تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


صفحة 7 من 7 الأولىالأولى 1234567
النتائج 121 إلى 132 من 132

الموضوع: سلسلة : روائع البيات لـ د/ رقية العلواني

  1. #121
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    2,012

    افتراضي رد: سلسلة : روائع البيات لـ د/ رقية العلواني

    مسؤولية الفرد تجاه مجتمعه



    تنتقل الآيات في سورة الإسراء من قضية المسؤولية الفردية إلى قضية أخرى وهي مسؤولية الفرد تجاه مجتمعه، صحيح أنه لا تزر وازرة وزر أخرى صحيح أن الإنسان مساءل عن أعماله هو عن تصرفاته عن إختياره هو ولكن في ذات الوقت ثمة مسؤولية تقع على عاتقه وهي ضمن مسؤوليته الفردية اتجاه المجتمع الذي يعيش فيه.

    هو لا يعيش في سفينة المجتمع ويبحر فيها فرداً لا يشعر بما يشعر به الآخرون ولا يهمه ما يراه أمامه في واقع الحياة من إنحرافات أو من أخطاء أو من أشياء ينبغى أن تصحح، أبداً، الفرد المسلم الذي اختار القرآن واختار الإسلام طريقاً ونهجاً لحياته لا بد أن يشعر بمسؤوليته إتجاه مجتمعه إتجاه من حوله فيقوم تصحيحاً وتعزيزاً وتغييراً وتبديلاً لكل ما حوله من أخطاء لكل ما يراه من حوله من إنحرافات أو سلوكيات، وفي هذا الموقف الذي تقرره سورة الإسراء بقول الله عز وجل

    (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) الإسراء)

    في كل تلك الأثناء في سورة الإسراء تربط الآيات بالأحداث والأخطاء التي وقعت في بني إسرائيل، أمة بني إسرائيل. فقد جاء في سور أخرى قول الله عز وجل

    (كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (79) المائدة)

    كانت أمة بني إسرائيل أمة لا تستشعر المسؤولية الجماعية لا تستشعر مسؤولية الفرد إتجاه المجتمع الفرد يعيش في واد والمجتمع يعيش في وادٍ آخر، قد يكون الفرد صالحاً في نفسه أو ذاته ولكنه لا يحقق توجهات المسؤولية الإجتماعية في المجتمع الذي يحيا فيه، لا يشعر بأن لديه مسؤولية إتجاه هذا المجتمع لا يشعر بأنه ينبغي أن يتحرك ليغير منكراً يراه أمام عينيه يعرف المعروف وينكر المنكر. يعزز الصواب والحق وفي نفس الوقت لا يناصر باطلاً ولا إنحرافاً بل على العكس يحاول التصحيح يحاول التغيير يحاول التبديل. وفي ذلك كما لا يخفى علينا جميعاً تحذير لأمة الإسلام تحذير لهذه الأمة التي إنتقلت إليها الزعامة والريادة والشهادة على الأمم أن يا مسلمين عندما ترون أمام أعينكم منكراً أخطاء إنحرافات لا ينبغي أن تقفوا أمامها مكتوفي الأيدي، لا، فالقرآن الذي ارتضيتموه منهجاً لحياتكم يأمركم أن تأمروا بالمعروف وأن تنهوا عن المنكر سالكين أعظم الوسائل وأحسن الوسائل والطرق بالحكمة والموعظة الحسنة ولكن لا بد أن تقع على عاتقنا مسؤولية التغيير والتصحيح والتبديل، لا بد أن تكون لك يد في المجتمع الذي تعيش فيه تصحيحاً لقول أو فعل أوعمل تقوم به ولكن لا تقف أبداً مكتوف الأيدي وأنت ترى سفينة المجتمع وهي تشق طريقها نحو التردي والغرق والإنحراف والتدهور.


    عليك السعي وليس عليك النتيجه

    لا بد أن تفعل شيئاً لا بد أن تصحح لا بد أن تقوم بعمل حتى ولو كان كل من حولك لا يشعرون بقيمة هذا العمل الذي تقوم به فالعمل كما جاء في الآيات الأولى ستجازى عليه وسعيك مشكور حتى وإن لم يأتي بثمار ولا بننتائج مرجوة أو معنية.

    ولذا ما أعظم الإنتقال والإعجاز السلس الذي تسير بنا فيه سورة الإسراء حين تأتى الآية فتقول
    (وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُومُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا (19) الإسراء) سعيك مشكور حتى وإن لم تأتي الثمار ولا النتائج، أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر إلتزامك ومدافعتك عن الحق مشكور ومحفوظ عند الله عز وجل وستلقاها غداً في كتابك منشوراً حتى ولو لم تأتي بنتائج مرجوة ولا بثمار إيجابية. وفي هذا قد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم في مكة على وجه التحديد أروع الأمثلة قدوة لنا أسوة لنا في كل شيء إستمر في دعوته ما يزيد عن العشر سنوات دعوة متواصلة أين النتائج؟ أين نتائج النجاح التي حققها؟ لم تكن تلك النتائج التي لم تحقق بشكل كما كان ينبغي أن تحقق لم تكن مانعاً ولا حاجزاً للنبي عليه الصلاة والسلام عن مواصلة دعوته عن تقديم رسالته، وهكذا ينبغي أن يكون الواحد منا. أنت تعيش في مجتمع سعيك مشكور تصحيحك للخطأ وإنكارك للمنكر مشكور ومحفوظ لا تخشى شيئاً لا تقل لا قيمة له لا تقل أن ما تقوم به سيذهب هباءاً منثوراً، أبداً، عليك أن تقوم به والجزاء على السعي والعمل ليس على النتيجة أبداً. صحيح ينبغي أن نتطلع إلى النتائج وأن نراجع أنفسنا وأن نأخذ بالأسباب ولكن في ذات الوقت لا ينبغي أن تكون النتائج إن لم تأتي مانعاً لنا عن مواصلة السعي مانعاً لنا وحاجزاً عن مواصلة الدعوة عن حمل الرسالة حمل الأمانة فلا تقاعص في هذا الدين ولا تكاسل ولا إحباط ولا يأس طالما أن هذا الإنسان يسير في طريقه في الحياة .



    المعنى الحقيقي للتوحيد

    تأتي الآن في سورة الإسراء لتقدم نماذج للتي هي أقوم كيف أصبح وكيف أسير وكيف أحقق التي هي أقوم في حياتي؟
    بدأت أول ما بدأت بالعنصر الأساسى الحقيقي الذي تدور عليه كل الأعمال الصالحة عنصر التوحيد بقول الله عز وجل
    (لاَّ تَجْعَل مَعَ اللّهِ إِلَهًا آخَرَ (22) الإسراء)

    التي هي أقوم وأكمل حين تحققها في شعورك في حياتك في داخلك في قلبك أن تنفض عنك كل الأنداد أن تنفض عنك كل الأرباب أن تكفر بكل الأصنام ليس هناك من قوة حقيقية تفعل وتتصرف في هذا العالم سوى قوة الله عز وجل.

    التوحيد ليس بالمعنى الذي فقط يتحول إلى كلمة أو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإن كان هذا جزءاً رئيسياً من كلمة التوحيد، ولكن التوحيد الفعال التوحيد الذي يبدأ يدخل مع الإنسان في حتى خواطره في المشاعر التي تدور في نفسه وعقله وقلبه يحرر الإنسان من العبودية لأي صنم إلا العبودية لله الواحد الأحد يحرر الإنسان فيجعل منه عبداً حقيقياً

    وتدبروا معى كيف وردت كلمة عبد في الآية الأولى حين قال الله عز وجل
    (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً(1)الإسرا )
    العبد هنا ليس العبد فقط بمعنى العبيد فكلنا عبيد لله عز وجل المؤمن والكافر شاء أم أبى هم عبيد لله الواحد الأحد للملك نحن عبيدفي مملكة الله عز وجل في ملكوته لا نملك لأمر أنفسنا لا نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً

    أعتى العتاة أعتى الفراعنة فرعون لم يكن يملك لنفسه موتاً ولا حياةً ولا نشوراً لم يكن يدرك إعتقد في لحظات القوة والمنعة والسيطرة أنه يملك بالفعل أن يمتد به العمر وأن تمتد به الحياة ولكنه أدرك بعد فوات الأوان أن لا ملك على وجه الحقيقة سوى الله عز وجل.
    هذا الطاغية الذي وصلت به الحالة من الشعور بالعلو والإستكبار والإفساد أن يقول أنا ربكم الأعلى أدرك حقيقة التوحيد حين واجهه الموت.


    الفرق بين العباد والعبيد

    الكل عبيد لله عز وجل

    ولكن سورة الإسراء تريد أن تصنع منا جميعاً عباداً أولي بأس شديد، أيّ عباد؟

    عباد من درجة خاصة عبودية إختيارية هنا كعبودية إجبارية وهي التي نشترك فيها جميعاً المؤمن والكافر لا نستطيع أنن خرج عن هذه العبودية كلنا عبيد لله يتصرف فينا كيف ما يشاء موتاً وحياةًونشوراً، صحةً ومرضاً وإعطاءً ومنعاً هذه عبودية إجبارية وليست عبوديةإختيارية.

    أما العبودية الإختيارية فهي عبودية النبي صلّ الله عليه وسلم عبودية العباد أولي بأس شديد الذين أشارت إليهم الآية الأولى في تصحيح الخطأ وتصحيح أخطاء بني إسرائيل والصد الذي وقع لبني إسرائيل وهزيمة بني إسرائيل كأمة والتي أشارت إليهم سورة الإسراء في بداياتها.

    إذاً العبودية التي تريدني سورة الإسراء أن أكون فيها هي عبودية إختيارية باختياري أنا، أنا أختار أن أكون عبداً لله، وحين أختار أن أكون عبداً لله فأكون في نفس الوقت قد قررت أن أختار الحرية والتحرر من كل الأرباب التحرر من كل العبوديات الزائفة التحرر من كل الأصنام الواهية الأصنام التي قد أظن لبعض اللحظات أنها تملك لي ضراً أو نفعاً.

    أتحرر من سلطان المال أتحرر من العبودية للدرهم والدينار، أتحرر من العبودية للسلطة بكل أبجدياتها أتحرر من العبودية لأي سلطة أخرى سوى سلطة الله سبحانه وتعالى الواحد الأحد.

    حين أتحقق بتحقيق هذا المنهج في قلبي في شعوري في سلوكي لا بد أن ينعكس هذا التوحيد الكامل الأكمل على حياتي على سلوكي على تصرفاتي على طريقة تعاملي مع كل الدوائر المحيطة بي وأول دائرة تأتىي عليها سورة الإسراء دائرة الوالدين الأم والأب تأتي الأمثلة والنماذج،الأم والأب لم تعد العلاقة عندما تركز التوحيد في قلبي وأصبحت عبداًإختيارياً لم تعد العلاقة بيني وبينهم علاقة عادية وإنما أصبحت علاقة إنسانية راقية سماها الله عز وجل وأعطاها بقوله
    (وَبِالْوَالِدَ ْنِ إِحْسَانًا (23) الإسراء)

    علاقة إحسان علاقة إصلاح علاقة تفاني في سبيلإرضاء الأم والأب وخاصة حين يبدأ الأم والأب بالدخول في مرحلة الشيخوخة تلك المرحلة التي يبدأ الإنسان يشعر فيها بالتردي من موقع القوة إلى موقع الضعف بالشعور والإحساس بالحاجة إلى الأبناء بالحاجة إلى وقوفهم بجانبهم، فذلك الأب أو الأم الذي كان يقف على قدميه قد يصبح في مرحلة الشيخوخة لا يستطيع ولا يقوى الوقوف على قدميه يحتاج لكرسي متحرك يحتاج لأيدي تحمله يحتاج لقلب يضمه لحنان لأبوة لبنوة لشعور بالإحسان لشعور بأنما قمت به في حياتي لم يذهب سدى لم يذهب هباءاً منثوراً، هناك أبناء هناك بنات قمت بتربيتهم جاء دورهم الآن هذا الإحساس هذه العلاقة الرائعة من الذي يقدمها؟
    القرآن الذي يهدي للتي هي أقوم في كل حياتنا.


  2. #122
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    2,012

    افتراضي رد: سلسلة : روائع البيات لـ د/ رقية العلواني

    مقوله خاطئه (الأقارب عقارب)

    تنتقل الدائرة إلى القربى إلى الإحسان إلى الأقارب لا كما نشهد في مجتمعاتنا الحالية حتى للدرجة التي سرت فيها بعض الأمثلة الشعبية الممقوتة كالقول على سبيل المثال (الأقارب عقارب) أي مصدر للسموم مصدر للأذى كيف يسيغ لمجتمع إرتضى بالقرآن منهجاً أن يبرر تحت أيّ ظرف من الظروف أن تكون العلاقات بين أولى القربى بين الأسرة الواحدة من أعمام وخالات وأولاد عمو أولاد خالة مهما كانت المبررات أن تتحول إلى علاقة سُمِّية، علاقة يحكمهاالبغضاء والشحناء والتنافر والبعد والصد والنفور من بين بعضنا البعض؟ كيف يمكن أن يبرر هذا؟!

    القرآن يصحح هذه العلاقات ويؤكد أن الإنسان الذي اختار القرآن منهجاً لحياته لا يمكن أن يسلك مع أقاربه هذا المسلك لايمكن أن يسلك سوى ما أمر به القرآن
    (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ(26)الإسرا ء)
    هو حق للأقارب إن لم أقم به فأنا مقصِّرة في جنب الله
    (وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا(26)الإ سراء)



    كيف عالج القرآن الأمراض الإقتصادية؟

    تنتقل الآيات بتسلسل عجيب من مجال الإجتماع ومن مجال الأسرة إلى مجال الإقتصاد لتضع لي حتى في عالم الإقتصاد قواعدحقيقية قواعد صاغها القرآن لم يصغها البشر
    ولنا أن نتأمل الواقع المعاصر الذي نعيش فيه الذي تحكمهالقوانين الوضعية القوانين التي وضعها البشر لأنفسهم أين وصلت بهم؟!
    أين وصل بنا الحال من أوضاع إقتصادية؟! أين وصل بنا الحال؟!
    دعونا نتأمل لأن هذا هو سبيل القرآن، القرآن لم ينزل لأجل أن أعيش به طالباً للبركة والأجر والثواب فقط وأعيش في وادٍ والعالم والمجتمع المعاصر حولي في وادٍ آخر،أبداً، القرآن فيه بركة صحيح أكيد فيه أجر فيه ثواب ولكن المطلوب مني اليوم حين أقرأ القرآن أن أقرأه بعين تنظر الواقع تنظر الواقع المحيط بيمن كل جانب تحاول أن تقف على أمراضه على أدوائه على عيوبه فتأتي إلى القرآن بأسئلة بإشكاليات بأمراض مختلفة تطلب من القرآن شفاء لأمراضها وسنأتي على الشفاء في سورة الإسراء.
    تطلب من القرآن علاجاً لأدوائها لأمراضها الإجتماعية والإقتصادية والسياسية وكافة أنواع الأمراض

    ولنا أن نتساءل ونحن نقرأ الآيات في سورة الإسراء كيف عالج القرآن الأمراض الإقتصادية؟
    وهل هناك فعلاً أمراض إقتصادية في مجتمعاتنا؟
    واحدةمن أبرز الأمراض الإقتصادية في مجتمعاتنا كأفراد وكلنا يعاني منها قضية الموازنة بين الإستهلاك وبين ما أملك، بين التملك الشيء الذي أنا أملكه في حدود طاقاتي المالية والمادية وبين إنفاقي وبين إستهلاكي، ذلك التباين العجيب في مجتمعاتنا ذلك الإستهلاك الذي وصل بنا إلى جعل الكماليات والتحسينات في حياتنا تقع في موقع الحاجيات والضروريات. يعيد القرآن ويعالج الأمور ويعيدها إلى نصابها بقوله عز وجل

    (وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا (29) الإسراء)
    إنه التوازن إنه التعادل في كل شيء وهذا التوازن الذي تؤكده سورة الإسراء كنموذج من نماذج معالجة القرآن للأمراض وللأدواء المستعصية ينبغي أن يطبق ليس فقط على سبيل حياة الأفراد وإنما على المجتمعات على الدول التي أصبحت تنفق أكثر من مدخولاتها فوقعت فيأزمات ديون على مدى سنوات طويلة هذه أمراض هذه أسقام هذه أدواء حقيقيةيعاني منها العالم المعاصر الذي نعيش فيه على الرغم من كل النظريات الإقتصادية المعاصرة الحديثة التي حاولت عبثاً أن تعالج تلك الأمراض.

    اليوم كلنا يعلم أن كبريات الدول تعاني من أمراض الديون تعاني من عجز في الميزانيات. لنا أن نتساءل هل يستطيع القرآن الذي أنزل قبل قرون متعاقبة أنيعالج هذه الأمراض؟ أن يصحح هذه الأخطاء؟ أن يساعدني في حل هذه الإشكاليات؟
    بكل تأكيد، يقدم القرآن العلاج في آية واحدة
    (وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْط (29) الإسراء)
    تأمل معي أنظر معي تدبر معي في هذا القرآن العظيم وكيف يعالج لأنه ليس من عند البشر ليس من كلام البشر كلام رب البشر الذي خلق وصنع وأعطى ورزق، الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر العالم بكل شيء
    (أَلَايَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُواللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14) الملك)
    الرب الذي خلق الرب الذي رزق هو الوحيد الواحد الذي يعلم ما يصلح للبشر ما يصلح مجتمعاتهم مايصلح ميزانياتهم ما يصلح دولهم ما يصلح معاشهم ما يصلح أخراهم. هذا الرب هو الذي أنزل على القرآن ليعالج ليشفي ليبرئ من الأمراض التي نعاني منها ليس فقط في العصور الماضية بل في كل عصر وزمان .


    تحريم الزنـــا



    تنتقل الآيات بإعجاز عظيم واضح تماماً من دائرة إلى دائرة، من دائرة الإجتماع إلدائرة الإقتصاد إلى دائرة الأمة محرمة سلسلة من الجرائم الخُلُقية والإنحرافات التي ينبغي للمجتمع أن يهتم بمعالجتها ينبغي للفرد وللمجتمعأن يحاصر تلك

    الأمراض وأن يقتلها وهي في مهدها فتأتي الآية الأولى
    (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءًا كَبِيرًا {31} وَلاَتَقْرَبُوا ْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً {32} الإسراء)

    وأنظر معي كيف يعالج القرآن القضيتين في آن واحد.
    ما العلاقةبين قتل الأولاد والزنا؟

    اليوم تعاني المجتمعات المتخمة بالأمراض والأدواء المجتمعات المعاصرة وكثير من المجتمعات الغربية من مشكلة حقيقيةالأطفال غير الشرعيين الأطفال الذين جاؤوا إلى الدولة عن طريق علاقات غيرمشروعة علاقات الزنا، حرّم الإسلام وحرّم القرآن وحرّمت سورة الإسراء هذه العلاقات فقتلت المشكلة وهي في مهدها، عالجتها وهي في مهدها، ليس هناكعلاقة غير مشروعة في الإسلام أنظر معي إلى قول الله عز وجل
    (ولاتقرب
    وا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً {32} الإسراء)

    بعض المجتمعات والدول المعاصرة اليوم تعالج قضية الأولاد غيرالشرعيين الذين يشكلون عبئاً حقيقياً على ميزانيات الدول هذه القضيةيعالجونها بطريقة مختلفة يحاول أن يجد الحلول لحضانة هؤلاء الأولاد غيرالشرعيين دون أن يعالج المرض ويجتث المرض من أساسه. ما هو الأساس لإشكالية وجود أولاد غير شرعيين؟
    ما هو الأساس؟

    علاقات غير مشروعة علاقات الزنا. ألا يهدي القرآن للتي هي أقوم؟
    ألا يقدم القرآن المنهج الأقوم والأصوب حين يعالج المرض
    ويجتث المرض من جذوره؟
    هذا هو القرآن هذا هو نهج القرآن.



    بعض النواهي الربانية


    (وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ (33) الإسراء)
    (وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (34) الإسراء
    يقيم القرآن للإنسان في نفسه محكمة حقيقية رقابة ذاتية يجعل الإنسان الفرد هو الوازع الحقيقى لصده ولردعه عن إرتكاب أي جريمة من الجرائم وهذه أعظم وسيلة لمعالجة الجرائم المختلفة من اختلاس من سرقة من نهب من قتل من إغتصاب أن تحيي الوازع والضمير عند الإنسان وهي قضية يعاني منها العالم المعاصر الذي نعيش فيه أشد المعاناة.
    حين غاب الضمير عن مسرح الحياة حين غاب الضمير البشري الضمير الإنساني عن واقع الحياة التي نعيش فأصبح واقعنا أقرب إلى واقع الغاب منه إلى واقع الإنسان، واقع الإنسان الذي أراد القرآن أن يحييه في الناس من جديد أن يعيده إلى البشرية من جديد.

    تستمر الآيات في معالجة الفرد والمجتمع في وقت واحد لتصل إلى حتى معالجة قضية العلو والإستكبار والإستخفاف بالآخرين مانعة الإنسان حتى من أن يظهر نوعاً من الإستكبار على أخيه الإنسان ولو في طريقة مشيه،وتأملوا معي أيها الأخوة والأخوات قول الله عز وجل
    (وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَالْجِبَ الَ طُولاً (37) الإسراء)
    عجيب!
    حتى طريقة السير والمشي يحددهاالقرآن ينزل فيها آيات؟!
    نعم، وفي ذلك بيان واضح إلى معالجة قضية التكبر والإستكبار والإستخفاف بالآخرين، القرآن يعلم الإنسان الفرد ألا يستكبرعلى غيره يجتث مشكلة الإستعلاء والإستخفاف والإستهانة بالآخرين حتى في أبسط صورها حتى في طريقة المشي، لا تمشي في الأرض وتحاول أن تبين أو تظهرأنك متعالي على الآخرين حتى وإن كنت قد أوتيت من وسائل الوسائل المادية وسائل الإستعلاء الوسائل التي يهيأ لك أنها تبرر لك أن تكون بالفعل مستعلياً على الآخرين متكبراً عليهم إياك وهذه الصفة لماذا؟

    لأن هذه الصفة من أشد الأمراض خطورة في المجتمع تفصل بين الإنسان وأخيه الإنسان تحقق أو تعدم تماماً عنصر المسؤولية والتكافل الإجتماعى تجعل الإنسان متعالياً على أخيه الإنسان ولمَ هذا التعالي؟! لمَ هذا الإستكبار؟!
    لنا أن نتخيل كيف يمكن أن يعيش المجتمع وهو يعيش بعض الأفراد في حالة إستعلاءعلى الآخرين في حالة العيش بعيداً عن آلآم وأحزان وفقر وحاجة إخوانه مالبشر، إخوانهم الآخرين شيء فعلاً يجعل الإنسان ينتبه إلى أمور ربما لم يكن حتى ينتبه إليها هذه الآية تعالج إشكالية الطبقية في المجتمع إشكالية أن يصبح الناس طبقات هناك أناس مترفين يعيشون حالة غنى فاحش وتعالي وإستكبار وأناس آخرين بسطاء متواضعين فقراء ربما لا يمتلكون من سبل العيش الكريم ما يجعلهم حتى يستطيعوا أن يقوموا بقوت يومهم، هل موقف الإنسان الغني هذا الغني الذي يمتلك من أسباب القوة وأسباب المنعة وأسباب المال وجاءت الآية لا ننسى التي قبلها تقول

    (إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ (37) الإسراء)
    هل المطلوب منه أن يعيش بعيداًعن المحتاجين أم يعيش وسط آلآمهم أم يعيش مستعملاً الأدوات والوسائل والمال الذي رزقه الله سبحانه وتعالى إياه يعيش ليمسح به معاناة هؤلاء ليكفف بها دموعهم ليمسح بها آلآمهم ليعالج بها أحزانهم ليداوي بها حاجاتهم المادية؟ هذا النوع من العلاج الأخلاقي الرائع إنما يأتي في الحقيقةعلى الأمراض التي يعاني منها المجتمع المعاصر المجتمع الرأسمالي أو غيرهمن مجتمعات عاثت فيها الطبقية فساداً وإفساداً وبعداً عن المنهج الأقوم الذي ينبغي أن يعيش عليه البشر.



    الاعراض عن القرآن


    (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا (41) الإسراء)
    (وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا(41)الإسر اء)
    هكذا أمة الإسلام اليوم عندما تُعرِض عن كتابها القرآن عندما تعتقد أنها يمكن أن تجد العلاج الأمثل في مجالات الحياة المختلفة من يمين أو شمال من غرب أو شرق بعيداً عن القرآن وليس ثمة علاج إلا في هذا القرآن العظيم .

    ثم تأتي الآيات وتؤكد مرةأخرى آية بعد آية على الموقف الذي ينبغي أن يقفه الإنسان حيال هذا القرآن العظيم يقول الله عز وجل مخاطباً نبيه
    (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا {45} وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا {46} نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا {47} الإسراء)
    هذا الموقف العجيب الذي وقفه المشركون اتجاه القرآن العظيم موقف الصد موقف الإعراض موقف عدم الرغبة في الإستماع لآيات القرآن

    هذا الموقف العجيب ماذا كانت النتيجة المترتبة عليه؟
    كانت النتيجة أنه فعلاً وقع بينهم وبين القرآن حاجزاً هذا الحاجز لم يتمكن المشركون من الإنفكاك منه لم يتمكنوا من رؤية الحق الموجود في القرآن العظيم لم يتمكنوا من رؤية النور الذي جاء في هذا القرآن وهو أمر محسوس

    أنا حين أضع على عيني ستراً أو غطاءاً أو غشاوة هل أتمكن من رؤية نورالشمس مهما كان ذلك النور واضحاً ظاهراً جلياً؟! أبداً، لماذا؟
    لأني أنا أنا الإنسان من قمت بوضع ذلك الغطاء وذلك الستر حاجزاً بيني وبين نورالشمس.

    وهكذا القرآن ولله المثل الأعلى في تعاليمه نور في أحكامه شفاء
    ولكن يا ترى لمن؟
    لمن لم يضع حاجزاً بينه وبين هذا القرآن العظيم .



    الكلمه الطيبه صدقه


    تستمرالآيات معالجة الأدواء والأمراض السارية في المجتمع وفي الفرد

    بقول الله عز وجل وإعطاء الأمثلة

    (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا (53) الإسراء)

    إختيار الألفاظ الجميلة إختيار الألفاظ الحسنة وهي واحدة من أعظم دعائم التعايش في المجتمع الواحد قد يكون المجتمع متنوعاً ولا ضير في ذلك فالنبي صلوات الله وسلامه عليه عاش وسط المشركين عاش وسط اليهود وسط النصارى وسط المنافقين ولكنه دائماً وأبداً إختار نهج القرآن،

    أي نهج؟
    نهج يقول التي هي أحسن


    حتى مع الأعداء مع الأقرباء ومع الأباعد مع الأصدقاء

    ومع الأعداء في الحرب وفي السلم

    إبتغى منهجاً واحداً منهج القرآن يقول التي هي أحسن.

    إذاً هو القرآن يعالج ويداوي ويقدم الأدلة ويقدم الأمثلة والنماذج على كيفية معالجة المشاكل التي تقع بين الناس في المجتمعات المختلفة وفي العصورالمختلفة .

  3. #123
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    2,012

    افتراضي رد: سلسلة : روائع البيات لـ د/ رقية العلواني

    لا سلطان للشيطان على عباد الله الصالحين

    ما الذي يحول بين الناس وبين الحق؟
    ما الذي يحول بين الناس وبين السير على منهج القرآن وتطبيقه في سلوكهم وحياتهم وتعاملاتهم وأخلاقياتهم؟
    إنه الشيطان،المعركة الخالدة المستمرةالمتواص لة بين الشيطان وبين بني آدم يحددها القرآن ويقرر أن فعلاً للشيطان وسائل وأدوات وربما تكون بعض هذه الوسائل والأدوات قوية مؤثرة ولكن واقع الأمر أن تأثير هذه الوسائل يسقط ويتهاوى حين يصبح الإنسان عبداً لله عبودية إختيارية حين يتحقق بمعاني العبودية كما أوردت سورةالإسراء في الآيات التي سبقتها أنظر لقول الله عز وجل
    (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفي بِرَبِّكَ وَكِيلاً (65) الإسراء)
    حسمت المعركة مع الشيطان.

    العباد الذين ابتغوا القرآن منهجاً لحياتهم، العباد الذين إختاروا القرآن طريقاً لحياتهم في الصغيرة وفي الكبيرة في كل ما يختلج في نفوسهم ومشاعرهم وحياتهم العباد الذين يلجأون إلى القرآن في معالجة مشاكلهم في معالجة ما يمرون به من أزمات هم عباد ليس للشيطان عليهم من سلطان أبداً، كل الأسلحة التي يمتلكها الشيطان تصبح هباءلا قيمة لها عديمة التأثير مع هؤلاء العباد الذين لا وكيل لهم ولا كفي ليتولى شؤونهم سوى الله وحده، وحين تصبح المعركة بين الله عز وجل وبين هذا الشيطان فقطعاً النتيجة محسومة.




    القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين

    تواصل الآيات معالجة الأدواء النفسية والإنسانية إلى أن تصل إلى قول الله عز وجل (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُو شِفَاء وَرَحْمَةٌ (82) الإسراء)
    ولكن لمن؟
    (لِلمؤمنين وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا (82) الإسراء)

    القرآن واحد حوى أسباب الشفاء حوى أسباب العلاج ودعونا نتدبر ونقف عند كلمة الشفاء والعلاج، أيّ شفاء هذا الذي يتحدث عنه القرآن؟
    الشفاء النفسي والشفاء المادي، شفاء الجسم وشفاء الروح، القرآن يُبريء من كل الأمراض المختلفة وربما سورة الإسراء بالطريقة التي تدبرنا فيها بنماذج الأمثلة التي قدمناها تبين لي بوضوح فعلاً كيفية علاج هذه الأدواء على مستوى الفرد وعلى مستوى المجتمع.

    ولكن ثمة شرط لتحقيق هذا الشفاء وهذا العلاج أن تكون مؤمناً بهذا الكتاب أن تكون مؤمناً بقدرته على الشفاء والعلاج ولذاجاءت الآية
    (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوشِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِين َ (81) الإسراء)
    أما مع الظالمين أما مع المكذبين أما مع المعرضين الذين الذين أعرضوا عن هذا القرآن لا يزيدهم إلا خساراً.

    إذاًهو الموقف الذي أنا أتخذه وأقرره والقرار الذي أتخذه اليوم حيال هذا القرآن، أنا ماذا أريد أن يكون موقفي من هذا القرآن العظيم؟ موقف المتفرج موقف المعرِض عنه موقف القارئ لكلمات القرآن دون أن تقع الكلمات فيقلبه وفي واقعه دون أن تغير من سلوكه؟! أم موقف الإنسان الذي جاء للقرآن ليشفي وليعالج وليبدد الظلمات الموجودة في النفس في الفرد في القلب فيالسلوك في المجتمع؟ ويؤسفنا اليوم ونحن نتحدث عن هذه الجزئية الواقع الذي يعيشه المسلمون إتجاه هذا القرآن، واقع يحكمه الصد يحكمه الهجر يحكمه العقوق، عدد كبير من المسلمين اليوم يعتقدون أن العلاقة مع القرآن لاتخرج عن إطار التلاوة والترداد أو الحفظ حتى باللسان، أخذ البركة أخذ الحسنات وخاصة في المواسم المعروفة كموسم شهر رمضان، الإحتفاء بالقرآن فيهذه الحدود، ولكن واقع الأمر أن القرآن حين أنزله الله عز وجل لم يقف به عند هذه الفكرة فحسب أراد الله به كما رأينا في الآية الأولى في الآيات التي تصف في سورة الإسراء خصائص القرآن
    (إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ (9) الإسراء)

    هو منهج حياة هو يهدي الإنسان هو يصحح الواقع البشري على مستوى الفرد على مستوى المجتمع على مستوى العالم بأسره، حالة الإعراض والصدود وعزل القرآن عن واقع القلبوالخُلُق والسلوك الإنساني واقع لا بد أن يتغير، واقع لم يجني منه الناس ولم تجني منه البشرية سوى الويلات والكوارث والمجاعات والأزمات على مستويات متعددة وفي نواحي مختلفة. إزداد مستوى الجريمة حتى في عالمنا الذي نعيش فيه إزدادت الإنحرافات تغيرت الأحوال قلّ الأمن والإستقرار، هذه المظاهر المتعددة والمختلفة تنبئ بأن هناك خلل حقيقي في واقع تعامل المسلمين مع القرآن تنبئ بأن المناهج الوضعية التي إرتضاها الناس عوضاً عن القرآن لم تأتي بخير ولنتأتى بخير تنبئ بأن هناك أزمة حقيقية في واقع المسلمين مع القرآن أزمة لا بد أن تحل وهذه المشاكل وهذه الويلات وهذه الإنحرافات وهذه الأزمات لا بد أن نجد لها حلاً والحل لا يمكن أن يكون بعيداً عن القرآن.




    لنجعل القرآن من جديد حاكماً في أخلاقنا وسلوكياتنا


    (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا (89) الإسراء)
    إعراضاً، إذاً كل مثل موجود في القرآن لماذا يا رب صرفنا في القرآن من كل مثل؟
    لكي يجد الإنسان الدواء الذي يبحث عنه لكي يجد للمشكلة التي يمر بها أو للموقف الذي يمر به علاجاً مخرجاً حلاً لأزمة يعاني منها مستوى فردي أو مستوى إجتماعي، لن يكمن هذا العلاج وهذا الشفاء إلا حين تصحح العلاقة مع القرآن حين يعود القرآن إلى واقع حياتنا من جديد حين أقرأ القرآن ليس فقط لأجل طلب البركة والثواب وإن كان هذا كذلك من القرآن ولكن آتي للقرآن لأجد حلاً لمشاكلي آتي وأنا مؤمن بالقرآن آتي وأنا مدرك أن هذا القرآن يمتلك مفتاح الإجابة للأزمة التي أعاني منها، أطبق آيات القرآن في سلوكي فتصبح أخلاقياتي وسلوكياتي إنعكاس وتفسير لآيات القرآن كما جاء في قول السيدة عائشة رضي الله عنها حين سُئلت عن خلق رسول الله صلّ الله عليه وسلم (فقالت كان خُلُقه القرآن) كانت تصرفاته حياته تفسيراً عملياً للقرآن،إنعكاساً لتعاليم القرآن تطبيقاً للقرآن. هذا ما نحتاج إليه اليوم فيواقعنا نحتاج أن نعيد الأمور إلى نصابها نحتاج أن نصحح علاقتنا مع القرآن

    قد ينتهي الإنسان أو الفرد أو الواحد منا من القرآن كاملاً ولا تجدله أثراً للقرآن في حياة أو سلوك أو خلق. هذه تنبئ بأزمة خطيرة هذا مرض عضال هذا مرض خطير ينبغي أن نطلب الإستشفاء منه، ينبغي أن نعود إلى القرآن لنصحح لنعدّل لنبدّل لنجعل القرآن من جديد حاكماً في أخلاقنا وسلوكياتنا.

    ولذا عابت سورة الإسراء في الآيات الأخيرة على المشركين طلبهم من النبي عليه الصلاة والسلام لمعجزات حسية وقد أنزل الله عليهم القرآن، القرآن كفى به معجزاً في كل عصر في كل وقت في كل زمان يؤمن به من يؤمن ومن يؤمن سيجد به الخير ومن لا يؤمن ويعرض عنه قطعاً لن يجد في ذلك أيّ خير بل ما يزيده إلا خساراً



    أين أثر القرآن في حياتي؟




    (وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا {105} وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً {106} الإسراء)
    إذاً هو القرآن كيفية الإستفادة منه أوضحتها الآيات الأخيرة في سورة الإسراء أن يقرأ الإنسان على مكث أن يقرأ على مهل أن يقرأ بسلاسة القرآن آية آية كلمة كلمة حرفاً حرفاً ينظر إليها يربط بينها وبين الواقع الذي يعيش فيه ماذا تريد مني هذه الآية؟ كيف ستداويني هذه الآية؟ كيف ستعالج الأزمة التي أعيش فيها؟


    حينها فقط يقع للإنسان ما جاءت به الآية الأخرى
    (قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَو لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْالْعِلْ مَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عليهم(107)السراء)
    أي القرآن
    (يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا {107} وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً {108} وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا {109} الإسراء)
    إذاً أثر القرآن.

    ولي أن أتساءل وأنا أقرأ القرآن اليوم أين أثر القرآن في حياتي؟ أين الخشوع في سلوكي؟ أين هذه الحالة التي وصفها القرآن وصفتها سورة الإسراء في أواخر آياتها؟ أين الخشوع؟
    قرأت القرآن، إن قرأت القرآن قراءة حقيقية كما ينبغي أن تُقرأ لن يتملكني إلا الشعوربالإذعان والتسليم والخضوع المطلق لله عز وجل
    (يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) الإسراء)
    حالة من حالات الخضوع، حالة من حالات الشعوربالعجز والتسليم الخضوع والإنقياد المطلق لله عز وجل، لأوامر لتعاليم لهذا القرآن العظيم يقع فيها الإنسان فيشعر بأنس يشعر بحلاوة الإيمان تلك الحلاوة التي لم تغب ولم تنطلي حتى على كفار قريش حين قال الوليد ابن عتبةعندما استمع للقرآن وهو كافر به حين قال قولته المشهورة (إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة) حلاوة القرآن ينبغي أن تعود اليوم في حياتنا لتمسحا لمرارة التي نعاني منها في قلوبنا ونفوسنا ومشاعرنا وأزماتنا ومجتمعاتنا.

    نحن بحاجة إلى تلك الحلاوة اليوم نحن بحاجة إلى استشعار واستحضار حلاوة القرآن شفاء القرآن علاج القرآن ولا شك ودون شك فإن المسلمين اليوم تقع على عاتقهم مسؤولية كبيرة حيال البشرية حين غابوا عن القرآن وغيبوه عن واقعهم وعن أزماتهم غيبوا عن العالم بأسره نور القرآن الذي آن له أن يعود من جديد . نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيدنا ويردناإلى كتابه رداً جميلاً وأن ينفعنا به وأن يجعلنا هداةً مهتدين لكل العالم ولكل البشرية، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


  4. #124
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    2,012

    افتراضي رد: سلسلة : روائع البيات لـ د/ رقية العلواني

    ســـورة الكهف

    فــضــائــل ســـورة
    الكهف


    حين يزداد الظلام وتتلبد سماء الواقع بالفتن وغيوم الشُبُهات يحتاج الإنسان إلى كهفٍ يأويه ويحميه، يحتاج إلى نور يضيء له الطريق، يحتاج إلى نور يأتي على هذه الظلمات فيبدّدها يحتاج إلى شيء يبدد كل ما حوله من فتن ويضيء الطريق وينير الطريق والمسار أمام عينيه ليسير إلى الأمام على الصراط المستقيم. هنا تأتي سورة الكهف هذه السورة العظيمة التي ورد في فضلها الأحاديث الكثيرة والمتعددة عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول في ذلك: "من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق". وفي حديث صحيح آخر "من حفظ عشر آياتٍ من أول سورة الكهف (وفي رواية من آخرها) عُصِم من فتنة الدجال". حديث آخر صحيح "من قرأ سورة الكهف كانت له نوراً إلى يوم القيامة من مقامه إلى مكة ومن قرأ عشر آيات من آخرها ثم خرج الدجال لم يضرّه ومن توضأ فقال سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك كُتب له في رِقّ ثم جُعِل في طابع فلم يُكسَر إلى يوم القيامة"

    هذه سورة الكهف كل الأحاديث الواردة في فضلها تبين بأن هناك في هذه السورة من المعاني ومن الوقفات التي إذا ما تدبرها المؤمن وهو يكرر قراءة هذه السورة في كل أسبوع سيكون له ملاذٌ، سيكون له حماية، سيكون له مأوى من الفتن وخاصة فتن آخر الزمان التي تحدثت عنها هذه السورة العظيمة.

    فيا ترى ماذا في هذه السورة العظيمة من معاني تستجلب وتستدعي تبديد الفتن والظلمات؟ ماذا في سورة الكهف من النور لكي يبدد به الإنسان الظلمات التي باتت تحيط به من كل حدب ومن كل صوب؟ السورة مكية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في حالة شديدة هو وأصحابه من المعاناة، من الضعف، من التنكيل، من كل نواحي التعذيب المختلفة التي تفنن المشركون في صبِّها على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، في محاولة يائسة بائسة لثني النبي عليه الصلاة والسلام عن الإستمرار في دعوته المباركة.

    في تلك الأثناء وفي تلك الأجواء من المحن ومن التعذيب ومن الضعف ومن الشعور بالضعف والشعور بمعنى الفتنة في الدين حقيقةً لأن الكلام أو الحديث الذي سنأتي عليه تباعاً إن شاء الله في سورة الكهف حديث عن مختلف أنواع الفتن، إبتلاءات، محن، لكن سنجد أن أشد فتنة يمكن أن يتعرض إليها الإنسان أن يُفتَن في دينه فالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام في تلك الأجواء كانوا يتعرضون لفتنة ولإمتحان وإبتلاء في الدين وهذه من أشد الفتن



    إقامة التوحيد عاصم من الفتن
    
    

    جاءت السورة المباركة التي هي في تعداد النزول حسب نزول القرآن الكريم تحتل المرتبة التاسعة والستين، جاءت هذه السورة لتعضد وتقوي النواحي التي ينبغي أن يمتلكها الإنسان في أي وقت وفي أي زمان إذا أراد أن يواجه الفتن وبخاصة فتنة الدين. جاءت على النبي عليه الصلاة والسلام ونزلت عليه وعلى أصحابه لتبين له أن تلك الفتن وتلك الإمتحانات مهما قويت ومهما كان فيها من جوانب مؤلمة ومآسي وإبتلاءات ومحن فإنها ستزول.

    المخرج الأساسي لكيفية التخلص من هذه الفتن يكمن في تأكيد التوحيد، في تكريس التوحيد كما هي العادة في مختلف السور المكية وفي كل القرآن. كلما إزدادت قوة التوحيد في القلب، كلما إزدادت قوة التمسك بهذا التوحيد وتصحيحه من كل شائبة وإخلاص وتخليص العمل لله عز وجل وجعل العمل خالصاً لوجهه سبحانه كلما كان ذلك عصمة للإنسان أكثر فأكثر نحو التمسك بهذا الدين والإبتعاد عن كل الفتن.

    السورة العظيمة حددت أسباب الفتن وأجواء الفتن في كل زمان، رسالة باقية كما هو القرآن. وحددت كذلك معها كيفية الخطوات التي يمكن أن يسير عليها الإنسان للتخلص من ظلمات الفتن ومن نور الفتن فكانت بحق هذه السورة العظيمة نوراً يضيء للإنسان في طريق الحياة نور يضيء له في طريق الفتن المتلاطمة حين يزداد السواد في تلك الفتن ولذلك لا عجب أن يكون أول كلمة في هذه السورة المفتتحة بالتحميد لله سبحانه وتعالى.

    ولا عجب كذلك ذلك الترابط العجيب بين ختام ونهاية سورة الإسراء حين يقول الله عز وجل (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (111) الإسراء) ثم تأتي سورة الكهف التي هناك فاصل زمني واسع بين سورة الإسراء وسورة الكهف ولكنها في ترتيب المصحف الذي بُنيَ على التوقيف من عند الله عز وجل أن يفتتحها بالحمد فقال
    (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا (1) الكهف)
    إن سورة الكهف هي واحدة من خمس سور في القرآن إفتتحها الله عز وجل بقوله (الحمد لله)



    القرآن قارب النجاة من الفتن


    السورة العظيمة شملت كل معاني الحمد على أي نعمة؟
    نعمة القرآن العظيم.
    تأملوا معي قول الله عز وجل
    (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا (1) قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2))

    لنا أن نتدبر الآن ونبدأ بإدراك معاني الخروج من الفتن، ما من فتنة مهما كانت تلك الفتنة في الدين أو في الرزق أو في الولد أو في السلطان أو في الجاه أو في القوة، في القديم أو في الحديث إلا والقرآن هو مفتاح النجاة منها، قارب النجاة. بدون القرآن وبدون اللجوء إلى القرآن العظيم لا يمكن أن يكون هناك عصمة من الفتن، لا يمكن. إذاً هو القرآن ولذا جاء (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ) وجاء بذكر عبده صلى الله عليه وسلم قبل القرآن تشريفاً وإصطفاءً وإعلاءً لمنزلته صلى الله عليه وسلم وقد قيل في أول سورة الإسراء -وهكذا التدبر بمعنى أننا حين نتدبر القرآن نصل أول السور بخواتيمها، نصل بدايات السور بخواتيمها ثم ننظر ونتدبر في إفتتاحية السورة التي قبلها والسورة التي بعدها- سورة الإسراء يقول فيها الله عز وجل (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ (1) الإسراء) والعبودية هنا تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم لأنها عبودية من نوع خاص. النبي صلى الله عليه وسلم أصبح عبداً من نوع خاص صلوات ربي وسلامه عليه.

    (وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا)
    القرآن بطبيعته يقوّم حين تنحرف الأهواء بالإنسان عن المسار. الفتن بطبيعتها -كما سنأتي عليها وتعرضها سورة الكهف- الفتن بطبيعتها تحاول أن تحرف الإنسان عن مساره الصحيح، تحاول أن تخرج بنا عن الطريق المستقيم، تحاول أن تخرجنا بأهوائها بظلماتها عن الطريق المستقيم. من الذي يقوّم ويصحّح المسار؟ القرآن، الرجوع إليه ولذا كان لا بد لي أن أقرأ سورة الكهف على الأقل ما بين الجمعتين لتضيء لي الطريق لتضيء لي الدرب إذا نسيت أو غلفت عن الإتصال والتواصل وهذا لا ينبغي أن يكون بالقرآن العظيم بالوحي خلال الأسبوع أو خلال الجمعة إلى الجمعة ستأتي سورة الكهف لتعدل المسار من جديد، لتقوم بربطي بهذا القرآن العظيم لتقوم بشدي من جديد للسير على الطريق الصحيح الذي لا ينبغي أن أحيد عنه.





    "فتنة الدين" وخطوات العصمة منها

    أول فتنة عظيمة تحدثت عنها السورة وبينت فيها كانت "فتنة الدين" ووضعت قبل أن تبدأ بعرض الفتنة أو الإبتلاء أو المحنة وضعت الأسس التي ينبغي التمسك بها للخروج من فتنة الدين التي هي أشد فتنة على الإطلاق قديماً أو حديثاً ولذا ورد في الدعاء الصحيح "اللهم لا تجعل فتنتنا في ديننا" لأن الفتنة في الدين صعبة شديدة قد لا ينجو منها الإنسان والعياذ بالله!.

    السورة بدأت وتحدثت بعد الحديث عن القرآن وأهمية اللجوء إليه ومكانة القرآن بدأت بالحديث عن أي شيء؟ عن التوحيد، مسألة التوحيد كيف؟ الله عز وجل عرض في الآية الرابعة
    (وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4) مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (5) فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6))
    التوحيد، وسورة الكهف تقدم لي نماذج من الخلل في التوحيد والعقيدة منها إدعاء إتخاذ الشريك أو الولد لله سبحانه وتعالى وهو واحدٌ جلّ في علاه.
    أعظم جريمة يرتكبها الإنسان في حق نفسه وفي حق الآخرين وفي حق المجتمع الذي يعيش فيه أن يدّعي أن لله ولداً، أن يدّعي أن لله شريكاً في ملكه سبحانه وتعالى جريمة نكران التوحيد جريمة الشرك جريمة الخلل في هذا التوحيد.

    (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا)
    حقيقة الحياة هذه خطوة من خطوات العصمة والخروج من الفتن إذاً:
    - الوسيلة الأولى: التمسك بالقرآن العظيم واللجوء إليه والإحتماء بآياته العظيمة.
    - الوسيلة الثانية: التوحيد وتنقيته المستمرة يوماً بيوم وأولاً بأول من كل شائبة تشوبه.
    - الوسيلة الثالثة: إدراك حقيقة الدنيا ووضع هذا الإدراك نصب عيني وأنا ألاحظ الفتن وأنا أنظر إلى السماء سماء الواقع الملبدة بغيوم الفتن والمحن والإبتلاءات والخطوب مهما عظمت أن هذه الدنيا في نهاية الأمر ليست شيئاً يُذكر.

    الله سبحانه وتعالى بقدرته المطلقة سيجعلها صعيداً جرزاً، الغاية من وجودها، الغاية من أن تكون زينة، الغاية من وجود كل هذه الأجواء فيها (لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) وهو العالِم بعباده سبحانه وتعالى أحسن العمل.



    الإخلاص في القول والعمل
    
    سورة الكهف من خلال تدبر معانيها يوماً بعد يوم وما بين الجمعتين وإستذكار هذه المعاني في حياتي تؤهلني لأن أصبح إنساناً يحسن العمل في هذه الدنيا، إنسان يتعلم الإخلاص، يتعلم فن الإخلاص، يتعلم صنعة الإخلاص حتى لا يغادر الإخلاص أيّ عمل يقوم به مهما كان ذلك العمل بسيطاً أو متواضعاً لأن الله سبحانه وتعالى لا ينظر إلى حجم العمل الذي أقوم به ولا إلى حجم الصدقة التي أقدّمها بين يديه سبحانه ولا إلى عدد الركعات التي أركعها وأقف بين يديه سبحانه، ينظر إلى شيء آخر ينظر إلى القلب الذي يتوجه إليه، ينظر إلى الصدقة ليس بمعيارنا نحن في بعض الأحيان مليون دينار أم نصف دينار ولكن ينظر إلى ذلك القلب الذي أخرجها قبل أن تخرج وتمتد اليد بالصدقة، ينظر إلى القلب الذي قام حين يقوم وهو يصلي بين يدي ربه، ينظر إلى تلك الدمعة التي تخرج من خشيته وتنسكب من خشيته في جنح الظلام وفي جنح الليل ليغفر بها لصاحب الإخلاص.

    لا يمكن أن يُتقبل العمل بدون الإخلاص
    (لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)
    إخلاص العمل. ثم أن يكون هذا العمل وفق ما جاء في هذا الوحي العظيم ولذا قال (أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا)
    إن إمتلكت وتمنن الخالق المنان عليك بالإخلاص لا بد أن تراقب العمل لكي يكون وفق ما جاء في هذا الكتاب العظيم فلا يعوج بك يميناً ولا شمالاً، يا لها من سورة عظيمة!.

    ثم تأتي الآية
    (وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا)
    لتسلي قلوب المؤمنين ليس فقط النبي صلى الله عليه وسلم. كل مؤمن سيُبتلى ويُفتن في دينه أو في أي فتنة ستتعرض لها سورة الكهف لأنها جمعت الفتن.

    حين يصيبنا ما يصيب كما يحدث في أيامنا الحالية في الواقع الذي نعيش حين تزداد الخطوب والفتن ويبدأ الإنسان يشعر بالأسى والألم والأسف على ما يحدث من حوله تأتي الآية فتسلي القلب وتمسح عن هذا القلب الآلام والأحزان بقول الله
    (وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا).

    الدنيا بكل ما فيها، مبانيها وما فيها وأشخاصها وأعيانها وحوادثها ولامها وأفراحها وأحزانها وأتراحها وصعودها ونزولها (صَعِيدًا جُرُزًا) كأنه لم يكن.
    فلا عليك، لا تنشغل بالخطوب عن ما أنت عليه لا تشغلك الخطوب والفتن والمحن والمآسي والآلام والأحزان عن إعداد العدة لذلك اليوم العظيم الذي سيأتي لا محالة.
    عن إعداد العدة لأجل إحسان العمل حين تقدم عمل قدّمه خالصاً لوجه ربك قدّم أحسن العمل بين يدي الله أما الدنيا وأما الفتن فلا تأخذ منك الوقت الكثير، دع عنك ذلك.





    فتنة الدين
    (قصة أهل الكهف)



    (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا)
    قد وردت في بعض الأحاديث وفي بعض التفاسير أن النبي صلّ الله عليه وسلم سأله قومه بعد أن أرسلوا إلى يهود يريدون مساعدة اليهود في كيفية إحراج النبي في بعض الأسئلة التي لم يكن قطعاً يعرف عنها أي شيء ومن هذه الأسئلة قصة الفتية، القصة كما وردت في بعض التفاسير بأنواع مختلفة من التفاصيل التي لم يذكرها القرآن الكريم وطالما أن القرآن لم يذكرها نتوقف عندها وأذهب إلى أبعاد القصة وما تريد أن تغرسه في نفسي وفي قلبي. من هم الفتية؟ كيف خرجوا؟ في أي زمان؟ كم كان عددهم؟

    القرآن لم يحفل بذلك كله القرآن يريدني فقط أن أقف على معاني القصة،
    ما هي هذه القصة؟
    قصة فتية شباب تعرضوا لأصعب محنة يمكن أن يتعرض لها إنسان
    محنة الدين الفتنة في الدين.

    هذه الفتنة في الدين التي تعرضوا لها المجموعة من الشباب أنهم كما قالت الآيات بدأوا بمواجهة الفتنة، فتنة الدين المجتمع الذي كانوا يعيشون فيه، السلطان الذي كان يسيطر على ذلك المجتمع، القوة كانت تريد أن تثني هؤلاء الفتية والشباب عن التمسك بدينهم.

    ودعونا نربط الآن بين ما تعرّض له الفتية وما تعرّض له النبي صلّ الله عليه وسلم وأصحابه في ذلك الوقت.
    أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام واجهوا مكة، قريش بعتادها بقوتها بالمجتمع الذي كانوا يعيشون فيه بكل شيء، والفتية هؤلاء الشباب تعرضوا لمحنة مختلفة في تلك الأثناء بنفس المسار مسار الدين، التوحيد، من قوم آخرين ربما كانوا مع يهود ربما كانوا في ذلك الزمان المهم الدعوة واحدة.

    ودعونا نتوقف ونحن نصل ما بين تلك المحنة وتلك الفتنة في كل زمان ومكان قد يتعرض الإنسان شاباً كان أو في أي مرحلة عمرية لفتنة الدين، فتنة المجتمع، أحياناً فتنة الأسرة. أنا إبتغيت وجه الله عز وجل أنا قررت أن أغيّر مساري، أنا قررت فقلت
    (رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا)
    وقومي أو مجتمعي وأسرتي أو العالم من حولي أراد أن يسلك طريقاً آخر وأنا قررت أن أسلك طريق التوحيد، فتنة أم ليست بفتنة؟

    فتنة، فتنة كبيرة، إبتلاء كبير.
    لأني معنى ذلك حين أقرر وأتخذ قرار تغيير المسار الذي أنا فيه سأواجه تحديات كما واجه التحديات هؤلاء الفتية، كما واجهها النبي صلّ الله عليه وسلم وأصحابه. لم يتركه قومه قطعاً، القوم من قريش قرروا مواجهة ذلك الدين بكل الوسائل والأساليب. وهنا تأتي معنى التسلية للنبي صلّ الله عليه وسلم ولأصحابه ولكل مؤمن يؤمن بالحق ويدافع عن الحق ويقرر أن يغيّر حياته.

    كثير منا خاصة في الزمن الذي نعيش فيه ليس بالضرورة القضية تكون توحيد وشرك وكفر، لا، أنا ممكن كما في زماننا الذي ابتلينا فيه ممكن أكون فقط قررت أن أعيش التوحيد لأننا اليوم كثير من المسلمين وكثير من العوائل، كثير من الأسر يوحّدون الله عز وجل باللسان يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله ولكن كل جزئيات وتفاصيل حياتي أبعد ما تكون عن لا إله إلا الله محمد رسول الله.
    وهنا يواجه الإنسان المحنة الحقيقية قررت أن أغيّر مساري عن أسرتي عن المجتمع عن المؤسسة التي أعيش فيها، ماذا أفعل؟
    من أعظم وسائل مواجهة الفتن،
    الدعاء




    سورة الكهف عرضت الوسيلة الرابعة تقريباً التالية من وسائل مواجهة الفتن والصعوبات، كيف؟
    (فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا)
    الدعاء.

    الدعاء المتواصل لله سبحانه وتعالى، طلب المعونة المستمرة منه، طلب الهداية (رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا) بدون دعاء، بدون الإلتجاء المتواصل، هذه الوسيلة العظيمة لمواجهة الفتن، الدعاء المتواصل لله سبحانه وتعالى بأن يرحمني برحمته الواسعة، أن يقيني من الفتن.

    وتأملوا معي إختيار الكلمة (رَشَداً) الرَشَد الذي يهدي الإنسان، الرَشَد الذي يقدّم للإنسان لهداية حين تختلط الأوراق أمام عينيه حين لا يدري أي سبيل أو أي طريق يمكن أن يسلكه هيئ لنا من أمرنا رشداً، الإختيار الصائب، الإختيار الصح حين تختلط الأوراق من الذي يهيئ الرشد؟
    فكان التوجه إلى الله من أعظم وسائل مواجهة الفتن، الدعاء.

    ثم تأتي الإجابة الفتية هؤلاء المجموعة من الشباب الذين كما يبدو في سورة الكهف تعرضوا لمحنة أن قومهم قد حادوا عن التوحيد، ربي عز وجل سبحانه وتعالى أعطاهم العلاج، أعطاهم الهداية.



    من طلب الهداية من الله هداه ومن آوى إلى الله آواه


    تأملوا قول الله عز وجل
    (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ)
    في إشارة واضحة للنبي صلّ الله عليه وسلم ولأتباع هذا الكتاب العظيم:
    لا تذهب بعيداً وتخوض في الإسرائيليات
    وفي القصص المختلفة المنسوجة حول أصحاب الكهف من يهود ومن غيرهم
    (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ)
    الحق في هذا الكتاب العظيم. ما قصتهم؟
    بعيداً عن كل الخزعبلات التي يمكن أن تحاك حولهم
    (فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ) في كلمتين (آمنوا بربهم)
    حين يصبح الإيمان القرار الذي أتخذه كيف تكون النتيجة؟

    حين يصبح الإيمان والتوحيد الخالص هو القرار الذي أقرره أنظر إلى النتيجة في نفس الآية
    (وَزِدْنَاهُمْ هُدًى)
    إنتهت المسألة.
    طلبت الهداية من الله سيهديك، من طلب الهداية من الله هداه ومن آوى إلى الله آواه ومن إعتصم به عصمه ووقاه ومن توكّل عليه كفاه ومن أراد العزة والهداية في غير طريق الله ربي سبحانه وتعالى أضلّه وعماه، تأملوا معي.
    ثم الجزاء الذي بعد ذلك
    (وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ)



    هل تعرف معنى أن يربط الله على قلبك ؟


    كلمة ربطنا لم تأت
    (وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ)
    في كتاب الله إلا في موضعين:
    الموضع الأول مع الفتية الشباب الشباب الذي يقرر ويتخذ قرار الإيمان، الشباب الذي يتخذ قرار تغيير المنكر والخطأ إلى الصواب إلى الرشاد إلى النور.
    الشباب الذي يتخذ قرار أن يصبح مصابيح ونور تضيء به ظلمات الدنيا والفتن والمحن مهما تعددت وتنوعت وفي أي زمان كانت.
    الجزاء الهدى والربط على القلب (وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ) وفي قضية أم موسى عليه السلام حين قال (لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا (10) القصص)

    الربط على القلب لا يأتي إلا من عند الله عز وجل تثبيت، يمسك القلب فيربطه على الحق وعلى الصواب حتى لا يطير هذا القلب من شدة خوف أو من شدة حزن أو من شدة فرح أو من شدة إنحراف نحو الفتن ولذا في بعض آيات القرآن (أفئدتهم هواء) تصبح القلوب تطير مع الفتن أما هؤلاء الذين يتخذون قرار التوحيد وقرار الإيمان بربهم عز وجل بإخلاص، إخلاص لا يطلع عليه ولا يعلمه إلا من خلق سبحانه
    تكون النتيجة من جنس العمل ما هي النتيجة؟
    الربط على القلب، إنتهت القضية حُسمت خرجوا من الفتنة بسلام.
    وهكذا كل من يريد أن يخرج من فتنة الدين كل من يريد أن يربط الله على قلبه الإجابة موجودة في سورة الكهف.


    (فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ)
    آمنوا بربهم إيمان حقيقي إيمان ليس الإيمان الضعيف الإيمان القوي
    ما معنى الإيمان القوي؟
    إيمان قوي بمعنى أنني مستعد أن أتنازل عن كل شيء لأجل الله عز وجل بصدق وليس مجرد إدعاء.

    جاء في بعض الأحاديث التي لا بأس كذلك أو بعض الأثار التي رويت حول قضية أصحاب الكهف لا بأس بإسنادها أن هؤلاء الفتية كانوا من أُسَر رفيعة المستوى المادي في قومهم يعني أُسَر لها مكانة في القوم أُسَر لها مكانة إجتماعية وسياسية ومادية ومعنوية وأنهم تركوا من ورائهم قصوراً، خرجوا من كل شيء، لأي شيء؟ لكهف. أوى الفتية إلى الكهف وما هو الكهف؟

    حفرة منقورة طبيعياً بشكل طبيعي من عند الله عز وجل في جبل فقط. ترك القصر، ترك المال، ترك المكانة الإجتماعية تركوا كل شيء وراء ظهرهم أدار ظهره ووجه وجهه للذي خلقه وفطر السماوات والأرض بالحق فوجد كل شيء عنده.

    تأملوا معي وانظروا إلى المفارقة العجيبة حين تدير وجهك لله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له وتدير ظهرك للدنيا بأسرها وتبتغي وجه الخالق سبحانه يعطيك الدنيا والآخرة ولكن حين تدير ظهرك لربك سبحانه وتعالى وتدير وجهك للدنيا سعياً لهذه الدنيا ولملذاتها منصباً أو جاهاً أو كرسياً أو مكانة أو أي شيء من أشياء الدنيا الفانية تكون النتيجة أن الدنيا تدير وجهها عنك وفي ذات الوقت وتلك هي الكارثة أن الله سبحانه وتعالى يدير وجهه الكريم عنك غضباً وسخطاً وتلك أكبر خسارة في الدنيا!

    فما قيمة أن تأتي كل الدنيا إليك تحت قدميك ولكن ربي سبحانه وتعالى غاضب ساخط على هذا الإنسان حين يتخذ القرار الخطأ، عندما يتعرض لفتنة أو لمحنة مهما كانت تلك الفتنة هذا القرار.

    نفس القضية كانت أنظر بعد سنوات بعد قرون إلى النبي صلّ الله عليه وسلم خرج في قومه وهو صاحب الحسب والنسب، خرج على قومه، على أسرته وأدار ظهره للدنيا وما فيها، ولذا قال قولته المشهورة لعمّه أبي طالب حين قال: والله يا عمّ لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته أو أهلك دونه. هذا القرار هذه محنة هذه فتنة الدين ولنا أن نتساءل نسائل أنفسنا ونحن نتدبر ونقرأ سورة الكهف جمعة بعد جمعة كم أنا مستعد أن أقدم من تنازلات لأجل ديني؟ لأجل الدين الذي أحمله؟ لأجل الإيمان الذي أحمله في قلبي؟ هل وصل إيماني إلى درجة إيمان هؤلاء الفتية؟ وأنا أنظر وأقرأ هل أنا مستعد أن أضحي بكل شيء لأجل لا إله إلا الله؟

    دين وإيمان بدون محاولة لتقديم تنازلات مهما كان حجم هذه التنازلات لا يمكن أن يسمى إيماناً حقيقياً، الإيمان الحقيقي الخالص الذي ينجيني في الدنيا من الفتن وينزلني الفردوس الأعلى كما ستأتي عليه الجزاء سيأتي في آخر سورة الكهف (كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (107)) لا يمكن أن يكون بدون ثمن. أنا حين أنزل بيتاً من بيوت الدنيا مهما كان أدفع له ثمن، ما هو الثمن الذي دفعته لأجل أن أمتلك بيتاً في الفردوس الأعلى؟ ما هو الثمن؟ الثمن لا بد أن يكون تضحيات، لا بد أن يكون مقابل هذه الفتن لتي أتعرض إليها


    يتبع



  5. #125
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    2,012

    افتراضي رد: سلسلة : روائع البيات لـ د/ رقية العلواني

    الحق يحتاج إلى قوة

    تنتهي قصة اصحاب الكهف بقولهم
    (إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا)
    قضية محسومة القوم والمجتمع من حولي أرادوا قراراً آخر، إتخذوا إلهاً من دون الله عز وجل أما نحن فالقضية مختلفة.
    أعظم محنة هي هذه، طلبوا أي شيء؟
    طلبوا التوحيد، طلبوا القرار الصح، وقضية (إذ قاموا) فيها لفتة عجيبة فيها نداء وخطاب للنبي صلّ الله عليه وسلم ولكل مؤمن بالحق (قاموا) الحق يحتاج إلى قيام، الحق يحتاج أن أقف على قدمي وأجهر به طبعاً بالحكمة والموعظة الحسنة ولكن يحتاج لقوة.
    يحتاج إلى قوة شديدة قوة تحركني قوة
    تبدأ من القلب الذي آمن بالحق الذي أؤمن به.

    وتأملوا معي ولقرآن كله عظيم وفيه وقفات عظيمة
    (هَؤُلَاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا)
    من أكثر أسباب في الوقوع في الفتن يعني القوم الذين كذبوا والمجتمع الذين كان حول هؤلاء الفتية وقعوا في إبتلاء ولكن الفارق بينهم وبين الفتية أن الفتية نجحوا في الإمتحان وأن القوم من حولهم رسبوا في ذلك الإمتحان وذلك هو الخسران المبين.

    من أكثر أسباب الرسوب والوقوع في ظلمات الفتن عدم وجود الدليل،
    ليس لديهم دليل
    (لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا)
    لماذا الإفتراء؟
    لماذا أسير وراء الفتنة وانا أعلم أن هذه المحنة أو هذه الفتنة تفتقر إلى الدليل؟.




    لما سميت سورة بالكهف؟

    تتوالى الآيات في قضية الفتنة التي تعرض لها هؤلاء الفتية
    (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوه ُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته)


    وهنا الوقفة التي تبين معنى إسم سورة الكهف التي سماها النبي صلّ الله عليه وسلم في الأحاديث التي ذكرنا "من قرأ عشر آيات من أول سورة الكهف" سميت الكهف.


    سورة الكهف فيها قصص أخرى غير قضية الكهف
    لما سميت سورة بالكهف؟
    المحور، الأساس.
    الكهف فيه معنى الإحتماء والإختباء والإيواء، المعنى الحسي والمعاني المعنوية معاني الإيواء جاءت في سورة الكهف كذلك، الربط واضح بين المعاني الحسية والمعاني المعنوية، معاني الإيواء والحماية والعصمة من الفتن جاءت في هذه السورة العظيمة
    (فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا).

    وهنا وقفة عظيمة لكل مؤمن ولكل إنسان تمر عليه بعض الفتن أو بعض المحن عليك أن تحسن الظن بالله عز وجل، عليك باليقين، أنظر إلى هؤلاء الفتية
    (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوه ُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا)
    أنظر إلى الحديث الذي كان يدور بين هؤلاء الفتية على حداثة سنّهم، هؤلاء الفتية ما كان فيهم أحد من المثبّطين، ما كان فيهم أحد ممن قلبه تحرّكه المخاوف وماذا لو حدث ذلك؟ وماذا لو قام كذلك؟ وماذا لو قتلونا؟ وماذا لو سلبوا؟ أبداً
    (يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا)
    يقين، يقين بأني طالما خرجت لله عز وجل لن يضيعني الله سبحانه وتعالى.



    قاوم مخاوفك بحسن الظن




    تدبروا معي واستذكروا قول السيدة خديجة حين جاءها النبي صلّ الله عليه وسلم مضطرباً خائفاً بعد غار حراء ماذا قالت له؟ قالت: والله لن يخزيك الله أبداً، أنظر إلى حسن اليقين حسن الظن بالله عز وجل، لن يخزيك الله أنت تصل الرحم وتفعل الخير وتأمر بالمعروف لن يخزيك الله ،هذا حسن الظن هذه الجرعة القوية من حسن الظن بالله عز وجل نحتاج إليها اليوم. يحتاج إليها كل مؤمن يمر بفتنة ومحنة وإبتلاء وإختبار أن يحسن الظن بالله، لا يضيعك الله عز وجل.
    طالما أنت تحسن الظن بخالقك فالله عز وجل عند حسن ظن عبده به،
    أحسِن الظن بالله.

    أصحاب الحق الضعفاء البسطاء حين يروا أن الناس لو إجتمعوا عليهم قتلاً وحصاراً وتجويعاً وإرهاباً وتخويفاً أحسن الظن بالله، قل في نفسك وفي قلبك ولكل من حولك مهما قلّ عددهم قُل لهم الله لن يضيعنا طالما نحن على الحق، والله لن يخزينا الله عز وجل وإن تكالبت علينا قوى الأرض، قوى الغرب أو قوى الشرق لن يخزينا الله طالما أننا على الحق. قُلها بثبات في قلبك واجأر بها بصوتك ومشاعرك وأحاسيسك أن العالم كله لو إجتمع ضدك وأنت على الحق لن يخزيك الخالق الواحد الأحد سبحانه.

    هكذا قال الفتية حين أتوا إلى هذا الكهف في بُعدٍ وفي عزلة
    (يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا)
    وكان ربي سبحانه ويكون عند حسن ظن هؤلاء به. وانظر إلى الآية التي تليها (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ)
    سخر لهم الأسباب وأحدث لهم معجزة وخارقة كونية وحماهم من كل سوء لماذا؟ أحسنوا الظن بالله سبحانه، قدّموا التضحية قدّموا الإيمان إياك أن يخطر ويدر بخلدك في يوم من الأيام أنك تؤمن بالله وتدافع عن كلمة الحق الذي آمنت به وتدافع عن رسالة الحق ثم إن الله يخزيك أو يسلمك لأعدائك، لا يمكن، مستحيل، جل سبحانه وتعالى أن يفعل ذلك مع عباده، عباده المؤمنين المخلصين أبداً. إنما هو صبر ساعة وإبتلاء ومحنة ساعات ثم يأتي النصر، النصر الموعود الذي وعد الله سبحانه وتعالى به من آمن به ومن لجأ إليه.

    ولذا جاءت الآية في ختامها (مَن يَهْدِ اللَّه) من طَلَب الهداية من الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن تجد له مُضلاً وفي المقابل (وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا) لا من شرق ولا من غرب، ومن يرشدك حين يضيعك الله سبحانه وتعالى؟
    حين تنزل الظلمات على أعين البشر لأنهم من جرّاء أعمالهم يعني سورة الكهف كما سنأتي عليها بعد قليل نجد أن الإنسان حين يصمّ أذنيه عن الحق ويغلق عينيه عن الحق الذي يراه والنور الذي يراه أمامه ماذا تكون النتيجة؟
    لا يمكن إلا أن تنزل الظلمات على عينيه، يرى الشمس أمام عينيه ولكنه يغطيها فلا يكاد يراها، لا نور ولا ضياء ولا بصيرة ولا أي شيء آخر ما الذي يضيء لك؟
    ما الذي تبقى لك؟
    لن تجد له ولياً مرشداً




    استعن دائماً بالصبر والثبات على الحق


    تتوالى الآيات بعد ذلك في قضية أصحاب الكهف هذه الفتنة العظيمة فتنة الدين لتوضح كيف تكون النتيجة بعد فترة من الزمن؟
    إصبر على الحق الذي تؤمن به إصبر على الحق وستجد بعد ذلك كيف أن الله سبحانه وتعالى يفتح أسباب النجاة أمام عينيك.

    (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ)
    بعد سنوات ما يزيد على ثلاثمئة سنة (لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ) علينا أن ندرك دائماً أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها وأن هؤلاء الأجيال المتعاقبة سواء من معك أو من بعدك، من يكيدون لك ويأتون بالدسائس والمؤامرات ويضعون أمامك الأحجار والعثرات، في يوم من الأيام سينصاعون للحق الذي تؤمن به.
    قد لا ترى ثمرة ذلك ولكن الأجيال التي تلحق سترى هذا الثمر.

    وكذا النبي صلّ الله عليه وسلم، أنظر معي وتدبر هؤلاء القوم من قريش الذين كذبوك وفعلوا ما فعلوا بك في مكة كيف كانوا عند فتح مكة بعد سنوات قليلة معدودة في عمر الزمن وفي حساب الزمن وفي حساب التاريخ كيف كانوا؟
    كيف كانوا حين فتح الله لك أبواب مكة وأتيت ووقفت على رؤوسهم في تواضع المؤمن المنتصر الذي يدرك بأن النصر بيد الله ليس بيد أحد سواه؟.
    كيف كان ذلك الموقف حين سألهم النبي صلّ الله عليه وسلم ما تظنون أني فاعل بكم؟
    فقالوا أخ كريم وابن أخ كريم.

    هذه المشاعر تأتي للنبي صلّ الله عليه وسلم ولكل مؤمن وهو يقرأ السورة في نهايتها حين يجد أن من هؤلاء وصل بهم حد التمجيد والإكبار لهؤلاء الفتية بعد موتهم ووفاتهم وفاة طبيعية أن يقيموا عليهم ضريحاً ومسجداً يتعبدون فيه ولبئس ما أرادوا أن يقوموا به! بعد وفاتهم، أنظر إلى الحق وإلى أهل الحق في نهاية الأمر لن يصح إلا ذلك الحق




    الصحبه الصالحه طريقك الي الجنه

    ثم تأتي الآيات بعد نهاية القصة في السورة ونهاية الفتنة الأولى والقصة الأولى، فتنة الدين، لتأتي على أول ما قد بدأت به في بيان واضح أن أعظم وسيلة للوقاية من أي فتن هو القرآن العظيم
    (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا)
    تريد من يعصمك؟ تريد من يحميك من دون هذا الكتاب العظيم؟
    لا يمكن.



    حماية من الفتن ومن الإبتلاءات ومن المحن بدون القرآن لا يمكن أن تكون.

    ولنا أن نقف هنا وقفة بسيطة ونحن في عالمنا المعاصر الذي يموج بالفتن وبالإضطرابات وبالمحن، كل يوم عشرات الأخبار تتناقل عن فتن متعددة، من الذي يخرجنا من هذه الفتن؟ من الذي ينير لنا الطريق ونحن في ظلمات هذه الفتن؟
    القرآن.
    إياك أن تبتعد عن هذا القرآن
    (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ)
    الذي قد تكفل الله سبحانه وتعالى بحفظه فلا مبدل لكلماته.

    ثم خطوة أخرى نحتاج إليها ونحن نمر في الفتن الرفقة الصالحة،
    أنظر لقول الله عز وجل
    (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)
    الصبر وعدم الغفلة عن ذكر الله عز وجل وإيجاد رفقة صالحة كما كانت رفقة أصحاب الكهف ممكن ما يزيد عددهم عن خمسة ثلاثة أربعة عشرة، رفقة، حتى لو هيأ الله لك صاحباً واحداً فقط، صاحب صالح فقط يكفيك هذا من أعظم المكاسب في الدنيا والآخرة

    ولذا جاء التنبيه للنبي صلّ الله عليه وسلم وإن كان قد ورد في نزولها أن قريش سألت النبي عليه الصلاة والسلام أن يستبعد صهيب وغير صهيب وبلال من المستضعفين والعبيد لكي يجلسوا يتفضلوا بالجلوس على مائدة القرآن، هيهات! هيهات! وتأمل معي كيف يعالج القرآن هذه القضية لا يمكن أن تجلس وتستحق التشريف -لأن هذا تشريف أن تجلس على مائدة القرآن وذكر الله عز وجل هذا تشريف- إذا تريد هذا التشريف عليك أن تُسقِط من نفسك أي نوع من أنواع التعالي أو التكبر على الآخرين حتى ولو كان ذرة من تكبر، لا يمكن أن يكون.

    مجلس القرآن تحتاج أن تصحح، تحتاج أن تجعل القلب في مأمن من التكبر والتعالي على الآخرين



    من أعظم أسباب في الوقوع في الفتن

    الغفلة عن ذكر الله عز وجل



    (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا)
    لا تنظر إلى هؤلاء، قد أجد إنساناً قد أوتي من الجاه والمال والمكانة الإجتماعية المرموقة ما أوتي ولكن ما قيمته حين يكون أمره فرطاً؟! خلاص، ضائع، منتهي. من الذي نهاه؟ الإعتقاد الذي في قلبه لا يوجد إيمان، لا توجد قيم وحين تغيب قيم الإيمان والتوحيد لا يصبح للإنسان مكانة حتى وإن علت مكانته الدنيوية أو الإجتماعية.

    سورة الكهف تعيد الأمور إلى نصابها، تعيد الأمور إلى الحساب العظيم الذي ينبغي أن نتوقف عنده. الأمور التي أحياناً نأخذها هكذا على علاتها دون أن ندرك حقائق الأمور دون أن نقرأ ما بين السطور ولذا جاءت الآية

    (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ)

    ودعونا نضع عشرات الخطوط تحت قوله (يريدون وجهه) الإخلاص، قد يكونوا ضعفاء قد يكونوا عبيداً ليس مهماً المهم أنهم يريدون وجه الله عز وجل.

    (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا)
    من أعظم أسباب في الوقوع في الفتن الغفلة عن ذكر الله عز وجل، الغفلة عن ذكر الله وهو سبحانه لا يغفل عنه كيف نغفل عن الله عز وجل؟
    ليس فقط باللسان، القلب، القلب حين ينشغل بمن سوى الله عز وجل عنه سبحانه. ولماذا جاءت (أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ) لماذا يغفل الله عز وجل قلب إنسان؟
    لأنه هو بالبداية غفل عن ذكر الله، من غفل عن ذكره سبحانه أغفل الله قلبه عن ذكره ومن أعرض عن الله سبحانه وتعالى أعرض عنه وجعل له معيشة ضنكاً ومن صدّ بوجهه وبقلبه عنه سبحانه أعرض ربي وصد عنه صدوداً ويا لها من خسارة عظيمة! ولذا جاءت الآية

    (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ)

    الحق واضح تماماً والقرار بيدك أنت أيها الإنسان




  6. #126
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    2,012

    افتراضي رد: سلسلة : روائع البيات لـ د/ رقية العلواني

    غرور صاحب الجنتين وعدم إيمانه بالبعث

    (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا)
    دخلها وأعظم أنواع الظلم وكل أنواع الظلم عظيمة ولكن كلها تنبت من شجرة ظلم الإنسان لنفسه وأعظم ظلم للإنسان لنفسه أن يبعدها ويصرفها عن خالقه بالشرك وعدم الإخلاص وابتعاد وإعراض عن الله سبحانه وتعالى وهو سبحانه من لا ينبغي أن يعرض عنه أحد.
    (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ)

    كيف ظلم نفسه؟


    بدحضها وطمسها وطمس معالم الإيمان من خلال الشرك، من خلال نسب ما وصل إليه من مال ومن جنة ومن نفر من حوله لنفسه الضعيفة التي لا تملك شيئاً. ولم يتوقف الظلم عن هذا الحد، وهكذا الظلم، الإنسان حينما يبدأ سلسلة الظلم لنفسه لا يمكن أن يقف عند حلق رديء واحد ولكن كل خُلُق يُسلِمه إلى الخُلُق الأسوأ الذي يرديه أسفل سافلين.
    (قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا)

    هل يُعقل هذه الجنة العظيمة التي أراها أمام عينيّ أن تبيد؟!
    ما أظن!، انظر إلى الغرور! انظر إلى اغترار الإنسان! فتنة!
    ما أظن أن أخرج في يوم من الأيام من هذا القصر الذي أمتلك، ما أظن أن هذه الحاشية في يوم من الأيام يمكن أن تتخلى عني، ما أظن، ما أظن، ما أظن!
    ولكنه كذب ووهمٌ كاذب ووهم عشت فيه وأنفقت فيه حياتي وأغلى ساعات عمري! هذا صاحب الجنتين الواهم الجاهل الذي لم يكن يدرك حقيقة الدنيا ولا حقيقة الآخرة وكان يعتقد أن عطاء الجنتين أعظم من عطاء الإيمان وبئس من عطاء!

    أعظم عطاء وأعظم رزق يمنحه الله سبحانه لأحدٍ من خلقه أن يُدنيك منه سبحانه بالإيمان به بأن يفتح على بصيرتك بأن ينير ويضيء جنبات نفسك وقلبك وروحك فتسمو إلى خالقها سبحانه تحميداً وتمجيداً وتسبيحاً.

    (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً)
    كذّب بالبعث، كذّب بخالقه سبحانه
    (وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا )

    غرور!
    غاية التكبر وغاية الغرور!


    نعمة التوحيد بالله أجل النعم وأعظمها شأنا


    تأمل معي إلى الجزء الثاني من القصة،


    هنا العطاء ولكن عطاء الدنيا وهنا الجانب الآخر الإنسان الفقير، المنع، نحن نرى الصورة أحياناً في كثير من الأحيان نحن كبشر أنظر إلى جزء فقط من الصورة لا أكمل الصورة لا آخذ الصورة بكمالها.

    الجزء الأول من الصورة
    صاحب العطاء صاحب الجنتين،
    الجزء الثاني من تلك الصورة
    إنسان فقير بسيط متواضع لا يمتلك من متاع الدنيا الكثير،
    انظر ماذا قال له؟

    (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا)
    نعم، منع الله عنه شيئاً من عطاء الدنيا، شيئاً من تراب الدنيا حتى وإن كان تِبراً ولكن أعطاه شيئاً آخر أعطاه نعمة لا تزول، أعطاه نعمة الإيمان والتوحيد والتعرف لخالقه سبحانه وتعالى. وتأمل معي قول الله وانظر أيهما أعزّ؟
    (لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا )

    وتأمل كم مرة تقريباً ست مرات ترد في سورة الكهف (أحداً) الواحد الأحد، التوحيد، (لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي) العصمة من الفتن لا تكون إلا من قلب يؤمن ويتلفظ في كل نبضة من نبضاته بأن لا إله إلا الله وبان الدين حق وبأن الساعة قائمة وأن الدنيا إل زوال وأن الآخرة هي الباقية

    (لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا)

    هذا الرجل البسيط الفقير المتواضع صاح الإمكانيات المادية البسيطة الذي لا يملك شيئاً من متاع الدنيا، هذا الإنسان البسيط رزق نعمة الإيمان والتوحيد لله عز وجل ورزق نعمة أخرى كثير منا مع الأسف في هذه الأيام أمام فتنة الرزق يضعف أمامها
    "حسن الظن بالله عز وجل"،


    كيف يكون حسن الظن بالله


    كم مرة أنا أسأت الظن بالله حين يمنع عني ما أريد وما أسعى إليه؟ كم مرة قلت أعطى ربي فلاناً ولم يعطني؟ كم مرة حدّثت بها نفسي؟ كم مرة قلت لماذا فلان عنده عشر أولاد وأنا ما عندي ولا ولد؟ كم مرة فكرت واعترضت على أحكام خالقي حتى ولو كان هذا الاعتراض في قلبي؟! كم مرة خطر ببالي لماذا يفتح الله عز وجل الدنيا على من كفر به ويمنعها عمن لم يكفر به ويؤمن به؟ كم مرة تصورت واهماً غير متيقن بالله غير مدرك لحكمته سبحانه وعلمه وقدرته المطلقة كم مرة قلت مع نفسي لماذا الكافر يمتلك من أسباب القوة ويقتل ويضرب ويسفك وأنا ضعيف فقير لا أستطيع أن أدفع أو أمنع عن نفسي الضر ولا أن أستجلب النفع؟ كم مرة أسأت الأدب وأسأت الظن مع الله عز وجل؟

    لكن سورة الكهف تقدم لي نموذجاً من البشر يحسن بالظن بالله مهما انتكست أحواله المادية، الدنيا طلعت أو نزلت محسن الظن بالله عز وجل، مؤمن، يقول
    (لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي)
    أعطاني أو منعني، أخذ مني أم لم يأخذ مني، عطاؤه ومنعه عطاء وعطاؤه ومنعه ابتلاء وأنا في كِلا الحالتين أحتاج لتوحيده والإيمان به والاعتصام بحبله.
    (لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي)

    هو ربي سواء كنت مريضاً أو صحيح الجسم، هو ربي سواء كنت أستطيع أن أمشي على قدميّ أم كنت لا أستطيع المشي إلا على كرسي متحرك، هو ربي وحبيبي وخالقي والحنّان المنّان الغفور الرحيم سواء أعطاني أو منع عني، هو ربي سواء قُتِلت في سبيله أو أحد اعتدى عليّ أو سُلّط عليّ، هو ربي.

    هذه القضية قضية محسومة في قلبي، في نفسي، هذه قضية غير خاضعة للعطاء وللمنع، المؤمن الذي يخضع إيمانه بالله للعطاء والمنع مؤمن ضعيف الإيمان يحتاج لتصحيح التوحيد وسورة الكهف تعزز هذا التوحيد وتصححه من جديد وتوقظ في نفسي نور التوحيد ليشع على قلبي من جديد.


    المؤمن لا يحسد


    إيمانك بالله لا ينبغي أن يتزعزع ولا يكون محط تساؤل. إ
    ذا أردت إيماناً يصل بك لجنات الفردوس، إذا أردت إيماناً يصل بك إلى أحسن العمل عليك أن تدرك أن الإيمان بالله وتوحيد الله سبحانه غير قابل للخضوع إلى معادلات العطاء والمنع كما يقع البعض في هذه الفتن.

    وانظر إلى قول الإنسان هذا البسيط المتواضع الذي حُرِم من متاع الدنيا وأعطي أعظم متاع

    (وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ)

    لو أنا كنت في مكانك، انظر، هنا انتهى موضوع الحسد لأن بعض الناس حين يرى النعم المادية الظاهرة التي قد أعطيت لفلان أو فلان من الناس أول شيء يتبادر إلى قلبه هو قضية الحسد.

    الله أعطى فلاناً وهو كافر ولا يصلي ومنع عني وأنا أصلي وأشهد؟!! أما إيمانك وشهادتك بالله وصلاتك فهل هي لأجل العطاء؟! إن أعطاك آمنت به وإن منع عنك كفرت به؟! هذا ليس بإيمان!
    أما الحسد والنظر إلى ما في أيدي الناس، انظر إلى هذا الإنسان الفقير المتواضع، الحسد من أعظم الأعمال التي تأخذ الدين وتجتثّ جذور التوحيد من القلب، لماذا؟

    لأن الحسد يتضمن الاعتراض على حكم الله وحكمته سبحانه وتعالى ومحاولة التدخل وإساءة الأدب مع الله عز وجل في الفصل بين عباده، هو رب، هو خالق، هو سيد في مملكته عز وجل يعطي ويمنع كما يريد وكما يشاء ويفعل ما يريد ونحن عبيد في مملكته سواء أعطانا أو منعنا، رضينا بذلك أم لم نرضى، هذا هو الإيمان.

    معنى
    (مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ)

    (وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا )(39)الكهف

    وهنا كلمة
    (مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ)
    مفتاح لمن أراد أن يحافظ على نعمة، من أراد أن يصون نعمة منّ الله بها عليه سواء كان من مال من موهبة من علم من ولد، أي شيء، أول كلمة عليه أن يقولها وتبقى دائماً في قلبه

    (مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ)

    وما معنى

    (مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ)؟

    هذا العطاء هو مشيئة الله عز وجل هذا العطاء نسبته لله، أنا لا أملكه، أنا لا أستحقه، أنا لا أضع نفسي كما وضع قارون نفسه حين قال (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي (78) القصص) لا، أنا لم أؤتى هذا المال وهذا الرزق على علم، صحيح الأخذ بالأسباب مطلوب ولكني قد آخذ بكل أسباب الدنيا طولاً وعرضاً ثم لا يكون لي فيها إلا ما قدّره الله عز وجل، أنا ربما آخذ بالأسباب ولا أنجح ولا أوفّق لنجاح ولا أوفق لعطاء ولا أوفق لربح تجارة أنت قد تكون تاجراً ماهراً وتعرف كل أساليب النجاح في الشركات والمؤسسات ولكن ربما تقوم بصفقة تقوم بصفقة ثم ربي عز وجل لا يسمح لك بأن تنهي هذه الصفقة أو تكون صفقة خاسرة، من الذي أعطى ومنع؟

    الله.

    إذن لا يخرج الأمر عن مشيئة الله عز وجل ومقتضى إيماني وتوحيدي لله عز وجل يقتضي أن أؤمن بهذه الحقيقة وأن أستحضر هذه الحقيقة ولذا جاء –تأملوا الربط- الآيات التي في الكلام عن القصة في بداياتها في قصة أهل الكهف عندما علّم الله سبحانه وتعالى نبيه والمؤمنين أدباً رفيعاً

    (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ)

    كل شيء بمشيئة الله عز وجل كل شيء بأمره، أنا حين أقول سأفعل ذلك بعد ساعة أو غداً من الذي يملك تلك الساعة؟ من الذي يملك أن يجعلني من أهل تلك الساعة أو من أهل ذلك اليوم؟ من الذي يملك أنفاس الحياة؟

  7. #127
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    2,012

    افتراضي رد: سلسلة : روائع البيات لـ د/ رقية العلواني


    كنز من كنوز الجنة






    لا ينبغي لي أن أنسى أو أن أغفل حتى ما أنسى أبداً ولا أغفل عن ذكر الله لأن هذا مدخل من مداخل الشيطان ومدخل من مداخل الفتن، باي شيء؟
    أن أتصور أن أفعل شيئاً دون مشيئة الله سبحانه.

    وقد يقول قائل نحن في خضم الانشغالات نقول سافعل ذلك غداً وأنا لا أقصدها وأوحّد الله وأعلم أن كل شيء بأمره ولكني نسيت ولذلك ربي سبحانه وتعالى قال


    (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) النسيان منهي عنه، ينبغي أن لا أنسى قلباً ولساناً وعملاً وسلوكاً أنه ما من عمل إلا والله سبحانه وتعالى هو المريد له هو المحرّك له هو من يمكنني من القيام بالعمل، هذا إيمان، هذه العبادة ما أصبحت كلمة ما شاء الله مجرد كلمة تقال باللسان، لا، أصبحت عبادة، أصبحت من أعظم العبادات، وكذا "إن شاء الله" لماذا؟

    لأني حين أقول وأردد هذه الكلمة أستحضر وأجدد توحيدي وإيماني بأنه ما من عمل أقوم به إلا ومشيئة الله غالبة عليّ.


    (لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ)


    تأملوا معي كنز من كنوز الجنة

    "لا حول ولا قوة إلا بالله"

    ما معناها؟

    أنا ضعيف أبرأ من كل حول لي وقوة، إلى من؟
    إلى حولك وقوتك (لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) لا المال ولا الجاه ولا الحاشية ولا الجيوش ولا القصور ولا حسابات البنوك ولا أي شيء في الدنيا (لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) من استقوى بالله أعانه وقوّاه ومن استقوى بغيره أضلّه وأذلّه وأضعفه وأرداه، هذه هي الحقيقة. أنت تستقوي بمن؟ بجيوش؟ بحاشية؟ بنفر كما في صاحب الجنتين؟ انظر إلى النهاية!



    تربية النفس على الرضا بأقدار




    دعونا قبل أن نصل إلى نهاية قصة صاحب الجنتين نكمل حوار هذا الإنسان المؤمن المتواضع صاحب الرزق البسيط الذي لم تجعل منه فتنة تقليل الرزق أو تقتير الرزق عبداً مخالفاً لربه جاحداً ساخطاً على قضاء ربه.

    وأنا أتساءل كم من المرات لم ننجح في هذا الاختبار؟! كم مرة ابتلينا بقلة الرزق أو بضيق الرزق ولو لفترة محددة ولم ننجح؟ كم مرة؟! كم مرة تزعزع الإيمان وتزعزعت محبة الله عز وجل في قلوبنا ولو بيننا وبين أنفسنا لم نُبِح بذلك لأحد نتيجة لقلة الرزق نتيجة لعدم تحقق أمنية كنا نسعى إليها، نتيجة لعدم ربحنا في تجارة طالما طلبناها وسعينا إليها، كم مرة؟! كم مرة؟!

    انظر إلى هذا الرجل
    (إِن تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا)
    أنت ترى قلة المال والولد أما أنا فلا أرى القلة في المال والولد
    (فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ)
    هذه الجنة التي تغتر بها في الدنيا عسى ربي، أسأل ربي أن يؤتيني خيراً منها، الرجل المؤمن كان يتعلق قلبه بالآخرة كان ينظر إلى جنان الآخرة التي لا تفنى التي لا تزول ولا تحول لكن جنات الدنيا حتى وإن بقيت ولم تُهلك بأي نوع من أنواع العواصف أو الكوارث في النهاية ستزول

    ولذا بدا ربي في بداية سورة الكهف
    (وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8))
    القضية منتهية، كل ما على الأرض إلى زوال والبقاء الحقيقي هو لجنان الآخرة ولذا هذا الرجل المتواضع البسيط نجح في فتنة الرزق، كيف نجح؟
    أن قلة الرزق لم تجعله يصل إلى مرحلة السخط على ربه بل على العكس جعلته يرتقي وينجح ويمر ويعبر ليصل إلى مرحلة الرضى وهذا هو النجاح.

    النجاح الحقيقي أني حين ابتلى بضيق في الرزق، أي شيء، يمكن ربي سبحانه وتعالى يمنع عني الأطفال لا يهبني أطفالاً أو يمنع عني زواج أو يرزقني بأولاد فيهم مشكلة، أي شيء، ملك سبحانه وتعالى!
    هذا النوع من أنواع الابتلاءات والامتحانات عليك أن تحوله بدل أن يصل بك إلى مرحلة السخط على ربك وقضائه وحكمه عليك أن يصل بك إلى مرحلة الإيمان والرضى بأمر الله سبحانه وتعالى.



    جزاء التكبّر والغرور





    (وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاء فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا)
    الرجل الفقير المؤمن الأمور كانت واضحة عنده الفتن ما كانت لتغيره لماذا؟
    هذا أثر التوحيد والإيمان، هذا ما تريد سورة الكهف أن تصنعه في قلبي وقلبك.

    (أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا)
    يا صاحب الجنتين من الذي أجرى لك النهر؟!

    من الذي أخرج لك الماء وجعله متدفقاً ولم يذهب به في جوف الأرض؟!


    يا صاحب الجنتين من الذي أعطاك؟

    الآية التي تليها، مباشرة جاءت الآية
    (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ)
    هذا الرجل الذي كان قبل قليل يقول ما أظن أن تبيد هذه أبداً، أحيط بثمره، انتهت، الجنتان أصبحت قضية منتهية أصبحت ماضياً أصبحت ذكرى!

    ولنا أن نتساءل كم من مغرور مغتر بجاهه وبماله وبسلطته وبملكه وبعرشه زلزل العرش من تحت قدميه؟! كم كم من مغتر بماله وحاشيه أخذ عنه كل شيء وسلب منه كل شيء؟!
    (فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ)

    حسرة وندامة هذا في الدنيا وليس في الآخرة


    (َعلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا)


    ووصل إلى الحقيقة التي لا ينبغي أن تغيب عن قلب إنسان يق يريد العصمة من الفتن (وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا)


    إذن الشرك!

    ما من عمل يمكن أن يستجلب النقم والعذاب والابتلاء في الدنيا كالشرك بالله عز وجل وعدم تمحيص التوحيد


    (وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا)
    إذن اكتشف صاحب الجنتين بعد فوات الأوان بعد انقضاء المحنة، بعد انقضاء الفتنة بعد انقضاء الامتحان اكتشف أنه كان على خطأ اكتشف أن أعظم جريمة ارتكبها في حق نفسه ظلمه لنفسه بعده عن الله سبحانه وتعالى، عدم توحيده وإشراكه.

    من هو السعيد الحقيقي ؟

    (وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ)
    تلك العزوة، تلك الحاشية التي كان يستنصر بها ويغتر بها
    (وَأَعَزُّ نَفَرًا)

    انتهت


    (وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا (43)

    هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (44))

    انظر إلى هذه الآيات العظيمة ماذا تصنع في نفسي؟

    شيء طبيعي بعد كل تدبري ووقفاتي مع هذه الآية أن أبدأ استشعر معاني النور الذي تضيئه في قلبي وفي صدري سورة الكهف العظيمة، شيء طبيعي، كثرة الرزق وفتح أبواب الدنيا لا تدل على رضى الله عز وجل ولا تدل على أن هذا الإنسان كريم عند ربه كما أن قلة الرزق أو ضيق ذات اليد لسبب أو لآخر لا تدل على أن الله لا يحبك ربك يحبك ربك قد يمنع عنك ليعطيك وقد يعطيك ليبتليك وعليك في كلتا الحالتين أن تنجح في الامتحان وأن تتعلم كيف تجيب على أسئلة تلك الامتحانات قولاً وفعلاً ورضى وعطاء وأخذاً بالأسباب مع إدراك أن قدرة الله سبحانه وتعالى مطلقة.


    ولذا جاءت الآية التي تليها

    (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)

    الدنيا التي تغترون بها

    (كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا)

    هذه الدنيا التي قد شغلتكم وشغلتم بها أخذاً ورداً وصعوداً ونزولاً وهذا وذاك هذه الدنيا لا قيمة لها مختصرها في آية واحدة

    (كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ)

    انتهى


    (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا)

    إذن من السعيد فيها يا رب؟

    السعيد الذي يتزود منها بأحسن العمل،

    ومن الشقي؟

    ليس الذي حُرم أو قُتر عليه الرزق فيها ليس الذي ظُلم ولم يستطع أن يرد الظلم، ليس هذا ولا ذاك، الشقي الحقيقي في هذه الدنيا من خرج منها وهو يعتقد أنه يحسن العمل والله قد أضل سعيه ما ستأتي الآيات الأخيرة في سورة الكهف.



    السعيد الحقيقي هو الذي يأخذ الدنيا على أنها فرصة وغنيمة يغتنم منها كل ثانية وكل لحظة فلا تمر عليه ولا ترمش عينه أبداً إلا بذكر الله سبحانه في قلبه أو على لسانه أو بفعله وسلوكه، جعل الدنيا ميداناً للأعمال الصالحة سباقاً يتسابق فيه ليس لجمع الأموال ولا للزيادة من مدح وثناء الناس ولا جري ولا لهث وراء متاع الدنيا الزائل الذي لا قيمة له وإنما سعياً في الخيرات وعملاً للصالحات وإرضاء لرب يجازي بالخير خيراً وإحساناً ربّ رحمن رحيم قدرته مطلقة

    (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا)

  8. #128
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    2,012

    افتراضي رد: سلسلة : روائع البيات لـ د/ رقية العلواني

    (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)
    ما الذي ستأخذه معك؟!
    انظر إلى كل من قبلك وكل من سيأتون بعدك، انظر نظرة متدبر، انظر نظرة إنسان لم تشغله الحياة بحيث أنه لا تعطيه ولا حتى لحظات يسكن فيها إلى نفسه ويتدبر فيها هذا الخلق وهذه الدنيا، سورة الكهف توقظ الإنسان الغافل توقظ الجاهل توقظ المغترّ (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)
    زينة والدنيا هي كلها ستنتهي

    (والباقيات الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا)
    وقد تكون تلك الباقيات الصالحات قولك
    "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر"
    خير مما طلعت عليه الشمس خير من كل شيء،

    مجرد أن تقول مرة بقلب صادق "الحمد لله" ألم نقل قبل قليل في بداية السورة في الحديث كيف من توضأ أحسن الوضوء وقام فقال
    " سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك"
    هذه الكلمات ليست مجرد كلمات، هذه الكلمات تشكل قمه توحيدي وقمة شعوري بأني لا بد أن أسبِّح الله أن أستغفره، وُضِعت في رِقّ وختمت عليه لا يُكسر إلى يوم القيامة، متى؟ يوم القيامة، يوم يفرح المؤمنون بثواب الله بنصره برزقه بجنانه بقصوره ببيوته هذا الفضل الذي يفرح به المؤمن فضل الله ورحمته خير لهم مما يجمعون، هذه حقيقة توقظ عيني وبصري عليها سورة الكهف.


    كل عمل الإنسان يحصيه الله عز وجل سواء كان

    اعتقادا بالجنان ، أم قولا باللسان أم فعلا بالأركان


    (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ)

    الجبال بقوتها بسكونها أنا كإنسان الذي أغتر أحياناً بنفسي أنا صخرة بسيطة لا أستطيع أن أحملها، الجبال بطولها وعرضها وثباتها يسيّرها ربي سبحانه!
    (وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً)
    تأملوا معي (وترى) كل شيء حاضر أمام عينيك ليشحن القلب شحنة إيمانية تستحضر مشاهد القيامة.

    (وحشرناهم فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا)

    حشرنا الكل كل من خلقه الله عز وجل لا يترك أحداً س
    بحانه!
    قدرته العظيمة المطلقة في كل شيء، قادر مسيطر على ملكه وخلقه.
    (وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ)

    يأتي الاستعراض وانظر إلى التواصل المستمر بين مشاهد الدنيا والآخرة،
    (وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا)
    وقفنا صفاً أمام الله عز وجل دون أن يغادر منا أحد لا من قريب ولا من بعيد

    (لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) مريم)
    لا يمكن أن يتخلف أحد،
    (لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًا)
    هذا الإنسان المغرور الذي تغيب عن عينيه الآخرة يعتقد أنه لن يعود لربه سبحانه! ونحن نرى ونشهد في بعض الأحيان وتخرج منا نحن كبشر تصرفات ونحن نؤمن بالله ونقرأ سورة الكهف تصدر منا في بعض الأحيان تصرفات لا يمكن أن تشي أن هذا الإنسان يؤمن باليوم الآخر!

    صحيح أنا أؤمن به باللسان وبقلبي أؤمن لكن أحياناً أتصرف تصرفات من لا يؤمن بالله والعياذ بالله! كيف؟ حين أنسى أن الله سبحانه وتعالى حين لا أؤدي الأمانات إلى أهلها، حين أبخس الناس حقوقهم وكأني لن أُردّ إلى ربي فيسألني!
    ربي سيسألني عن كل شيء وتأملوا الآية التي تليها

    (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ)
    كل شيء في كتاب لا أستطيع أن أُنكر!

    انظر إلى السلطان البيّن، شهادة مكتوبة موثّقة، بالتفاصيل باليوم بالليلة بالساعة فعلت كذا قلت كذا

    (وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا)
    رأى المجرمون الكتاب فماذا قالوا؟
    (وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا)

    وقال بعض المفسرين الصغيرة هي أي شيء مجرد أن أبتسم بسمة لأن هذه الابتسامة يمكن أن يكون وراءها شيء، ممكن أن تكون سخرية بأحد الناس، ممكن أن تكون استقلالاً بأحد، يمكن أن تكون تصغيراً واحتقاراً، ويمكن أن تكون صدقة ومؤاساة ومؤاخاه وإقبال على الآخرين لتفريج همومهم وكروبهم، من الذي يعلم نيّتي وأنا أبتسم؟ ربي سبحانه وتعالى المطّلع على كل شيء وكل شيء عنده بمقدار وكل شيء عنده مكتوب.


    وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا

    (وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا)

    ليس فقط مجرد كتابة، لا، هو أحصاها، كل شيء مكتوب، أنا نسيته بحكم أني أقوم بأشياء متعددة ولكن كل شيء عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى.
    (وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا)

    كل شيء، الدنيا بكل ما فيها موجودة في هذا الكتاب، أين ذهبت لذة النعيم الذي كنت فيه؟ أين ذهبت لذة الأموال التي كنت أجمعها يميناً وشمالاً الحلال والحرام والربا والاختلاس وأخذ حقوق الناس وعدم إخراج الزكاة وأكل أموال الناس بالباطل، أين ذهبت؟!
    راحت، انتهت، وبقيت الحسرة والندامة وبقي الجزاء على العمل
    (وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا)

    الله يا ربي ما أعدلك وما أعظمك!

    وأيّ ربٍ ربي الذي لا يظلم عباده وهو مقتدر عليهم، بالله عليكم نحن اليوم كبشر أحياناً نملّك شيئاً من متاع الدنيا، شيء بسيط أحياناً يدخل تحت أيدينا بحكم الخدمة وبحكم الوظيفة أحد من الناس تحت أيدينا هل نراعي الله عز وجل فيهم؟
    كيف نراعي ربي سبحانه وتعالى؟
    انظر إلى قوله

    (وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا)

    ولله المثل الأعلى، هو قوي وقادر ولكنه لا يظلم أقام دعائم مملكته على العدل والعدالة بينما البشر في بعض الأحيان قد يقيم على الظلم يغتر بقوته وسلطته ولكن الخالق سبحانه له المثل الأعلى يربيني ويعلمني أن السلطة والقوة ابتلاء وعليك أن لا تظلم حين تقوى، القوة نفسها في حد ذاتها هي ابتلاء، عليّ حين أمتلك أسباب القوة أن لا أقع في ظلم أحداً.
    ثم تأتي في سياق الآيات إلى الشيء الأساس وراء قضية الفتن والابتلاءات قصة آدم، الخلق، قصة الصراع الذي سيبقى بين الحق والباطل، الشيطان

    (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُون َهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء)
    استنكار عجيب!
    انظر إلى القرآن كيف يربي انظر إلى آيات سورة الكهف كيف تقيم في نفسي هذه المشاعر العظيمة؟
    (أفتتخذوه وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي)
    تريدون لكم ولياً من دون الله؟!

    ودعونا نربط مع قصة صاحب الجنتين

    (هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ (44))
    الذي اعتز بحاشيته الذي اعتز بقومه من حوله فأذلّه الله! أنا بمن أعتز؟ أنا من أوالي؟! أوالي الشيطان؟!
    (وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا)
    أستبدل من بمن؟

    خالقي سبحانه وتعالى أبدله بمن جل في علاه؟ أستبدل الشيطان بخالقي سبحانه؟!
    أوالي شيطان وهو عدو وأنا أعلم أنه عدو وأترك موالاة الله سبحانه؟!
    ولكن الموالاة ليست مجرد كلمة تقال باللسان الموالاة فعل، الموالاة سلوك، فما قيمة أن أقول
    (إِنَّ وَلِيِّـيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196) الأعراف)
    وأرددها بلساني ولكن أفعالي لا تعطي هذا المعنى ولا تعكس معنى الشعور والإحساس أن أوالي كل ما يأمر به الله سبحانه وتعالى.
    هذا المعنى العظيم أحتاج أن أعززه في قلبي وفي نفسي في سورة الكهف.


    باب التوبة مفتوحِ


    (وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا * وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى)

    سنة من سنن الله عز وجل ربي سبحانه في هذه الآيات يفتح الأبواب بعد كل المعاصي بعد كل ما ذكر من ذنوب عباده باب التوبة والرحمة مفتوح سبحانه لا يغلق بابه، يحب عباده يتقرب إليهم بالنعم سبحانه وتعالى ويعطيهم الفرصة تلو الأخرى.

    (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ)

    تأملوا معي كم مرة يذكر في سورة الكهف الحق الحق الحق أحق أن يتبع الحق أحق أن يُرى ويتبع والباطل أحق أن يزهق ويداس عليه وأن يُرى بعين تعرف معنى الحق وقيمة الحق ولذا قال (وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا) بأي شيء؟
    (بِالْبَاطِلِ)
    المعركة خاسرة لأنها معركة باطل ضد حق.

    (وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُوًا)

    وتأمل معي الاستنكار كيف يستنكر الله سبحانه وتعالى عن عباده المعرضين عنه (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا)
    الاعراض عن الله سبحانه وتعالى الإعراض عن القرآن
    خاصة حين يقيّض الله لك من يذكّرك به وأنت تُعرِض!
    (فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ)

    من أعظم الأعمال التي تورِث التخبط والوقوع في الفتن والعمى هي الإعراض عن آيات الله عز وجل سواء منها ما كان في هذا الكتاب العظيم أو ما كان في الواقع أو في الكون الذي نعيش فيه.

    (وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ)
    فأصبحت حاله أي حال؟
    (إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً)

    كان الجزاء من جنس العمل من جديد هو ذُكِّر، أرسل له من يذكره بايات ربه ولكنه أعرض بملء إرادته فماذا كان الجزاء
    أن جعل الله على قلبه غطاء فأيُّ عدالة أعظم من عدالة الله عز وجل؟!

    حاشاه سبحانه، عادل حتى مع من كفر به

    (إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا)
    أقفل وأغلق عنده كل منافذ الإدراك لا قلب يسمع ويعي ولا عين تبصر الهدى ولا أُذن تسمع، انتهت القضية، لن يهتدوا أبداً.
    (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ)
    حتى بعد ما أغلقوا كل شيءـ حتى بعد أنهم ما يريدون الهدى، يبقى ربي هو الغفور ذو الرحمة سبحانه. لماذا (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ) في هذا الموضع بالذات؟
    الله عز وجل يريد أن يبقي الباب مفتوحاً لعباده حتى من كفر به لا تزال لديك فرصة حتى لو كنت من المعرضين، إفرض أنك أعرضت عن ربك طول حياتك ثم في يوم من الأيام جلست مع نفسك وتفكرت في أمرك واتخذت القرار الشجاع وقلت والله كفى ظلماً لنفسي والله كفى بعداً عن ربي أريد أن أعود، إياك في يوم أن تقنط من رحمة ربك وعليك دائماً أن تتيقن أن رحمة خالقك سبحانه وتعالى أعظم من ذنوبك التي أذنبت وأنك مهما أذنبت فإن الرحمة هي أبقى وأعظم وأظهر

    سبحانه وتعالى يتأنى على عباده عز وجل يمهل ولكنه لا يهمل، لماذا يُمهل؟
    الامهال ابتلاء وامتحان، الإمهال فرصة أعود لخالقي؟
    أسترجع نفسي التي ظلمت أو أستمر في الظلم والغيّ والعدوان


    لا تستبطئ النصر

    مصير الأفراد ومصائر الشعوب والأمم
    حينما تبتعد وتتخذ قرار البعد عن خالقها
    (وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ )
    ولكن متى

    (لَمَّا ظَلَمُوا)

    إذن هو الظلم، عادل سبحانه وتعالى في تقرير مصائر الشعوب والأمم، لا يهلك أمة من الأمم بدون سبب، الأمم والشعوب هي التي تقدّم أسباب هلاكها بين أيديها حينما تختار منهجاً سوى منهج الله سبحانه وتعالى.

    (وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا)
    كل شيء بمقدار فلا تغرنك الحياة الدنيا ولا تستبطئ النصر

    ولا تقول يا ربي طالت المدة!
    يا ربي لماذا لم تنصرني إلى الآن أنا مظلوم؟!
    يا مظلوم لا تستبطئ نصر الله سبحانه، النصر قادم والفرج قادم ولكن لكل أجل كتاب ولكل مهلك قوم أو أفراد أو ظلمة موعد عند الله سبحانه وتعالى الذي كل شيء عنده بمقدار.

  9. #129
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    2,012

    افتراضي رد: سلسلة : روائع البيات لـ د/ رقية العلواني


    فتنة العلم
    (موسى والخضر)
    قصة موسى عليه السلام مع رجل صالح آتاه الله من لدنه علماً.
    هذا السياق أو هذه القصة هي في حد ذاتها تكشف لي عن قصص أخرى أو عن فتن أخرى وقعت في قصة موسى مع هذا الرجل الصالح، كيف؟
    موسى عليه السلام أراد أن يتعلم، ذكرت كتب التفاسير أنه قد قال أنا من أكثر الناس علماً فأراد الله أن يعلمه ويؤدب أنبياءه ويؤدب موسى عليه السلام من خلال هذا التأديب الرباني ولكل الأمم بمن فيها من تقرأ القرآن نحن اليوم. فموسى عليه السلام قال له الله سبحانه وتعالى وأخبره بأن هناك رجل صالح سيأتي في المكان المحدد عليك أن تتعلم منه.
    انظر إلى أدب النبوة من جديد والتواضع لله سبحانه وتعالى الإنسان لا ينبغي مهما أوتي من علم أن ينسب اي نوع من أنواع العلوم مادية علمية كل شيء لا ينبغي أن ينسبه لنفسه لا ينبغي أن ينسب الفضل، من جديد توقظني سورة الكهف علي أن أنسب الفضل لخالقي سبحانه وتعالى.
    موسى عليه السلام وصل إلى المكان المحدد
    (فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا)
    كانت هي هذه العلامة التي يريد موسى من خلالها أن يلتقي الرجل الصالح، الشاهد بدأ (فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا)
    وصلوا إلى المكان والفتى أخبره أنه قد نسي الحوت عند ذلك المكان
    وذهب الحوت وقال من جديد
    (قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا)
    موسى عليه السلام اتخذ قراراً أن يسير نحو التعلم لذلك قال
    (لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا)
    فإذن قد حدد الكلام.
    (فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا)
    العلم مهما كان حتى وإن كان فيه أشياء مكتسبة أنا أتعلمها أقوم بتعلمها ذهاباً إلى مدرسة أو إلى جامعة أو اطلاعاً على كتب، لكن من هو العليم الذي علمني؟
    ولذا جاء في سورة أخرى (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) العلق) هو الذي يعلم سبحانه! هو الذي يهدي كل شيء ويعلمه، بل نقول أكثر من ذلك من الذي علمك أن تمشي؟! هب أنك أنت تعلمت من كتاب أن تقرأ وأن تكتب وتعلمت العلوم وصعدت إلى القمر القمر واكتشفت واكتشفت كما هي فتنة العالم المعاصر اليوم باغترار الإنسان بما توصل إليه من علوم، إفترض أنك قد حصلت على كل ذلك لكن نجب على سؤال بسيط: من الذي علمك أن تمشي؟! من الذي علمك أن تأكل؟! من الذي علّمك كيف تأكل؟! الأشياء البسيطة التي لا ننتبه إليها هل قرأتها في كتاب؟ هل أحد من الناس ألّف كتاباً علّم الناس كيف يأكلون؟! علمهم كيف يشربون؟! من علمك كيف تتنفس؟ من علمك كيف تجعل قلبك ينبض؟ من علمك؟!
    الأشياء التي نتصور ونعتقد أنها بشريه لا يمكن أن نكون قد تعلمناها إلا من عند الله سبحانه الذي خلق كل شيء وهداه، الذي علم كل شيء وعلم الإنسان ما لم يعلم.

    اتفق الرجل الصالح مع موسى عليه السلام على الصبر
    وتأملوا معي قول الله عز وجل، أولاً أدب موسى عليه السلام حين قال:
    (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) 
    وتدبروا معي كم مرة تتكرر الكلمة:
    رشد، مرشد، رشداً؟
    لماذا هذه التصاريف؟
    لا يُخرج من الفتنة إلا الرشاد
    (قال إنك لن تستطيع معي صبرا 67 وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا 68)

    موسى عليه السلام وافق على هذا الشرط وقال
    (قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا)
    اتفقا على أن لا يسأله عن شيء أبداً إلى أن تنتهي فترة الاختبار.
    وهنا لنا وقفة:
    لا تسأل عن شيء، كل شيء يتم أمام عينيك لا تفكر، نحن اليوم كبشر أحياناً أريد أن أعرف ما الحكمة مما حدث لي؟
    أصابني مكروه، فُقِد مني لا سمح الله ولد، مال، لم أُعطَ شيئاً، أريد أن أعرف الحكمة، نفسي البشرية بطبيعتها تريد أن تعرف لماذا حدث هذا؟
    الرجل الصالح والآيات بطبيعة الحال هنا في سورة الكهف تريد أن تعلمني أدباً معيناً عليك أن تنتظر، لا تسأل، هناك أشياء ثق أن الله سبحانه طالما تؤمن بأنه الحكيم وتؤمن بأنه العليم وتؤمن بأنه رحمن رحيم إذن اترك الأمر لخالقك، توكل على الله، لاتسال عما هي الحكمة؟
    لأن علمك كبشر محدود ولأن نظرتك أنت كبشر وتقديرك للأمور قد يكون ضيقاً محدوداً لا تستطيع أن تُدرك عواقب الأمور، من الذي يُدرك؟
    ربي سبحانه.
    إذن أنزل حاجتك به سبحانه وتعالى وتوكل عليه.


  10. #130
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    2,012

    افتراضي رد: سلسلة : روائع البيات لـ د/ رقية العلواني

    تأملات حول قصة سيدنا موسى مع الخضر

    أول حادثة أنهم ركبوا في سفينة كانت لمساكين، عمال مساكين يمتلكونها فإذا بهذا الرجل الصالح يخرِق هذه السفينة ويُفسِدها عليهم.

    موسى عليه السلام بفطرة الإنسان الصالح اعترض على القضية مباشرة فقال
    (أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا)
    تريد أن تغرق أهل هذه السفينة المساكين الذين يعملون في البحر؟!
    بطبيعة الحال السؤال لن نجيب عليه إلا مع تسلسل الآيات، ولكن الرجل رأساً أجاب موسى عليه السلام

    (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا)

    أنت لا تصبر، أنت لا تنظر إلى العاقبة، أنت تحكم على الشيء من بدايته، أنت لم تنظر وتنتظر ما هي النتيجة؟

    (قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا)
    وهنا أدب رفيع تعلّمني إياه سورة الكهف، النسيان، آفة العلم النسيان، والنسيان فيه حكمة عظيمة أن الله سبحانه وتعالى يعلّم الإنسان الذي ما سُميَ في بعض الأقوال إنساناً إلا لكثرة نسيانه أن من علّمك قادر على أن ينسيك أنت تغتر بعلمك إن كنت تغتر فإن من علمك وحفّظك قادر على أن ينسيك ما حفظت ولذلك لا حفظ إلا بحفظ الله، إستحفظ ما تعلمه وإستحفظ علمك عند الواحد الديّان، إستحفظه عند الله حتى لا تنسى ولكن إن استحفظته عند نفسك وعلمك واتكلت على قوتك فقطعاً ستنسى ولذا النسيان تكرر في موقف موسى عليه السلام أو قصته حتى الفتى قال
    (فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ (63))
    إستحفِظ العلم بكثرة ذكر الله سبحانه وتعالى.

    إنطلقا إلى موقف آخر مر بهما، الموقف أنهما لقيا غلاماً فإذا بهذا الرجل الصالح يمسك بهذا الغلام ويقتل الغلام، إعترض موسى عليه السلام بطبيعة الحال كيف تميت نفساً بريئة؟ كيف تجترئ وتقتل نفساً بريئة لا ذنب لها لم تفعل شيئاً؟!

    بمعنى آخر كيف تسمح لنفسك أن تأخذ الحياة والحياة بيد الله سبحانه من إنسان فتى صغير لا ذنب له، لم يفعل شيئاً؟
    (قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا(74)).
    (قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا)
    وهنا أُسقط في يد موسى عليه السلام، قرر موسى عليه السلام أن ينسحب من الإمتحان واستشعر أنه لم يتمكن من المواصلة إلا بإعطائه هذه الفرصة الأخيرة فقال

    (قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا)
    هذه آخر فرصة لا تعطيني فرصة بعدها!

    (فَانطَلَقَا)

    ذهبا

    (حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا)
    ولكن أهل هذه القرية كان حين ينزل بهم الضيوف قد بلغوا درجة من البخل واللؤم بحيث أنهم لا يضيّفون من ينزل بهم ضيفاً

    (فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا ).

    ولكن عندما وجدا فيها جداراً يريد أن يقع وينقضّ إذا بهذا الرجل الصالح يقيم الجدار، وهنا توقف موسى عليه السلام وقال
    (قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا)
    كيف من لا يسدي إليك أي معروف كيف يكون نظير عدم إسداء المعروف إلينا كيف يكون النظير أنك تتعب وتقدم له خدمة بالمجان فتقيم هذا الجدار وتعدّله كيف؟!
    أمور حدثت أمام موسى عليه السلام لم يستطع أن يدركها ببشريته.
    موسى هنا عليه السلام والقرآن في سورة الكهف في هذه الآية والقصة بالذات يريد أن يعلمني خُلُقاً جديداً وأداة جديدة أستطيع أن أجابه الفتن من خلالها، ما هي هذه الأداة؟
    الحكم السريع على الأشياء، الحكم على الأشياء والحوادث من مقدماتها دون الصبر على نتائجها وإنتظار نهاياتها.
    ما يحدث أمامي في الحياة كل ما يحدث قد يكون ظاهره شر ولكن فيه الرحمة وقد تكون الأمور ظاهرها الخير ولكن في باطنها شر فعليك أن تنتبه من الذي يعصمني وينقذني من الشر؟ من؟
    خالقي سبحانه، إعتمادي وتوكلي عليه. هذه القصة تضع الإنسان في جانب التوكل والرضا عن الله سبحانه، الإيمان، الرضا بالقضاء والقدر

    بدأ الرجل الصالح يحدِّث موسى عليه السلام عن الحِكَم كيف؟
    السفينة كانت لمساكين يعملون في البحر فأنا لما أردت أن أعيبها كان وراءهم ملك يأخذ السفن الصالحة للاستعمال فأنا لما أحدثت العيب في السفينة إنما أنا في حقيقة الأمر فعلت خيراً لأصحاب السفينة المساكين الذين قاموا بمساعدتنا أيضاً في بداية القصة هذا كان لأجلهم.

    وأنا أنساءل ونتساءل جميعاً هنا كم من مرة أنا بادرت بالحكم على الأشياء السيئة التي في ظاهرها كانت سيئة وحكمت على أنها أسوأ ما حدث لي في حياتي؟! ثم إكتشفت أنها أفضل ما حدث لي في حياتي كم موقف؟! بكل تأكيد في بداية ما يقع الشيء علي أن أشعر بالإنزعاج بالضيق بالألم، لكن الإنزعاج والضيق والألم عليه أن يتبدد حين أطمئن إلى رحمة الله وعفوه. وهنا نحن نتحدث عن الأشياء الخارجة عن إرادتي، هذا لا يلغي إرادتي أنا كإنسان ولا أخذي بالأسباب، لا، ولكن حين تجري الأشياء والأحداث والأمور على غير ما أحبّ وأشتهي عليّ أن أُحسن الظن بالله سبحانه وتعالى، عليّ أن أؤمن أنه عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، قاعدة.

    ولذلك ما حدث من خرق للسفينة كان في صالح أهل السفينة المساكين ولم يكن ضد مصلحتهم. وما يحدث من خرق لسفننا في حياتنا ومن عدم تلبية لبعض مطالبنا قد يكون في صالحنا، المهم أن تتوكل على الحيّ القيوم، المهم أن تحسن الظن بربك سبحانه وأن تعلم أن الله سيكفيك وأن الله سيغنيك وأن الله سينقذك وأن الله سبحانه وتعالى ما منع عنك إلا ليعطيك وأنه ما أخذ من إلا ليعطيك ما هو أفضل، فاجعل ثقتك بالله أعلى من كل شيء.

    وتعالى له في خلقه ومملكته أحكام، له أقدار، وفي نهاية الأمر الحياة كلها ستنقضي وتنتهي ولكن أنا كمؤمن علي أن أسلّم بقضاء الله وقدره والمؤمن الأب والأم هؤلاء كانا مؤمنين ولكن خشينا أن يرهقهما هذا الغلام يمكن أن يسبب لهما فتنة، كان يمكن أن يسبب وراءه فتنة من الكفر والإعراض عن الله عز وجل فيسبب مشاكل الأم والأب لا يستطيعان تحملها.


    وقد لا يكون هناك حكمة تظهر لي أنا كإنسان، سواء ظهرت لي الحكمة كما في هذه القصة أو في هذا الموقف أم لم تظهر يبقى الإيمان والتسليم بحكم الله عز وجل هو الذي يعزز الرضى والتسليم والقضاء بقدره سبحانه وهو ما تريد أن تبنيه في نفسي هذه القصة العظيمة.


  11. #131
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    2,012

    افتراضي رد: سلسلة : روائع البيات لـ د/ رقية العلواني

    الدرس الاول من قصة الجدار

    أما الجدار الذي أنت اعتقدت وتصورت أن هؤلاء لا يستحقون أن اقيم فيهم معروفاً، هو لم يكن لهم، بالعكس، هو كان فقط لغلامين يتيمين في المدينة لو سقط الجدار لأخذ أهل القرية الأموال التي كانت مدفونة تحت الجدار فأنا حين أقمت الجدار إنما أقمته بأمر الله عز وجل وإكراماً لأبٍ صالح
    (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا)
    ولذلك أعظم ما تورّث لأبناءك أو أولادك ليس ثروة ولا حسابات في البنك ولا بيوت ولا قصور ولا عمارات بإيجارات ممتدة لسنوات!
    أعظم من تورثه لأبنائك الصلاح
    (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا).
    هذا الميراث الحقيقى، نحن اليوم خاصة في عصرنا الحالي أصبحنا نعيش إشكالية خطيرة أني أنشغل ليس فقط برزقي وما أحصّله في الحياة وإنما أنشغل بما أورثه لأبنائي بميراث أولادي بعد مماتي وكأني لا أؤمن بأن لأبنائي ولي رباً يرزقهم!
    هذا التصور، أنا لا اقول أن الإنسان لا يأخذ بالأسباب، أنا لا أقول أنك لا تترك لأبنائك أو أولادك شيئاً من مال أو ثروة، بالعكس أن تترك أولادك أغنياء خير من أن تتركهم عالة على المجتمع وعلى الناس يتكففون، صحيح، لكن عليّ لا أسرف في جمع هذه الأموال لأني حين أسرف بهذه الأسباب واتخاذها أنا أعلِّم أولادي أن يعتمدوا على الأسباب لا على مسبب الأسباب، أنا أتصرف أمام أبنائي وأولادي وأحفادي وكأني لا أؤمن بأن لي رباً يرزقهم ويرزقني وسيرزقهم كما رزقني، رزقني ولم أكن أملك شيئاً، أنا خرجت من الدنيا بلا شي، من رزقني؟ من ألبسك؟ من أطعمك؟ من أعطاك أمّاً تحن عليك؟ من؟ من؟ أليس هو الله؟
    من أطعمك سيطعمهم، من ألبسك سيلبسهم، من رزقك سيرزقهم، من أغناك سيغنيهم ولكن كل ما عليك أن تثق بالواحد الغني الذي عنده ملك السموات والأرض سبحانه وتعالى.

    الدرس الثانى من قضيه الجدار
    قضية الجدار أيضاً تعطينا موقفاً آخر حين نربط بأحداث الحياة:
    إياك في يوم من الأيام أن يدور في خلدك أن تمنع المعروف أو الخير الذي تستطيع أن تقوم به في ناس أو في مجتمع بحجة أنهم لا يستحقون الإنسان بمعنى آخر إجعل المعروف والخير والإحسان يصل إلى كل الناس دون تمييز منك، دون تفرقة بين من يستحق ومن لا يتسحق، لماذا؟

    من يستحق هو يستحق ومن لا يستحق قد يحدث فيه ما يمكن من هذا المعروف ما يولد عنده استحقاقاً للمعروف، كيف؟
    تدبروا معي موقف النبي صلّ الله عليه وسلم حين خرج من الطائف وكل الألم الذي في الدنيا كان يجيش في قلبه صلى الله عليه وسلم ليس ألم الشعور بالإهانة التي حظي بها من قبل أهل الطائف ضرباً وغيذاء وإهانة حتى أدموا قدمه الشريف وأغروا به صبيانهم، لا، الشعور الأعظم والهمّ الأكبر في قلبه صلى الله عليه وسلم كان همّ الدعوة، همّ الدين، الخوف على الدين، هو هكذا، طبيعة النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يحزن لنفسه، يحزن علينا نحنـ يحزن على أمته، على الدين. النبي صلى الله عليه وسلم بد أن خرج بهذه النفسية وجاءه ملك الجبال ورآه أنه في غاية الضيق فأراد أن يسلي عنه فقال إذا أردت سأطبق عليهم الجبلين، الانتقام بمعنى آخر، هؤلاء الذين أهانوك أو نالوا منك إن أردت أن أجعلهم خبراً بعد عين سأفعل، فقط قل كلمة وسأفعل. لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل تلك الكلمة لأن قلبه العظيم الذي يسع كل الناس من أعطاه ومن منعه، الكافر والمؤمن بحنانه ورحمته ولذا قال عنه ربي (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (107) الأنبياء) النبي قال صلّ الله عليه وسلم لا، لا تفعل، لماذا؟ لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يذكر الله ويوحّده، الله! لا يوجد مكان للانتقام في قلب النبي صلى الله عليه وسلم ولا في قلب أيّ أحد يؤمن بالله سبحانه وتعالى حق الإيمان.
    ولذا علينا أن نحرر أنفسنا من عقدة الانتقام أحسِن إلى من أساء وأحسن إليك ولا تحسن فقط إلى من أحسن إليك فإن إحسانك إلى من أحسن إليك على وجه الحقيقة هو ليس إحساناً منك ابتداء بل هو رد إحسانه هو فلن تكون أنت المحسن الأول، أما إن أحسنت إلى من أساء إليك فإنما أنت تحسن إليه ابتداء فستكون بذلك أنت المحسن الأول وليس هو. فانظر إلى الأمرين ووازن بينهما واختر ما شئت عند ربك وقدّمه بين يدي خالقك، ولذا جاء قول الله عز وجل (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) فصلت) إن كنت تريد أن تصبح من أصحاب الحظوظ العظيمة فاجعل لك حظاً من الإحسان لمن أساء إليك وليس فقط مجرد الإحسان لمن أحسن إليك.


  12. #132
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    2,012

    افتراضي رد: سلسلة : روائع البيات لـ د/ رقية العلواني

    قصة ذو القرنين

    (فتنة السلطة)




    إنتهت قصة موسى عليه السلام ولكن لم تنتهي معها العبر والعظات ممكن أن تتجدد مع الإنسان منا في كل مرة يقرأ سورة الكهف، لكن هذه المرة انتقلت لتختم بقصة أخيرة قصة إنسان أوتي من الجاه والقوة والعلم والمنعة وأصحاب السلطة من حوله وكل شيء ما كان يمكن أن يغريه بالتعالي أو التكبر على الله عز وجل أو الانحراف والميل والزيغ والوقوع في فتنة السلطان والجاه والرسوب فيها والبعد عن خالقه سبحانه وتعالى ولكنه لم يفعل، من هو؟
    ذو القرنين

    (ويسألونك عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا)
    سألك عنه قومك وسأل اليهود لا تأخذ الإجابة من اليهود ولا من الإسرائيليات
    (سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا)
    كل إجابة لها في القرآن مكان.

    (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا)
    من الذي مكّن لذي القرنين؟
    الله سبحانه، ومن الذي يمكّن لك أنت اليوم؟ الله سبحانه وتعالى، من الذي يمكّنك فيجعل منك إنساناً مُطاعاً؟! من الذي يمكّن لك فيجعلك تأمر أمراً فتطاع؟! سبحانه! إذا غفلت عن هذه الحقيقة لحظة رسبت في الامتحان كما رسب صاحب الجنتين. إذن التمكين في الأرض والقوة والأسباب المادية والمنعة والسلطان والجاه هذه أسباب هي من عند الله عز وجل.


    فتنة الملك فتنة السلطة فتنة القوة فتنة الجاه
    (وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85))
    وهذا الرجل كان فيه شيء مميز كان دائماً قلبه معلق بالله سبحانه وتعالى فينسب الأسباب إلى مسببها سبحانه، دائماً. بلغ مناطق مختلفة القرآن حددها والآيات ذكرتها ولكنه سلك في تعامله مع الأقوام والأمم الأخرى هذا القائد الموحد لربه المؤمن بأن ما أوتي من أسباب ومن قوة وكان هو قوة عظمى في حد ذاته وفي زمانه ليس مدعاة لأن يطغى ليس مدعاة لأن يتفرعن على البشر ليس مدعاة لأن يتحكم في مقدرات الشعوب، ليس مدعاة لأن ينتهب مقدرات الشعوب، أبداً.
    إذن كيف طاف في الناس والعالم؟ طاف بهم عدلاً وإيماناً وتوحيداً وإقراراً للحق والعدل الذي أمر به سبحانه وتعالى.

    سار هذا الرجل من مكان إلى آخر ولنا أن نقف عند الآية 94 حين وصل عند يأجوج ومأجوج وقال عند القوم الذين كانوا يخشون يأجوج ومأجوج
    (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا)
    قوم ضعفاء استغاثوا به فأغاثهم بقدرة الله عز وجل. ساعدهم حالفهم عاونهم ولكن ليس لأجل أن ينهب ثرواتهم وليس لأن ينتهك أعراضهم، أبداً، ما كان له أن يفعل وقلبه مطمئن بالإيمان.

    ذو القرنين ناصر الضعفاء

    تأملوا قول هذا ذى القرنين القائد العظيم الذي استطاع أن يكون إنساناً مقدراً ومؤسساً للحق بين الشعوب وليس ناهباً ولا منتهكاً لحرمات الشعوب، قال
    (قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا)
    نسب الخير والتمكين للخالق سبحانه، أنا هذه القوة لم أوتها بناء على علمي ولنا أن نقارن بين موقف هذا الرجل بين وموقف القوى المادية المعاصرة من حولنا كيف تنسب الفضل والعلم والعطاء والتقدم والرقي المادي المحموم في بعض الأحيان كيف تنسبه لنفسها، لذاتها لتتحكم من خلاله بمقدرات الشعوب ومصائر الشعوب وتنتهك الحق والعدل أما هذا الرجل قال
    (مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ)

    أخذ بكل الأسباب وقد تحدث بعض العلماء المعاصرين عن بعض نواحي الإعجاز فيما ورد في الاية في تفاصيلها

    (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا)
    وكيفية جعل الحديد شيئاً صلباً يستحيل للإنسان أو لقوة أخرى أن تهدمه، لكن هذا ليس مجال الكلام عندنا، المجال أنه بعدما انتهى من هذه العملية وأعان هؤلاء المستضعفين على الأقوياء المفسدين لنا أن نتوقف: أنا مطلوب مني سواء كنت قائداً، سواء كنت إنساناً عادياً سواء كنت موظفاً سواء كنت تاجراً أن أعين صاحب الحق الضعيف حتى آخذ الحق له وأن أقف مع صاحب الحق الضعيف حتى ولو كان ضد قوي مستبد ظالم، أقف مع الحق.

    أن أعيد الموازنة أو المعادلة التي انتكست في فتن هذا الزمان الذي نعيش فيه. البعض في حياتنا اليوم يقف مع القوي على طول الخط سواء هذا القوي على حق أم على باطل ليفسد هذا القوي بظلمه عليّ دنياي وآخرتي. لكن المعادلة هنا التي تريد سورة الكهف أن تصححها في حياتي أن أعيد الأمور إلى نصابها، قف مع الحق، قف مع صاحب الحق لأنه حق ليس لأن صاحبه قوي أو ضعيف، وقف ضد الباطل دون أن تنظر إلى من هو صاحب هذا الباطل سواء كان قوياً أو ضعيفاً. معادلة مهمة جداً إذا كان صاحب الباطل قوى عظمى هل يصبح الباطل حقاً؟! هل يتغير الباطل؟! لا، عند المؤمن وفي ميزانه لا ينبغي أن يتغير.

    إذا كان صاحب الحق ضعيفاً لا يستطيع أن يدافع عن نفسه أمام أحد لا أمام مجالس دولية ولا أمام مجلس الأمن ولا أمام أي أحد أنصره أم أخذله؟ أفكر في الموضوع مئة مرة قبل أن أنصره لأن هذا الشخص ضعيف ولا أحد يسانده؟!

    قوى العالم العظمى المادية تقف ضده أو ماذا أفعل؟ سورة الكهف تقدم لي الإجابة على هذا السؤال، ذو القرنين وقف مع الضعفاء لأنهم كانوا على حق، نصر الضعفاء لأنهم كانوا على حق وعاون ضد الأقوياء لأنهم كانوا على باطل. ذو القرنين لم ينظر إلى القوى المادية، لم ينظر إلى ميزان القوى الذي يحكم عالمنا المعاصر اليوم، لا، نظر إلى شيء آخر، نظر إلى أن ميزان القوي الحقيقي هو بيد الخالق القوي سبحانه ذي القوة المتين هو الذي يعطي القوة.

    كيف نجح ذو القرنين فى الابتلاء ؟

    القوة الحقيقية بيد الله ليست بيد قوة عظمى وغير عظمى،

    القوة الحقيقية هي بيد الله وحده لا شريك له ولذا بعد أن أنهى ذى القرنين العمل لم يغتر بقوته ولا بطاقته ولا بما حققه وما أنجزه قال
    (قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا)
    استحضار الآخرة، ما ترونه من قوة ومن منعة ومن سد منيع سيجعله ربي شيئاً لم يكن ينتهي لأن الدنيا إلى زوال.

    القائد المؤمن أو الإنسان حين يؤتى شيئاً من سلطان الدنيا عليه أن يدرك أن الدنيا لا تبقى لأحد وأنه لن يبقى طوال عمره على هذا الكرسي حتى الفراق وحتى على افتراض بقي طوال عمره حاكماً أو ملكاً أو أميراً أو سلطاناً فإنه السلطان سيزول والسلطة ستزول والملك سيزول بموته بفراقه بخروجه من هذه الدنيا وأن الله سبحانه وتعالى هو الوحيد الذي لا يناظعه أحد في ملكه جل في علاه وأن كل شيء إلى زوال فاني لن يبقى ولذا ربي عز وجل يقول (كل شيء هالك ) إلا اي شيء؟
    وجه الله سبحانه وتعالى.

    هذه الحقيقة استحضرها هذا السلطان الشجاع القوي الذي لم تفتنه فتنة ولا اختبار ولا محنة السلطان والقوة والعزة التي لطالما رسب ويرسب فيها الكثيرون ويسقطون
    ذو القرنين نجح في الامتحان انتهت السلطة وانتهى ذو القرنين وانتهت القضية وانتهى السد وانتهى السور بقطع النظر عن مكانه في الصين أو في أي مكان، المسألة منتهية ولكن ما تبقى بالفعل بعد كل ذلك النجاح نتيجة الفتنة نتيجة الامتحان الذي اجتازه ذو القرنين بكل نجاح.
    (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا)
    مرة أخرى آيات سورة الكهف تنتقل بي انتقالات سريعة من الدنيا إلى الآخرة تسدل الستار بسرعة على الدنيا لماذا؟
    لتعزز في قلبي الإحساس والشعور بأن هذه الدنيا لا تتجاوز ساعة من نهار!

    السؤال المهم ليس ما امتلكت ولا ما جمعت في خلال تلك الساعة

    السؤال المهم ما الذي سآخذه بعد انتهاء هذه الساعة؟.

    (وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضًا)
    من هم الكفار؟
    (الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِكْرِي)
    وتأملوا معي إعجاز الآية، أعينهم في غطاء من الذي وضع الغطاء؟
    هم،هم الذين غطّوا، النور واضح، القرآن واضح، آيات القرآن واضحة ساطعة، الشمس لا تحتاج إلى دليل القرآن بنوره وعظمته، سورة الكهف التي تنير القلب بأياتها وتنير ليس فقط بين الجمعتين وإنما تجعل لي نوراً حتى ألقى الله يوم القيامة من الفتن من السير في طرقات الدنيا ودروبها المظلمة أحياناً من شدة الفتن.

    لكن هذا النور الذي في نفسي من يستطيع أن يمنع عني هذا النور؟
    أنا، حينما أتخذ القرار الخطأ ولذا قال
    (الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا)
    وضعوا أغطية على أعينهم وعلى أسماعهم كانوا لا يستطيعون سمعاً، لديهم أذان لكنهم لم يتمكنوا من استعمال هذه الوسائل وسائل الادراك الاستعمال الصحيح لا يستطيعون سماع الحق، لا يستطيعون سماع القرآن ولا سماع آيات سورة الكهف ولا النظر في كل هذه القصص والعبر التي مرّت بنا في سورة واحدة فقط ليستخرجوا منها العبر وليقرأوها بأحداث اليوم بأحداث الساعة المتجددة.

    أنا وأنتم في كل أسبوع تتجدد الأحداث معنا كل أسبوع هناك جديد كل اسبوع هناك قضية تمر بنا، من الذي يعينني على استقراء الأشياء بصورة صحيحة؟
    من الذي ينير لي الطريق بنور حتى أستطيع أن أرى الأمور على حقائقها؟
    الآيات، القرآن، ذكر الله عز وجل.


    (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِين َ أَعْمَالًا)

    من هم؟
    (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِين َ أَعْمَالًا (103))

    من هم؟

    (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)

    هنا الإنسان تستوقفه الكلمات (سعي) كانوا يسعون، كانوا يعملون أعمالاً كثيرة بسعي بإرادة قوية بعزيمة ولكن ما قيمة السعي حين يكون في ضلال؟
    ما قيمة أن تكون قوياً ولكن هذه القوة في ضلال؟ ما قيمة القوة؟

    ما قيمة الجاه والعشيرة والثروة والأقارب في باطل ما قيمتها؟ ما قيمة سعيك؟

    (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)
    يا لها من خسارة فادحة لا يمكن لكل بورصات الدنيا أبداً ولا كل مؤشرات الأسهم أن تحسب فعلاً هذه الخسارة وفداحة هذه الخسارة العظيمة!
    أن يسعى الإنسان طوال حياته ويستخدم كل ما وهبه الله من نعم مال جاه سلطان بدل أن يستخدمه كما فعل ذو القرنين في الخير والعدل والصلاح يستعمله في الفساد.
    من الذي خسر؟ من الذي أفسد على الآخر دنياه وآخرته؟

    الظالم حين يظلم والمتجبر حين يتجبر ويطغى وينسى أن له يوم في يوم من اليام سيعود لخالقه سبحانه ويسعى كل السعي ويحرص كل الحرص على الفساد والإفساد والقتل والسفك والدمار في واقع الأمر إنما أفسد على نفسه دنياه وآخرته.
    أما الإنسان المؤمن صاحب البصيرة الواعية قد تؤخذ منه حياته عن طريق هذا الظالم المتجبر، قد تسلب منه روحه وكل شيء بأمر الله أولاً وأخيراً فالأعمار بيد الله والأجل بيد الله والإنسان حين يأتي الأجل (لا يستأخرون ) ولكن في نهاية الأمر ربح حياة على حياته فالحياة الأولى التي عاشها الحياة الدنيا كانت ثمناً لحياة باقية لا تزول حياة الآخرة الحياة العظيمة التي لا تنتهى ولا تزول
    (أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا)
    الموازين مختلفة، أصحاب الجاه والقوة والمنعة في الدنيا إن لم يستخدموها فيما يرضي الله ليس لهم أي وزن ولا قيمة يوم القيامة
    (ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا)



    خاتمه تدبر سورة الكهف



    (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا)
    وأين هي قصور الدنيا مهما سكنّاها من جنات الفردوس نزلاً؟!

    أين هي من ذلك الخلود العظيم؟! أين هي من منازل الآخرة؟!
    هب أنك قد حُرِمت لسبب من الأسباب وهذا لا يبرر عدم الأخذ بالأسباب ولكن هب أنك أخذت كل الأسباب ثم قتر عليك في رزقك لسبب أراده الله فخرجت من الدنيا ولم تمتلك في حياتك بيتاً ماذا خسرت؟
    ماذا خسرت إذا أعطاك الله بيتاً في الفردوس الأعلى؟
    عنوانك الفردوس بجوار حبيبك صلّ الله عليه وسلم

    وبجوار كل أصحاب الحق والعدل الذين ساروا على الطريق.
    سر على طريق الحق مهما كانت الفتن مظلمة أمام عينيك، سِر بنور القرآن، سر بنور الذكر والتوحيد للخالق سبحانه وتعالى الذي لا تنفذ كلماته ولذا قال
    (قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا)
    قرآن عظيم لا تنتهي عجائبه

    ولا تنقضي العبر ولا الدروس التي نتعلمها منه.

    (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ)
    تحبوني وتحترموني

    ولكن لا تصل مرحلة الحب للنبي صلّ الله عليه وسلم إلى مرحلة الغلو ولذا قال
    (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ)

    الموت ليس بذاك الأمر المخيف، الموت لقاء الله عز وجل، الموت إقبال على الله عز وجل، بشارة للمؤمن، الموت باب مفتوح على جنان الآخرة، الموت هو ما ينتظره المؤمن ليس لأنه يئس من الحياة ولكنه لأنه ملأ الحياة أملاً وعملاً عدلاً فيشتاق ويتوق إلى الجنة و لقاء الأحبة.
    (فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا)
    النهاية الخاتمة التوحيد من جديد بتعزيز التوحيد من جديد، عش في الدنيا معصوماً من كل فتنة بتعزيز التوحيد في قلبك بالتمسك بهذا الوحي العظيم. وسورة الكهف جعلها الله عز وجل نوراً لمن أراد النور، نوراً لمن أراد نوراً يمشي به بين الناس، نوراً لمن أراد أن يضيء الطريق ليس فقط لنفسه وإنما كل من حوله. هذه السورة العظيمة لم تنتهي صحيح انتهت الآيات ولكن


    (قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي)
    هذه السورة العظيمة تجعل قضية الإيمان والتوحيد حاضرة أستذكرها مع كل موقف ومع كل قصة ومع كل عبرة لكن الأهم من كل ذلك أن أتعلم كيف أربط بين ما أقرأ في السورة وبين ما يمر بي من محن ومواقف وابتلاءات خلال الأسبوع كاملاً.

    سورة الكهف فرصة لمحاسبة النفس الحساب الأسبوعي، أحتاج لمحاسبة النفس يومياً لكن هذه المحاسبة الأسبوعية سورة الكهف تعينني على ذلك.
    نسأل الله العظيم رب العرش العظيم الذي أنزل هذا الكتاب العظيم أن يجعل لنا سبحانه وتعالى رحمة ونوراً وبركة بهذه الآيات العظيمة وأن يجعل هذا القرآن العظيم حجة لنا لا علينا إنه سميع مجيب الدعاء والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •