تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 21 إلى 40 من 43

الموضوع: فوائد من شرح الطحاوية... للشيخ الدكتور يوسف الغفيص وفقه الله

  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الدولة
    المملكة العربية السعودية
    المشاركات
    2,542

    افتراضي رد: فوائد من شرح الطحاوية... للشيخ الدكتور يوسف الغفيص وفقه الله

    (29)

    [عقيدة الماتريدي والفرق بينه وبين الأشعري]

    أما الماتريدي فكان مشهوراً ومعروفاً بالرد على طائفة من المعتزلة، ولكنه وإن كان يسمي مذهبه مذهب أهل السنة، ويقول: (قال أهل السنة)، و (الذي عليه أهل السنة)، و (إجماع أهل السنة)؛ فإنه أكثر مباينةً لمذهب السلف من الأشعري، فـ الأشعري خير منه من جهتين:

    الجهة الأولى: من جهة الانتماء؛ فإن الأشعري لا ترى في كلامه استعمال لفظ (الحشوية) أو (النابتة) وأمثالها في وصف مقالة المتقدمين من الأئمة، في حين أن الماتريدي يستعمل هذا، وهو استعمال دخل عليه من كلام المعتزلة، فالمعتزلة كانوا يسمون مقالات السلف بمقالات الحشوية وأمثالها.

    الجهة الثانية: من حيث الحقائق العلمية؛ فإن الماتريدي أقرب ما يكون إلى طريقة أبي المعالي الجويني من الأشاعرة، مع أن الجويني جاء بعده، وأما الأشعري فهو أجود منه في الاستدلال والمسائل.

    ولكن مع هذا فهذان المذهبان -أعني مذهب الأشعري ومذهب أبي منصور الماتريدي - صار لهما تأثير واسع على الكثير من الفقهاء المتأخرين.

  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الدولة
    المملكة العربية السعودية
    المشاركات
    2,542

    افتراضي رد: فوائد من شرح الطحاوية... للشيخ الدكتور يوسف الغفيص وفقه الله

    (30)

    [تحول الرافضة من التشبيه إلى الاعتزال]

    وأما مقالة المشبهة الأولى فهي قول لغلاة الرافضة، ولم يثبتوا على هذا المذهب فقد حصل في مذهب المعتزلة نوع من الميل إلى التشيع،

    فحينما ظهرت المعتزلة البغدادية صار البغداديون من المعتزلة يطرون علي بن أبي طالب كثيراً،


    وصار طائفة من البغداديين يفضلون علي بن أبي طالب على أبي بكر وعمر

    فلهذا بدأت الشيعة الإمامية تتأثر بأصول المعتزلة، وكما قال الذهبي: إنه بعد المائة الثالثة التقى الرفض والاعتزال.


    أي: حصل بينهما تداخل في الأصول؛ ولهذا فإن أئمة الإمامية من بعد المائة الثالثة يقررون في مسألة الصفات والقدر مذهب المعتزلة.

    وكاد مذهب التشبيه على هذا الاعتبار أن يندثر، حيث لم يكن له أنصار، وكان هذا المذهب ظاهر البطلان.

    [ظهور الكرامية المجسمة]

    جاء محمد بن كرام السجستاني فأظهر مقالة التجسيم، وقال: إن الله جسم -تعالى الله عن ذلك- وهو لفظ لم يطلقه السلف لا إثباتاً ولا نفياً،

    وصار له أتباع من الحنفية خاصة ومن غيرهم، ولكن بقي مذهب التجسيم الذي انتحله ابن كرام ضعيفاً ليس له رواج، بل حتى مذهب المعتزلة الأوائل ضعف وتأخر؛


    لأنه استقر فيما بعد أن مذهب المعتزلة مباين لمذهب الأئمة، إنما الذي ظل ملتبساً ويسمى مذهب أهل السنة عند كثيرين هو مذهب الأشاعرة، خاصةً أن الأشاعرة صاروا يطلقون على المذهب المأثور عن الأئمة: (مذهب الحنابلة)،

    ولهذا فإن الرازي حين ذكر مسألة العلو قال: (ولم يقل بهذا إلا الحنبلية والكرامية)

    ، مع أن هذا القول هو القول المجمع عليه بين السلف وإن كان الرازي يغلط في سياقه وتقريره.

  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الدولة
    المملكة العربية السعودية
    المشاركات
    2,542

    افتراضي رد: فوائد من شرح الطحاوية... للشيخ الدكتور يوسف الغفيص وفقه الله

    (31)

    وقوله: (ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه).

    أي أن الله سبحانه وتعالى موصوف بصفات الكمال ولم يزل سبحانه وتعالى متصفاً بها، وهذا مفارقة لمذهب المعتزلة، من جهة أن المصنف أثبت الصفات، والمعتزلة لا يثبتون الصفات.

    [قدم الصفات والأفعال]

    وفي قوله: (ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه) إشارة إلى مسألة حدث بموجبها تعطيل الصفات:

    ومنشؤها أن أول ما ظهر علم الكلام على يد الجهمية والمعتزلة كانت هناك مقالة اطلع عليها علماء الكلام إذ ذاك في كتب طائفة من الفلاسفة الإلهية، وهي أن الله موجب بالذات، بمعنى: أنه لا يتعلق الفعل بإرادته ومشيئته، بل بين الذات والفعل التلازم بين من جهة تلازم الفعل والمفعول.

    ومحصل النتيجة من هذه الجملة: القول بقدم العالم، وهذا مذهب إلحادي كفري كان يقول به طائفة من الفلاسفة كـ أرسطو وأمثاله.

    فأراد المتكلمون من الجهمية والمعتزلة الرد على ذلك، فقالوا: إن الله قادر، ولا يسمى موجباً بالذات، بمعنى: حدث الفعل له بعد أن لم يكن، وهذا الرد أبطل مسألة قدم العالم من وجه، لكنه عطل الباري سبحانه وتعالى عن صفة الكمال ..

    لأنه يلزم على قولهم أن يكون الله سبحانه وتعالى فيما قبل ذلك معطلاً عن صفات الكمال، وهذا التعطيل ليس له تناهٍ لأن الله لا أول له.

    ولهذا كان السلف يقولون: إن الله لم يزل متصفاً بصفات الكمال من الكلام والفعل والإرادة والعلم والخلق والتدبير

    إلى غير ذلك من الصفات، فهي صفات أزلية.

    فقوله: (ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه).

    هذا مباينة من المصنف لمذهب المعتزلة، لأن المعتزلة لا تثبت الصفات، لكن المصنف لم يباين مذهب أبي الحسن الأشعري صراحة؛ لأن الأشعري يقول بإثبات جملة من صفات الله، ولكنه يجعل هذه الصفات قديمةً، ويجعل الفعل حادثاً بعد أن لم يكن، وهذا من تناقض الأشعري.

    والمتحقق المجمع عليه بين أئمة السنة والجماعة: أن الله سبحانه وتعالى موصوف بالصفات، وأن فعله سبحانه وتعالى لا أول له، بل لم يزل فاعلاً،

    ولا يصح بإجماع السلف أن يُقال: إن الفعل حدث له بعد أن لم يكن.

  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الدولة
    المملكة العربية السعودية
    المشاركات
    2,542

    افتراضي رد: فوائد من شرح الطحاوية... للشيخ الدكتور يوسف الغفيص وفقه الله

    (32)

    [قدم الصفات والأفعال]

    وفي قوله: (ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه) إشارة إلى مسألة حدث بموجبها تعطيل الصفات:

    ومنشؤها أن أول ما ظهر علم الكلام على يد الجهمية والمعتزلة كانت هناك مقالة اطلع عليها علماء الكلام إذ ذاك في كتب طائفة من الفلاسفة الإلهية، وهي أن الله موجب بالذات، بمعنى: أنه لا يتعلق الفعل بإرادته ومشيئته، بل بين الذات والفعل التلازم بين من جهة تلازم الفعل والمفعول.

    ومحصل النتيجة من هذه الجملة: القول بقدم العالم، وهذا مذهب إلحادي كفري كان يقول به طائفة من الفلاسفة كـ أرسطو وأمثاله.

    فأراد المتكلمون من الجهمية والمعتزلة الرد على ذلك، فقالوا: إن الله قادر، ولا يسمى موجباً بالذات، بمعنى: حدث الفعل له بعد أن لم يكن، وهذا الرد أبطل مسألة قدم العالم من وجه، لكنه عطل الباري سبحانه وتعالى عن صفة الكمال ..

    لأنه يلزم على قولهم أن يكون الله سبحانه وتعالى فيما قبل ذلك معطلاً عن صفات الكمال، وهذا التعطيل ليس له تناهٍ لأن الله لا أول له.

    ولهذا كان السلف يقولون: إن الله لم يزل متصفاً بصفات الكمال من الكلام والفعل والإرادة والعلم والخلق والتدبير

    إلى غير ذلك من الصفات، فهي صفات أزلية.

    فقوله: (ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه).

    هذا مباينة من المصنف لمذهب المعتزلة، لأن المعتزلة لا تثبت الصفات، لكن المصنف لم يباين مذهب أبي الحسن الأشعري صراحة؛ لأن الأشعري يقول بإثبات جملة من صفات الله، ولكنه يجعل هذه الصفات قديمةً، ويجعل الفعل حادثاً بعد أن لم يكن، وهذا من تناقض الأشعري.

    والمتحقق المجمع عليه بين أئمة السنة والجماعة: أن الله سبحانه وتعالى موصوف بالصفات، وأن فعله سبحانه وتعالى لا أول له، بل لم يزل فاعلاً، ولا يصح بإجماع السلف أن يُقال: إن الفعل حدث له بعد أن لم يكن.

    [خلاصة المذاهب في قدم الأفعال والصفات]

    فالحاصل أن المذاهب في أزلية الصفات ثلاثة:

    المذهب الأول: مذهب السلف الذين يقولون بأزلية الصفات وأزلية الأفعال، فلم يزل الرب فاعلاً كما أنه لم يزل متصفاً بصفات الكمال، وأفعاله من صفاته، ومسألة الفعل هي المميزة عن مذهب الأشاعرة.

    المذهب الثاني: مذهب الجهمية والمعتزلة نفاة الصفات، ويقولون: إن الفعل حدث بعد أن لم يكن، فهذا تعطيل محض.

    المذهب الثالث: وهو مذهب الأشعرية الذين يقولون بأزلية الصفات، ويتفقون على إثبات سبع صفات هي: الحياة، والكلام، والبصر، والسمع والإرادة، والعلم، والقدرة.

    ويزيد بعض متقدميهم ومحققيهم غير هذه السبع، وكلها عندهم قديمة، وأما الفعل عندهم فحدث بعد أن لم يكن.

    واتفاق السلف مع الأشاعرة على أزلية الصفات اتفاق مجمل، ولا يعني أن مذهب السلف في الصفات موافق لمذهب الأشاعرة، بل بينهم فرق من جهة حقيقة ما يثبت من الصفات، ومن جهة ما تتضمنه الصفة من الفعل كصفة الكلام مثلاً، فإن السلف يقولون: إن الله لم يزل موصوفاً بصفة الكلام.

    والأشاعرة يقولون: إن الله لم يزل موصوفاً بصفة الكلام، لكن الكلام عند الأشاعرة معنىً واحد قائم في النفس ليس بحرف ولا صوت.

    وأما السلف فعندهم الكلام بحرف وصوت ويتعلق بالإرادة والمشيئة ..

    وينتبه لمثل هذا في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله -ولا سيما في كتبه الكبار- فمثلاً لما أراد أن يرد على الأشاعرة في مسألة الحكمة والتعليل، قال: وهذا القول الذي ذكره الأشعري أصله قول جهم بن صفوان، وجمهور المسلمين من السلف والأئمة وأهل الحديث والمعتزلة وجمهور طوائف الشيعة يثبتون الحكمة.

    فجعل كل هؤلاء مثبتةً للحكمة والتعليل، ومعنى هذا: أنهم يتفقون على إثبات الحكمة والتعليل إجمالاً، وإلا فالمعتزلة تثبت الحكمة التي تعود إلى العبد فقط، وتتعلق بمصالح العباد، لكن لا يثبتون حكمة تتعلق أو تقوم بذات الله سبحانه وتعالى فعلاً له وإرادة له، وهذا خلاف قول السلف.

    فينبغي لطالب العلم إذا ذكر له موافقة طائفة من الطوائف الكلامية لأهل السنة أن يتبين، فإن جمهور هذه الموافقات تكون موافقات مجملة ليست مفصلة، وقد يقع شيء من التفصيل في هذا.

    [الكلام على تسلسل الحوادث]

    والمصنف رحمه الله لم يتطرق لمسألة حدوث الفعل، ولربما يمكن أن يقال: إن ظاهر عبارة الإمام الطحاوي أنه يميل إلى أن الفعل حدث فيما بعد، وهذا يؤدي إلى الكلام عن مسألة تسلسل الحوادث.

    وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تكلم على هذه المسألة بكلام طويل، وهي لا شك مشكلة، لكن الذي قرره شيخ الإسلام على جهة الإجمال هو: أن الحوادث لا أول لها، وليس معنى هذا الإقرار بمسألة قدم العالم، فإن الشيء الحادث هو المسبوق بالعدم، ويمتنع على هذا قدم العالم، لأنه لا بد من سبق العدم، ومراد شيخ الإسلام رحمه الله إبطال مذهب الجهمية والمعتزلة وجماهير الأشاعرة الذين قالوا: إن الفعل حدث بعد أن لم يكن، فيرى شيخ الإسلام رحمه الله أن الله سبحانه وتعالى لم يزل متصفاً بالفعل، وأن كل فعل فإنه من جهة آحاده مسبوق بفعل قبله، وأن الفعل من حيث آحاده لا أول له، ولا يلزم على هذا قدم شيء من المفعولات؛ لأن كل فعل مسبوق بفعل قبله.

    هذا المذهب هو الذي قرره شيخ الإسلام، وحكى أنه إجماع أئمة السنة المتقدمين.

  5. #25
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الدولة
    المملكة العربية السعودية
    المشاركات
    2,542

    افتراضي رد: فوائد من شرح الطحاوية... للشيخ الدكتور يوسف الغفيص وفقه الله

    (33)

    [تجدد الصفات والأفعال]

    قال المصنف رحمه الله: [لم يزدد بكونهم شيئاً لم يكن قبلهم من صفته].

    هذه جملة مجملة، وبيان هذا: أن ابن كلاب والأشعرية تبعاً له لا يرون مسألة تجدد الصفة، ولهذا لما تكلم الحارث بن أسد على العلم في قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ} [البقرة:١٤٣] قال: إن العلم هنا هو علم الظهور، بمعنى أنه لم يتجدد علم له سبحانه وتعالى؛ ولهذا لما بلغ الإمام أحمد رحمه الله قول الحارث بن أسد هجره، واختلف الناس في تعليل هجر الإمام أحمد له، والذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه لقوله هذا في مسألة الفعل المتجدد.

    ويبين شيخ الإسلام المقصود بالعلم فيقول: والعلم بالشيء موجوداً ليس هو العلم به مقدراً باتفاق العقلاء، ولا شك أن الله سبحانه علم ما كان وما سيكون، ولكن قوله تعالى: {إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ} [البقرة:١٤٣] هذا من إثبات العلم، والله موصوف بالعلم أزلاً، والعلم بالشيء موجوداً ليس هو العلم بالشيء مقدراً، وهذا لا يرجع إلى نقص في علم الله؛ إذ إن العلم هنا تعلق بالموجود، والعلم في الأول تعلق بالمقدر.

    وابن كلاب والأشعري وأتباعهم لا يثبتون هذا الفرق، وهذا فرع عن قولهم: إن العلم واحد أزلي، والكلام واحد أزلي، وكذا القدرة والإرادة، وهلم جراً.

    فقوله رحمه الله: (لم يزدد بكونهم شيئاً لم يكن قبلهم من صفته) إن أراد أن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير قبل خلقهم وبعد خلقهم، وأنه لم تحدث له صفة مختصة من جهة أصلها، بمعنى أن الصفات قديمة وأزلية فهذا صحيح، وإن أراد أن صفة الفعل لا أثر لها في ذاته سبحانه وتعالى، فلا شك أن هذا هو المذهب الذي كان يقول به الأشعري وابن كلاب، ويرون أنه لا فرق في أفعال الرب سبحانه بين حاله سبحانه قبل الفعل وبعده، فالجملة هنا ليست محكمة، ولهذا تأولها علماء الأشاعرة الذين شرحوا الكتاب على وفق مرادهم.

    قال المصنف رحمه الله: [وكما كان بصفاته أزلياً كذلك لا يزال عليها أبدياً].

    هذه جملة حسنة، فإنه يقرر أن الله سبحانه لم يزل ولا يزال متصفاً بصفات الكمال، وهذا متفق عليه بين أئمة السنة والجماعة، وهذه جملة لا إشكال فيها.

    ثم قال رحمه الله: [ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق، ولا بإحداث البرية استفاد اسم الباري].

    إن أراد أن صفات الله سبحانه وتعالى أزلية، وأنه سبحانه وتعالى له الصفات ولم يكن شيء معه، وأنه الأول كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء) وصفاته ليست محصلةً من مفعولاته ..

    فهذا صحيح.

    وإن أراد أن الفعل حدث بعد أن لم يكن فلا شك أن هذا المذهب هو الذي اتفق السلف على إبطاله، ودخل على أبي الحسن الأشعري من جهة المعتزلة، وإن كان قد ترك مذهبهم.

    قال المصنف رحمه الله: [له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالق ولا مخلوق].

    هذا تأكيد لما تقدم في كلامه، وقوله: (له معنى الربوبية ولا مربوب) أي: قبل وجود المربوب، (ومعنى الخالق) أي: اسم الخالق، (ولا مخلوق) أي: قبل وجود المخلوق، وهذا كلام محتمل وإذا كان الكلام محتملاً فيجب أن يبين كونه محتملاً، ثم يفسر بما هو مناسب لمقاصد السلف، وأما التكلف في تأويل الكلام فليس منهجاً صحيحاً.


  6. #26
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الدولة
    المملكة العربية السعودية
    المشاركات
    2,542

    افتراضي رد: فوائد من شرح الطحاوية... للشيخ الدكتور يوسف الغفيص وفقه الله

    (34)

    [قدم أسماء الله وصفاته سبحانه]

    قال المصنف رحمه الله: [وكما أنه محيي الموتى بعدما أحيا، استحق هذا الاسم قبل إحيائهم، كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم].

    إن أراد المصنف رحمه الله بعباراته هذه أن الله سبحانه وتعالى لم يزل مسمّى بهذه الأسماء التي سمى بها نفسه،

    وهذه الصفات التي وصف بها نفسه؛ فهذا لا إشكال فيه، ولكن لا يفهم من هذا أنه فيما لم يزل سبحانه وتعالى ليس له من الاسم والصفة إلا اسمها فقط،

    فإن الاسم يتضمن صفةً وفعلاً،

    ومن أسمائه الرحمن والرحيم والعليم والقدير والسميع، وهذه تتضمن صفاتٍ وأفعالاً.

    فإن أراد بقوله: (وكما أنه محيي الموتى إلخ)،


    أن الأسماء والصفات أزلية فهذا صحيح، وإن أراد أن المقصود من أزليتها اسمها فقط، وأن حقائقها حدثت بعد أن لم تكن فلا شك أن هذا مذهب باطل،

    وقد كان هذا المذهب ينتحله الأشاعرة، وإن كانوا يجملون في حروفه، ولكن مذهبهم على التحقيق يصل إلى هذا المعنى.


  7. #27
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الدولة
    المملكة العربية السعودية
    المشاركات
    2,542

    افتراضي رد: فوائد من شرح الطحاوية... للشيخ الدكتور يوسف الغفيص وفقه الله

    (35)

    [عموم قدرة الله تعالى]

    قال المصنف رحمه الله: [ذلك بأنه على كل شيء قدير].

    قدرته سبحانه وتعالى على كل شيء مجمع عليها بين المسلمين، وقوله تعالى: {إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة:٢٠]

    هذا الحرف من القرآن اتفق المسلمون عليه، لكن يورد المعتزلة وطوائف أخرى مسألة تعلق القدرة بما يسمونه المستحيلات.

    فقالت طائفة من المفسرين: قوله تعالى: {إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة:٢٠]، عام مخصوص، خُصَّ منه الممتنع لذاته، فلا يدخل تحت القدرة، فجعلوا السياق عاماً مخصوصاً.

    وقالت طائفة: هذا سياق عام أريد به الخصوص -أي: الممكن- فلا يدخل فيه الممتنع لذاته.

    وقالت المعتزلة: إن الممتنع لذاته شيء ولكنه لا يدخل تحت القدرة.

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

    (والصواب الذي عليه أهل السنة أن الله على كل شيء قدير، وأن هذا العموم محفوظ لم يدخله تخصيص ولا أريد به الخصوص، بل هو على عمومه، وأما الممتنع لذاته فإنه ليس بشيء، فلا يكون داخلاً في الآية أصلاً، إنما هو فرض يفرضه الذهن لا حقيقة له في الخارج، والقدرة تتعلق بما يمكن وجوده في الخارج).

    فممكن الوجود لم ينازع أحد من الطوائف في كونه داخلاً في قدرة الله، إلا ما كان من المعتزلة في مسألة أفعال العباد فإنهم قالوا: إنها ليست بمقدورة لله، لأن العبد عندهم يخلق فعل نفسه.

    قال المصنف رحمه الله: [وكل شيء إليه فقير، وكل أمر عليه يسير، لا يحتاج إلى شيء {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى:١١]].

    هذه الجمل محكمة مجمع عليها بين الطوائف، وليس فيها ما هو مشكل أو مشتبه، أما قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى:١١]

    فإنها من أخص الآيات التي يذكرها أئمة السلف رحمهم الله في توحيد الأسماء والصفات،

    لأن فيها جمعاً بين الرد على المعطلة والمشبهة، فإن قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:١١] رد على المشبهة والممثلة،

    وقوله: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى:١١] رد على معطلة الأسماء والصفات.

    وتتضمن الآية أن إثبات صفاته سبحانه وتعالى لا يلزم منه التشبيه والتمثيل، وهذا هو الإشكال الذي دخل على كثير من الطوائف المعطلة الذين زعموا أن إثبات الصفات مستلزم للتشبيه والتعطيل.

  8. #28
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الدولة
    المملكة العربية السعودية
    المشاركات
    2,542

    افتراضي رد: فوائد من شرح الطحاوية... للشيخ الدكتور يوسف الغفيص وفقه الله

    (36)


    [أصلان مهمان في باب الأسماء والصفات]


    وهنا أصلان مهمان من كلام شيخ الإسلام في باب الأسماء والصفات، ذكره في درء التعارض ولخصه في التدمرية،




    يقول رحمه الله:


    (وجمهور الغلط الذي حار فيه كثير من الأذكياء في مسألة الصفات هو ظنهم أن الاشتراك في الاسم المطلق يلزم منه المماثلة عند الإضافة والتخصيص).


    بيان هذا الكلام: أن الله سبحانه سمى نفسه فقال: {إِنَّ الله كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً} [النساء:٥٨] وقال عن عبده: {إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً} [الإنسان:٢]




    وقال عن نفسه وعنهم: {رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [المائدة:١١٩] {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة:٥٤]،


    وقال: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ} [الحشر:٢٣] فسمى نفسه الملك، وقال عن عبده: {وَقَالَ الْمَلِكُ} [يوسف:٤٣]


    ، وسمى نفسه العزيز وقال عن عبده {قَالَتْ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ} [يوسف:٥١]، وقال: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله} [الأنفال:٣٠]، إلى غير ذلك.


    فالملك والرضا والمحبة ..


    هذه أسماء مطلقة، أي: لم تضف ولم تخصص ولم تقيد، لكن إذا أضيف اللفظ فقيل: رضا الله، صارت الصفة متعلقةً بموصوفها، وإذا قيل: رضا زيد صارت الصفة متعلقة بموصوفها، فيمتنع أن يكون الرضا اللائق بالله هو الرضا اللائق بزيد؛ لأن بين الموصوفين تبايناً، فيلزم أن تكون الصفة في الموصوف الأول مباينةً للصفة في الموصوف الثاني، وإن كان الاسم مشتركاً.


    يبين ذلك ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله حيث قال: (ويتبين هذا الأصل بأصلين شريفين ومثلين مضروبين: الأصل الأول أن القول في الصفات كالقول في الذات).


    لفظ الذات لم يستعمل في الكتاب ولا في السنة، وأصل الذات هو مؤنث (ذو) الذي هو من الأسماء الخمسة، التي تستعمل مضافةً، فتقول: ذو علم، وذو سمع، وذو بصر، فلفظ الذات في الأصل لفظ حادث، ولكنه استعمل في كلام طائفة من أهل العلم على مقصد صحيح.


    فالقول في صفات الله كالقول في ذاته، وإن شئت فقل: فرع عن القول في الذات، وهذا رد على المعتزلة والجهمية.


    قال: (الأصل الثاني: القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر)، فمن زعم في صفة الإرادة أو المحبة أو الغضب أنه يلزم منها التشبيه فيلزمه هذا في صفة العلم، وصفة السمع وغيرها مما يثبته.


    قال: (والمثل الأول: نعيم الجنة، فالله أخبرنا أن في الجنة خمراً وماءً وعسلاً، والدنيا فيها خمر وماء وعسل)، فالاسم واحد وفيه اشتراك، وأما الحقائق فبينها اختلاف، فإذا كان الاشتراك في الاسم الواحد بين المخلوقات لا يلزم منه تماثلها فبين الخالق والمخلوق من باب أولى.


    قال: (والمثل الثاني: الروح، وقد وصفت بصفات، اشتركت فيها مع الجسد في الاسم مع تباينها في الحقيقة، فكذلك الخالق والمخلوق من باب أولى).

  9. #29
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الدولة
    المملكة العربية السعودية
    المشاركات
    2,542

    افتراضي رد: فوائد من شرح الطحاوية... للشيخ الدكتور يوسف الغفيص وفقه الله

    (37)

    [أصول القدر عند أهل السنة والجماعة]

    قال المؤلف عليه رحمة الله: [ذلك بأنه على كل شيء قدير، وكل شيء إليه فقير، وكل أمر عليه يسير، لا يحتاج إلى شيء، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى:١١]، خلق الخلق بعلمه، وقدر لهم أقداراً، وضرب لهم آجالاً، ولم يخفَ عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم، وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته، وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئته تنفذ، لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان، وما لم يشأ لم يكن، يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلاً، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلاً، وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله، وهو متعال عن الأضداد والأنداد، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره، آمنا بذلك كله، وأيقنا أن كلاً من عنده].

    هذه الجمل التي ذكرها الطحاوي رحمه الله ظاهر سياقها أنه يشير بها إلى أصول أهل السنة في مسألة القدر، وهي مسألة عظيمة تعتبر من أخص مسائل الإيمان؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين أنه قال: (الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتابه، ورسله، والبعث، والقدر خيره وشره).

    وقد اتفق المسلمون على أن من أصول الإيمان بالله: الإيمان بقضائه وقدره، وهذا الأصل مجمع عليه بين سائر طوائف المسلمين من حيث أنه أصل كلي؛ فإن من كذب بالقدر فهو كافر معاند لله سبحانه وتعالى.

    والمراد باتفاق المسلمين على هذا الأصل الإيمان المجمل، وإلا فإنه يعلم أن طوائف من هذه الأمة قد غلطت في هذه المسألة الشريفة، وأصول أهل السنة والجماعة في القدر سبعة، وهي متضمَّنَة في كلام المصنف في هذه الجمل.

    [الأصل الأول: عموم علم الرب تعالى]

    الأصل الأول هو: الإيمان بعموم علم الرب سبحانه وتعالى، فإنه قد علم ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون.

    وهذا الأصل هو أشرف أصول القدر، وأخصها عند المسلمين، لأن سائر الأصول من بعده مبنية عليه، وكان السلف رحمهم الله يردون إلى هذا الأصل في مقام الرد على المخالفين، وقد دل على هذا الأصل العقل والفطرة والسمع، وهو المذكور في مثل قوله تعالى: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك:١٤] وفي مثل قوله تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [الأنعام:٥٩] إلى غير ذلك من النصوص القرآنية، الدالة على أن الله سبحانه وتعالى بكل شيء عليم.

    وأما الفطرة: فإن الله فطر الخلق على الإقرار بأنه الخالق، ومن لازم كونه خالقاً أن يكون عليماً، فإنه سبحانه وتعالى قال: (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ)، ولهذا قال المصنف: (خلق الخلق بعلمه)، أي: أنه خلقهم عالماً بهم، فما يكون من نجوى، وما يكون من هَمٍّ في نَفْسٍ، وما يكون من حركة إلى غير ذلك، فإن الله سبحانه وتعالى قد علمها قبل كونها.

    والإيمان بأصل علمه سبحانه وتعالى مستقر عند جمهور بني آدم، ولم ينازع فيه إلا من أنكر الخالق سبحانه وتعالى، ولهذا قيل: (الإيمان بعموم علم الرب) لتتقرر بهذا مسألة وهي: أنه دخل في عموم علمه سبحانه وتعالى علمه بأفعال العباد، وهذا هو المقصود من تقرير هذا الأصل في هذا الباب.

  10. #30
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الدولة
    المملكة العربية السعودية
    المشاركات
    2,542

    افتراضي رد: فوائد من شرح الطحاوية... للشيخ الدكتور يوسف الغفيص وفقه الله

    (38)

    [الأصل الثاني: الكتابة]

    الأصل الثاني: الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى كتب في اللوح المحفوظ كل شيء،
    كما قال تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام:٣٨]، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري من حديث عمران، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وكتب في الذكر كل شيء).

    فسائر أفعال العباد مكتوبة قبل خلقهم، ولهذا جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء)، والكتابة جاءت مجملة ومفصلة.

    ويدخل في عموم الإيمان بهذا الأصل ما تكتبه الملائكة عن كون الإنسان المعين، من الرزق والأجل، والشقاوة والسعادة، وكونه ذكراً أو أنثى، كما جاء في الصحيحين من غير وجه عن عبد الله بن مسعود، وكما جاء في الصحيح من حديث حذيفة بن أسيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه ..
    إلخ) وهو حديث مشهور معلوم.

    وهذا الأصل دليله السمع، وهو الدلائل الشرعية من الكتاب والسنة، بمعنى: أن الله لولا أنه أخبرنا في كتابه، وأن رسوله صلى الله عليه وسلم حدثنا بهذا الأصل؛ لما كان من شرط العقل أو اقتضاء الفطرة إثبات الكتابة، بخلاف الأصل الأول (العلم) فإن الإيمان به سمعي، وفطري وعقلي.

    ولا يُفهم من هذا أن العقل أو الفطرة تنازع في هذا الأصل أو تنافيه؛ فإن عندنا قاعدة، وهي: أن كل ما أخبر به الله سبحانه وتعالى أو أخبر به رسله فإنه لا بد أن يكون موافقاً للعقل والفطرة، ولكن فرق بين كون هذا الخبر عُلم بالسمع، ثم العقل والفطرة لا تنافيه، وبين كونه معلوماً بأصل العقل أو الفطرة، ونزل الخبر به.

    ولهذا فإننا إذا ذكرنا الصفات مثلاً، فقلنا: إن صفة العلو دليلها العقل والشرع، فمعنى هذا: أن العقل والفطرة تدل على إثبات علو الرب سبحانه، وأما صفة الاستواء على العرش فهي صفة دل عليها الشرع؛ لأن الله أخبرنا أنه استوى على العرش، فالعقل قبل ورود الشرع لا يدركها ولا يقتضيها؛ لأنها غيب محض

    ولكن كل ما أخبر به الشرع مما جاء في الكتاب أو السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم فإن العقل والفطرة يقتضيه حال كونه خبراً ثابتاً، وفرق بين دلالة العقل على الشيء حال كونه خبراً ثابتاً، وبين دلالة العقل على الشيء قبل ثبوته.

    وقد قرر شيخ الإسلام رحمه الله قاعدة وهي: (أن الرسل تخبر بمحارات العقول لا بمحالات العقول).

    ومراده بالمحارات: أي ما يتحير العقل في تصوره، لكن لا يمكن أن يحيل العقل شيئاً أخبرت به الرسل، فمن أحال عقله شيئاً من ذلك، فهذا دليل على فساد في عقله، وغلط في فهمه وإدراكه.

  11. #31
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الدولة
    المملكة العربية السعودية
    المشاركات
    2,542

    افتراضي رد: فوائد من شرح الطحاوية... للشيخ الدكتور يوسف الغفيص وفقه الله

    (39)
    [الأصل الثالث: عموم خلق الله تعالى]
    الأصل الثالث: الإيمان بعموم خلقه سبحانه وتعالى، وإثبات خلق الله سبحانه وتعالى للخلق مستقر عند جماهير بني آدم، إلا من ألحد وأنكر الخالق سبحانه وتعالى؛ ولهذا كان مشركو العرب يقرون بأن الله هو الخالق.

    وإنما قيل: الإيمان بعموم خلقه؛ ليدخل في هذا العموم أفعال العباد، وهذا هو المقصود عند أهل السنة من ذكر هذا الأصل، وعن هذا صنف الإمام البخاري رحمه الله كتاب (خلق أفعال العباد)، وهي مسألة النزاع فيها مشهور.

    ومن أخرج أفعال العباد عن هذا الأصل، فقد أخرج من هذا الأصل ما هو منه بغير حجة ودليل، إذ إن من المستقر عند سائر العقلاء أن أفعال العباد شيء؛ فتدخل في عموم قوله تعالى: {الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد:١٦].

    وليس معنى كونه سبحانه وتعالى خالقاً لأفعال العباد أنه هو الفاعل لها، بل الفاعل للفعل هو العبد؛ ولهذا أخبر الله في كتابه أن العباد هم الصائمون، القائمون، المصلون، الساجدون، الراكعون، وأخبر أن منهم المؤمن ومنهم الكافر، فأضاف الأفعال إلى العباد.

    [الأصل الرابع: الإيمان بعموم مشيئة الله تعالى]

    الأصل الرابع: الإيمان بعموم مشيئته سبحانه وتعالى، فإن كل ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولا ينازع أحد من المسلمين بل ولا من جماهير الكفار في كون الباري متصفاً بالمشيئة؛ على معنى أن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأما معنى الاتصاف بالصفة التي هي قيام الصفة بموصفوها، فهذا باب آخر، ينازع فيه المعتزلة وطوائف.

    ولهذا نجد أن طرفة بن العبد -وهو جاهلي- يذكر هذا المعنى في شعره، فيقول:

    فلو شاء ربي كنت قيس بن خالد ... ولو شاء ربي كنت عمرو بن مرثد

    وأصبحت ذا مال كثيرٍ وزارني ... بنون كرام سادة لمسود

    بل إن الله ذكر هذا في كتابه عن المشركين في قوله سبحانه: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ الله مَا أَشْرَكْنَا} ، وإنما عاب الله عليهم ذلك، لأنهم احتجوا بالقدر على إسقاط الشرع الذي هو التوحيد، وإلا فإن شركهم بمشيئة الله.

    وإنما قيل: الإيمان بعموم مشيئته، ليدخل في ذلك أفعال العباد، فإن سائر أفعال العباد سواء كانت أفعالاً عادية أو من الطاعة، أو من المعاصي والفسوق والكفر، فهي بمشيئة الله سبحانه وتعالى، وإن كان سبحانه وتعالى قد يكره المعاصي والكفر ولا يرتضيه لعباده.

  12. #32
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الدولة
    المملكة العربية السعودية
    المشاركات
    2,542

    افتراضي رد: فوائد من شرح الطحاوية... للشيخ الدكتور يوسف الغفيص وفقه الله

    (40)

    [الأصل الخامس: أن للعباد مشيئة حقيقية]

    الأصل الخامس: الإيمان بأن للعباد مشيئة على الحقيقة، وهي تابعة لمشيئة الله سبحانه وتعالى كما قال سبحانه: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الله رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير:٢٩].


    ولفظ الحقيقة استعمل في كلام طائفة من أهل السنة في بعض مسائل القدر والصفات والإيمان والأسماء والأحكام، مع أن هذا اللفظ لم يستعمل في النصوص، وإنما استعمله من استعمله؛ لأن طائفة من متكلمة الصفاتية المنتسبين إلى أهل السنة والجماعة، صاروا يستعملون ألفاظاً وجملاً لأهل السنة المتقدمين، وصاروا يتأولونها على المجاز عند تفصيلها.

    فمثلاً: الجبرية لا يثبتون مشيئة للعبد، فلما جاء متكلمة الصفاتية، كـ أبي الحسن الأشعري وأصحابه، قالوا: إن للعبد مشيئة، فخالفوا الجبرية بذلك، ولكنهم لم يجعلوا هذه المشيئة على الحقيقة، وإنما جعلوها مشيئة مجازية.

    ولهذا فإنك تجد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كثيراً ما يقول: وأنه سبحانه وتعالى فوق عرشه على الحقيقة، وأنه مستوٍ على عرشه على الحقيقة، لأن جملة: (مستوٍ على العرش)، يقر بها كثير من متكلمة الصفاتية، ومن تأثر بهم من الفقهاء، لكنهم لا يسلمون أن هذه الجملة على الحقيقة، بل يقولون: على المجاز، ثم يتأولون المجاز على أكثر من معنى، وقد يختلفون فيه.

    ومن حيث الأصل لا ينبغي أن يستعمل هذا التقييد لسببين:

    السبب الأول: أن الأصل في الكلام الشرعي وكلام الأئمة عدم التقييد.

    السبب الثاني: أن استعمال لفظ الحقيقة، يكون فيه إقرار بتقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز، والمشهور في تعريف الحقيقة أنها لفظ مستعمل فيما وضع له، والمجاز لفظ مستعمل في غير ما وضع له؛ وهذا التقسيم عليه إشكالات كثيرة منها:

    أنهم يقولون إن الحقيقة هي اللفظ المستعمل فيما وضع له، والمجاز اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، فأثبتوا معنيين: الوضع والاستعمال.

    والاستعمال هو استعمال العرب، وعليه فيكون الوضع سابقاً للاستعمال، وهنا يأتي السؤال: من هم الذين وضعوا اللغة؟

    ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله في رده لهذه المسألة: (إن التعريف فيه تعذر من جهة العلم؛ فإنه يستلزم العلم بالوضع والعلم بالاستعمال، أما العلم بالاستعمال فإنه ممكن؛ لأنه استعمال العرب، وأما الوضع فإنه متقدم عليه ليس بمتحصل العلم)، قال: (وعن هذا تكلم من تكلم من المعتزلة في أصل وضع اللغة ومبدئها).

    ومن فقه الأئمة رحمهم الله أنه قد يُستعمل من الكلام في أبواب أصول الدين ما يكون مقتضى استعماله هو قول المخالفين، ولهذا لما ناظر الإمام أحمد أئمة الجهمية، كان من سؤال الإمام أحمد لأحد أعيانهم أن قال له: قولكم بأن القرآن مخلوق، هذا من الدين أو ليس من الدين؟

    فقال الجهمي: إنه من الدين.

    قال: أهذا الدين علمه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي أو لم يعرفوه؟

    فقال الجهمي: بل عرفوه.

    فقال الإمام أحمد: أين في كلام الرسول وأصحابه أن القرآن مخلوق؟ فانقطع.

    ولما كان مجلسٍ آخر، استعمل الجهمي نفس الحجة، فقال للإمام أحمد: القرآن ليس مخلوقاً، أهذا من الدين؟ فقال الإمام أحمد: نعم.

    فقال الجهمي: أعرفه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي أو لم يعرفوه؟

    قال أحمد: بل عرفوه.

    فقال للإمام أحمد: أين في كلام الرسول وأصحابه أن القرآن ليس مخلوقاً؟

    قال الإمام أحمد: اسكتوا نسكت، أي: أن أئمة السنة قالوا: القرآن ليس مخلوقاً، من باب النفي لباطل طرأ على الدين، ولو لم تقل الجهمية: إن القرآن مخلوق، لكان تعبير الأئمة: إن القرآن كلام الله، ولا يحتاجون أن يقولوا: ليس بمخلوق، لأن ما كان كلاماً لله فإنه بالضرورة ليس مخلوقاً، لأن كلامه صفة من صفاته، ولهذا لا يوجد في كلام الأئمة أن يقولوا: سمع الله ليس مخلوقاً، أو علم الله ليس مخلوقاً، لأنه لم يقل أحد بخلقه.

    والقاعدة العقلية الشرعية: أن الباطل إذا طرأ يجب نفيه، ولهذا لما أشرك من أشرك، وزعم من زعم أن لله ولداً، قال الله تعالى: {مَا اتَّخَذَ الله مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ} [المؤمنون:٩١].

  13. #33
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الدولة
    المملكة العربية السعودية
    المشاركات
    2,542

    افتراضي رد: فوائد من شرح الطحاوية... للشيخ الدكتور يوسف الغفيص وفقه الله

    (41)
    [الأصل السادس: إثبات الحكمة في أفعال الله]
    الأصل السادس: الإيمان بأن سائر أفعاله وخلقه وأمره سبحانه وتعالى لحكمة أرادها الله سبحانه وتعالى، وقال سبحانه: {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف:٥٤]، والحكمة التي أجمع عليها السلف رحمهم الله، ليست هي الحكمة التي يثبتها المتكلمون من المعتزلة وغيرهم، فإن إثباتهم فيها قاصر، فإن السلف كما قرر شيخ الإسلام، يؤمنون بحكمة الباري سبحانه وتعالى، المتعلقة بذاته صفة له، والمتعلقة بمفعولاته على ما تقتضيه هذه الحكمة، نعمةً، أو ابتلاءً، أو عقوبة، أو غير ذلك، ولهذا قد يكون الشيء الواحد لبعض العباد نعمة ولبعضهم عقوبة، ولبعضهم ابتلاءً ومحنة.
    مثال ذلك المال؛ فإن الله سبحانه وتعالى آتى داود مالاً عظيماً، فقال: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ} [سبأ:١٠].
    ولاشك أن هذا الملك والمال الواسع الذي أوتيه داود عليه الصلاة والسلام هو نعمة، ولذلك سماه الله سبحانه وتعالى فضلاً، وأضافه إليه فقال: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا).
    وقد يكون المال عقوبة، كقوله تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام:٤٤] قال طائفة من السلف: فتح الله عليهم الدنيا، وكما في قوله تعالى: {وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} [الكهف:٢٨]، والإغفال قد يكون بالدنيا، وقد يكون بغيرها، ولهذا قال الله تعالى لنبيه: {وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} [طه:١٣١].
    وقد يكون المال ابتلاءً ومحنة كالولد، كما قال تعالى: {أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ} [الأنفال:٢٨]، وكل هذا يرجع إلى حكمته سبحانه وتعالى وقضائه وعدله، أو فضله وإحسانه.

    [الأصل السابع: عدم التعارض بين الشرع والقدر]
    الأصل السابع: الإيمان بأن العباد مأمورون بما أمرهم الله به، منهيون عما نهاهم الله عنه، مع الإيمان بوعده ووعيده، وأنه لا حجة لأحد من الخلق على الله سبحانه وتعالى بل لله الحجة البالغة، وأن عموم قدره وقضائه ومشيئته وحكمه وإرادته لا يصح أن يكون معارضاً لشيءٍ من أمره وشرعه.
    ومحصل هذا الأصل أن السلف يؤمنون بالجمع بين مقام الشرع ومقام القدر.

  14. #34
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الدولة
    المملكة العربية السعودية
    المشاركات
    2,542

    افتراضي رد: فوائد من شرح الطحاوية... للشيخ الدكتور يوسف الغفيص وفقه الله

    (42)

    [أقوال الفرق الأخرى في الأصول السبعة للقدر]

    الطوائف التي نازعت في هذه الأصول:

    الأصل الأول: الإيمان بعموم علم الرب: لم ينازع أحد من المسلمين في كون أفعال العباد داخلة في هذا العموم، وإنما ظهر قوم من غلاة القدرية، يزعمون أن الله سبحانه وتعالى لا يعلم أفعال العباد إلا عند كونها، وهؤلاء الغلاة ليسوا من الإسلام في شيء، وقد أجمع السلف وجماهير طوائف المسلمين على تكفيرهم بأعيانهم، وقد صرح بتكفير هذا النوع من القدرية بعض أئمة الصحابة الذين أدركوا هذه البدعة.

    كما صرح بتكفيرهم من الأئمة: أحمد، ووكيع، وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم من متقدمي أئمة السنة والجماعة.

    بل إن المعتزلة -وهم قدرية- قد صرحوا في كتبهم بأن منكر العلم من الكفار ولا ينسبون إلى الإسلام، فهؤلاء لا يعدون في أهل القبلة.

    الأصل الثاني: الكتابة، وهذا الأصل عامة طوائف المسلمين يقرون به مجملاً، أما السلف من أهل السنة والجماعة وأتباعهم فهم يقرون به مفصلاً، على ما جاء في النصوص.

    وفرق بين من أقر بالأصل مجملاً وبين من أقر به مفصلاً، ولا سيما التفاصيل النبوية.

    [مذهب المعتزلة القدرية في خلق أفعال العباد]

    الأصل الثالث: الخلق، وقد وقع فيه نزاع وغلط كثير، وصارت جماهير القدرية، يقولون بأن الله يعلم أفعال العباد قبل كونها، وأنه كتبها، ولكنها خلق للعباد، والتحرير لمذهب المعتزلة من القدرية: أنهم أجمعوا على أن الله لم يخلق أفعال العباد، ثم قالوا ثلاثة أقوال:

    القول الأول: إن الله لم يخلقها وخلقها العبد.

    القول الثاني: إن الله لم يخلقها وكذلك العبد لم يخلقها.

    القول الثالث: التوقف.

    وهذا النزاع هو في الجملة نزاع لفظي لا حقيقة له في المذهب؛ فإن عمدة المذهب هو إجماعهم على أن الله لم يخلق أفعال العباد، وهذا القول بدعة مخالفة لإجماع السلف، فهذا قول القدرية.

  15. #35
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الدولة
    المملكة العربية السعودية
    المشاركات
    2,542

    افتراضي رد: فوائد من شرح الطحاوية... للشيخ الدكتور يوسف الغفيص وفقه الله

    (43)

    [الفرق بين القدرية المتكلمة والقدرية الرواة]

    والقدرية الذين قالوا إن الله لم يخلق أفعال العباد صنفان:

    الصنف الأول: متكلموهم، وأعيانهم في الأصل هم المعتزلة، ومن اقتدى بهم من متكلمة الشيعة وغيرهم، الذين قرروا هذا المذهب بالدلائل والطرق الكلامية.

    الصنف الثاني: وهم معشر من رجال الرواية والإسناد، وأكثرهم في البصرة، وبعض الأقاليم العراقية والشامية، قالوا بجملة المسألة، ولكنهم لم يقولوا هذه الجملة على الطريقة الكلامية التي كانت تستعملها القدرية المعتزلة المتكلمة.

    فيشترك الصنفان في أن أفعال العباد ليست خلقاً لله.

    ويفترقون من وجهين:

    الوجه الأول: الاستدلال، فمنهج الاستدلال على المسألة بين الصنفين مختلف.

    الوجه الثاني: أن المعتزلة المتكلمة رتبت على هذه المسألة مسائل أخرى تتعلق بالهداية والإضلال، وتتعلق بمسائل التكليف، ومسألة التحسين والتقبيح.

    ومسائل كثيرة ربطوها بهذه المسألة، وجعلوها من نتائج هذه المسألة.

    وهذا الربط لم يستعمله رجال الرواية، فيكون قولهم أخف من قول متكلمة القدرية، وقد كان الإمام أحمد رحمه الله يقول: (لو تركنا الرواية عن القدرية لتركناها عن أكثر أهل البصرة)، ومراده بذلك أن هذا الوهم شاع في طائفة من رجال الرواية، لكنه ليس على الطريقة الكلامية.

    والفرق بين المنهجين في الاستدلال:

    أن كل مسألة من مسائل الصفات أو القدر مرتبة على الطريقة الكلامية، فإنه لا بد أن يكون فيها مأخذ فلسفي هو الأساس، ودلائل عقلية ومقاصد من الشريعة، فمثلاً: مأخذ مسألة القدر عند المعتزلة أن الأثر لا يصدر عن مؤثرين، وهذه قاعدة فلسفية، وبالتالي أدخلوا عليها مقاصد من الشرع، كتنزيه الله عن الظلم والفسوق والعصيان ..

    إلى غير ذلك.

    فمن قال إن الله خلق القبائح فقد أضافها إليه.

    وهذه المقاصد عند التحقيق لا تلزم أبداً؛ لكن إشكالهم الأول الحقيقي هو الإشكال الفلسفي.

    وهذا هو الدليل الذي بنى عليه الجبرية مذهبهم، وهو الدليل الذي استعمله علماء الأشاعرة في كتبهم، وصرحوا باستعماله، كالقاضي أبي بكر بن الطيب، وأبي المعالي الجويني، ومحمد بن عمر الرازي، فالقاعدة واحدة تستعملها طوائف نتائجها متناقضة.

    وذلك يدل على أن هذه القاعدة غلط من الأصل، وهي من باب قياس الخالق على المخلوق، بل إنها عند التحقيق -كما يقول شيخ الإسلام - لا تصح في المخلوق نفسه، ولو فرض جدلاً أنها صحت في المخلوق فإنه يمتنع أن تكون صحيحة في حق الخالق سبحانه وتعالى.

  16. #36
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الدولة
    المملكة العربية السعودية
    المشاركات
    2,542

    افتراضي رد: فوائد من شرح الطحاوية... للشيخ الدكتور يوسف الغفيص وفقه الله

    (44)

    [المخالفون في مشيئة الله]

    الأصل الرابع: المشيئة، والمخالف في هذا الأصل هم المخالفون في الأصل الثالث،

    فالمعتزلة تقول: إن الله لم يشأ أفعال العباد ولم يُرِدْها، ويجعلون العبد خالقاً لفعله مستقلاً بمشيئته، ولا شك أن هذا تعطيل لربوبية الله سبحانه وتعالى.

    [المخالفون في إثبات المشيئة للعبد]


    الأصل الخامس: أن العباد لهم مشيئة على الحقيقة، وقد خالف في هذا الأصل الجبرية، وإمام الجبرية هو الجهم بن صفوان الذي يقول: إن العبد مجبورٌ على فعله، وقارب مذهب الجبرية مذهب أبي الحسن الأشعري، الذي يقول: إن للعبد مشيئةً مسلوبة التأثير، يقع الفعل مقارناً لها لا بها، ولهذا قال صاحب جوهرة التوحيد:

    ومن يقل بالطبع أو بالعلة فذاك كفر عند أهل الملة

    فينفون السببية والتعليل، وهذا جبر لكنه دون جبر الجبرية المحضة.

    قال شيخ الإسلام رحمه الله: (والفرق بين أبي الحسن وجهم بن صفوان في مسألة القدر غالبه فرق لفظي)، وبعض الفرق بينهم فرق لا يعقل عند العقلاء، وطائفة من الفرق بينهم فرق له معنى.

    فمن العدل أن يقال: إن قول أبي الحسن وعامة أصحابه ليس جبراً محضاً كجبر الجهم بن صفوان، ولكنه ينتهي إلى هذا المذهب في الجملة، وهو موافق لعبارات أهل السنة والجماعة في اللفظ، ولكنه في المعنى ينزع إلى قول الجبرية، وقد انغلق هذا الباب على علماء الأشاعرة، فلا يرون في الباب إلا قول القدرية أو قول الجبرية، فأتوا إلى قول الجبرية؛ لأن إمامهم رفض قول القدرية، ولكنه استعمل تحته ألفاظ السلف والشريعة.

    والذين صرحوا بأن قول الأشعرية جبر دون جبر الجهم بن صفوان ليس هو شيخ الإسلام أو نحوه من علماء السنة، بل الرازي وأبو الفتح الشهرستاني، وأبو المعالي الجويني صرحوا بذلك، ورجع الجويني عن هذا المذهب، وقال: إن هذا مذهب جبري لا معنى له، فانتحل في الرسالة النظامية مذهباً ملفقاً.

  17. #37
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الدولة
    المملكة العربية السعودية
    المشاركات
    2,542

    افتراضي رد: فوائد من شرح الطحاوية... للشيخ الدكتور يوسف الغفيص وفقه الله

    (45)

    [تنبيه حول رجوع الجويني عن مذهب الأشعرية في القدر]

    بعض الباحثين من المعاصرين قال: الجويني رجع في آخر عمره عن مذهب الكسب الجبري إلى مذهب أهل السنة،

    ولا شك أن هذا غلط، بل ذكر الجويني في الرسالة النظامية قولاً ملفقاً من قول أهل السنة، ومقاصد من مقاصد المعتزلة، وجملاً من جمل الفلاسفة، فقوله مركب،


    وإذا قارنت بين هذا القول وقول أبي الوليد ابن رشد في (مناهج الأدلة)، وجدت أنه يشترك معه في بعض المنازع.

    وقد صرح طائفة من الأشعرية كـ الشهرستاني بأن إمام الحرمين قد نزع إلى قول الحكماء -أي: الفلاسفة-


    وإن كان يزعم أنه رجع إلى مذهب السلف في الصفات؛ ثم يفسر مذهب السلف في الرسالة النظامية بالتفويض،

    ولا شك أن مذهب التفويض كما قال شيخ الإسلام رحمه الله من شر مقالات أهل البدع والإلحاد.

  18. #38
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الدولة
    المملكة العربية السعودية
    المشاركات
    2,542

    افتراضي رد: فوائد من شرح الطحاوية... للشيخ الدكتور يوسف الغفيص وفقه الله

    (46)

    [المخالفون في إثبات الحكمة لله تعالى]

    الأصل السادس: إثبات الحكمة لله، وقد نازع في هذا الأصل الجهم بن صفوان، فنفى حكمة الله سبحانه وتعالى في أفعاله، وتبعه على ذلك في الجملة أبو الحسن الأشعري؛ فإن مسألة الحكمة فرع عن أصل مسألة القدر، فجعل الجهم والأشعري أفعال الباري سبحانه مبنية على محض المشيئة.

    والأشاعرة يقولون في كتبهم: إن الله منزه عن الأغراض والحاجات، ويريدون بذلك أن أفعاله ليست لحكمة أو لعلة، وإذا ذكر لفظ الحكمة بالشريعة، فسرها جمهورهم بالإرادة والمشيئة.

    وجمهور طوائف المسلمين من أهل السنة والحديث وجماهير الصوفية، والشيعة والمعتزلة يقرون بهذا الأصل، وهو الحكمة،

    ولكن الفرق بين السلف وهذه الطوائف التي تشاركهم: أن السلف يجعلون الحكمة صفة تقوم بذات الباري، وهي متعدية إلى خلقه،

    في حين أن المعتزلة ومن وافقهم من الشيعة وغيرهم يجعلون الحكمة متعدية إلى الخلق، ولا يجعلونها صفة قائمةً بذات الباري.

  19. #39
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الدولة
    المملكة العربية السعودية
    المشاركات
    2,542

    افتراضي رد: فوائد من شرح الطحاوية... للشيخ الدكتور يوسف الغفيص وفقه الله

    (47)

    [المخالفون في الجمع بين الشرع والقدر]

    الأصل السابع: الجمع بين الشرع والقدر، وأهل السنة والجماعة وسط في هذا الأصل، فإنهم معظّمون لشرع الله وقدره، وهم وسط بين القدرية، وبين طرق الصوفية،

    فالقدرية من المعتزلة ومن وافقهم على أصلهم مقصرون في باب القدر، حيث يقولون: إن العبد يخلق فعله، وهو غالون في باب الشرع، حيث قالوا: إن مرتكب الكبيرة مخلد في النار،


    وأما طرق الصوفية فهم على العكس، فهم مقصرون في باب الأمر والنهي، غالون في باب القدر، حتى أسقط طوائف من غلاتهم مقام الشرع بمقام القدر، وهم يسمونه مقام الربوبية، وهذه حالٌ تعرض لغلاة الصوفية،

    ولا سيما المتصوفة المتفلسفة الذين فسروا الشريعة على هذا التفسير كـ ابن عربي وابن سبعين والتلمساني، وأمثال هؤلاء.

  20. #40
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الدولة
    المملكة العربية السعودية
    المشاركات
    2,542

    افتراضي رد: فوائد من شرح الطحاوية... للشيخ الدكتور يوسف الغفيص وفقه الله

    (48)

    [الكلام على حال أبي إسماعيل الهروي]

    ويقع نوع من ذلك في كلام من دونهم من الصوفية الذين عندهم قدر من الانحراف عن جادة السلف في باب السلوك والأحوال، كحال أبي إسماعيل الأنصاري الهروي الحنبلي، صاحب كتاب (ذم الكلام) وكتاب (منازل السائرين)، فهو في منازله يسقط بعض مقامات الشرع بمقام القدر، فلم يحقق هذا الأصل، بل غلط فيه غلطاً شديداً.

    بل إنه قال كلاماً ظاهره الموافقة لمذهب وحدة الوجود حيث قال:

    ما وحد الواحد من واحد ... إذ كل من وحده جاحد

    توحيد من ينطق عن نعته ... عارية أبطلها الواحد

    توحيده إياه توحيده ... ونعت من ينعته لاحد

    لكن الهروي رحمه الله لا شك أنه بريء من مذهب ابن عربي والتلمساني وأمثالهم من الصوفية المتفلسفة القائلين بوحدة الوجود، وإن كان قد يستعمل بعض حروفهم، بل هو فاضل في إثبات صفات الله سبحانه، وله رد على الجهمية، وتقرير حسن للصفات، وإن كان يزيد ويبالغ في إثبات الصفات.

    كما أن منهجه في التكفير ليس معتبراً على جادة السلف، ولما تكلم عن الأشاعرة قال عن أبي الحسن الأشعري في كتابه (ذم الكلام): (وقد شاع في المسلمين أن رأسهم علي بن إسماعيل الأشعري، لا يصلي ولا يتوضأ، وأخبرني فلان -ثم ساق سنداً عنده- أنه مات متحيراً).

    وهذا ليس كذلك، بل الأشعري يعرف بكثير من الخير والإيمان، كما قال شيخ الإسلام عنه: (وقد استفاض في المسلمين ما له من الديانة والقصد إلى السنة)، وقال عن عبد الله بن سعيد بن كلاب: (وأبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب إمام له علم وفقه).

    والقصد أن الهروي شديد في هذا الباب، حتى قال شيخ الإسلام في (منهاج السنة): (إن أبا إسماعيل الأنصاري من المبالغين في ذم الجهمية وتكفيرهم).

    كما أن للهروي أغلاطاً شديدة في القدر، بل قال شيخ الإسلام: (إن قول أبي الحسن الأشعري في القدر خير من قول أبي إسماعيل الأنصاري).

    وعليه فإن أخص من نازع في مقام الجمع بين الشرع والقدر هم: الصوفية الذين أسقطوا بعض مقامات الشرع، بما هو من القدر، وأصل إسقاط مقام الشرع بالقدر هو مذهب المشركين، الذين قالوا: {لَوْ شَاءَ الله مَا أَشْرَكْنَا} [الأنعام:١٤٨]


    وليس في المسلمين من عطل سائر الشرع بالقدر، ومن أطلق هذا التعطيل كما أطلقه بعض غلاة الصوفية كـ التلمساني، فليعلم أنه من الكفر المحض الذي لا يُنظر في شأن صاحبه، ذلك أن المقالات الكفرية التي تخالف مذهب السلف تنقسم إلى قسمين:

    الأول: ما يكون قائلها كافراً ابتداءً، كمن نفى علم الله بما سيكون من أفعال العباد، فإنه يكفر ابتداءً ولا يقال: نقيم عليه الحجة، بل الحجة على مثل هذا لا بد أن تكون قائمة، لأنه مخالف للعقل والفطرة وأصول الأنبياء أجمعين.

    الثاني: مقالات هي في حكم السلف كفر، ولكن قائلها لا يكفر ابتداءً إلا إذا أقيمت عليه الحجة، ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله: (والإمام أحمد وإن تواتر عنه تكفير الجهمية، إلا أنه لم يكن هو وغيره من أئمة السلف مشتغلاً بتكفير أعيانهم).

    وكذلك شيخ الإسلام عندما ناظر علماء الأشاعرة المتأخرين في مسألة العلو كان يقول لهم: (أنا لو أقول بقولكم كفرت، لكنكم لستم كفاراً عندي)، فمثل هذه المسائل يدخل فيها نوع من الاشتباه والانغلاق على بعض الناس، لموجب من الموجبات، فلا يكفر بها ابتداءً.

    فقول المصنف: (خلق الخلق بعلمه): أي: عالماً بهم.

    (وقدر لهم أقدراً) أي: قدر ما سيكون لهم من الأحوال والأفعال والمآلات.

    (وضرب لهم آجالاً) أي: قدر آجالهم، فجعل لكلٍ أجلاً، ولا يستقدم أحد ولا يستأخر عن أجله كما هو صريح في القرآن: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ } [الأعراف:٣٤].

    وقوله: (ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم): هذا هو أصل العلم.

    (وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته) هذا الجمع بين مقام الشرع ومقام القدر.

    وقوله: (وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئته تنفذ): هذا طرد لعموم مشيئة الرب سبحانه، وأنه دخل في عموم مشيئته أفعال العباد.

    وقوله: (لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم) أي: أن للعباد مشيئة على الحقيقة خلافاً للجبرية وللكسبية، ولكنها تابعة لمشيئة الله خلافاً للمعتزلة الذين جعلوا العبد مستقلاً بمشيئته.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •