تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


صفحة 8 من 8 الأولىالأولى 12345678
النتائج 141 إلى 145 من 145

الموضوع: سلسلة : روائع البيات لـ د/ رقية العلواني

  1. #141
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,774

    افتراضي رد: سلسلة : روائع البيات لـ د/ رقية العلواني

    من ترك شيئا لله عوضه الله بخير منه

    (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُ مُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)
    إذن هي التضحية، الإيمان يحتاج إلى تضحية، إيماني بالله عز وجل معرّض لمحن، معرّض لاختبارات، معرّض لابتلاءات، المهم ليس في الابتلاء بل في النتيجة التي سأخرج بها من هذه الابتلاءات عليّ أن أخرج أشد عوداً واصلب إيماناً وأقوى عزيمة وحراكاً ودفاعاً عن الحق الذي أؤمن به.

    المؤمن الذي تعلّم التضحية في الحج وفي غير الحج هو وحده يستطيع أن يهاجر في سبيل الله أن يترك أرض الوطن ويترك الأهل ويترك الأحباب، لماذا؟
    لله وحده لا شريك له، لأنه على يقين مُحسن الظن بالله عز وجل أن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يعوضه خيراً مما أخذ منه

    (ليرزقنَهم اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)

    المؤمن الذي يعيش وهو يستحضر الجزاء يستحضر الثقة بالله اليقين بما عند الله أن يكون أوثق بما عند الله عز وجل بما عنده هو بما في يديه هو من مال أو من جاه أو من سلطان أو وطن أو ولد.

    هذا المؤمن هو القادر على أن يضحي ويقدم كل شيء لأجل الله وفي سبيل الله.
    ولذا جاءت الآية وعد واضح وصريح
    (ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ )
    إنها الثقة بالله التي تحرك المؤمن وتدفع به في ميادين الحياة المختلفة.



    إِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ

    (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ)
    هذه الآيات العظيمة تهزّ وجدان المؤمن تحرّك فيه فواعل الإيمان تجعل التقوى حاضرة في قلبه حاضرة في نفسه ليتوجه بالتوحيد والإخلاص لله وحده لا شريك له بيده العلم بيده القدرة المطلقة بيده الملك بيده كل شيء فلماذا أتوجه للآخرين؟
    ولماذا أتوجه لمخلوق مثلي لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، هو أضعف من أن ينصر نفسه حتى ينصر الآخرين، كيف أتوجه له؟

    ولذا جاءت الآيات التي تليها بعد ذلك والخطاب فيها للناس أجمعين
    (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)
    الكلام للناس جميعاً، الكلام للناس ودعوة للناس لكي يتخلوا عن الأولياء من دون الله، لكي يتخلوا عمن استنصروهم من دون الله عز وجل، عمن اتخذوهم أولياء.


    الكلام لأولئك الذين طرقوا ويطرقوا أبواب المخلوقين استعانة واستنصاراً واستغاثة ولجوءاً، إلى أولئك الذين يظنون ولو لثواني أو لحظات أن المخلوقين من دول عظمى وغير عظمى تملك لهم النفع أو الضر تملك لهم العطاء أو المنع تملك لهم أي نوع من أنواع القدرة. يقول الله سبحانه وتعالى في هذا المثل هؤلاء حتى الذبابة كم هي حقيرة لدى البشر تلك الذبابة، حتى الذبابة لا يتمكنون من خلقها حتى لو اجتمعوا.
    بل أقل من ذلك إن سلبهم أو أخذ منهم الذباب شيئاً لن يتمكنوا من استنقاذه أبداً

    (ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ).

    تلك المقارنة العجيبة التي تضعها هذه الآية العظيمة أمام ذلك الإنسان المكابِر المعانِد الجاحِد الذي لا يعرف لله سبحانه وتعالى قدره حق المعرفة. هذا الإنسان الذي يجادل ويماري بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير يستطيل ويتطاول على خالقه سبحانه ويظن أن له قدرة وأن له قوة وأن له جيوشاً تسيّر وأن له منعة وهو لا يملك حتى أن يأخذ ما يسلبه الذباب. وتأتينا الدرسات العلمية الحديثة لتبين أن الذباب بطبيعته بمجرد أن يلتقط أو يأخذ شيئاً فإنه يفرز عليه إفرازات تغير من تركيبته فإنه حتى إن إستطاع الإنسان أن يمسك بالذبابة التي أخذت منه شيئاً لا يستطيع أن يسترجع ذلك الشيء

    (ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ)

    الذبابة ضعيفة وهي خلق من خلق الله والإنسان ضعيف وهو خلق من خلق الله لكنه يتطاول ويغتر ويعاند ويعتقد بأهوائه وشهواته أنه يستطيع أن ينازع الله سبحانه وتعالى في ملكه وفي قدرته وفي قوته، يظن أنه قوة وأن له قدرة والحقيقة أن ليس له إلا الضعف الذي بينته هذه الآية العظيمة.

    وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ

    تأتي الآية العظيمة وفيها السجدة دعوة للمؤمنين

    (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا)

    اتركوا عنكم هؤلاء الكافرين والمعاندين فسُنّة الله سبحانه وتعالى ماضية في خلقه وماضية في الكون. الصراع بين الحق والباطل قائم والكفار واقع ذلك الصراع والامتداد للصراع بين الكفار وبين المؤمنين لا عليكم منهم

    (ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )

    فالدنيا دار عمل، الدنيا داء ابتلاء الدينا ليست بدار جزاء الدنيا دار تكليف كل ما تستطيع أن تفعل فيها من الخير فافعل لا تتردد ولا تجعلنّ من أهل الباطل ولا من كيدهم ولا من مكرهم ولا من الامتحانات التي يعرضونك لها لا تجعلهم عائقاً يحول بينك وبين عمل الخير بينك وبين إعلاء الحق، بالعكس إجعل أهل الباطل والصراع مع أهل الباطل مطية ودرجة ترتقي بك في سلم الإيمان في سلم التقوى فكلما ازددت صراعاً ودفاعاً عن الحق الذي تؤمن به وفعلاً للخير وللمعروف وملئاً ونشراً للسلام والأمان في هذه الأرض كلما ازددت تقرباً من الله خالقك عز وجل.

    ثم تأتي الآية لتختم سورة الحج العظيمة

    (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ)

    إذن هو اجتهاد

    (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ )

    الآية الأخيرة تختم بالجهاد.


    الآية الأولى في سورة الحج يقول فيها الله عز وجل

    (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ )

    والآية الأخرى توصي بقوله

    (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ)
    إتقوا وجاهدوا في الله حق جهاده. تقوى الله لا بد لها من جهاد، تقوى الله والوصول إلى مرحلة التقوى لا بد فيها من مجاهدة النفس ومن لا ينتصر على نفسه وأهوائه وشهواته ونزواته وميوله وخضوعه وركونه إلى الدنيا وأهلها لن يتمكن من الانتصار على أحد لأنه لم ينتصر في داخله. النصر الحقيقي في النفس النصر الحقيقي الذي يتبعه التمكين والنصر في واقع الحياة لا يمكن أن يبدأ إلا من داخل النفس.

    الحج يحمل رسالة عالمية

    (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ)78
    سورة الحج

    إن الآية الأخيرة تؤكد على عالمية الرسالة على عالمية الإسلام وشهادة المسلمين على الناس. ولنا أن نتساءل: ما دور الحج في قضية عالمية الرسالة؟

    الحج يحمل رسالة عالمية الحج يفترض فيه أن يقدم للعالم كل العالم حتى غير المسلمين يقدم لهم عنواناً وقصة حقيقية لهذا الدين لتعاون المسلمين لوقوفهم جنباً إلى جنب لتواضعهم لإصرارهم لانكسارهم وخضوعهم بين يدي الله المؤمن خاضع ذليل بين يدي ربه ولكنه قوي على أهل الباطل وأهله عزيز بإيمانه وليس ذليلاً لا يذل لأحد سوى خالقه لا يركع لأحد سوى خالقه لا يسجد لأحد سوى لربه سبحانه وتعالى تلك الجبهة التي تعلمت أن تسجد لخالقها لا تسجد للمخلوقين لا تتخذ المخلوقين أولياء من دون الله سبحانه لا نصرة ولا استعانة ولا ظناً بنفع أو بضر.

    هذه الجباه العظيمة التي تعلمت الإيمان

    (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ)

    رسالة الإسلام جاءت لتكون رسالة عالمية جاءت لتقدم للعالم القيم، جاءت لتقدم للعالم السلام جاءت لتقدم للعالم الشهادة على الناس. الشهداء على الناس في هذه الآية العظيمة هي تكليف، هي تكليف كبير للمسلمين أن يقوموا بدورهم وواجبهم ولذا فكل حاج ليتذكر وليستحضر هذا المعنى وليتذكر ويضع أمام عينيه أنه هو في حجه رسالة للعالم. فيا ترى بأي شكل ستُقدَّم هذه الرسالة؟ بأي مظهر ستقدم هذه الرسالة؟ ولذا كان عليّ أن أستحضر كل سلوك وكل تصرف أقوم به في الحج وفي غير الحج ولكن في الحج أولى في المشاعر المقدسة أولى عليّ حين تسوّل لي نفسي أن أرمي بورقة ولو حتى ورقة عليّ أن أمتنع عن ذلك علي أن أضع نصب عيني أني أنا من الشهداء على الناس أني أنا الحاج من أحمل رسالة الإسلام أنا من يقدم الإسلام للعالم فعلي أن أحسن التقديم وعلي أن أحسن العرض وعلى المسلمين جميعاً أن يجعلوا من الحج أبهى صورة جمالاً ونظافة ونزاهة وقداسة وروحانية وقبولاً على الله سبحانه وتعاوناً ومحبة فيما بينهم. فكل إساءة لا تعتبر مجرد إساءة فردية وإنما هي إساءة لهذا الدين العظيم، إساءة لعالمية الاسلام إساءة للقيمة الكبرى التي جاء بها الإسلام قيمة نشر هذا الدين ولذا جاءت الآية العظيمة

    (فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ)

    ولذا على الحجيج في كل وقت وفي كل زمان أن يستحضروا الرسالة العظيمة والأمانة الكبيرة التي شرّفهم الله سبحانه وتعالى بحملها في موسم الحج عليهم أن يكونوا أمناء في إيصال هذه الأمانة أمناء في إبلاغ هذه الرسالة فعلاً وسلوكاً وتطبيقاً وعملاً. فالنبي صلى الله عليه وسلم الذي وقف ذلك الموقف ونادى بين الناس "اللهم هل بلّغت، اللهم فاشهد" قد بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة وحمل هذه الأمانة أمانة التكليف والتبليغ على أتم وجه وأكمله صلى الله عليه وسلم. وعلى عاتقنا اليوم تقع أمانة الرسالة وأمانة إيصال هذه الرسالة التي لا نريد أن نكون نحن المسلمين اليوم من يقف عائقاً وحائلاً بين العالم وبين رسالة الإسلام العظيمة من خلال تصرفات هوجاء أو من خلال سلوكيات شاذة لا تمت إلى ديننا بصلة، فديننا يدعو إلى كل جمال يدعو إلى التعاون يدعو إلى المحبة يدعو إلى النظافة يدعو إلى النزاهة يدعو إلى كل شيء جميل علينا أن نكون أمناء في إيصال رسالة الإسلام، علينا أن نكون أمناء في السير على ملة أبينا إبراهيم علينا أن نكون أمناء في إيصال كلمات الحق ليس من خلال الكلمات بل من خلال سلوك وأفعال.



    أسأل الله العظيم أن يبارك للحجيج في حجهم وأن يوفقهم لما يحبه ويرضاه وأن يبلِّغهم التقوى وأن يوصلهم إلى القلوب المخبتة الخاشعة الخاضعة لربها وأن يعينهم على أداء أمانة الحج وتكليف الحج ورسالة الحج وأسأل الله العظيم سبحانه أن يتقبل منهم وأن يجعلنا جميعاً ممن يعظم شعائر الله وأن يجعل هذا الموسم العظيم فاتحة خير ورشد وإيمان وبركة على المسلمين وعلى العالم بأسره


    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.




  2. #142
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,774

    افتراضي رد: سلسلة : روائع البيات لـ د/ رقية العلواني



    تدبر سورة الحديد

    المقدمه






    حين تجفّ المآقي فلا تجود بدمعةٍ في جوف الليل من خشية الله، وحين يقسو القلب فينافس في قسوته وصلابته الحجر والحديد، حين تأخذنا الدنيا ببهرجتها الفارغة بعيداً عن مضمار السباق إلى الآخرة فنتخلّف عن السير حتى نغدو في آخر الرَكْب، تأتي هذه السورة العظيمة التي بين أيدينا لتنتشلنا من هذه الغفلة ومن هذه القسوة ومن ذاك الجفاء والبُعد عن الله عز وجل، إنها سورة الحديد.
    تلك السورة التي حوت في آياتها بعض ما نزل في المدينة وبعض ما نزل في مكة. محور السورة الأساس الذي تدور حوله كل الآيات من أولها إلى آخرها معالجة تلك القسوة التي تحدثنا عنها في البداية معالجة مظاهر القسوة في القلوب.

    سورة الحديد هي دعوة من الله عز وجل تحبُّباً لعباده للعودة إليه، تحبُّباً من خالق كريم غني حميد ولكنه رؤوف بعباده رحيم، يفتح أبواب التوبة والرحمة لعباده، يدعوهم، يتحبَّب إليهم أنْ هلُّموا إلي مهما إبتعدت بكم الدروب ومهما إختلفت الأحوال ومهما قست القلوب بل ومهما وصل بها الحال إلى حدّ الموت والصلابة والجمود تبقى أبواب التوبة التي تفتح سورة الحديد مشرعة أمامنا جميعاً للعودة إلى الله عز وجل ذلاً وانكساراً بين يديه، خشوعاً وتسبيحاً، إذعاناً لأمره ليخرج المؤمن من نفسه وماله لله عزّ وجل وحده لا شريك له. ليخرج من كل ما يمتلك تضحية وبذلاً وعطاءً لربٍّ كريم يرجو أن يجد عنده سبحانه وتعالى كل ما ترك من متاع الدنيا الزائل الذي في نهاية الأمر لن يأخذ معه من شيء.





    هذه السورة العظيمة حين تتغلغل بآياتها في داخل القلب لتسكن فيه يُضيء القلب، ينير للإنسان دربه في الحياة، في الواقع الذي يعيش، في المجتمع، في الأسرة، في كل من حوله ليصبح هذا الإنسان المتحرِّك بأمر الله سبحانه وتعالى تسبيحاً وإذعاناً وخشوعاً لأمره وتنفيذاً لما جاء في هذه السورة مصدر نور وإشعاع لكل من حوله.

    كل من يقترب من هذا الإنسان المؤمن يصيبه من ذاك النور شيء، يصيبه من ذلك الغيث شيء، يصيبه من ذلك الخير الذي يفيض والعطاء الذي يشعّ من قلبه وروحه بشيء. هذه السورة العظيمة تواصل بآياتها العظيمة النور وزرع النور وغرس النور في قلب المؤمن ليعود تلك الرحلة من رحلة القسوة والبعد عن الله عز وجل ليعود إلى خالقه من جديد فيبقى ذلك النور متواصلاً معه في مسيرته ودربه في الحياة ولا يفارقه أبداً ولا حتى بعد الممات ولا حتى في عَرَصات يوم القيامة ولا حتى في مقام الصراط، تلك المواقف العظيمة المهولة التي تأخذ بالألباب وبالعقول. يبقى النور مصاحباً لذلك المؤمن ليسعى بين يديه ويسعى من خلفه وعن أيمانهم وعن شمائلهم ليجعل كل من حوله يطمع في أن يصل إليه شيء من ذلك النور.

    استشعر أثر التسبيح بقلبك




    نبدأ ببداية السورة العظيمة أول خطوة على ذلك الطريق ليعود القلب من جديد إلى خالقه يعيد عبادة من أعظم العبادت عبادة التسبيح وتدبروا معي ابتدأت السورة بقوله عز وجل
    (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) سورة الحديد 1
    التسبيح هنا ليس مجرد أن أقول "سبحان الله" بلساني وإن كان ذلك جزء منها ولكنه تسبيح يجتذب القلب من نواحي الغفلة التي قد علته إلى عالم جديد، يصبح ذلك القلب الغافل مُسَبِّحاً مع كل من حوله، كل شيء من حولنا يسبِّح الله عز وجل.




    هذه حالة اليقظة التي تبدأ بها سورة الحديد توقظ النفوس توقظ القلوب تعيد القلوب من جديد التي كانت بعيدة عن خالقها تعيدها من جديد إلى خالقها كيف تعود؟
    أول ناحية بعبادة التسبيح وليس كأي" تسبيح وإنما تسبيح يعيد الأمور إلى نصابها، تسبيح يعيد القلب البعيد عن الله عزّ وجل الصلد القاسي يعيده من جديد إلى خالقه. حين تُسبِّح الله استحضر أن الله سبحانه مُطّلع على ما في قلبك، وإذا كان ربي مطلع فماذا أفعل؟ على أن أنزه القلب وأطهر القلب على أن أستشعر وأنا أقول سبحان الله عظمة الله عز وجل في خلقه أستحضر المعاني والأسماء العظيمة الحسنى التي جاء ذكرها في بدايات السورة

    (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)

    لا يدين قلبي باستشعار بملك أحد من الناس مهما بلغ ملكه ومهما بلغ جاهه ومهما بلغت قوته أنه يملك من الأمر شيئاً، لا يملك ولا شيء الملك الحق لله الواحد الأحد.


    سبِّح بالقلب قبل أن تسبِّح باللسان




    تأتي الآيات بأسماء وصفات عظيمة من أسماء الله سبحانه وتعالى عزيز قوي لا يُغلَب، حكيم في أمره ومشيئه
    (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)
    وهنا تبدأ المفاهيم يبدأ القلب حين يستحضر ويقف مع الآيات كلمة كلمة يبدأ القلب يعود من مرحلة ورحلة الغفلة والقسوة والبُعد عن الله عز وجل.

    أنا حين يقسو قلبي أو أغفل عن الله عز وجل أغفل عنه لأجل مَنْ؟
    أغفل عنه كيف ولماذا؟ وماذا وبماذا؟
    وهو سبحانه

    (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).

    ماذا أريد حين أغفل؟
    وستأتي السورة كما سنأتي عليها بتسلسل رائع معجز عجيب للوقوف على أسباب ذلك الداء، لماذا يتصلب القلب؟ لماذا يغفل عن ذكر الله؟ لماذا يقسو ذلك القلب؟ ويحلِّلها بتحليل من أعظم وأكثر الآيات والسور اعجازاً في كتاب الله وكل آيات ربي معجزة سبحانه وتعالى.

    إن أردت شيئاً، مالاً، متاعاً من متاع الدنيا الزائل أو من عطاء الآخرة الباقي الذي لا يزول ولا يتغير ولا يتبدل ستجد كل ما تبحث عنه عند من؟


    عنده سبحانه وتعالى الذي

    (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)

    هل ما تطمح إليه وتتشوق نفسك إليه هل يخرج عن ملك السماوات والأرض شيء؟ مستحيل، ثم إنه سبحانه
    (يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).


    ما أبحث عنه في حياتي مهما بلغت قوة من انشغلت بهم عن الله سبحانه هل يملكون لي حياة؟ هل يملكون لي إماتة؟ هل يملكون لي نفساً من أنفاس الحياة حتى أُشغَل بهم عن الله سبحانه حتى أذهب معهم بعيداً عن خالقي سبحانه وتعالى؟! ثم من الذي يملك القدرة على الفعل؟ من الذي يملك القدرة على كل شيء؟

    إذاً التسبيح لم يعد مجرد كلمات باللسان، التسبيح أصبح هنا عبادة قلبية وأعظم أنواع العبادات عبادات القلوب، تلك العبادات التي غفلنا عنها، تلك العبادات التي شُوِّهت صورة العبادات حين فرَّغنا العبادة من شكلها الحقيقي من شكلها في القلب لنجعلها مجرد مظاهر ومجرد طقوس وهي ليست كذلك.

    ولذا الإمام أحمد ابن حنبل رحمة الله عليه يقول: سيأتي زمان على الناس يصلّون فيه وهم لا يصلّون أقف بين يدي الله وأقرأ الفاتحة وأركع وأسجد وأفعل كل أعمال الصلاة الظاهرة التي أمرني بها الله سبحانه وتعالى ولكنها أعمال مفرّغة كالتسبيح تماماً عبادة من أعظم أنواع العبادات.


    التسبيح من أعظم أنواع العبادات ولكن متى؟

    حين يسبِّح القلب قبل أن يسبِّح اللسان قبل أن تتحرك الشفاه بكلمات التسبيح تستحضر معاني هذه الأسماء العظيمة تتعبد الله سبحانه بأسمائه:

    أول، آخر، ظاهر، باطن، بكل شيء عليم إذاً هذه المرحلة الأولى


    معية الله نوعان




    (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)
    تدبروا معي كم مرة ذُكِرت مسألة العلم، لماذا؟
    ربي سبحانه وتعالى في هذه الآيات العظيمة الست آيات الأولى يكرس في نفس ذلك القلب الغافل أن الله سبحانه محيط بكل شيء، علمه بتصرفاتنا، بأفعالنا، بغفلتنا، بعودتنا، بكل شيء علم دقيق يحصي علينا كل شيء.

    القلب حين يغفل مجرد غفلة شعور ربما اللسان يتحرك بذكر الله ولكن القلب لاهي، القلب غافل، ربما أقرأ وأتلوا آيات الكتاب، ربما أقف بين يدي الله عز وجل في الصلاة ولكن القلب غافل ساهي في وادي آخر من وديان الدنيا من الذي يعلم بكل هذا؟ من الذي يعلم بسكنات ذلك القلب؟ من الذي يدري بخلجات النفوس؟
    الله سبحانه.
    ولذلك تأملوا كم مرة جاءت في الآيات
    (وهو بكل شيء عليم) (بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)
    آيات توقِظ فيَّ مراقبة الله عز وجل.
    (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)




    ومعية الله عز وجل على نوعين:


    المعية الأولى معية عامةفهو سبحانه مع عباده بما يليق بجلاله بعلمه وبإحاطته واطلاعه ومراقبته لأعمالهم ومشاعرهم وخلجات نفوسهم وخواطرهم وما يحدثون به أنفسهم ليلاً أو نهاراً في كل شيء هذه هي المعية العامة. المعية الثانية هي معية خاصة معيّة الله مع عباده توفيقاً وتأييداً ونصرة لهم. والنوعين المعية الأول المعية العامة والمعية الخاصة كلا النوعين قد جاء ذكرهما في هذه السورة ولكن العظيم أن المعية الخاصة معية الله عز وجل لعباده نصرة وتأييداً وحفظاً كما جاء على لسان النبي صلى الله عليه وسلم يوم أن قال لصاحبه: "لا تحزن إن الله معنا" معية خاصة تأييد حفظ توفيق نصر فتح من الله عز وجل معية خاصة لا ينالها المؤمن وقطعاً لا ينالها، بعيدة عن منال القلب الغافل القاسي الذي اختط" طريقاً ودرباً له بعيداً عن خالقه سبحانه، يُحرَم من هذه المعية ولا يمكن أن ترجع وتعود المعية الخاصة لهذا العبد إلا إذا إستشعر واستحضر وعاش المعيّة العامة بمعنى آخر أن السورة منذ بداياتها بدأت توقظ القلب، تشعره بأي شيء؟ أن انتبه عليك أن تدرك تماماً أن الله معك معية عامة مطلع على أفعالك (بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).


    الإنفاق تصديق لمعاني الإيمان


    (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِين َ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7))الحديد


    (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ)


    إذاً عرفت فالزم، عرفتَ أن هناك علاقة تربطك بخالقك وأن ما من شيء في الكون الذي تعيش فيه لا صغير ولا كبير ولا شجر ولا ورقة ولا أخضر ولا يابس ولا ملك ولا سيّد ولا عبد ولا أحد يخرج عن أمره سبحانه وبدأت بالتسبيح لخالقك والعودة إلى خالقك من جديد لا تقف مرحلة الإيمان عند هذا الحد، لا، لا بد أن تنتقل إلى مرحلة جديدة، ما هي هذه المرحلة؟


    تحقيق مفهوم التسبيح والعودة لله عز وجل في واقع الحياة،

    (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ)

    إيمان حقيقي إيمان صحيح أنه هو تصديق بالقلب ولكن تصدقه الجوارح في واقع الحياة تصدقه أفعالك تصدقه السلوك الذي تتعامل به مع الآخرين، الأخلاق، القيم، المبادئ، المثل التي تكون وراء حركتك في واقع الحياة ثم العجيب وفي نفس الآية أول ما تبدأ

    (وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِين َ فِيهِ)

    بدأت الآيات بعد قضية الإيمان مباشرة بقضية الإنفاق ولماذا الإنفاق؟

    الإنفاق تصديق لمعاني الإيمان التي تحدثنا عنها قبل قليل. آمنت بالله عز وجل، أدركت وأيقنت تماماً أن الله سبحانه وتعالى له ملك السماوات والأرض، أبدأ بالتطبيق، أبدأ بالبذل، أبدأ بالعطاء، أبدأ بتطبيق أوامر الله عز وجل كما جاءت في كتابه وأولها الإنفاق. سورة الحديد هذه السورة العظيمة التي بين أيدينا واحد من أهم محاورها البذل والعطاء. المؤمن لا يمكن أن يكون بخيلاً، المؤمن لا يمكن أن يبخل بشيء على هذا الإيمان الذي قد توقّد في قلبه وفي نفسه يبذل كل شيء والبذل والإنفاق والعطاء هنا لا يختصّ بمال صحيح بعض الآيات ستأتي علينا محددة بموضوع المال ولكن أول آية من أيات رب العالمين قال فيها

    (وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِين َ فِيهِ)

    كل ما نمتلكه، مواهب، جوارح، عين، يد، قدم، كل ما أمتلكه، كل ما وهبني إياه الله سبحانه وتعالى أنا مستخلف فيه هذه مجرد عارية. ربي سبحانه وتعالى أنعم عليَّ بهذه النعم لينظر كيف أعمل لينظر كيف يكون إستخلافي وتحقيق مفهوم الخلافة على هذه الأرض. ربي سبحانه جعل الإنسان في مرحلة الحياة في رحلة الحياة التي نعيش جعله خليفة قال

    (إني جاعل في الأرض خليفة)


    وهذا الخليفة زوّده ربي سبحانه وتعالى بكل الطاقات بكل المواهب بكل الجوارح، لديك عين، لديك عينان، لديك يد، لديك قدم، لديك كل ما وهبك الله ماذا فعلت به؟ كيف حققت أوامر الله عز وجل ولذا جاءت نهاية الآية

    (فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ)

    إيمان بدون إنفاق، إيمان بدون بذل، إيمان بدون تضحية، إيمان بدون عطاء هذا ليس بإيمان، هذا إيمان سيقودني كما ستأتي عليَّ الآيات في سورة الحديد إلى حتى الوقوع في مرحلة النفاق والعياذ بالله.

    هذا إيمان لايمكن أن يحرك في ساكناً، هذا إيمان لا يمكن أن يحقق دعوة الأنبياء التي جاء التركيز عليها في هذه السورة العظيمة في أكثر من موضع.


    الإنفاق تصديق لمعاني الإيمان




    (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِين َ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7)) الحديد

    (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ)

    إذاً عرفت فالزم، عرفتَ أن هناك علاقة تربطك بخالقك وأن ما من شيء في الكون الذي تعيش فيه لا صغير ولا كبير ولا شجر ولا ورقة ولا أخضر ولا يابس ولا ملك ولا سيّد ولا عبد ولا أحد يخرج عن أمره سبحانه وبدأت بالتسبيح لخالقك والعودة إلى خالقك من جديد لا تقف مرحلة الإيمان عند هذا الحد، لا، لا بد أن تنتقل إلى مرحلة جديدة، ما هي هذه المرحلة؟

    تحقيق مفهوم التسبيح والعودة لله عز وجل في واقع الحياة،

    (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ)

    إيمان حقيقي إيمان صحيح أنه هو تصديق بالقلب ولكن تصدقه الجوارح في واقع الحياة تصدقه أفعالك تصدقه السلوك الذي تتعامل به مع الآخرين، الأخلاق، القيم، المبادئ، المثل التي تكون وراء حركتك في واقع الحياة ثم العجيب وفي نفس الآية أول ما تبدأ

    (وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِين َ فِيهِ)

    بدأت الآيات بعد قضية الإيمان مباشرة بقضية الإنفاق ولماذا الإنفاق؟


    الإنفاق تصديق لمعاني الإيمان التي تحدثنا عنها قبل قليل. آمنت بالله عز وجل، أدركت وأيقنت تماماً أن الله سبحانه وتعالى له ملك السماوات والأرض، أبدأ بالتطبيق، أبدأ بالبذل، أبدأ بالعطاء، أبدأ بتطبيق أوامر الله عز وجل كما جاءت في كتابه وأولها الإنفاق. سورة الحديد هذه السورة العظيمة التي بين أيدينا واحد من أهم محاورها البذل والعطاء. المؤمن لا يمكن أن يكون بخيلاً، المؤمن لا يمكن أن يبخل بشيء على هذا الإيمان الذي قد توقّد في قلبه وفي نفسه يبذل كل شيء والبذل والإنفاق والعطاء هنا لا يختصّ بمال صحيح بعض الآيات ستأتي علينا محددة بموضوع المال ولكن أول آية من أيات رب العالمين قال فيها

    (وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِين َ فِيهِ)

    كل ما نمتلكه، مواهب، جوارح، عين، يد، قدم، كل ما أمتلكه، كل ما وهبني إياه الله سبحانه وتعالى أنا مستخلف فيه هذه مجرد عارية. ربي سبحانه وتعالى أنعم عليَّ بهذه النعم لينظر كيف أعمل لينظر كيف يكون إستخلافي وتحقيق مفهوم الخلافة على هذه الأرض. ربي سبحانه جعل الإنسان في مرحلة الحياة في رحلة الحياة التي نعيش جعله خليفة قال

    (إني جاعل في الأرض خليفة)

    وهذا الخليفة زوّده ربي سبحانه وتعالى بكل الطاقات بكل المواهب بكل الجوارح، لديك عين، لديك عينان، لديك يد، لديك قدم، لديك كل ما وهبك الله ماذا فعلت به؟ كيف حققت أوامر الله عز وجل ولذا جاءت نهاية الآية

    (فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ)


    إيمان بدون إنفاق، إيمان بدون بذل، إيمان بدون تضحية، إيمان بدون عطاء هذا ليس بإيمان، هذا إيمان سيقودني كما ستأتي عليَّ الآيات في سورة الحديد إلى حتى الوقوع في مرحلة النفاق والعياذ بالله. هذا إيمان لايمكن أن يحرك في ساكناً، هذا إيمان لا يمكن أن يحقق دعوة الأنبياء التي جاء التركيز عليها في هذه السورة العظيمة في أكثر من موضع.


    إفتح القرآن بقلبك




    (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ)

    لمَ يا رب؟

    (لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)

    ودعونا نقف طويلاً

    لأن هذه الكلمات سيكون لها موقع ومواضع كثيرة في سورة الحديد

    "النور والظلمات".

    أنا أحتاج في حياتي وأنا أعود إلى خالقي سبحانه وتعالى إلى شيء يضيء لي الطريق، هَبْ أنك مشيت في طريق والطريق مظلم تريد أن تجد بصيص نور، أين ستجد النور؟ طريق الحياة الذي نمشي فيه اليوم المضاء بكل الأنوار الأنوار الصناعية، الأنوار التي صنعناها بأيدينا كبشر بحكم ما توصلنا إليه من وسائل حضارية مختلفة، هل تستطيع تلك الأضواء والمصابيح والأنوار المصطنعة أن تضيء الظلمة التي توجد في قلب الإنسان حين يبتعد عن خالقه؟! مستحيل.

    كم من المرات كانت الأضواء والمصابيح مُنارة ولكني أشعر أحياناً في ظلمة في نفسي، أشعر أن الأمور قد التبست عليّ، لا أعرف هل أذهب يمنة أم أذهب يساراً، لا أعرف أي طريق أختطّ في حياتي، الحيرة، الشك، هذه الأمراض التي تتولد عن قسوة القلب وبعده عن خالقه سبحانه وتعالى، القرآن.

    القرآن الذي تأتي به سورة الحديد ليخرجكم من الظلمات إلى النور أنا بحاجة إلى نور في طريق العودة لله سبحانه وتعالى، أين النور؟ أين سأجد النور؟


    النور في القرآن.


    إذاً أول مصدر من مصادر النور الذي تبينه سورة الحديد وأنا أمشي معها خطوة خطوة وهي تأخذ بتلابيب قلبي المتصلِّب البعيد عن خالقه سبحانه وتعالى

    هو القرآن

    (ليخرجكم من الظلمات إلى النور)

    لا عودة حقيقية بدون القرآن العظيم، لا عودة بدون آيات الكتاب العظيم.


    وطِّد علاقتك مع القرآن الكريم، عُد إلى الله عز وجل تعبد بتلاوة آياته العظيمة، إفتح القرآن. ولكن لا تفتح القرآن بيد فقط ولكن إفتح القرآن بقلبك لكي تدخل آيات هذا القرآن فتزيل الغشاوة والظلمة التي ربما تكون قد أحاطت به من كل جانب نتيجة لغفلته وبُعده عن الله عز وجل.



  3. #143
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,774

    افتراضي رد: سلسلة : روائع البيات لـ د/ رقية العلواني

    ما الذي يوقفك عن البذل والعطاء؟!




    (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)


    ما الذي يمنعك أن تنفق الغالي والرخيص في سبيل الله عز وجل؟!

    ما الذي يوقفك عن البذل والعطاء؟!

    واحدة من أعظم أسباب قسوة القلوب الشُحّ، البخل.

    والبخل ليس فقط البخل بالمال البخل بالوقت البخل بالنفس، البخل بالمواهب التي وهبنا الله إياها، البخل بالأشياء بالجوارح التي أمتلك لديك عينان لديك أقدام لديك لدك لديك ماذا فعلت بها؟!

    كيف حققت دعوة الأنبياء على هذه الأرض من خلال استعمالك لتلك المواهب التي وهب ربي عز وجل وأنعم بها؟!

    وتأملوا معي قول الله عز وجل حين لا يُبقي لي عذراً أعتذر بين يديه، ليس هناك عذر، سورة الحديد تفصّل الأعذار فلا تبقي لي عذراً بين يدي الله سبحانه وتعالى.

    (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)

    كل شيء بيد الله وكل شيء من الله وسيؤول إلى الله سبحانه وتعالى، هذه الحقيقة الغائبة عن نفوسنا، المال ليس مالي المال ليس مالك، المال وديعة، المال عارية والمواهب الأخرى التي وهب ربي سبحانه إنما هي عارية ستُستردّ في يوم من الأيام سيأخذها مني ربي عز وجل لكن هناك فارق بين أن يأخذها ربي سبحانه وقد صرفتها وأنفقتها ليلاً ونهاراً بذلاً وعطاءً في دروب الخير، بذلاً وإنفاقاً في دروب الخير والدعوة ونصرة النبي ونصرة الأنبياء ونصرة الحق الذي آمنت به في صدري وحملته في قلبي لتتحول تلك النواحي من الإنفاق سواء كان إنفاقاً بالوقت أو إنفاقاً بجهد أو إنفاقاً بالصحة أو إنفاقاً بطعام أو إنفاقاً بشراب أو إنفاقاً بموهبة أو أي شيء من توظيف هذه المواهب في نصرة الحق الذي أؤمن به كلها ستتحول يوم القيامة إلى نور. النور ينتظرني النور الذي أُنير لي في الدنيا ينتظرني هناك، ينتظرني عند الموت، ينتظرني عند الخروج من الدنيا، ينتظرني عند الصراط حين تصبح الظلمات ظلمات بعضها فوق بعض. تحيط بي الظلمات فتأتي أنوار تلك الأعمال الصالحة لتُشرق وتُنير لي الدرب حتى يتطلّع ذلك المنافق لذلك النور العظيم، أعمالي، مواهبي.

    ولذا إياك في يوم من الأيام أن تحدثك نفسك بأن تترك شيئاً ولا تنفقه في سبيل الله


    إغتنم ما أعطاك الله من نعم


    (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ)

    طبعاً وإن كان لبعض هذه الآيات أسباب نزول متعلّقة بمن أنفق من الصحابة رضوان الله عليهم قبل الفتح وقت أن كان الإسلام لم يزل غضّاً طرياً في مكة، المسلمون في حينها كانوا في حالة ضعف لم يكونوا في حالة قوة مادية أو معنوية، من بذل وأعطى وأنفق وحال الإسلام تلك كأبي بكر الصديق رضي الله عنه، كعمر الفاروق، كغيرهم من الأصحاب ليس فقط ممن امتلكوا المال حتى بلال رضي الله عنه وأرضاه، حتى عبد الله ابن مسعود، حتى صهيب الرومي هؤلاء الذين كانوا من فئة العبيد والمستضعفين ما كانت لديهم أموال ينفقونها في سبيل الله كأبي بكر الصديق وغيره من الأغنياء، ولكن كان لديهم شيء أخر كان لديهم الحب والعطاء الرغبة والصدق مع الله عز وجل النُصح لهذا الدين ولذلك لا تحدثك نفسك وتقول بأنك لا تمتلك شيئاً تبذله في سبيل الإيمان وفي سبيل الحق، قطعاً أنت تمتلك الكثير.

    ابذُل كل ما لديك، هؤلاء الذين أنفقوا من قبل الفتح مال وعطاء وصدق وثبات وغير هذا كل ما بذلوه هذا أعظم درجة عند الله لأن بعد ذلك حدث أن الإسلام قد أصبح في قوة ومنعة من كل النواحي مادية ومعنوية. البذل والعطاء في حال القوة ليس كما هو البذل والعطاء في حال الضعف والعجز، وكذلك البذل والعطاء منا اليوم ونحن في حال إقبال الدنيا علينا ليس كالبذل والعطاء في حال إدبار الدنيا عنا.

    أنت حين تُقبل على الله عز وجل وأنت في قمة قوتك لا مرض ولا تعب ولا إرهاق ولا عجز ولا ضعف ليس كما هو إقبالك في حال الشدة والمرض والعجز والضعف. إذاً إغتنم الفرصة، إغتنم ما أعطاك الله من نعم، إغتنم تلك الأقدام القوية الصلبة التي تقف عليها، الآن أنت في حال قوة ما الذي يمنعك من الإقبال على الله؟ ما الذي يمنعك أن تسير بك هاتين القدمين؟ ما الذي يمنعك أن تسير بهما إلى الله؟ إقبالاً وبذلاً وعطاءً، ما الذي تنتظر؟ لماذا تفوّت عليك الفرص واحدةً تلو الأخرى؟

    الآية لم تبقي شيئاً

    (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)

    مدار العمل مدار الإنفاق ليس هو الكمّ بل هو الكيف والنوع. ولذا بلال رضي الله عنه وأرضاه أنفق، عبد الله ابن مسعود أنفق، صهيب أنفق، وغيرهم وغيرهم من الضعفاء والمساكين والأغنياء. هذا الدين وعلاقتي مع الله عز وجل يفتح كل أبواب العطاء كل ما يمكن أن تقدمه حتى لو كان جرّة قلم تكتب بها كلمة حق وتنصر بها الحق الذي تؤمن به، هذا بذل هذا عطاء. ما الذي يزيد في درجة العطاء وأجره؟

    الإيمان الذي تحمل، الرغبة في العطاء، الرغبة في رضى الله عز وجل والتقرب إليه، الشعور بالفقر والعجز والشعور بأن الله هو المتفضّل عليك حين تبذل وحين تقدم وحين تعطي. بمعنى آخر أنا حين أقدِّم الألف والألفين من الدنانير من متاع الدنيا ليس أنا من يتفضّل على الإسلام ولا على الدعوة، لا والله! إذا كان هذا الشعور وهذا الإحساس فالعمل هباءً منثوراً، إذاً ما الذي يجعل العمل يرتفع ويرتقي؟ إحساسي بأن الله سبحانه هو المتفضّل أولاً وأخيراً، هو المُنعِم إبتداءً هو الذي أعطى المال ليس مالي المال هو وديعة المال من عند الله، الموهبة من عند الله عز وجل، الكلمة من عند الله، الوقت من عند الله الصحة من عند الله، الشباب من عند الله عز وجل. إذاً هو المُنعم أولاً وأنا حين أوظفها في عمل الخير والعطاء ونصرة الأنبياء ونصرة الدعوة التي أحمل في قلبي وفي حياتي إنما المتفضّل كذلك هو الله. لو شاء لقعد بي عن سلوكي في هذا الدرب، لو شاء لأبقى على قلبي غافلاً بعيداً عن خالقه سبحانه ولكنه عز وجل تداركني بلطفه وبرحمته سبحانه وتعالى.


    القرض الحسن


    تأتي الآيات لتبين لي نوعاً جديداً من أنواع البذل والعطاء سماه ربي

    "القرض"

    (مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ)

    إحسانك إلى الآخرين، تلك اليد المفتوحة التي فتحت بالقلب قبل أن تُفتح بالعطاء، البذل لكل الناس لكل من يحتاج إليّ، وتأملوا معي الربط لأنه سيأتي الربط بعد قليل "النور". ينبغي ألا أنسى أبداً ذاك النور الموجود في الدنيا والأخرة النور الذي ينتظرني كل صدقة تقدمها بيدك بيمينك ولا تعلم شمالك ما أنفقت يمينك هي نور، هي ليست مجرد حفنة من الأموال أو القروش أو الدنانير، هي حفنة من نور ستنير لك الدرب والطريق في الدنيا وفي الآخرة، سينتظرك النور وعلى قدر حظك من الإيمان واليقين بالله عز وجل وإقبالك عليه وأنت تنفق وتعطي وتقدِّم يكون حظك من النور. ولنا أن نتوقف عند قضية القرض هنا، هَبْ أن أحداً من الأغنياء أغنياء الدنيا طلب منك أن تقرضه مالاً -ولله المثل الأعلى- كيف سيكون شعورك وإحساسك وهو يطلب منك القرض؟ غنيٌ من الأغنياء، كبير من كبار الدنيا ووجهائها طلب منك القرض، كيف سيكون شعورك؟ ألا تفرح؟ ألا تشعر بالزهو وعدم التفكير حتى ولو لثانية أن تمنع عنه العطاء؟ مجرد أن يطلب منك القرض تعتبره تشريفاً أليس كذلك؟ فما بالنا ولله المثل الأعلى رب السماوات والأرض الذي بيده ملك السماوات والأرض يطلب منك القرض، ألا تشعر بتشريف الله لك؟ إذاً كيف يمكن بعد كل هذه الدعوات المُحببة من خالقٍ يمتلك كل شيء بما فيه أنا وبما فيه كل ما أنا أمتلك، كيف يمكن أن أتوقف عن البذل والعطاء؟! كيف يمكن بعد كل تلك الدعوات أن أبخل بشيء أو أدخر لي شيئاً؟


    وهنا يأتينا معنى تلك الوقفات الرائعة التي كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه يستشعرها وهو لم يترك شيئاً إلا وقد بذل، كل شيء يبذله لماذا؟

    لأن المسألة قد إنتهت، الإدراك والتغلغل لمعاني البذل والعطاء قد بلغ مبلغه في القلب، غُرِس في القلب، القلب أصبح يريد أن يعطي ويخرج من كل شيء لله عز وجل لأنه يدرك تماماً ويؤمن بأن ما خرج منه وما خرج إليه إنما هو في نهاية الأمر سيعود إليه سيعود لخالقه سبحانه وتعالى الذي بيده كل شيء وهو على كل شيء قدير وهو قد وعد وربي إذا وعد وفّى.


  4. #144
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,774

    افتراضي رد: سلسلة : روائع البيات لـ د/ رقية العلواني

    الفُصِل بين المؤمن والمنافق

    (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات ِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِ م بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ)
    المسألة ليست بعيدة، القلب الذي قد غفل عن الله عز وجل وابتعد وأخذته الحياة الدنيا بمشاغلها يوم القيامة ليس بيوم بعيد
    (يَوْمَ تَرَى)
    ستراه عياناً المؤمنين والمؤمنات الذين قدّموا العمل الصالح الذين وظّفوا هذه الأيدي بما يرضي الله عز وجل أنفقوا بذلوا عطاءً كتابة دعاءً للآخرين، اليد، كم من الأعمال والأشياء نستطيع أن نفعلها باليد؟
    حتى الأعمال المهنية، حتى الأشياء البسيطة، كل شيء أستطيع أن أفعله بهذه اليد، هذه اليد التي سيتحول العطاء فيها إلى نور (وبأيمانهم) وتحديداً (وبأيمانهم).

    ونحتاج هنا أن نتوقف عن هذه القضية قضية الأيمان، اليد اليمين التي تُعطي وتبذل، كم من المرات أحتاج وأنا أبذل أن أذكر نفسي بالنور كل عمل خير تفعله بهذه اليد تخيل تماماً أن هذا العمل سيتحول إلى نور، وزيادة النور مرتبطة بقدر الايمان واليقين الذي أحمله في صدري وفي قلبي وانا أبذل واتحرك في العطاء.
    ثم تختم الآية وتقول
    (ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)

    وتقارن مقارنة واضحة بين قوم وصلت بهم قسوة القلوب التي تعالجها سورة الحديد إلى الحدّ الذي أوقعهم في النفاق والنفاق كما نعلم ليس على نوع واحد نفاق الإعتقاد فحسب، أن أؤمن إيماناً ظاهرياً ليس له محل ولا رصيد في القلب، الباطن خالي من الإيمان بالله، هذا نفاق الإعتقاد. أما نفاق العمل وهذا نفاق كارثي بالدرجة الأولى نفاق تدخل فيه أعمال معينة ربما أقع في قضية كذب أثناء الحديث، لا أصدُق في كلامي مع الناس، لا أصدُق في وعودي مع الآخرين هذه خصلة من خصال النفاق. فالخصومة أثناء الخصومة ووقوع الخلاف مع الناس أقع في أقصى درجات الخصومة والفُجر بها، هذا نوع من أنواع النفاق هذه خصلة من خصال النفاق نفاق العمل الذي قطعاً إذا لم ينتبه إليه الإنسان سيوقعه في نفاق الإعتقاد الذي لن يصل به إلا إلى الظلمة والتخبط والحيرة.

    ولذا الآيات تنتقل بي إنتقالة عجيبة في موقف من مواقف يوم القيامة موقف الناس كلهم بحاجة إلى نور ينير الدرب، ينير الطريق،
    (يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَا تُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ)
    نور المؤمن وجلال الأعمال الصالحة التي قد قام بها وجمال تلك الأعمال وبهاء تلك الأعمال أصبح من الإشعاع إلى الدرجة التي تصل بالمنافق أن يتطلّع ويتشوّف ويشوّق ويطمع أن يأخذ منها ولو شيئاً من نورهم وإذا به في تلك المرحلة التي يحتاج فيها المنافق إلى النور يخفت ذلك النور ولا يستطيع أن يرى من نور المؤمنين شيئاً ولا يستضيء به بشيء ولذا جاءت الآية
    (فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ)
    من جهة المؤمنين
    (وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ)
    فُصِل بين المؤمن والمنافق.




    حوار بين المنافقين وبين المؤمنين


    قسوة القلب الخطيرة التي تعالجها سورة الحديد إذا لم أنتبه إليها مبكراً
    ستقودني إلى أي شيء؟
    إلى النفاق الذي يحول بيني وبين النور التي تتحدث عنه السورة.

    ولذلك جاءت الآية الرابعة عشر لتبين هذه الحقيقة
    (يُنَادُونَهُمْ)
    هناك حوار بين المنافقين وبين المؤمنين، لماذا؟
    لأن قسوة القلب إذا لم تُعالَج مرض خطير يقود إلى النفاق علي أن أنتبه إليه
    (يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ)
    ألم نكن مع المؤمنين؟ ألم نكن معكم في صفوفكم؟ ألم نشارككم العيش؟ ألم نشارككم حتى في بعض الأعمال التي كنتم تقومون بها؟
    (قَالُوا بَلَى)
    قضية خطيرة بالفعل المنافق قد يخرج مع المؤمن في عمل صالح المنافق قد ينفق المنافق قد يخرج حتى للجهاد أو للقتال وقد حدث فقد خرج المنافقون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواطن وفي غزوات عديدة، إذاً أين الإشكال؟
    الإشكال
    (وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ)
    إذاً هو القلب، القلب الذي حين يغفل عنه الإنسان قد يقوم الإنسان بالعمل ظاهرياً ولكن لأن القلب قد غفل عن المسألة تماماً مسألة الإقبال والإيمان واليقين بالله عز وجل وبما عنده أصبح العمل لا يساوي شيئاً.
    ولذلك المنافق يأتي يوم القيامة يحسب أنه على شيء، بأعمال كبيرة أعمال كثيرة ولكنها لا تغني عنه شيئاً أبداً، ما الذي أذهب العمل؟
    خلوّه من الإقبال على الله عز وجل، خلوّه من حظ الإيمان في القلب عمل القلب الحقيقي الصدق مع الله عز وجل. المنافق كان يعمل العمل ولكنه كان غافلاً عن خالقه سبحانه وتعالى ولذلك ختمت الآية بآية عظيمة
    (فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ)
    إنتهى الوقت!

    طلب منكم ربي الإنفاق في الدنيا، كنتم في متسع من الوقت، كنتم تستطيعون أن تبذلوا وتقدموا أي شيء لله عز وجل، فدية، افتدي نفسك. ولذلك المؤمن العاقل المؤمن الحكيم يدرك تماماً أن ما يبذله في الدنيا من من وقت من صحة من عمل من مال إنما هو يفتدي نفسه بأيّ شيء؟ من سوء العذاب أنا أقدم فدية أنا أفتدي نفسي أن أقدم شيئاً لله عز وجل فداء لنفسي، ألا تستحق نفسي الفداء؟!
    يعني هب أن أحداً من الناس في الدنيا طالبك بفدية وضع على رقبتك السيف أو السلاح وقال إفتدي نفسك إما أن تدفع هذا المبلغ من المال وإما أن تنتهي، خلاص تنتهي الحياة بالنسبة لك، ألا تفتدي نفسك؟! كم ستبذل من المال؟! ألا تبذل كل ما تمتلك فقط لأجل أن تنقذ نفسك؟ أن تنقذ روحك؟
    هذه في الدنيا علماً بأننا موقنون تماماً بأننا عاجلاً أو آجلاً سنسلِّم الروح إلى بارئها وخالقها، فما بالك بالحياة الأزلية؟ ألا أفتدي نفسي من العذاب؟ ألا أفتدي وأبذل وأقدم كل ما أمتلك لأجل الله سبحانه؟
    انظروا إلى السورة كيف تأخذ من نفسي كل نواحي الشحّ
    والبخل



    كن عبدا خاشعا لله في حياتك وصلاتك

    (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ)
    ألم يأتي الوقت بعد لكي تعود القلوب إلى خالقها؟ ألم يحن الوقت للمؤمنين في كل زمان -وإن كان ورد كما سنأتي عليها بعد قليل بعض الأسباب في نزول هذه الآية العظيمة- عتاب مُحبَّب من خالق رءوف رحيم يعاتب عباده، بأيّ شيء؟
    ببعدهم عنه.

    اُنظر إلى المفارقة العجيبة:
    ربٌ غنيٌ حميدٌ له ملك السماوات والأرض يعاتب عباده على بُعدهم عنه سبحانه
    وهو الغني وهم الفقراء إلى رحمته.
    لا بد أن يأتي الوقت الذي أحاسب فيه نفسي فتخشع جوارحي ويخشع قلبي لما نزل من الحق، لآيات القرآن.
    والخشوع هنا ليس مجرد خشوع القلب أو تمتمة باللسان، ليس فقط خشوع لذكر الله، اُنظر إلى بقية الآية
    (وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ)
    الخشوع خشوع إذعان، الخشوع خشوع تسليم، الخشوع خشوع تنفيذ لأوامر الله وآياته في واقع الحياة.

    ولذا جاءت المقارنة
    (وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ)
    ما الذي حدث مع الذين أوتوا الكتاب؟
    الذين أوتوا الكتاب حوّلوا آيات الكتاب لمجرد تلاوة، لمجرد آيات تُتلى، لم يحققوها في واقع الحياة فكانت النتيجة أن عاقبهم الله بقسوة القلوب. كل من يبتعد عن تنفيذ أحكام وأوامر آيات الكتاب العظيم آيات القرآن في واقع الحياة ويحوّل القرآن لمجرد آيات تُتلى وتُقرأ ويحوّل الذِكر والتسبيح إلى مجرد تمتمة باللسان دون تنفيذ في الواقع، دون تغيير في السلوك، دون تطبيق لدعوة الأنبياء من حق وإحقاق حق وإزهاق لباطل، يعاقب بقسوة القلوب.
    ولذا ربي أنهى الآية بقوله
    (وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ)

    (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)
    يا سبحان الله العظيم!
    حتى وإن بلغت القسوة بقلبك ما بلغت ربما شارف على الموت اُنظروا إلى المقارنة، لا تيأس من رحمة الله ولا تقنط من رحمة الله.
    (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا)
    والرب القادر على إحياء الأرض بعد موتها قادر على إحياء قلوبنا بعد غفلتها وقسوتها وموتها في ظاهر الحياة، ولكن كيف؟
    بالعودة لما أمر به الله عز وجل لا بد أن تكون الخطوة منك أولاً أنت تشعر بمدى قسوة هذا القلب ومدى الحاجة إلى عودته لخالقه سبحانه وتعالى القرار بيدك بعد إرادة الله عز وجل أما باب الله عز وجل لا يُغلق، باب التوبة لا يغلق القرار لا يزال بيدك. تأملوا نفحات الرحمة في هذه الآية العظيمة تدبروا كيف يرحم ربي عز وجل عباده وهو الغني. ربي غني عن عبادتي، غني عن عودتي لا تغني عنه شيئاً أبداً ولا تزيد في ملكه ولا تنقص عودتي أم عدم عودتي، أنا المستفيد الوحيد. ورغم كل ذلك ربي سبحانه يكرر الدعوة بعد الدعوة ليعود قلبي إليه من جديد، فما أعظمه من رب!
    وما أكرمه من رب! وما أرحمه من رب سبحانه وتعالى!
    (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ)

  5. #145
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,774

    افتراضي رد: سلسلة : روائع البيات لـ د/ رقية العلواني

    لماذا الحديث المتواصل عن الإنفاق والصدقة؟


    (إِنَّ الْمُصَّدِّقِين َ وَالْمُصَّدِّقَ اتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ)
    (وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ)

    الصدقة قبل أن تنفقها مهما كانت مال، عطاء، وقت، صحة، مهما كانت بأنواعها المتعددة قبل أن تضعها في يد من يحتاج إليها تذكر أنك أو مستفيد من تلك الصدقة الصدقة تحيي القلوب كما يحيي الغيث الأرض الميتة فتنبت بالزرع وتنبت من كل زوج بهيج كذلك الصدقة والإنفاق والبذل والعطاء ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق مبتسم يُحيي فيه الأمل من جديد، ولو أن تكون أنت بكلمة من كلماتك بدعوة من دعواتك دعوة لأخيك بظهر الغيب دعوة له بخير أو عطاء أنت المستفيد قبل أن تصل إليه الفائدة.

    ولذلك لا يمكن أن يخرج القلب من قسوته دون بذل أو عطاء لأن القسوة عقوبة قسوة القلب عقوبة من الله عز وجل يسلطها على القلوب الشحيحة القلوب البخيلة القلوب التي لا تعرف للعطاء درباً ولا معنى القلوب التي تشح حتى بالكلمة الطيبة حتى بالبسمة حتى بالدعوة الصادقة حتى بالرغبة في الخير وتمني الخير للآخرين القلوب التي لا يمكن أن تقوم على أكتافها دعوة حق أو نصرة إيمان. الإيمان والحق لا يُنصر بالقلوب الشحيحة الإيمان لا يمكن أن يُنصر ولا يمكن للحق أن ترتفع له راية إلا بقلوب مؤمنة قلوب تريد أن تبذل كل شيء قلوب فياضة بالعطاء بالكرم بالجود لخالقها سبحانه وتعالى.

    ولذا تدبروا معي الأية التي تليها الآية الرائعة

    (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ)

    هنا بدأ الإيمان يظهر هنا بدأت ثمار الإيمان تنضج وتزهو.

    (أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ)

    اُنظر إلى الآية صديقون وشهداء!

    نحن لم نتمكن أن نلحق بركب الصحابة ولم نتمكن أن نلحق بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم ولا بصحبة الأنبياء من حواريين وغيرهم ولكن أمامي فرصة عظيمة أن ألحق بركب الصديقين والشهداء ولن أتمكن أن ألحق بهذا الركب جعلنا الله جميعاً منهم وجعلنا جميعاً نلحق بهذا الركب العظيم، لن أتمكن أن ألحق بهذا الركب وأنا فقط أتمتم وأدعو بمجرد الدعاء وإن كان ربي قادر على إستجابة الدعاء ولكن عليك أن تبرُز ما يصدق هذا الدعاء، ما هو؟

    البذل والعطاء، البذل لأجل إحقاق الحق البذل بكل ما تمتلك لأجل قيام القيم التي جاء بها الأنبياء ولذلك بدأت (آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) دعوة الأنبياء الواحدة القائمة على الصدق وعلى العدل وعلى الحق. ثم تأتي الآية التي تليها لتعالج الأمراض التي قد تحول بيننا وبين البذل والعطاء، الدنيا، حب الدنيا، الركون إلى الدنيا، الدنيا التي إلى حد الأن لم نعرف حقيقتها لا نعرف وربما نعرف ولكننا نتجاهل تلك المعرفة، وربما نعرف ولكننا نعمل بعكس ما نعرف.



    لماذا الحديث المتواصل عن الإنفاق والصدقة؟


    (إِنَّ الْمُصَّدِّقِين َ وَالْمُصَّدِّقَ اتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ)
    (وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ)

    الصدقة قبل أن تنفقها مهما كانت مال، عطاء، وقت، صحة، مهما كانت بأنواعها المتعددة قبل أن تضعها في يد من يحتاج إليها تذكر أنك أو مستفيد من تلك الصدقة الصدقة تحيي القلوب كما يحيي الغيث الأرض الميتة فتنبت بالزرع وتنبت من كل زوج بهيج كذلك الصدقة والإنفاق والبذل والعطاء ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق مبتسم يُحيي فيه الأمل من جديد، ولو أن تكون أنت بكلمة من كلماتك بدعوة من دعواتك دعوة لأخيك بظهر الغيب دعوة له بخير أو عطاء أنت المستفيد قبل أن تصل إليه الفائدة.

    ولذلك لا يمكن أن يخرج القلب من قسوته دون بذل أو عطاء لأن القسوة عقوبة قسوة القلب عقوبة من الله عز وجل يسلطها على القلوب الشحيحة القلوب البخيلة القلوب التي لا تعرف للعطاء درباً ولا معنى القلوب التي تشح حتى بالكلمة الطيبة حتى بالبسمة حتى بالدعوة الصادقة حتى بالرغبة في الخير وتمني الخير للآخرين القلوب التي لا يمكن أن تقوم على أكتافها دعوة حق أو نصرة إيمان. الإيمان والحق لا يُنصر بالقلوب الشحيحة الإيمان لا يمكن أن يُنصر ولا يمكن للحق أن ترتفع له راية إلا بقلوب مؤمنة قلوب تريد أن تبذل كل شيء قلوب فياضة بالعطاء بالكرم بالجود لخالقها سبحانه وتعالى.

    ولذا تدبروا معي الأية التي تليها الآية الرائعة

    (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ)

    هنا بدأ الإيمان يظهر هنا بدأت ثمار الإيمان تنضج وتزهو.

    (أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ)

    اُنظر إلى الآية صديقون وشهداء!

    نحن لم نتمكن أن نلحق بركب الصحابة ولم نتمكن أن نلحق بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم ولا بصحبة الأنبياء من حواريين وغيرهم ولكن أمامي فرصة عظيمة أن ألحق بركب الصديقين والشهداء ولن أتمكن أن ألحق بهذا الركب جعلنا الله جميعاً منهم وجعلنا جميعاً نلحق بهذا الركب العظيم، لن أتمكن أن ألحق بهذا الركب وأنا فقط أتمتم وأدعو بمجرد الدعاء وإن كان ربي قادر على إستجابة الدعاء ولكن عليك أن تبرُز ما يصدق هذا الدعاء، ما هو؟

    البذل والعطاء، البذل لأجل إحقاق الحق البذل بكل ما تمتلك لأجل قيام القيم التي جاء بها الأنبياء ولذلك بدأت (آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) دعوة الأنبياء الواحدة القائمة على الصدق وعلى العدل وعلى الحق. ثم تأتي الآية التي تليها لتعالج الأمراض التي قد تحول بيننا وبين البذل والعطاء، الدنيا، حب الدنيا، الركون إلى الدنيا، الدنيا التي إلى حد الأن لم نعرف حقيقتها لا نعرف وربما نعرف ولكننا نتجاهل تلك المعرفة، وربما نعرف ولكننا نعمل بعكس ما نعرف.


    الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا
    أَنْ لا تَأْسَى عَلَى مَا فَاتَ مِنْهَا ، وَلا تَفْرَحَ بِمَا أَتَاكَ مِنْهَا





    (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا)



    وما أكثر مصائب الدنيا أخذاً ومنعاً
    ورداً وعطاءً وصحةً وسقماً ومرضاً ونزولاً وصعوداً وهبوطاً، فتن الدنيا المختلفة. كل ما يصيبك في سبيل الله إن كان في سبيل الله فهو مدّخر عند الله عز وجل بينما كل ما يصيبك من أجل الدنيا وحطامها وركامها إنتهى ولذلك لا تشغلك مصائب الدنيا لأننا نحن بما نشتغل عن الله عز وجل؟!

    إما بأفراح الدنيا وإما بأتراحها، أفراح الدنيا ينبغي ألا تلهيني لأنها زائلة مؤقتة كما جاء في الأية
    (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)
    لا حُسنها يدوم ولا فرحها يدوم إذاً لا تستغرقك المشاكل والمصائب والصعاب في الدنيا والإبتلاءات المختلفة عن مضمار السباق الحقيقي مضمار الآخرة لا تشغلك الدنيا لا تستغرقك لا بأفراحها ولا بأتراحها.

    هذا المحك الحقيقي الذي تصنعه فيّ سورة الحديد حين توقظ قلبي الغافل عن هذه المعاني العظيمة. ولذا ربي عز وجل جاء في أخر الآية وقال
    (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)
    مما يقسّي القلب ويبعده عن خالقه عز وجل أن يغترّ بما لديه وبما أنعم لله عليه عطاء دنيا مال شهرة فُتحت عليّ أبواب الدنيا وفتنها حدث عندي مرض الإختيال والفخر والعجب بما أمتلك الذي يسوقني إلى التعالي عن الآخرين وبالتالي الوصول إلى قسوة القلب. من أكثر الأدواء والأمراض التي تقسي قلوب الناس هي الإختيال والإغترار بما قد وهبهم الله عز وجل وهو عارية ولا بد في يوم أن تُستردّ الودائع.


    إذاً ماذا أفعل؟
    عليّ أن أوظفها في ما يرضي الله عز وجل ولذلك جاءت الآية التي تليها
    (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ)
    أنه يرى أن ما أنعم الله به عليه وما فتح عليه من أموال الدنيا إنما هو له إنما هو يمتلكه هو وبالتالي يبخل في توظيف هذه الأشياء في خدمة الحق الذي يُفترض أن يؤمن به وحمل هذا الحق لكل من يتعطش لذلك الحق. هذا النوع من الناس لا يمكن أن يفتح الله سبحانه وتعالى عليه بإيمان في قلبه

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •