المُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالعَبْدُ الفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ العِبَادُ وَالبِلاَدُ، وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ) (متفق عليه)، وقال -تعالى- في شأن الفراعنة: (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ . وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ . كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَ ا قَوْمًا آخَرِينَ . فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ) (الدخان:25-29)، وروي: "إذا مات العبد الصالح، بكاه مصلاه مِن الأرض".
    - الأرض الضيقة بسبب الذنوب وهجر الصالحين، ستتسع بالتوبة وملازمة الصالحين، وتضيق أكثر بسبب موافقة العاصين والفاجرين: قال كعب عن رسالة ملك غسان "وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوَانٍ، وَلاَ مَضْيَعَةٍ، فَالحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ، فَقُلْتُ لَمَّا قَرَأْتُهَا: وَهَذَا أَيْضًا مِنَ البَلاَءِ، فَتَيَمَّمْتُ بِهَا التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهُ بِهَا".
    - راجع نفسك إذا هجرك إخوانك الصالحون، فإنهم شهود الله في الأرض: عن أنس -رضى الله عنه- قال: مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-: (وجَبَتْ)، ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ: (وجَبَتْ)، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: مَا وجَبَتْ؟ قَالَ: (هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ) (متفق عليه).


    الحالة الإيمانية القلبية الثانية: (وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ):
    - ضاقت عليهم أنفسهم نتيجة المحاسبة على الذنب؛ لأن النفس تكره المحاسبة: (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي) (يوسف:53).
    - النفوس مجبولة على حب الراحة واستثقال التكاليف، وإيثار متاع الدنيا على الآخرة؛ إلا مَن ضيَّق عليها وجاهدها: قال -تعالى-: (فَأَمَّا مَن طَغَى . وآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا . فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى . وأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ ونَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى . فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) (النازعات:37-41)، وقال -صلى الله عليه وسلم: (وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا) (رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني)، وقال: (وَلاَ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ) (رواه الحاكم، وحسنه الألباني).
    - الصالحون نفوسهم لوامة، تريد أن ترقى إلى النفس المطمئنة: قال كعب -رضي الله عنه-: "وَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ، وَلَيْتَنِي فَعَلْتُ!"، وقال: "فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا يَبْكِيَانِ". قال الحسن البصري -رحمه الله-: "لا يُلقَى المؤمنُ إلا يعاتب نفسَه: ماذا أردتُ بكلمتي؟ ماذا أردتُ بأكلتي؟ ماذا أردت بشَرْبتي؟ والفاجر يمضي قُدُمًا لا يعاتب نفسه".
    - حاسب نفسك وإن ضاقت، محاسبة التاجر الحاذق لتجارته (رأس مال - أرباح - خسائر): قال عمر -رضى الله عنه-: "حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا، فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ فِي الْحِسَابِ غَدًا".


    الحالة الإيمانية القلبية الثالثة: (وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ):
    - لا نجاة مِن أقدار الله المؤلمة: (هجر الصالحين لهم - الخوف من عقوبة الله المنتظرة) إلا باللجوء إلى الله: قال الله -تعالى-: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ) (الذاريات:50)، وقال -صلى الله عليه وسلم: (ولَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ) (متفق عليه).
    - الصادقون ينتظرون الفرج مِن الله، وإن طالت العقوبة، وعاشوا القلق وضيق النفس والأرض: قال -تعالى- في حقهم: (وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (التوبة:106)، وقال في غيرهم قبلها: (وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (التوبة:102)، وتأمل قوله فيهم: (واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)، ولم يقل كما قال في غيرهم: (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).
    - الذين يسلكون غير طريق الله إذا نزلت بهم الأقدار المؤلمة: (ضيق أرزاق - تسلط أعداء - مرض - ... )، إنما سلكوا طرقًا مسدودة، وإن ظنوا الراحة فيها: قال -تعالى-: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) (النمل:62)، وقال: (وإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير ) (الأنعام:17)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فَعَلَيكُمْ بِالجَمَاعَةِ، فَإِنَّمَا يأْكُلُ الذِّئْبُ مِنَ الغَنمِ القَاصِيَةَ) (رواه أبو داود والنسائي، وحسنه الألباني).
    - النبي -صلى الله عليه وسلم- يرسِّخ هذه العقيدة في نفوس المسلمين: عن البراء بن عازب عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِذَا أَتَيتَ مَضْجَعَكَ فَتَوضَّأْ وضُوءَكَ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلى شِقِّكَ الأَيمَنِ، وقلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نفِسي إِلَيكَ، وفَوَّضتُ أَمري إِلَيْكَ، وأَلَجَأْتُ ظَهرِي إِلَيْكَ، رغبةً ورهْبَةً إِلَيْكَ، لامَلجأَ ولا مَنجي مِنْكَ إِلاَّ إِليكَ... ) (متفق عليه).


    خاتمة:
    - ختمت الآيات بالأمر بلزوم الجماعة الصادقة، والحذر مِن مفارقتهم: قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة:119).
    - الإشارة في الختام مرة أخرى إلى فضل القصة، وما اشتملت عليه مِن فوائد عظيمة ينتفع بها المؤمنون.
    فاللهم انفعنا بما قلنا وسمعنا، وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم.

  16. #56
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,790

    افتراضي رد: دروس من القصص

    وقفات مع قصة جرة الذهب


    كتبه/ سعيد محمود
    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛


    المقدمة*:
    - في عالم المؤمنين على مرِّ الزمان، نماذج راقية في الإيمان والتقوى والورع، حتى يصل حالها إلى أن يتدافع أصحابها المال، ولا يحرصون عليه؛ خشية أن يكون حرامًا: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ عَقَارًا لَهُ، فَوَجَدَ الرَّجُلُ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ فِي عَقَارِهِ جَرَّةً فِيهَا ذَهَبٌ، فَقَالَ لَهُ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ: خُذْ ذَهَبَكَ مِنِّي، إِنَّمَا اشْتَرَيْتُ مِنْكَ الْأَرْضَ، وَلَمْ أَبْتَعْ مِنْكَ الذَّهَبَ، فَقَالَ الَّذِي شَرَى الْأَرْضَ: إِنَّمَا بِعْتُكَ الْأَرْضَ، وَمَا فِيهَا، قَالَ: فَتَحَاكَمَا إِلَى رَجُلٍ، فَقَالَ الَّذِي تَحَاكَمَا إِلَيْهِ: أَلَكُمَا وَلَدٌ؟ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: لِي غُلَامٌ، وَقَالَ الْآخَرُ لِي جَارِيَةٌ، قَالَ: أَنْكِحُوا الْغُلَامَ الْجَارِيَةَ، وَأَنْفِقُوا عَلَى أَنْفُسِكُمَا مِنْهُ وَتَصَدَّقَا) (متفق عليه).
    - صورة فريدة وعجيبة مِن الأمانة؛ وإلا فالمعهود بين الناس أن يختصم مثل هذين للحصول على الذهب؛ لأن حب المال مغروس في النفوس البشرية: قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: " ... لقد رأيتنا يكثر تمارينا ومنازعتنا عند النبي -صلى الله عليه وسلم- أيهما أكثر أمانة" <(فتح الباري، كتاب أحاديث الأنبياء، (? / ???)>، (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) (العاديات:8)، (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) (آل عمران:14).



    (1) فتنة المال:
    - لقد حمل حب المال الناس على التحاسد والتباغض، والكبر والحرص، واستحلال المحرمات: (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا) (الكهف:35)، (أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا) (الكهف:34)، (فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ . أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ . فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ . أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ) (القلم:21-24)، (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ . قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي) (القصص:77-78)(1).
    - بل أفسد حب المال كثيرًا من العباد والمنتسبين إلى العلم والدين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) (التوبة:34).



    (2) فضل الورع في الدين:
    - لا شك أن هذين الرجلين صالحين تقيين، والصلاح والتقوى يجلبان الورع الذي يثمر الزهد: قال ابن القيم -رحمه الله-: "الورع: ترك ما يخشى ضرره في الآخرة" (مدارك السالكين).
    - وللورع أقسام ثلاثة:
    الأول: واجب، وهو الكف عن المحرمات، وهو في مقدور الناس جميعًا(2): قال الله -تعالى-: (وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) (الحشر:7).
    الثاني: مستحب، وهو الامتناع عن الشبهات، وهذا لا يقدر عليه إلا القليل(3): قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الحَلَالُ بَيِّنٌ، والحَرَامُ بَيِّنٌ، وبيْنَهُما مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وعِرْضِهِ... ) (متفق عليه).
    وقال -صلى الله عليه وسلم-: (دَعْ ما يَريبُك إلى ما لا يَريبُك) (رواه الترمذي والنسائي، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنِّي لَأَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِي، فَأَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي، فَأَرْفَعُهَا لِآكُلَهَا، ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً، فَأُلْقِيهَا) (متفق عليه)، وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كانَ لأبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -رضى الله عنه- غُلامٌ يُخْرِجُ لَهُ الخَراجَ، وكانَ أَبو بَكْرٍ يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ، فَجَاءَ يَومًا بِشَيءٍ، فَأَكَلَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ الغُلامُ: تَدْرِي مَا هَذا؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ومَا هُوَ؟ قَالَ: كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لإِنْسَانٍ في الجاهِلِيَّةِ، ومَا أُحْسِن الكَهَانَةَ إِلا أَنِّي خَدَعْتُهُ، فَلَقِيني، فَأَعْطَاني بِذلكَ هَذَا الَّذِي أَكَلْتَ مِنْهُ، فَأَدْخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَدَه، فَقَاءَ كُلَّ شَيءٍ فِي بَطْنِهِ" (رواه البخاري).
    الثالث: من قبيل الإحسان: وهو الكف عن كثيرٍ مِن المباحات، طلبًا لما هو خير منها في الآخرة، وهذا لا يقدر عليه إلا قليل: (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى) (النساء:77)، قال -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ لا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الآخِرَةِ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).
    وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "مَا شَبعَ آلُ مُحمَّدٍ -صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم- مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حَتَّى قُبِضَ" (رواه مسلم)، وعن حفضة بنت عمر -رضي الله عنها- أنها دخلت على أبيها عمر -رضي الله عنه- وقد رأت ما هو فيه من شدة العيش وخشونته! فقالت: "إن الله أكثر من الخير، وأوسع عليك من الرزق، فلو أكلت طعامًا أطيب من ذلك، ولبست ثيابًا ألين من ثوبك؟ قال: سأخصمك إلى نفسك، فذكر أمر رسول الله وما كان يلقى من شدة العيش، فلم يزل يذكرها ما كان فيه رسول الله، وكانت معه حتى أبكاها، ثم قال: إنه كان لي صاحبان سلكا طريقًا، فإن سلكت طريقًا غير طريقهما سلك بي غير طريقهما، إني والله سأصبر على عيشهما الشديد لعلي أن أدرك معهما عيشهما الرَّخِيّ" (طبقات ابن سعد 3 / 277).
    وعن البراء بن معرور قال: مرض عمر-رضي الله عنه- يومًا فوصفوا له العسل كدواء، وكان بيت المال به عسلًا جاء من بعض البلاد المفتوحة، فلم يتداوَ عمر بالعسل كما نصحه الأطباء، حتى جمع الناس وصعد المنبر واستأذن الناس: "إن أذنتم لي، وإلا فهو عليَّ حرم"، فبكى الناس إشفاقًا عليه، وأذنوا له جميعًا، ومضى بعضهم يقول لبعض: "لله درك يا عمر، لقد أتعبت الخلفاء بعدك" (الطبقات الكبرى، لابن سعد).
    وقال الأوزاعي -رحمه الله-: "كنا نضحك ونمزح، فلما صرنا يقتدى بنا، خشيت ألا يسعنا التبسم!".
    وقال الحسن -رحمه الله-: "ما زالت التقوى بالمتقين؛ حتى تركوا كثيرًا من الحلال مخافة الحرام" (جامع العلوم والحِكم لابن رجب الحنبلي).



    (3) الجزاء من جنس العمل:
    - إذا كان أمر الرجلين عجبًا، فإن قضاء القاضي كان أعجب وأغرب: ففي الحديث: (فَقَالَ الَّذِي تَحَاكَمَا إِلَيْهِ: أَلَكُمَا وَلَدٌ؟ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: لِي غُلَامٌ، وَقَالَ الْآخَرُ لِي جَارِيَةٌ، قَالَ: أَنْكِحُوا الْغُلَامَ الْجَارِيَةَ، وَأَنْفِقُوا عَلَى أَنْفُسِكُمَا مِنْهُ وَتَصَدَّقَا)(4).
    - المصاهرة بين الأخيار تقوي رباط الإيمان بين الصالحين، والزوجان الصالحان يكونان أسرة صالحة، ويرجى أن ينجبا ذرية صالحة: قال -تعالى-: (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا) (الأعراف:58)، (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُم ْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ) (الطور:21)، وفي قصة أم سليم مع أبي طلحة -رضي الله عنهما- لما مات ولدهما الصغير: " ... فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو طَلْحةَ قَالَ: مَا فَعَلَ ابنِي؟ قَالَت أُمُّ سُلَيْم وَهِيَ أُمُّ الصَّبيِّ: هُوَ أَسْكَنُ مَا كَانَ، فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ الْعَشَاءَ فَتَعَشَّى، ثُمَّ أَصَابَ مِنْهَا، فَلَمَّا فرغَ قَالَتْ: وارُوا الصَّبيَّ، فَلَمَّا أَصْبحَ أَبُو طَلْحَة أَتَى رسولَ اللَّه، فَأَخْبرهُ، فَقَالَ: (أَعرَّسْتُمُ اللَّيْلَةَ؟) قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: (اللَّهمَّ باركْ لَهُما) فَولَدتْ غُلامًا... "، قال ابن عيينة: فَقَالَ رجُلٌ منَ الأَنْصارِ: "فَرَأَيْتُ تَسعة أَوْلادٍ، كلُّهُمْ قدْ قَرؤُوا الْقُرْآنَ، يعْنِي مِنْ أَوْلادِ عَبْدِ اللَّه الْموْلُود" (رواه البخاري).
    - فائدة في الختام: حكم المال المدفون:
    - المال المدفون: إما لقطة، وإما ركاز، وإما غير معين، لا يعرف له وصف من الوصفين السابقين، فهو في حكم المال الضائع، فيعود إلى بيت المال.
    - أما اللقطة: فعن خالد الجهني قال: سئل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن لقطة الذهب أو الورق؟ فقال: (اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإنْ لَمْ تَعْرِفْ فَاسْتَنْفِقْهَ ا، وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ، فَإنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إلَيْهِ) (رواه مسلم).
    - وأما الركاز: فهو ما وجد من دفائن الجاهلية، ذهبًا أو فضة أو غيرها مما عليه علامة الكفر، فيجب فيه الخمس في قليله وكثيره، ولا يشترط له الحول ولا النصاب؛ لعموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: (وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ) (متفق عليه).
    والحمد لله رب العالمين.
    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــ ـــــــــــــ
    * الغرض مِن الموعظة: الوقوف على بعض الفوائد من هذه القصة التي تحكي لنا صورة راقية من الإيمان والتقوى، وعظيم الورع.
    (1) ولقد رأينا صور الاستعمار والاحتلال مِن أممٍ لغيرها على مرِّ الزمان؛ بسبب المال، كما في الصراع على منطقة الشرق الأوسط الغنية بالبترول.
    (2) كأكل الميتة، والربا، والخنزير، وشرب الخمر، ونكاح المحارم، ولبس الحرير والذهب للرجال، والسرقة، والغش، والكذب، ونحو ذلك.
    (3) كالمختلف في حله وحرمته، أو حرمته وكراهيته.
    (4) جزم القرطبي بأن القاضي لم يصدر عليهما حكمًا، وإنما أشار عليهما بذلك صلحًا؛ لأن المال له حكم المال الضائع، وهو النوع الثالث.



  17. #57
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,790

    افتراضي رد: دروس من القصص

    قصة الذي دخل الجنة بتنحيته الأذى عن الطريق

    كتبه/ سعيد محمود
    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    المقدمة:
    - قصة قصيرة تحمل أدبًا وحكمًا مِن آداب وأحكام الطريق: روى الشيخان عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ، وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَخَذَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ) (متفق عليه)، وفى رواية عند مسلم: (مَرَّ رَجُلٌ بِغُصْنِ شَجَرَةٍ عَلَى ظَهْرِ طَرِيقٍ فَقَالَ وَاللَّهِ لَأُنَحِّيَنَّ هَذَا عَنْ الْمُسْلِمِينَ لَا يُؤْذِيهِمْ فَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ)، وفى رواية أخرى عنده: (لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ).
    - الطريق مكان عام، يشترك فيه الناس جميعًا في المنفعة؛ ولذلك جعل له الإسلام آدابًا وأحكامًا؛ هذا أحدها: فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ) قَالُوا: وَمَا حَقُّهُ؟، قَالَ: (غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ) (متفق عليه).
    - البعض يحكي انبهارًا طرق بلاد غير المسلمين، وأنها من أسباب نعيم الدنيا، وينسى أن الإسلام هو الذي علم البشرية ذلك: (إشارة الى عناصر الحديث الثلاثة الآتية).


    (1) فضل إماطة الأذى عن الطريق في الإسلام:
    - الترغيب والحث عن النظافة وجعلها دينًا: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الإيمانُ بضعٌ وسبعون شعبةً، أعلاها قولُ لا إله إلا اللهُ، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريقِ) (رواه مسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ، كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ، جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ، فَنَظِّفُوا -أُرَاهُ قَالَ:- أَفْنِيَتَكُمْ وَلا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ" (رواه الترمذي وحسنه).
    - المسلمون العاملون بتعاليم الإسلام يحرصون على نظافة طرقهم؛ لأنه دين عندهم، يرجون به الثواب من ربهم: عن أبي برزة -رضي الله عنه- قال: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، عَلِّمْنِي شَيْئًا أَنْتَفِعُ بِهِ. قَالَ: (اعْزِلْ الْأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ) (رواه مسلم).
    - وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ: تَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ تَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَتُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ) (متفق عليه). ومن كلام المسلمين: "النظافة من الإيمان".
    - بل، ومن عظيم فهم خلفاء المسلمين أن جعلوه مسئوليتهم مع الرعية: قال أبو موسى الأشعري لما قدم البصرة أميرًا: "بعثني إليكم عمر بن الخطاب أعلمكم كتاب ربكم وسنتكم، وأنظّف طرقكم" (سنن الدارمي 566).
    - ولذلك كان إماطة الأذى عن الطريق من سمات المجتمع المسلم الذي يفتخر به النبي -صلى الله عليه وسلم: قال -صلى الله عليه وسلم-: (عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا، فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا الْأَذَى يُمَاطُ عَنِ الطَّرِيقِ، وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِي أَعْمَالِهَا النُّخَاعَةَ تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ، لَا تُدْفَنُ) (رواه مسلم).


    (2) تحريم إيذاء المسلمين في طرقهم:
    - الإسلام يحرم ذلك، ويرهب من عاقبته (إشارة إلى بعض صور الأذى في زماننا): (إلقاء النفايات بأنواعها في الطريق - غرس المواسير الحديدية والكتل الأسمنتية أمام البيوت والمحلات - عرض التجار سلعهم في الطريق - وضع المقاهي الكراسي ونحوها على الطريق - وغير ذلك ...).
    - أصحاب هذه الأعمال مستحقون للعقوبة في الدنيا والآخرة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ آذَى الْمُسْلِمِينَ فِي طُرُقِهِمْ، وَجَبَتْ عَلَيْهِ لَعْنَتُهُمْ) (رواه الطبراني في الكبير، وحسنه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ فِي مَسْجِدِنَا وَفِي سُوقِنَا وَمَعَهُ نَبْلٌ فَلْيُمْسِكْ عَلَى نِصَالِهَا أَنْ يُصِيبَ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا بِشَيْءٍ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ) (رواه أحمد وابن ماجه، وحسنه الألباني).
    تأمل في القصة فعل الرجل الصالح، فإنه قطع جزءًا من شجرة نافعة في أصلها، ولكن كان جزءًا منها في الطريق يؤذي الناس؛ فكيف بالذين يخرجون إلى الطريق ما كان أصله وفرعه يؤذي الناس؟!


    (3) عناية علماء الإسلام ببيان أحكام وآداب الطريق:
    - لقد أَوْلَوا الطريق عناية فائقة، فذكروا تفصيلات عجيبة في حفظ حق الطريق في ضوءِ ما جاء في الكتاب والسُّنة (لا بأس أن تقرأ من الورقة):
    - عقد أبو حامد الغزالي -رحمه الله تعالى- فصلًا في إحياء علوم الدين، عنوانه: "منكرات الشوارع"، أطال فيه، فكان مما قال: "فمِن المنكرات المعتادة فيها: وضع الأسطوانات وبناء الدكات متصلة بالأبنية المملوكة وغرس الأشجار، وإخراج الرواشن والأجنحة، ووضع الخشب، وأحمال الحبوب والأطعمة على الطرق، فكل ذلك منكر إن كان يؤدي إلى تضييق الطرق واستضرار المارة... وكذلك ربط الدواب على الطريق بحيث يضيق الطريق وينجس المجتازين منكر يجب المنع منه إلا بقدر حاجة النزول والركوب، وهذا لأن الشوارع مشتركة المنفعة وليس لأحد أن يختص بها إلا بقدر الحاجة. والمرعى هو الحاجة التي تراد الشوارع لأجلها في العادة دون سائر الحاجات، ومنها: سوق الدواب وعليها الشوك بحيث يمزق ثياب الناس فذلك منكر... وكذلك ذبح القصاب إذا كان يذبح في الطريق حذاء باب الحانوت ويلوث الطريق بالدم فإنه منكر يمنع منه... وكذلك طرح القمامة على جواد الطرق وتبديد قشور البطيخ أو رش الماء بحيث يخشى منه التزلق والتعثر؛ كل ذلك من المنكرات، وكذلك إرسال الماء من الميازيب المخرجة من الحائط في الطريق الضيقة، فإن ذلك ينجس الثياب أو يضيق الطريق... وكذلك إذا كان له كلب عقور على باب داره يؤذي الناس فيجب منعه منه".
    - وقال أبو طالب المكي -رحمه الله-: "وكان الورعون لا يشترون شيئًا ممن قعد يبيعه على طريق، وكذلك إخراج الرواشن من البيوت، وتقديم العضايد بين يدي الحوانيت إلى الطريق مكروه" (قوت القلوب 1/ 286).
    - وقال -رحمه الله تعالى- أيضًا: "وَمِمَّا كَرِهَهُ السَّلَفُ طَرْحُ السِّنَّوْرِ وَالدَّابَّةِ عَلَى المَزَابِلِ فِي الطُّرُقَاتِ، فَيَتَأَذَّى المُسْلِمُونَ بِرَوَائِحِ ذَلِكَ، وَكَانَ شُرَيْحٌ وَغَيْرُهُ إِذَا مَاتَ لَهُمْ سِنَّوْرٌ دَفَنُوهَا فِي دُورِهِمْ، وَمِثْلُهُ إِخْرَاجُ المَيَازِيبِ وَصَبُّهَا إِلَى الطُّرُقَاتِ" (قوت القلوب، 1/ 287).
    - وقال -رحمه الله-: "حُدثت عن أبي بكر المروزي: أن شيخًا كان يجالس الإمام أحمد بن حنبل -رحمه اللّه- ذا هيبة، فكان أحمد يقبل عليه ويكرمه فبلغه عنه أنه طيَّن حائط داره من خارج، قال: فأعرض عنه في المجلس فاستنكر الشيخ ذلك فقال: يا أبا عبد اللّه هل بلغك عني حدث أحدثته؟ قال: نعم، طينت حائطك من خارج، قال: ولا يجوز؟ قال: لا؛ لأنك قد أخذت من طريق المسلمين أنملة قال: فكيف أصنع؟ قال: إما أن تكشط ما طينته، وإما أن تهدم الحائط وتواخره إلى وراء مقدار أصبع ثم تطينه من خارج قال: فهدم الرجل الحائط وأخّره أصبعًا ثم طينه من خارج، قال: فأقبل عليه أبو عبد اللّه كما كان" (قوت القلوب 1/ 287).
    - وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "لا يجوز لأحدٍ أن يخرج في طريق المسلمين شيئًا من أجزاء البناء حتى إنه ينهى عن تجصيص الحائط، إلا أن يدخل رب الحائط به بقدر غلظ الجص... ولا يجوز أن يبنى أحد في الطريق دكانًا ولو كان الطريق واسعًا" (مجموع الفتاوى 20/ 10).


    (4) خاتمة:
    - ماذا لو أقيمت هذه الأحكام في مجتمعاتنا الآن؟: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى? وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّ هُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّ هُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل:97).
    - الإسلام يحث على ذلك لسعادة الدارين، وليس للدنيا وحدها: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ، فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ، كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ) (رواه مسلم).
    - لا تغتر بكثرة المخالفين، وعليك بنفسك: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) (المائدة:105).


  18. #58
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,790

    افتراضي رد: دروس من القصص

    قصة صاحب الجنتين

    كتبه/ سعيد محمود
    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    المقدمة:
    - قصة تصوِّر لنا مَثَلًا في القيم الفاسدة الزائلة، والقيم الباقية، وترسم نموذجين واضحين للنفس المعتزة بزينة الحياة الدنيا، والنفس المعتزة بالله -عز وجل-: قال الله -تعالى-: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَ ا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا . كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا . وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا . وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا . وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا . قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا . لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا . وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا . فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا . أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا . وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا . وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا . هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا) (الكهف:32-44).
    - الإشارة إلى سبب النزول: وهو استنكاف سادات المشركين من مجالسة النبي -صلى الله عليه وسلم- في حضور أصحابه الفقراء: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا).
    - الإشارة إلى تقسيم تناول القصة إلى ثلاثة مشاهد: (حال العبد الغافل المغرور بالنعم - حال العبد المؤمن الفقير الناصح إلى شكر المنعم - عاقبة كفر نعم الله).

    1- المشهد الأول: حال العبد الغافل المغرور بالنعم:
    - جعل الله له من النعم ما يبهج النفوس ويسر الناظرين؛ ابتلاءً وامتحانًا كما هي سنة الله في الخلق: (جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَ ا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا . كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا . وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ... ).
    - كفَرَ الرجل بنعمة الله، وتعالى وتكبر على صاحبه الصالح الفقير: ذكر بعض المفسرين أن صاحبه جاء يستقرضه لحاجة ألمت به، فجعل يعيب عليه إقباله على العبادة والعمل الصالح، ويعيره بفقره، كأنه يريد أن الطاعة والعبادة هي سبب الفقر والحاجة، وأما هو فإنه بعلمه المزعوم صار غنيًّا وصاحب نعم كثيرة! (فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا).
    - بل ازداد كفرًا بشكه في قدرة الله على البعث والحساب: (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا . وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا).
    - هكذا ظن أن الدنيا والنعم أعطيت له كرامة، وجهل أنها أهون شيء على الله: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الآخِرَةُ؟) (متفق عليه)، وقال -تعالى-: (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُ مْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ) (الأحقاف:20)، فتعلق قلبه ونظره بالنعم، ونسي المنعم -سبحانه-: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) (الكهف:7).
    - وهكذا فشل وسقط في الامتحان: قال -تعالى- عن نبيه سليمان -عليه السلام- لما أعطاه من فضله: (قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) (النمل:40)، وقال -تعالى- عن أمثاله المغرور: (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى . أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى) (العلق:6-7)، وقال: (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ) (فصلت:51)، وقال عمَن اغتروا بكثرة المال وسلطان الدنيا: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ) (المائدة:18)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنْ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ) (رواه أحمد بسندٍ حسنٍ).

    2- المشهد الثاني: حال العبد الصالح الفقير الناصح:
    - هنا قام العبد الصالح المعتز بالله وطاعته ينصح ويؤدي واجب الدعوة الى الله: (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ).
    - تذكير بالأصل والتطور في الخلق بما فيه تنبيه على أن القادر على الخلق قادر على البعث: (أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا)، وكذلك التذكير بالضعف والفقر من باب (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا) (الإنسان:1).
    - ثم إعلان لأهم قضية في الحياة وأنه مهما عظمت الفتن بالدنيا -ومنها الفقر- فأنا على العهد: (لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (اللهمَّ أَنْتَ رَبِّي لا إِلَهَ إلا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي؛ فَإِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا أَنْتَ) (رواه البخاري).
    - إذا أعجبتك نعمتك فالواجب شكر المنعم، فذلك أدعى لدوامها وزيادتها: (وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ).


    فائدة: أركان شكر النعم:


    أولها: الاعتراف بالنعمة ونسبتها إلى المنعم -سبحانه-: (قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي) (النمل:40)، وكان سيد الشاكرين -صلى الله عليه وسلم- يشكر الله ويحمده في كل أحواله، من مآكل ومشرب، ونوم وقيام، وعطاس، ويقول: (‏الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني).


    ثانيها: التحدث بها والثناء على المنعم -سبحانه-: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) (الضحى:11).


    ثالثها: تسخيرها في طاعة المنعم -سبحانه-: (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا) (سبأ:13).
    - وهكذا قام العبد الصالح يخوفه من عاقبه الكفر والجحود لنعم الله: (إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا . فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا . أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا).

    3- المشهد الثالث: عاقبة كفر نعم الله:
    - صدق العبد الصالح في توقعه أو استجابة دعائه: (أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا . وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا).
    - أين المال؟ أين الولد؟ أين العشيرة؟ أين الخدم والحراس؟: (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا . وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا . هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا).
    - هكذا عاقبة كل مَن جحد نعمة الله، أو استعملها في غير مرضاته سبحانه: قال -تعالى-: (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَ ا مُصْبِحِينَ . وَلَا يَسْتَثْنُونَ . فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ . فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ) (القلم:17-20)، وقال عن قارون: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ) (القصص:81)، وقال سفيان بن عيينة في قوله -تعالى-: (سَنَسْتَدْرِجُه ُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ) (الأعراف:182)، قال: "نسبغ عليهم النعم، ونمنعهم الشكر".

    4- خاتمة: الشكر قيد النعم:
    - شكر المنعم سبحانه يحفظ النعم ويزيدها: قال -تعالى-: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُم ْ) (إبراهيم:7)، وقال بعض السلف: "النعم وحشية فقيدوها بالشكر"، وقال الحسن البصري: "إن الله ليمتع بالنعمة ما شاء، فإذا لم يشكر عليها قلبها عذابًا، ولهذا كانوا يسمون الشكر: الحافظ؛ لأنه يحفظ النعم الموجودة، والجالب، لأنه يجلب النعم المفقودة".
    - هناك أغنياء صالحون يتمنى الإنسان أن يكون مثلهم في تواضعهم وأخلاقهم وسخائهم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (نِعْمَ المالُ الصَّالحُ للمَرءِ الصَّالحِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني)، وقال: (لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ، رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ) (متفق عليه).


    - تأمل خاتمة القصة تعرف أن العزة في طاعة الله، وليست بالدنيا والمال والبنين: (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا . الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا) (الكهف:45-46).

  19. #59
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,790

    افتراضي رد: دروس من القصص

    قصة المتصدق على زانية وسارق وغني

    كتبه/ سعيد محمود
    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛



    المقدمة:
    - قصة مِن نماذج الإيمان الراقية: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (قَالَ رَجُلٌ لَأَتَصَدَّقَنّ َ اللَّيْلَةَ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ، قَالَ: اللهُمَّ، لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ، لَأَتَصَدَّقَنّ َ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ، قَالَ: اللهُمَّ، لَكَ الْحَمْدُ عَلَى غَنِيٍّ، لَأَتَصَدَّقَنّ َ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ، فَقَالَ: اللهُمَّ، لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ، وَعَلَى غَنِيٍّ، وَعَلَى سَارِقٍ، فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ قُبِلَتْ، أَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا تَسْتَعِفُّ بِهَا عَنْ زِنَاهَا، وَلَعَلَّ الْغَنِيَّ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللهُ، وَلَعَلَّ السَّارِقَ يَسْتَعِفُّ بِهَا عَنْ سَرِقَتِهِ) (متفق عليه).
    - شرح مجمل للقصة مع الإشارة إلى أن الأحداث وقعت في قرية صغيرة فيما يظهر؛ ولذلك كان الخبر ينتشر بسرعة.



    (1) فضل صدقة السر:
    - الإشارة إلى الشاهد من القصة، وهو إصرار الرجل على إخراجها في الليل حتى لا يراه أحد: (لَأَتَصَدَّقَنّ َ اللَّيْلَةَ بِصَدَقَةٍ).
    - صدقة السر من علامات الإخلاص العظيمة: "كان زين العابدين بن علي بن الحسين لا يخرج الصدقة إلا ليلًا، وكان يتلثم عند خروجه، ولم يدرِ الناس بذلك إلا بعد موته، حين ما فقد الفقراء ذلك، ووجدوا أثر الجوال في كتفه -رحمه الله-".
    - وقد جاء الترغيب في الصدقة بعمومها: قال الله -تعالى-: (مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ? وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة:261)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَا مِنْ يَوْمٍ يُصبِحُ العِبادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلاَ يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، وَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ) (متفق عليه).
    - وجاء التنبيه إلى النوعين والإشارة إلى تفضيل أحدهما: قال الله -تعالى-: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة:274)، وقال: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) (البقرة:271)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (صَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ) (رواه الطبراني، وصححه الألباني).
    - فالأصل أفضلية صدقة السر، ما لم تكن مصلحة في الجهر(1): جاء عثمان -رضي الله عنه- يوم تجهيز جيش العسرة بثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها، مائة بعد مائة، وجعل يأتي بالزيادة كلما سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يحرِّض الناس على التصدق، حتى بلغت صدقته 900 بعير ومائة فرس، ثم جاء قبل خروج النبي -صلى الله عليه وسلم- إليه وهو في المسجد، فنثر في حجرة ألف دينار، فجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- يقلبها وهو يقول: (مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني).



    (2) فضل النية الصالحة:
    - الإشارة إلى الشاهد من القصة: (أَمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ قُبِلَتْ).
    - لقد حصل الأجر على رغم وقوع الصدقة في غير موضعها، بسبب النية الصالحة: عن معن بن يزيد قال: َكَانَ أَبِي يَزِيدُ أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا، فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي المَسْجِدِ، فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا، فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ، فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَ: (لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ، وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ) (رواه البخاري)(2).
    - بل قد يعجز عن العمل (ضعف - مرض - سفر - موت) مع ذلك يكتب له الأجر بسبب النية الصالحة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَإِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إذَا مَرِضَ العَبْدُ، أوْ سَافَرَ، كُتِبَ له مِثْلُ ما كانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا) (رواه البخاري)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ) (رواه مسلم).



    (3) فضل الرؤيا الصالحة:
    - الشاهد من القصة: (فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ):
    - الرؤيا الصالحة للصالحين؛ لأنها من النبوة، فإنهم إذا ضاقت بهم آفاق الدنيا، وسع الله لهم ذلك في منامهم: قال -صلى الله عليه وسلم-: (إذَا اقتَربَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الُمؤْمن تَكذبُ، وَرُؤْيَا المُؤْمِنِ جُزْءٌ منْ ستَّةٍ وَأرْبَعيَنَ جُزْءًا مِنَ النُبُوةِ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّا المُبَشِّرَاتُ) قَالُوا: وَمَا المُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ: (الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ) (رواه البخاري)(3).



    (4) أمور تعين على صدق الرؤيا:
    1- التزام الصدق في الأقوال: قال -صلى الله عليه وسلم-: (وَأَصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثًا) (رواه مسلم).
    2- تقوى الله في أمره كله: قال -تعالى-: (الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ . لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (يونس:63-64)، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا المُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).
    3- مراعاة آداب النوم: (النوم على طهارة - النوم على توبة - النوم على جنبه الأيمن).
    4- أن يحرز نفسه من الشيطان، ويعرضها لرحمة الرحمن بتلاوة أذكار النوم وتعويذاته: (المعوذات - آية الكرسي - الأدعية الموظفة).
    5- سؤال الله أن يرزقه رؤيا صالحة(4): روى عن عائشة -رضي الله عنها- أنها كانت تقول: "اللَّهُمَّ إِنِّي أسألُكَ رُؤْيا صَالِحَةً، صَادِقَة غَيْرَ كاذِبَةً، نافِعَةً غَيْرَ ضَارَّةٍ" (رواه النووي في كتاب الأذكار).



    خاتمة:
    - هذا الرجل الصالح تعلمنا من خلال قصته فضائل كثيرة، ومن أعظمها فضل الصدقة في السر، والنية الصالحة، وكيف كان الجزاء من الله: قال -تعالى-: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ) (البقرة:143)، وقال: (فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (هود:115)، وقال: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) (الرحمن: 60).
    والحمد لله رب العالمين.
    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــ
    (1) وهو ظاهر من قوله -صلى الله عليه وسلم-: (وَلَعَلَّ الْغَنِيَّ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللهُ).
    (2) ولعل يزيد كان يظن أن الصدقة لا تحل لابنه. قال الحافظ -رحمه الله-: "واستدل به على جواز دفع الصدقة إلى كل أصل وفرع". وقال النووي في تبويبه على مسلم للحديث: "باب ثبوت أجر المتصدق وإن وقعت الصدقة في غير أهلها".
    (3) لأن الرؤيا الصالحة تخبر بشيء من الغيب، وهو ما حظى به الأنبياء -عليهم السلام-.
    (4) الأدلة العامة في فضل الدعاء تدل على ذلك أيضًا.




  20. #60
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,790

    افتراضي رد: دروس من القصص

    وقفات مع قصة البقرة والذئب اللذين تكلما


    كتبه/ سعيد محمود
    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    المقدمة:

    - الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم- يربي أصحابه وعموم أمته بالقصة الهادفة التي تنفعهم في دينهم ودنياهم: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: صَلَّى رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أقْبَلَ علَى النَّاسِ، فَقالَ: (بيْنَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً إذْ رَكِبَهَا فَضَرَبَهَا، فَقالَتْ: إنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهذا، إنَّما خُلِقْنَا لِلْحَرْثِ) فَقالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! بَقَرَةٌ تَكَلَّمُ، فَقالَ: فإنِّي أُومِنُ بهذا، أنَا وأَبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وما هُما ثَمَّ، (وبيْنَما رَجُلٌ في غَنَمِهِ إذْ عَدَا الذِّئْبُ، فَذَهَبَ منها بشَاةٍ، فَطَلَبَ حتَّى كَأنَّهُ اسْتَنْقَذَهَا منه، فَقالَ له الذِّئْبُ هذا: اسْتَنْقَذْتَهَ ا مِنِّي، فمَن لَهَا يَومَ السَّبُعِ، يَومَ لا رَاعِيَ لَهَا غيرِي؟!)، فَقالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! ذِئْبٌ يَتَكَلَّمُ، قالَ: (فإنِّي أُومِنُ بهذا أنَا وأَبُو بَكْرٍ وعُمَرُ) وما هُما ثَمَّ. (متفق عليه).
    - إشارة إلى الوقفات التالية حول القصة بعد شرح إجمالي للحديث.

    (1) أهمية الوعظ في إصلاح القلوب:

    - الوعظ في الجملة: هو الترغيب والترهيب بكل ما يحمل النفوس على الجد في الطاعات، واجتناب المنهيات: كالتذكير بالموت والقبور، والجنة والنار، وعلامات الساعة، وقيمة العمر، والتنفير من المحرمات، والترغيب في الطاعات.
    - أهمية الوعظ لا سيما بعد صلاة الفجر: ففي القصة، قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: "صَلَّى رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أقْبَلَ علَى النَّاسِ، فَقالَ: ... ).
    - أثر الوعظ على القلوب: ففي حديث حنظلة قال: يا رَسُولَ اللهِ، نَكُونُ عِنْدَكَ، تُذَكِّرُنَا بالنَّارِ وَالْجَنَّةِ، حتَّى كَأنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِن عِندِكَ، عَافَسْنَا الأزْوَاجَ وَالأوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ، نَسِينَا كَثِيرًا، فَقالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ إنْ لو تَدُومُونَ علَى ما تَكُونُونَ عِندِي، وفي الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ المَلَائِكَةُ علَى فُرُشِكُمْ وفي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. (رواه مسلم).
    - الوعظ بشقيه: (الترغيب والترهيب) يصلح القلوب، فيظهر أثر ذلك على الجوارح: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً، إذا صَلَحَتْ، صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذا فَسَدَتْ، فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألا وهي القَلْبُ ) (رواه مسلم).
    - بعض طلبة العلم ولا سيما في زمن الاتصالات الحديثة، أهملوا جانب الوعظ والتعبد؛ بسبب كثرة الجدل والتنظير في العلوم الكلامية، فكان الخلل في التربية والمنهجية؛ فأدَّى إلى التقصير في جوانب كثيرة، قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذ الناس نائمون، وبنهاره إذ الناس مفطرون، وبورعه إذ الناس يخلطون، وبتواضعه إذ الناس يختالون، وبحزنه إذ الناس يفرحون، وببكائه إذ الناس يضحكون، وبصمته إذ الناس يخوضون" (رواه الآجري في كتاب أخلاق أهل القرآن)، وعنه -رضي الله عنه- قال: "ليس العلم بكثرة الرواية، ولكن العلم الخشية" (الدر المنثور).

    (2) بيان عظيم قدرة الله في خلقه:

    - النبي -صلى الله عليه وسلم- من خلال القصة، يبين لهم عظيم قدرة الله في خلقه، بمثال جريان بعض الأمور على غير المألوف، ففي القصة: "فَقالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! بَقَرَةٌ تَكَلَّمُ"، وفيها: "فَقالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! ذِئْبٌ يَتَكَلَّمُ".
    - في خلق الله وقدرته صور كثيرة من كلام الحيوان للإنسان بلغته، وكلام الإنسان للحيوان بلغته، والله على كل شيء قدير: قال -تعالى-: (حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ . فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ) (النمل:18-19)، وقال: (فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإ يَقِينٍ) (النمل:22)، وعن عبد الله بن جعفر قال: دخل النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- حائطًا لرجلٍ من الأنصارِ فإذا فيه جملٌ فلمَّا رأَى النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- حنَّ وذرِفت عيناه فأتاه رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-فمسَح ذِفراه فسكت، فقال: من ربُّ هذا الجملِ؟ لمن هذا الجملُ؟ فجاء فتًى من الأنصارِ فقال: لي يا رسولَ اللهِ، فقال: (أفلا تتَّقي اللهَ في هذه البهيمةِ الَّتي ملَّكك اللهُ إيَّاها؛ فإنَّه شكَى إليَّ أنَّك تُجيعُه وتُدئِبُه) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني).
    - نحن نؤمن بكل ذلك مع غرابته، تصديقًا لخبر الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم-، وإيمانًا بقدرة الله على ما هو أعظم: قال -تعالى-: (حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (فصلت:20-21)، وعن أنس قال: كُنَّا عِنْدَ رَسولِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ- فَضَحِكَ، فَقالَ: (هلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ؟) قالَ: قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسولُهُ أَعْلَمُ، قالَ: (مِن مُخَاطَبَةِ العَبْدِ رَبَّهُ يقولُ: يا رَبِّ أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ قالَ: يقولُ: بَلَى، قالَ: فيَقولُ: فإنِّي لا أُجِيزُ علَى نَفْسِي إلَّا شَاهِدًا مِنِّي، قالَ: فيَقولُ: كَفَى بنَفْسِكَ اليومَ عَلَيْكَ شَهِيدًا، وَبِالْكِرَامِ الكَاتِبِينَ شُهُودًا، قالَ: فيُخْتَمُ علَى فِيهِ، فيُقَالُ لأَرْكَانِهِ: انْطِقِي، قالَ: فَتَنْطِقُ بأَعْمَالِهِ، قالَ: ثُمَّ يُخَلَّى بيْنَهُ وبيْنَ الكَلَامِ، قالَ فيَقولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ) (رواه مسلم).

    (3) لكل مخلوق وظيفة:

    - جعل الله لكل مخلوق وظيفة، وهداه إلى القيام بها: قال -تعالى-: (الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) (طة:50)، وفي القصة: (فَقالَتْ: إنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهذا، إنَّما خُلِقْنَا لِلْحَرْثِ)(1).
    - من نعمة الله على الإنسان أن سخَّر له كثيرًا من المخلوقات التي هي أقوى منه، بأنواعٍ مِن التسخير: قال -تعالى-: (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ . وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ . وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ . وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ . وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ . وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) (النحل:5-9)، وقال: (لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ . وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ) (الزخرف:13-14).
    - أفضل وظيفة لمخلوق هي العبودية، والتي يصير بغيرها الانسان كالبهائم أو أشر(2): قال -تعالى-: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات:56)، وقال -تعالى-: (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) (الفرقان:44)، (يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا) (النبأ:40).
    - ينبغي على العبد أن يسعى للترقي في وظيفته الأساسية، ولا يرضى فيها بالدون، كما أنه لا يرضى بالدون في وظيفة الدنيا(3): قال -تعالى-: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام:162).

    (4) نبذة في فضل الصاحبين -رضي الله عنهما-:

    - النبي -صلى الله عليه وسلم- يخبر في القصة عن عظيم إيمانهما، وقوة يقينهما: قال -صلى الله عليه وسلم-: (فَقالَ: فإنِّي أُومِنُ بهذا، أنَا وأَبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ -وما هُما ثَمَّ-!).
    - ذكر موقف لكل واحد منهما في قوة اليقين وصدق الإيمان وقوته: "لما كانت رحلة الإسراء والمعراج جاء المشركون إلى أبي بكر، فقالوا له: إن صاحبك يزعم أنه أسري به إلى المسجد الأقصى في الليلة الماضية، ونحن نقطع أكباد الإبل إليها في شهر كامل، فقال أبو بكر: إن كان قال فقد صدق"، وفي رواية قال: "إني لأصدقه في خبر السماء بكرة وعشية، أفلا أصدقه في بيت المقدس" (البداية والنهاية لابن كثير).
    وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنَّهُ أَخِي وَصَاحِبِي) (رواه مسلم)، وعن أنس -رضي الله عنه- قال: قال عمر -رضي الله عنه-: وافَقْتُ رَبِّي في ثَلَاثٍ: فَقُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، لَوِ اتَّخَذْنَا مِن مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، فَنَزَلَتْ: (وَاتَّخِذُوا مِن مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) وآيَةُ الحِجَابِ، قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، لو أمَرْتَ نِسَاءَكَ أنْ يَحْتَجِبْنَ، فإنَّه يُكَلِّمُهُنَّ البَرُّ والفَاجِرُ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الحِجَابِ، واجْتَمع نِسَاءُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في الغَيْرَةِ عليه، فَقُلتُ لهنَّ: (عَسَى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبَدِّلَهُ أزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ) (التحريم:5)، فَنَزَلَتْ هذِه الآيَةُ (رواه البخاري).
    - صدق الصحبة في الله، جمعهما مع النبي -صلى الله عليه وسلم- أحياءً وأمواتًا: (أبو بكر يموت على نفس العمر في نفس اليوم، وعمر يلحق بهما في قبورهما، ليبعثوا جميعًا مِن موضعٍ واحدٍ).

    (5) خاتمة:

    - يجب على المسلم أن يصدِّق بكل ما صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، لا فرق في ذلك بين المتواتر والآحاد.
    - هكذا القصة في القرآن والسُّنة، لها أهداف نبيلة وعظيمة، بخلاف قصص الناس.
    نفعنا الله وإياكم بالقرآن والسنة، والحمد لله رب العالمين.
    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــ
    (1) قول البقرة ليس على إطلاقه؛ وإلا فالاتفاق على أنها تؤكل وتحلب، وهذا تخصيص لعموم: (إنَّما خُلِقْنَا لِلْحَرْثِ).
    (2) فالذين غيروا وظيفة العبودية، وتمردوا على خالقهم، يعيشون حياة شهوتي البطن والفرج، وهي حياة الحيوان والدواب.
    (3) كثير مِن الناس يرضى من العبودية بالأركان فقط، ويهمل بقية الدين وتعاليمه، في الوقت الذي لا يرضى كل الناس بأن يعيشوا في بيت بأعمدة لا جدران له، ولا مرافق، ولا أثاث!

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •