تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


صفحة 3 من 3 الأولىالأولى 123
النتائج 41 إلى 52 من 52

الموضوع: مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن" سورة البقرة

  1. #41
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,758

    افتراضي رد: مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن" سورة البقرة

    ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادٗا يُحِبُّونَهُمۡ كَحُبِّ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّٗا لِّلَّهِۗ وَلَوۡ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِذۡ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ أَنَّ ٱلۡقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعَذَابِ﴾ [البقرة: 165]


    السؤال الأول:
    قوله تعالى: ﴿وَلَوۡ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِذۡ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ أَنَّ ٱلۡقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا﴾ [البقرة:165] أين جواب الشرط فى الآية؟


    الجواب:
    تأمل في قوله تعالى ﴿وَلَوۡ يَرَى﴾ فإنك لا تجد جواب (لو)، فالأصل في هذه الأداة (لو) أنْ تأخذ فعل شرط وجوابه، فتقول مثلاً: لو رزقني الله مالاً لتصدقت بنصفه، فلِمَ حذف جواب (لو) في الآية؟
    لقد تم حذف جواب (لو) في الآية؛ لأنّ حذفه يوقع أثراً في نفس من وُجِّه إليهم الكلام أكثر مما لو ذكر جواب (لو)، كأنْ يقال: "لرأوا أمراً عظيماً" أو غيره، فقد ترك القرآن الكريم للخيال أنْ يذهب كل مذهب في تصور شدة الموقف وفظاعته، وأنت عندما تهدد إنساناً بقولك: "لئن لم تفعل" ثم تسكت، يُحدِث كلامك أثراً في نفس السامع أكثر مما يُحدِث قولك: "لئن لم تفعل لأضربنّك".

    السؤال الثاني:

    ما دلالات هذه الآية؟


    الجواب:
    1 ـ بعد أن بيّن اللهُ دلائل وحدانيته بالبراهين الساطعة في الآية السابقة، ذكر أنّ بعض الناس مع هذا البيان منْ يتخذ من المخلوقين معبودات كالأصنام والأوثان من دون الله، يحبونهم كحب الله في الطاعة والتعظيم والانقياد أو يسوّونهم مع الله، أو يحبونهم كحب المؤمنين لله.
    2ـ وما أكثر الأصنام والأوثان التي يحبها الناس قديماً وحديثاً، ومن ذلك عبدة الشيطان في مجتمعاتنا، وكذلك كل ما يُعبد من دون الله، سواء كان ذلك الحب متمثلاً في محبة أهل القبور والأضرحة ممن يطلبون منهم حاجاتهم، أوفي محبة المال والزوجة والولد والمنصب والجاه حباً يخرجهم عن الحدود الشرعية المقبولة، أو في إطاعة الطواغيت المستبدين الظالمين، كما قال تعالى: ﴿أَفَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ﴾ [الجاثية:23].
    3ـ جاء في الحديث عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: (أن تجعل لله ندّا وهو خلقك ).صحيح البخاري.
    4 ـ ( الندّ ) المثل، ويُراد به هنا الأصنام أو كل ما سولت لهم أنفسهم عبادته وطاعته.

    5ـ المؤمن يقول الله عنه: ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّٗا لِّلَّهِۗ﴾ أي أشدُ من حب المشركين لآلهتهم، وحبُ المؤمن لربه حبٌ صادق نابع عن عقيدة وإيمان وإخلاص، وهو حبٌ لله ذي الجلال والكمال، ولا يعدلون به شيئاً في أي حالة من الحالات ضرّاء أو سرّاء أو في بر أو بحر، بخلاف المشركين فإنهم يعدلون في الشدائد إليه سبحانه، وإذا رأوا في الرخاء حجراً أحسن تركوا الأول وعبدوه، فحب المشركين هوائي، وحب المؤمنين عقلي، بالقلب والقالب، والنفس والوجدان، مع إيثار حب الله ورسوله على محبة كل شيء في الدنيا.
    وحب المؤمن لله يتمثل فيما يصدر عنه من التعظيم لله والمدح والثناء والعبادة خالصة من الشرك، وهذا الحب يقترن به الرجاء والثواب والرغبة فيما عند الله من المنزلة والثواب.
    6 ـ قوله تعالى: ﴿وَلَوۡ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِذۡ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ أَنَّ ٱلۡقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا﴾ فيه وعيد لأولئك الذين ظلموا أنفسهم بالظلم بالشرك واتخاذ الندّ، عندما يرون عذاب جهنم، عندها يتيقنون أنّ القدرة بيد الله وحده، فهو المنفرد بالقدرة والقوة، وليس بيد الأنداد الضعفاء العجزة،﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعَذَابِ﴾ لمن اتخذوا من دون الله آلهة يعبدونها ويتقربون إليها،ويكون ذلك يوم القيامة.
    7 ـ قوله تعالى: ﴿إِذۡ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ﴾ العذاب من فعل (عذّب)، الذال مشدّدة وهذا يعني أنهم فيه لفترة طويلة لأنّ أكثر وروده في القرآن في الآخرة ؛ لأنها طويلة، لذلك قال: ﴿شَدِيدُ ٱلۡعَذَابِ﴾، بينما (العقاب) من عقب الشيء وتعقبه، فيدل على سرعة وقوعه وأكثر وروده في القرآن في الدنيا لسرعتها، وهذه الآية في الآخرة وهم يرون العذاب مباشرة فقال: ﴿شَدِيدُ ٱلۡعَذَابِ﴾.
    8 ـ هذه الآية تمثل القاعدة الرابعة من قواعد الإيمان وهي: محبة العبد لربه تفوق كلّ محبة، وقد سبق بيان القواعد الأخرى في آيات البقرة: [ 158 ـ159 ـ 163 ].
    والله أعلم.



    ﴿ﭐ إِذۡ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَ وَتَقَطَّعَتۡ بِهِمُ ٱلۡأَسۡبَابُ﴾ [البقرة: 166]


    السؤال الأول:

    ما دلالات هذه الآية؟

    الجواب:

    1 ـ هذه الآية إخبار من الله عن المستقبل، حيث يتخاصم أو يتلاوم الكفار في النار يوم القيامة، و كلٌ منهم يُلقي اللوم على الآخر، حيث يكفر بعضهم ببعض ويلعن بعضهم بعضاً، لأنّ الصلة بينهم كانت لغير الله، فانتهت العلاقات، وسقطت الكراسي، وهوت الرئاسات، ولم يعد للكبار شيئاً يملكونه للصغار، وقد أضلوهم في الحياة الدنيا، ويوم القيامة يتبرؤون منهم.
    2 ـ قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتۡ بِهِمُ ٱلۡأَسۡبَابُ﴾ فيه مجاز مرسل علاقته السببية، فإنّ السبب في الأصل الحبل الذي يرتقى به إلى ما هو عالٍ، ثم أطلق على كل ما يتوصل به إلى شيء، مادة كان أو معنى.
    3 ـ هذه الآية تمثل القاعدة الخامسة من قواعد الإيمان وهي: مسؤولية كل إنسان عن نفسه، وقد سبق بيان القواعد الأخرى في آيات البقرة: [ 158 ـ159 ـ 163 ـ 165].
    4 ـ قوله تعالى: ﴿إِذۡ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ﴾ يمثل مشهداً مخيفاً يوم القيامة، وهو براءة الأتباع من المتبوعين والعكس، وليكن معلوماً بأنّ موازين الأمور في الآخرة هي المقياس الحقيقي لمعرفة حقائق الأمور في الدنيا. والله أعلم.



    ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوۡ أَنَّ لَنَا كَرَّةٗ فَنَتَبَرَّأَ مِنۡهُمۡ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّاۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡ حَسَرَٰتٍ عَلَيۡهِمۡۖ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 167]


    السؤال الأول:

    ما الفرق بين الحسرة والندامة؟

    الجواب:

    1ـ الحسرة هي أشد الندم حتى ينقطع الإنسان من أنْ يفعل شيئاً، والحسير هو المنقطع في القرآن الكريم، ويقولون هو من تبلغ به درجة لا ينتفع به حتى ينقطع.
    2ـ في الندم قد يندم الإنسان على أمر وإنْ كان فواته ليس بذلك، لكنّ الحسرة هي أشد الندم والتلهف على ما فات حتى قالوا:ينقطع تماماً، يقولون:هو كالحسير من الدواب الذي لا منفعة معه.
    و الندم له درجات أيضاً ولكنّ الحسرة أشد الندم، وهي من الندم لكنّ أقوى من الندم ؛ إذ تكون عندما يبلغ الندم مبلغاً، نحو قوله تعالى:
    ـ ﴿ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡ حَسَرَٰتٍ عَلَيۡهِمۡۖ﴾ [البقرة:167] أي: منقطعة ولا فائدة من الرجوع مرة ثانية.
    ـ ﴿يَٰحَسۡرَةً عَلَى ٱلۡعِبَادِۚ ﴾ [يس:30] أي: هذه أكبر الحسرات وليس هناك أكبر منها.
    3 ـ قوله سبحانه: ﴿ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡ حَسَرَٰتٍ عَلَيۡهِمۡۖ﴾ [البقرة:167] يفيد أنّ كل وقت ضاع في المباح يتحسّر صاحبُه عليه غداً.. ولو كان من أهل الجنة، فكيف لو ضاع في الحرام، وكان صاحبُه من أهل النار؟!

    السؤال الثاني:

    ما دلالات هذه الآية؟

    الجواب:

    1 ـ يوم القيامة يقول التابعون: لو أنّ لنا عودة إلى الدنيا مرة ثانية لانتقمنا منهم، وأعلنا براءتنا منهم كما أعلنوا براءتهم منا، وكما أراهم الله شدة عذاب الآخرة يريهم عاقبة ما كانوا يفعلونه في الدنيا من الشرك والكفر والمعاصي ندامةً وحسرةً على ما فرّطوا في جنب الله،فهم يتمنون أن يُردوا إلى الدنيا فيتركوا الشرك والمعاصي، ويقبلوا على الله، وأنّى لهم ذلك، فقد فات وقت التوبة وانتهى عمر الدنيا، وهم كاذبون في دعواهم، ولو رُدوا لعادوا لما نهوا عنه.
    2ـ رأس المتبوعين على الشر ـ إبليس ـ يقول لأتباعه يوم القيامة لمّا قضي الأمر: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمۡ وَعۡدَ ٱلۡحَقِّ وَوَعَدتُّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُكُم ۡۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوۡتُكُمۡ فَٱسۡتَجَبۡتُمۡ لِيۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوٓاْ أَنفُسَكُمۖ﴾ [إبراهيم:22].
    3 ـ في الآية ما يسمى: فن الحذف، فقد حذف جواب (لو) الشرطية وهو مقدّر في الآية وتقديره: لكان منهم ما لا يدخل تحت الوصف. و( لو) للتمني.والله أعلم.





    ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٌ﴾ [البقرة: 168]


    السؤال الأول:

    ما أهم النظرات البلاغية في الآية؟

    الجواب:

    1ـ الحلال هو المباح وهو نقيض الحرام، والحرام قد يكون حراماً لخبثه كالخمر، وقد يكون حراماً لا لخبثه كمُلك الغير إذا لم يأذن في أكله، والحلال هو الخالي من القيدين.
    2ـ الطيبُ في اللغة قد يكون بمعنى الطاهر، والحلال قد يوصف بالطيب؛ لأنّ الحرام يوصف بأنه خبيث، والطيبُ في الأصل هو ما يُستَلَذُّ به ويستطاب.
    3ـ قوله تعالى: ﴿حَلَٰلٗا طَيِّبٗا﴾ [البقرة:168] نُصِبَ على الحال مما في الأرض أو مفعول به.
    4ـ قوله ﴿خُطُوَٰتِ﴾ [البقرة:168] بضم الخاء والطاء، أو بسكون الطاء ـ والخُطوة من الأسماء لا من الصفات فيُجمع بتحريك العين، وأمّا من خفف العين فأبقاه على الأصل وطلب الخفة فلا بأس.

    السؤال الثاني:

    ما الأمور التي ذكرها الله في القرآن حول عداوة الشيطان المبينة الظاهرة؟

    الجواب:

    1ـ قوله تعالى: ﴿إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٌ﴾ [البقرة:168] بيّن العلة في هذا التحذير ؛ وهي كونه عدواً مبيناً.
    2ـ يلاحظ أن الشيطان التزم أموراً سبعة في العداوة، وهي:

    آـ أربعة منها في قوله تعالى: ﴿ولأضلّنّهم وَلَأُمَنِّيَنّ َهُمۡ وَلَأٓمُرَنَّهُ مۡ فَلَيُبَتِّكُنّ َ ءَاذَانَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ وَلَأٓمُرَنَّهُ مۡ فَلَيُغَيِّرُنّ َ خَلۡقَ ٱللَّهِۚ﴾ [النساء:119].

    ب ـ وثلاثة في قوله تعالى: ﴿لَأَقۡعُدَنَّ لَهُمۡ صِرَٰطَكَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ١ ٦ ثُمَّ لَأٓتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ وَعَنۡ أَيۡمَٰنِهِمۡ وَعَن شَمَآئِلِهِمۡۖ وَلَا تَجِدُ أَكۡثَرَهُمۡ شَٰكِرِينَ﴾ [الأعراف:16-17].
    فلمّا التزم الشيطان هذه الأمور كان عدواً متظاهراً بالعداوة.

    السؤال الثالث:

    ما دلالات هذه الآية؟

    الجواب:

    1 ـ لمّا بيّن تعالى في الآيات السابقة التوحيد ودلائله، وما للموحدين من الثواب، وأتبعه بذكر الشرك ومن يتخذ من دون الله أنداداً ويتبع رؤساء الكفر، أتبع ذلك بذكر إنعامه على الفريقين وإحسانه إليهم، وأنّ معصية من عصاه وكفر من كفر به لم تؤثر في قطع إحسانه ونعمه عنهم، فقال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾.
    2 ـ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ﴾ تدل أنّ الشيطان يدعو إلى الصغائر والكبائر والكفر والجهل بالله، ويتم ذلك عن طرق مختلفة منها: الوسوسة والخواطر والتصورات، وتزيين التدرج في خطوات المعاصي، وتزيين المصالح الدنيوية على حساب المصالح الأخروية.
    3 ـ قوله تعالى: ﴿حَلَٰلٗا طَيِّبٗا﴾ يمثل القاعدة السادسة من قواعد الإيمان وهي: التحليل والتحريم حق الله وحده


    مثنى محمد الهيبان


    رابطة العلماء السوريين

  2. #42
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,758

    افتراضي رد: مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن" سورة البقرة

    ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَآ أَلۡفَيۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ شَيۡ*ٔٗا وَلَايَهۡتَدُون َ﴾ [البقرة: 170]


    السؤال الأول:
    ما الفرق بين كلمتي ﴿أَلۡفَيۡنَا﴾ في آية البقرة [170] ﴿بَلۡ نَتَّبِعُ مَآ أَلۡفَيۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ ﴾ و﴿وَجَدۡنَا﴾ في آية المائدة [104] ﴿حَسۡبُنَا مَا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ ﴾ وآية لقمان [21] ﴿مَا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ ﴾؟

    الجواب:

    1ـ الفعل (ألفى) في اللغة يستعمل في الأمور المادية فقط، وقسمٌ من النحاة يقولون: إنه لا يأتي في أفعال القلوب، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمۡ أَلۡفَوۡاْ ءَابَآءَهُمۡ ضَآلِّينَ﴾ [الصافات:69] وقوله: ﴿وَأَلۡفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلۡبَابِۚ﴾ [يوسف:25].

    2ـ أمّا كلمة ﴿وَجَدۡنَا﴾ فهي تأتي مع أفعال القلوب، كما في قوله تعالى ﴿لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّابٗا رَّحِيمٗا﴾ [النساء:64] وقد تأتي أحياناً في الأشياء الحسّية.

    3ـ وعندما يذكر القرآن كلمة ﴿أَلۡفَيۡنَا﴾ يريد أنْ يذمّهم أكثر وينفي عنهم العقل، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَآ أَلۡفَيۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ شَيۡ*ٔٗا وَلَايَهۡتَدُون َ﴾ [البقرة:170]. ولو لاحظنا آية سورة المائدة [103] ﴿مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٖ وَلَا سَآئِبَةٖ وَلَا وَصِيلَةٖ وَلَا حَامٖ وَلَٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۖ وَأَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ﴾ فالذي يُشرّع ليس عنده علم ولكن عنده عقل.

    4ـ وعندما يذكر كلمة (وجدنا ) ينفي عنهم العلم ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسۡبُنَا مَا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ شَيۡ*ٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ﴾ [المائدة:104] وكذلك في سورة لقمان ﴿أَلَمۡ تَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَأَسۡبَغَ عَلَيۡكُمۡ نِعَمَهُۥ ظَٰهِرَةٗ وَبَاطِنَةٗۗ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَلَا هُدٗى وَلَا كِتَٰبٖ مُّنِيرٖ٢٠ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ يَدۡعُوهُمۡ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾ [لقمان: 20، 21].

    5ـ وقد تنفي العلم عن أحدهم ولكنه يبقى عاقلاً، لكن إذا نفى عنهم العقل أصبحوا كالبهائم، فكلمة (ألفينا ) تأتي إذن في باب الذمّ.

    السؤال الثاني:

    ما الفرق بين ﴿لَا يَعۡقِلُونَ﴾ في آية البقرة[170] وبين ﴿لَا يَعۡلَمُونَ ﴾ في آية المائدة [104]؟

    الجواب:

    ﴿يَعۡقِلُونَ﴾ تعني ما ينشأ عن الفكر والتدبر، وليس كل الناس يستطيعون هذا ؛ ولذلك يأخذون القضايا مسلماً بها من غيرهم الذي عقل. والذي يعلم أقل منزلة من الذي يعقل؛ لأنّ الذي عقل هو إنسان قد استنبط، وأمّا الذي علم فقد أخذ علمه من غيره لكنه لم يتعقله، لذلك نفيُ العلم عن شخص أبلغُ من نفي التعقل؛ لأنّ معنى (لا يعلم) أي: ليس لديه شيء من علم غيره أو علمه هو، أي: لا يعلم ولا يعقل كالحيوانات تماماً، بينما عندما يقول الحق: ﴿لَا يَعۡقِلُونَ﴾ فمعنى ذلك أنه من المحتمل أن يعلموا.

    السؤال الثالث:

    هل يختلف نوع المخاطب في آية البقرة [170] وآية المائدة [104] حتى اختلف الأسلوب في الآيتين؟
    الجواب:

    آية البقرة 170.

    تتحدث عن قوم بسطاء غُفْلٍ يمكن أنْ يتغيروا وأنْ يتعلموا وأنْ يهتدوا إذا وجدوا الرعاية والعناية، أي: أنّ الآية تتحدث عن الناس في أول الدعوة والذين اتبعوا ما صادفوا آباءهم عليه دون أن يكون لهم رأي أو تصميم سابق أو عقيدة سابقة، بل إنّ آباءهم أيضاً لا يعقلون. وهذه الآية من سورة البقرة التي هي متقدمة في النزول على سورة المائدة، وهي آخر سور القرآن نزولاً. آية المائدة 104. تتحدث عن رؤوس الكفر وهم قساة الناس، وهؤلاء قولهم عن إصرار وعقيدة، وأنهم يعتقدون أنّ آباءهم قد اختاروا هذا الطريق عن علم ومعرفة.

    الملاحظات:

    1ـ في آية البقرة أنت أمام قوم في أول الطريق لم يعتقدوا رأياً بعد، فيُقال لهم: اتبعوا ما أنزل الله، بينما في آية المائدة فهم في موقع اختاروه ورضوا به وتمسكوا فيقال لهم: دعوا ما أنتم عليه وتعالوا إلى ما أنزل الله.

    2ـ في الرد في آية البقرة نجد كلمة ﴿أَلۡفَيۡنَا﴾ أي: أننا وجدنا رأياً سابقاً وليس لنا رأي محدد فاتبعنا ما وجدنا عليه آباءنا. أمّا في آية المائدة فكلمة ﴿حَسۡبُنَا﴾ تعني: يكفينا، وهذا يدل على أنهم يعرفون ما هم فيه وما يدعون إليه وهم مقتنعون به؛ من أجل هذا قالوا: ﴿حَسۡبُنَا مَا وَجَدۡنَا﴾ [المائدة:104] أي: أنّ الأمر قائم ومستتب من قبل ولم يكن مفاجأة لهم.

    3ـ في آية البقرة استخدم ﴿لَا يَعۡقِلُونَ﴾ وفي آية المائدة استخدم ﴿لَا يَعۡلَمُونَ﴾ والذي لا يعقل يتعلم، أمّا الذي يعلم فقد عَلِمَ ودرس وفهم وتعلم وتمسك بما تعلمه.

    4ـ قوله تعالى: ﴿أَوَلَوۡ﴾ في الآيتين هي واو العطف دخلت عليها همزة الاستفهام فنقلتها إلى معنى التوبيخ والتقريع، وإنما جُعلت همزة الاستفهام للتوبيخ؛ لأنها تقتضي الإقرار بشيء يكون الإقرار به فضيحة. والله أعلم.

    السؤال الرابع:

    ما دلالة الفرق في رسم كلمتي ﴿ءاباؤهمۡ﴾ ﴿وَالِدٖ﴾ بالألف الصريحة، ورسم كلمتي﴿ أُمَّهَٰتُكُمۡ ﴾ ﴿وَٰلِدَةُۢ ﴾ بدون ألف وسطية؟

    الجواب:

    1ـ كلمة ﴿ ءَابَآؤُهُمۡ ﴾ ومشتقاتها وردت في القرآن الكريم حوالي(64) مرة، وكلها بالألف الصريحة.

    2ـ كلمة ﴿ أُمَّهَٰتُكُمۡ ﴾ ومشتقاتها وردت في القرآن الكريم حوالي(11) مرة، وكلها بدون الألف الصريحة. ويوحي عدم وجود ألف صريحة في كلمة ﴿ أُمَّهَٰتُكُمۡ ﴾ بالرغم من وجودها في كلمة﴿ ءَابَآؤُهُمۡ ﴾ بأنّ الأمهات أكثر التصاقاً بأولادهن، وخاصة في مرحلة الحمل والرضاعة ؛ وهو التصاق مادي وروحي. 3ـ كلمة ﴿ وَالِدٖ ﴾ ومشتقاتها وردت في القرآن الكريم (3) مرات، وكلها بالألف الصريحة، وذلك في الآيات:[ لقمان 33(مرتان) ـ البلد3 ].

    4ـ كلمة ﴿ وَٰلِدَةُۢ ﴾ ومشتقاتها وردت في القرآن الكريم (3) مرات، وكلها بالألف غير الصريحة، وذلك في الآيات:[ البقرة 233ـ المائدة 110 ـ مريم 32 ]. ويوحي عدم وجود ألف صريحة في كلمة ﴿ وَٰلِدَةُۢ ﴾ بالرغم من وجودها في كلمة ﴿ وَالِدٖ﴾ بأنّ الأمهات أكثر التصاقاً بأولادهن. والله أعلم.




    ﴿وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنۡعِقُ بِمَا لَا يَسۡمَعُ إِلَّا دُعَآءٗ وَنِدَآءٗۚ صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ﴾ [البقرة: 171]


    السؤال الأول:

    ماذا تمثل هذه الآية من صور بيانية؟


    الجواب:

    1 ـ انظر في بديع التطبيق القرآني وعظيم بلاغة القرآن، وكيف أنّ آياته تصلح ألفاظها لمعانٍ كثيرة، فهذه الآية تحمل صورتين في وصف حال المشركين:

    آـ صورة المشركين والنبي ﷺ يدعوهم للإيمان بالله تعالى، فحالتهم كحالة الأغنام التي لا تفقه دليلاً من صوت من يناديها ولا تدرك من كلامه معنى، إلا أنها تسمع أصواتاً لا مدلول لها عندها، فالكلام عندها أصوات مجرّدة عن المعاني.

    ب ـ والصورة الثانية صورة المشركين وهم يدعون آلهتهم كمن يدعو أغناماً لا تفقه شيئاً ولا تُجيب داعياً.


    2 ـ الآية تمثل صورة بلاغية مؤثرة للكافر وهو في كفره وغيه لا يستمع إلى صوت الحق أبداً وما يُقال. لا يتأملُ فيما يُقال له ولا ما يُتلى عليه، ولا ينتبه إليه ولا للأمر كأنه لا يعنيه أصلاً، فهو كالبهيمة ينعق عليها فهي تسمع جرس النغمة لكن لا تفقه.

    السؤال الثاني:

    ما دلالة الاختلاف في الترتيب بين آيتي البقرة [18] و [171] ﴿صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ﴾ و آية الإسراء [97] ﴿عُمۡيٗا وَبُكۡمٗا وَصُمّٗاۖ﴾؟

    الجواب:

    انظر الجواب في آية البقرة 18.






    ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ﴾ [البقرة: 172]


    السؤال الأول:

    لِمَ قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَٱشۡكُرُواْ لِلَّهِ﴾ ولم يقل: (واشكروني) أو (واشكروا لي) باستخدام الضمير؟
    الجواب:

    ذكر اسم الله تعالى ظاهراً يوحي أنّ في الاسم الظاهر إشعاراً بالألوهية التي قد لا يؤديها الضمير، فكأنما يومئ أنّ الإله الحق هو المستحق للعبادة دون غيره من أوثان ومعبودات باطلة؛ لأنه هو الذي يخلق ويُنعِم فهو وحده سبحانه الذي يستحق الشكر على نعمائه.

    السؤال الثاني:

    في الآية قدّم المفعول به ﴿إِيَّاهُ﴾ على فعل العبادة ﴿تَعۡبُدُونَ﴾ فما دلالة ذلك؟


    الجواب:

    السبب أنّ العبادة مختصة بالله تعالى فلا يُعبد أحد غيره ولا يُستعان بغيره، كقوله تعالى في سورة الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ﴾ وقوله في آية الزمر 66 ﴿بَلِ ٱللَّهَ فَٱعۡبُدۡ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ﴾.



    السؤال الثالث:

    قال الله في هذه الآية: ﴿وَٱشۡكُرُواْ لِلَّهِ﴾ وقال في آية النحل: 114 ﴿وَٱشۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ﴾ فما دلالة الفرق بين التعبيرين؟
    الجواب:

    1ـ سياق آية البقرة هو الكلام عن الله تعالى، انظر الآيات: (165ـ 171) فناسب الأمر بشكر الله.

    2ـ وأمّا سياق آية النحل فهو في الكلام عن النعم، انظر الآية 112، حيث ذكر فيها القرية التي كفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف، فناسب الأمر بشكر النعمة لئلا يصيبهم ما أصاب مَنْ قبلهم.

    3ـ إضافة إلى أنه وردت كلمة (النعمة) في سورة البقرة ست مرات، بينما وردت في سورة النحل تسع مرات، فناسب كل تعبير مكانه.

    السؤال الرابع:

    ما دلالة هذه الآية؟
    الجواب:

    1ـ قوله تعالى: ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ﴾ أي كلوا من لذائذ ما أحللناه لكم، والأمر هنا للإباحة.

    2ـ قوله تعالى: ﴿وَٱشۡكُرُواْ لِلَّهِ﴾ هذا للأمر وليس للإباحة، والشكر يكون باللسان أو القلب أو الجوارح أو بالجميع.

    3 ـ تأملوا كيف أنّ الله لم يطالب الله العباد بترك المتلذَذات، وإنما طالبهم بالشكر عليها إذا تناولوها.

    4ـ قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ﴾ معناه: ـ إنْ كنتم عارفين بالله ونعمه. ـ إنْ كنتم تريدون أن تعبدوا الله فاشكروه لأنّ الشكر رأس العبادات.

    5 ـ في حديث أنس رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إنّ الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة أو يشرب الشربة فيحمده عليها ) رواه مسلم.

    6ـ لمّا ذكر الله في هذه الآية أنه أباح الطيبات، أتبعه بتحريم الخبائث في الآية التالية.

    والله أعلم.

    مثنى محمد الهيبان
    رابطة العلماء السوريين


  3. #43
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,758

    افتراضي رد: مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن" سورة البقرة

    ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيۡرِ ٱللَّهِۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ١٧٣﴾ [البقرة: 173]


    السؤال الأول:


    قوله تعالى في آية البقرة [173]: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ﴾ وقوله تعالى في آية المائدة[3]: ﴿حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحۡمُ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦ﴾ [المائدة:3] ما دلالة التقديم والتأخير لـ (به) بين الآيتين؟

    الجواب:


    1ـ لو لاحظنا السياق في المائدة نجد أنّ الكلام عن التحليل والتحريم ومن بيده ذلك، ورفض أي جهة تحلل وتحرم غير الله، انظر آيات المائدة:
    ـ قال تعالى: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ أُحِلَّتۡ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلۡأَنۡعَٰمِ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ غَيۡرَ مُحِلِّي ٱلصَّيۡدِ وَأَنتُمۡ حُرُمٌۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة:1] والمعنى أنه ليس لكم أن تُحِلّوا، والذي يُحِلّ هو الله تعالى فقط.
    ـ ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحِلُّواْ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ وَلَا ٱلۡهَدۡيَ وَلَا ٱلۡقَلَٰٓئِدَ﴾ [المائدة:2] أي: الذي يُحِلّ هو ربنا سبحانه وتعالى.
    ـ ﴿يَسۡ*َٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمۡۖ قُلۡ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ وَمَا عَلَّمۡتُم مِّنَ ٱلۡجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة:4] إذن هو سبحانه يجعل التحليل والتحريم بيده حصراً.
    فالسياق أنه ليس هنالك أي جهة تقوم بذلك غير الله تعالى، ولذلك قدّم ﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦ﴾ [المائدة:3].
    ولفظة ﴿أُهِلَّ﴾ يعني رُفِع الصوت بذبحه، أُهِلّ يعني أنْ تقول عند الذبح: باسم الله والله أكبر، هذا لفلان.
    2ـ إذن في آية المائدة قدّم ﴿لِغَيۡرِ ٱللَّهِ﴾ ؛ لأنّ ربنا هو الجهة الأولى والأخيرة التي بيدها التحليل والتحريم، وليس لأحد آخر هذا الحق.
    3ـ أمّا في آية البقرة فالمقام هو فيما رزق الله تعالى عباده من الطيبات، وليس فيها تحليل وتحريم، قال تعالى: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا ﴾ [البقرة:168] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ١٧٢ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيۡرِ ٱللَّهِۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ١٧٣﴾ [البقرة:172-173].
    فقوله تعالى ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ﴾ [البقرة:172] هذا طعام، ﴿كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا﴾ [البقرة:168] هذا طعام، ﴿وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيۡرِ ٱللَّهِۖ﴾ [البقرة:173] هذه الذبيحة، ﴿وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيۡرِ ٱللَّهِۖ﴾ [البقرة:173] يعني ما رُفِع الصوت بذبحه فقدّم ﴿بِهِ﴾ [البقرة:173] لأنّ هذا طعام متناسب مع الطعام ومتناسب مع طيبات ما رزقهم.
    4ـ إذن في سياق التحريم قال: ﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦ﴾ [المائدة:3] فقدّم ﴿لِغَيۡرِ ٱللَّهِ﴾ [المائدة:3] لأنها الجهة الوحيدة التي تُحلل وتُحرم، والكلام في التحليل والتحريم، وهو سبحانه الذي يحلل ويحرم.
    ولمّا كان السياق في الأطعمة قدّم الطعام ومنها الذبيحة، فقال: ﴿وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ ﴾ [البقرة:173] يعني الذبيحة.
    5ـ ومسألة الذبح في الآيتين متعلقة بالله تعالى أو بغير الله سبحانه وتعالى، لكنّ التقديم والتأخير متعلق في سياق التحليل والتحريم أو في سياق الطعام.
    6 ـ بيّنت الآية أربعة أصناف من المحرمات من المآكل وهي:
    آ ـ الميتة.
    ب ـ الدم المسفوح.
    ج ـ الخنزير.
    د ـ ما ذُبح على اسم غير الله كالأنصاب والأزلام.
    ويمكن الاطلاع على التفاصيل من كتب الفقه.

    السؤال الثاني:

    فاصلة هذه الآية في البقرة 173، وفي المائدة 3، وفي النحل 115، هي ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ﴾ بينما فاصلة آية الأنعام 145 هي ﴿فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾فما السبب؟

    الجواب:


    1ـ إن آيات البقرة والمائدة والنحل هي خطاب من الله للناس، فناسب ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ﴾
    بينما آية الأنعام 145وهي قوله تعالى: ﴿قُل لَّآ أَجِدُ فِي مَآ أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٖ يَطۡعَمُهُۥٓ إِلَّآ أَن يَكُونَ مَيۡتَةً أَوۡ دَمٗا مَّسۡفُوحًا أَوۡ لَحۡمَ خِنزِيرٖ فَإِنَّهُۥ رِجۡسٌ أَوۡ فِسۡقًا أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦۚ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ بدأت بلفظة (قل) وهي خطاب للرسول ﷺ فناسب ختمها بقوله: ﴿فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ١٤٥﴾.
    2ـ ومن أسباب هذا الاختيار - والله أعلم - أنّ لفظ (الله) تردد في البقرة أكثر مما تردد في الأنعام، وأنّ لفظ (الرب) تردد في الأنعام أكثر مماتردد في البقرة ـ وإليك البيان:
    اللفظ عدد التكرار في البقرة عدد التكرار في الأنعام
    الله 282 مرة 87 مرة
    رب 47 مرة 53 مرة
    فناسب أنْ يضع كلمة (الله) في البقرة، وكلمة (رب) في الأنعام.
    3ـ إضافة إلى ذلك، فإنّ آية البقرة في سياق العبادة، ولفظ (الله) أولى في هذا السياق؛ لأنه من الألوهية، والألوهية هي العبادة، قال تعالى: ﴿وَٱشۡكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تعۡبدونَ١٧٢ [البقرة:172] ولمّا قال في سورة النحل: ﴿ وَٱشۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ [النحل:114] قال بعدها: ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ١١٥﴾ [النحل:115].
    وأمّا سياق آية الأنعام ففي الأطعمة، ولفظ (الرب) ألصق بهذا السياق؛ لأنّ الرب من التربية والتنشئة.

    السؤال الثالث:


    ما علاقة أول الآية بخاتمتها ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ١٧٣﴾؟ والمغفرة والرحمة تقتضيان ذنوباً، وما سبَق في الآية هو تشريع بإباحة الميتة عند الضرورة فلا ذنب.

    الجواب:


    إذا كان الله يغفر مع الذنب، أفلا يغفر مع الضرورة التي شرع لها الحكم؟!!!.
    الله سبحانه وتعالى غفورٌ في الأصل أفلا يغفر لمن أعطاه رخصة؟ إذن هو غفورٌ رحيمٌ ولن يكتب على المضطر ذنباً من جراء اضطراره، ورحمة الله هي التي تغفر للعاصي، هو سبحانه الذي كتب المغفرة لمن اضطر وكسر قاعدة التحريم عند الاضطرار.
    وللعلم فإنّ المغفرة والرحمة في القرآن الكريم إذا اقترنتا، تكون المغفرة لما مضى من الذنوب، والرحمة للسلامة من الذنوب فهي للمستقبل. والله أعلم.

    السؤال الرابع:

    لماذا قدّم المغفرة على الرحمة في آية البقرة 173، وآية النساء 100، وقدمت الرحمة على المغفرة في آية سبأ 2؟

    الجواب:


    تقدمت المغفرة على الرحمة في آيات كثيرة في القرآن الكريم، وسبب ذلك - والله أعلم- أنّ المغفرة سلامة والرحمة غنيمة، والسلامة مطلوبة قبل الغنيمة.
    في آية سبأ 2، وهي قوله تعالى: ﴿يَعۡلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا يَخۡرُجُ مِنۡهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعۡرُجُ فِيهَاۚ وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلۡغَفُورُ٢﴾ فقد تأخرت المغفرة عن الرحمة؛ وذلك أنّ جميع الخلائق من الإنس والجن والحيوان وغيرهم محتاجون إلى رحمته، فهي برحمته تعيش وتحيا وبرحمته تتراحم، وأمّا المغفرة فتخص المكلفين؛ فالرحمة أعم.

    السؤال الخامس:


    في الآيات التالية [البقرة 173ـ البقرة 182ـ البقرة 191ـ آل عمران 89ـ المائدة 3] قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ﴾ مؤكَّدة بإنّ، بينما قال في آية النحل 18 ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ١٨﴾ فأكدها بإنّ واللام، فلماذا؟

    الجواب:


    القاعدة اللغويـــة:
    يستعمل القرآن الكريم تخفيف التوكيد أو زيادته حسب مقتضى الحال، فيقول: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ١٧٣﴾ [البقرة:173] مع التخفيف و﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ١٨﴾ [النحل:18] مع زيادة التوكيد بزيادة اللام.

    البيــــان:


    في آيات البقرة وآل عمران والمائدة والأنعام، قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ١٧٣﴾ فأكّدها كلها بإنّ وحدها، في حين قال في سورة النحل: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ١٨﴾ فأكّدها بإنّ واللام.
    وسبب ذلك أنّ سياق آيات النحل هو في تعداد نعم الله على الإنسان ورحمته به ولطفه بخلقه، فقد ذكر خلق الأنعام وما فيها من منافع للإنسان، وذكر منافع الزروع وذكر نعمته عليه في البر والبحر وغير ذلك مما لا يعد ولا يحصى من النعم، فناسب ذلك تأكيد المغفرة، وليس السياق في الآيات الأخرى كذلك. والله أعلم.



  4. #44
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,758

    افتراضي رد: مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن" سورة البقرة

    ﴿ﭐ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَشۡتَرُونَ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلًا أُوْلَٰٓئِكَ مَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ إِلَّا ٱلنَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ١٧٤ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡعَذَابَ بِٱلۡمَغۡفِرَةِ ۚ فَمَآ أَصۡبَرَهُمۡ عَلَى ٱلنَّارِ١٧٥ ﴾ [البقرة: 174-175]


    السؤال الأول:
    قوله تعالى: ﴿ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡعَذَابَ بِٱلۡمَغۡفِرَةِ ۚ﴾ ما الذي أخذوه؟ وما الذي تركوه؟


    الجواب:

    القاعدة تقول: إنّ الباء مع الذاهب، كأنْ تقول: اشتريت الكتاب بألف، فالذاهب هو المال والمشترى هو الكتاب.
    وفي الآية اشتروا الضلالة وخسروا الهدى، واشتروا العذاب وخسروا المغفرة، نسأل الله العافية.

    السؤال الثاني:

    ما نوع الاستفهام في الآية: ﴿فَمَآ أَصۡبَرَهُمۡ عَلَى ٱلنَّارِ١٧٥﴾؟

    الجواب:

    1ـ قوله تعالى: ﴿فَمَآ أَصۡبَرَهُمۡ عَلَى ٱلنَّارِ١٧٥﴾ هو استفهام للتعجب بقصد التوبيخ، والمعنى: ما الذي أصبرهم على النار حتى تركوا الحق واتبعوا الباطل.
    2ـ للتعجب صيغتان: ما أفعَلَه، وأَفعِل به.
    شواهد قرآنية:

    ﴿فَمَآ أَصۡبَرَهُمۡ عَلَى ٱلنَّارِ١٧٥﴾ [البقرة:175].
    ﴿أَسۡمِعۡ بِهِمۡ وَأَبۡصِرۡ﴾ [مريم:38].


    السؤال الثالث:

    ما إعراب ﴿فَمَآ أَصۡبَرَهُمۡ﴾ وإعراب ﴿أَسۡمِعۡ بِهِمۡ﴾؟


    الجواب:

    1ـ إعراب ﴿فَمَآ أَصۡبَرَهُمۡ﴾:
    ما: اسم نكرة للتعجب بمعنى: شيء عظيم، في محل رفع مبتدأ. أصبرَ: فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره: هم، والهاء مفعول به، والجملة: خبر (ما). 2ـ إعراب ﴿أَسۡمِعۡ بِهِمۡ﴾: أسمِع: فعل ماض جامد، جاء على صورة الأمر، مبنيٌّ على الفتح المقدر. بهم: الباء حرف جر زائد، والهاء ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل.


    السؤال الرابع:

    ما أهم دلالات هاتين الآيتين؟


    الجواب:


    1ـ مضمون الآية (174) أنّ هناك وعيد شديد لمن كتم ما أنزل الله على رسله، لا سيّما خاتمهم محمد عليه الصلاة والسلام، ابتغاء عرض دنيوي.

    2ـ الآية وردت في رؤساء اليهود كانوا يأخذون من اتباعهم الهدايا على سبيل الرشوة، فلمّا بُعث النبي عليه السلام خافوا انقطاع تلك المنافع، فكتموا أمر وصف محمد عليه السلام في التوراة والإنجيل، وكتموا أمر شرائعه، عن طريق التحريف والتأويلات الباطلة.
    3 ـ سماه: ﴿ثَمَنٗا قَلِيلًا﴾ إمّا أنه في نفسه قليل، أو هو فعلاً قليل مهما كثر مقابل ما سيصيبهم من الضرر العظيم والعذاب.
    4ـ قوله تعالى: ﴿فِي بُطُونِهِمۡ﴾ أي ملء بطونهم، وهم وإنْ كان أكلهم لها في الدنيا كان طيباً في الحال، لكنّ عاقبته في النار في المآل.
    5 ـ توعّدهم الله تعالى بثلاثة أشياء:
    آ ـ غضب الله عليهم فلا يكلمهم يوم القيامة.
    ب ـ عدم تزكية نفوسهم وعدم طهارتهم من دنس ذنوبهم.
    ج ـ العذاب الأخروي الأليم.
    6ـ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالآية وإنْ نزلت في اليهود لكنها عامة في حق كل من كتم شيئاً من أمر الدين يجب إظهاره.
    7 ـ الآية (175) يعجب الله من إقدامهم على هذا المصير المؤلم، فما أجرأهم على النار!!!وما أشد احتمالهم لها!!! وهذا التعجب هو من باب الاستهانة والاستخفاف بهم. والله أعلم.
    ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِي ٱلۡكِتَٰبِ لَفِي شِقَاقِۢ بَعِيدٖ﴾[البقرة: 176]


    السؤال الأول:


    ما دلالة الوصف بالبعيد في هذه الآية؟

    الجواب:

    تأمل كيف وصف الله تعالى الشقاق بأنه بعيد ولم يصفه بـــ (كبير أو عظيم)، أو ما شابه ذلك من أوصاف، وفي ذلك مجاز عقلي يعطينا عمقاً آخر وتصوراً لبُعد صاحبه عن الوفاق، وبياناً للهوّة الواسعة التي يسقط فيها أولئك المختلفون في الكتاب، فالشقاق في القيم المنهجية السماوية هو هوّة كبيرة، وإذا ما وقع فيه البشر فلن يستطيعوا أن يُصلحوا فيما بينهم، ومن هنا كانت شقة الخلاف واسعة لا يقدر على حلها إلا الله سبحانه وتعالى، وهذا ما عبّرت عنه الآية بوصف الشقاق بأنه بعيد.


    السؤال الثاني:


    ما دلالة هذه الآية؟


    الجواب:

    1ـ إنّ كتاباً مثل القرآن الكريم أنزله الله بالحق لهو جديرٌ أن يلجأ العبد إلى ربه لجوء المضطر أن يهديه إلى أن يفني عمره في تدبره والعمل به.


    2 ـ هذه الآية تشير إلى العذاب الذي استحقوه بسبب أنّ الله نزّل كتبه على رسله مشتملة على الحق المبين فكفروا به، وإنّ الذين اختلفوا في الكتاب في الإيمان ببعضه والكفر ببعضه، واختلفوا أيضاً في كيفية تحريف كتابهم ليخفوا ما في مصلحتهم أن يخفوه لفي شقاق ومنازعة، وكلٌ يكذّب صاحبه.

    3 ـ وقد وصف الله تعالى الشقاق بأنه بعيد ولم يصفه بكبير أو عظيم، ليصوّر لنا أنّ الشقاق في القيم المنهجية السماوية هو هوّة كبيرة، وإذا ما سقط فيه أولئك المختلفون في الكتاب فلن يستطيعوا أن يُصلحوا فيما بينهم لأنّ شقة الخلاف واسعة لا يقدر على حلها إلا الله سبحانه وتعالى. والله أعلم.

  5. #45
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,758

    افتراضي رد: مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن" سورة البقرة

    ﴿۞لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَ ةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وٱلنّبيّن وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِين َ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ١٧ ٧﴾ [البقرة: 177]


    السؤال الأول:


    قوله تعالى في آية البقرة: ﴿ لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ ﴾ [البقرة:177] بالنصب، وقوله تعالى في آية البقرة: ﴿ وَلَيۡسَ ٱلۡبِرُّ ﴾ [البقرة:189] بالرفع، فما دلالة الرفع ودلالة النصب؟ وما الفرق بينهما نحوياً؟


    الجواب:


    1ـ التعبير أصلاً مختلف ﴿ لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ ﴾ [البقرة:177]: البِرَّ: خبر (ليس) منصوب مقدَّم؛ لأنَّ خبر (ليس) يجوزُ تقديمه، و﴿ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ ﴾ [البقرة:177] مصدر مُؤَوَّلٌ بمعنى التوليةِ في محل رفع اسم (ليس)، وخارج القرآن معناها:(ليست توليتُكم وجوهكم قبل المشرق والمغرب البِرَّ).


    2ـ الثانية: ﴿ وَلَيۡسَ ٱلۡبِرُّ بِأَن تَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰۗ ﴾ [البقرة:189] لا يصح لغةً في الآية الثانية أنْ يقول:(ليسَ البِرَّ بأنْ).
    هذه الباءُ تدخل على الخبرِ مثل (خبرِ ليس، وما، لا، وكان المنفية) ولا تدخل على الاسم، كما في الآيات: ﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّامٖ لِّلۡعَبِيدِ١٨٢ ﴾ [آل عمران:182] ﴿ أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَحۡكَمِ ٱلحكمين [التين:8] و﴿ وَمَا هُم بمؤۡمنين [البقرة:8] والباء لا تدخل على الاسم أصلاً.


    3ـ الآية الأولى يمكن أنْ يقال فيها: ليس البرُّ أو ليس البرَّ؛ لأنه يمكن أنْ يكون هناك تقديم وتأخيرٌ، لكنّ الآية الثانية لا يمكِنُ؛ لأنَّه ما دام عندنا (الباءُ)، والباءُ تدخلُ على الخبرِ حتماً مزيدةً للتأكيد ولا تزادُ في الاسمِ، فإذن لا يمكِنُ أنْ ننصبَ (البِرَّ) بسببِ دخولِ الباءِ؛ فاقتضى أنْ تكون الباءُ داخلةً على خبرِ (ليس)، ولا يمكِنُ غيرُ ذلك.


    4ـ بشكلٍ عامٍّ يصح أنْ نجعلَ الخبرَ مبتدأً، إذا كنا نجهَلُ الاسمَ ونعرِفُ الوصفَ فنُلحِقُ الاسمَ بالوصفِ ونقولُ: (المجتهد زيدٌ).

    السؤال الثاني:


    ما الفرق البلاغي بين الصيغتين في الآيتين 177 و 189 ﴿ أَن تُوَلُّواْ ﴾ [البقرة:177] و ﴿ بِأَن تَأۡتُواْ ﴾ [البقرة:189]؟

    الجواب:


    1ـ استعملت العربُ الباءَ لتأكيدِ النفيِ، كما استعملت اللامَ في تأكيدِ الإثباتِ نحو: (ما زيد بمنطلق) و (لست بذاهبٍ)، حيث نفي الانطلاق والذهاب، وتستعمل (الباء) عادة لتوكيد النفي، وخاصة عندما يكون النفي له قيمته.


    2ـ جاء في سبب نزول الآية 189: أنّ أهل الجاهلية إذا أحرم أحدُهم نَقَبَ خلف بيته أو خيمته نقباً يدخل منه ويخرج، أو يتخذ سلماً يصعد منه سطح داره ثم ينحدر، فقيل لهم: ليس البر بتحرُّجِكُم عن دخول الباب، ولكنّ البر من اتقى، أي أعلمهم أنّ تشديدهم في أمر الإحرام ليس بِبِرٍّ ولكن البِرَّ من اتقى مخالفة أوامر الله، وأمرهم بترك سنة الجاهلية، فقال: ﴿ وَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِنۡ أَبۡوَٰبِهَاۚ﴾ [البقرة:189].
    لذلك جاءت الباء في قوله: ﴿ بِأَن تَأۡتُواْ ﴾ [البقرة:189] لتأكيد النفي في هذه المسألة، حيث كانت هذه المسألة تشدداً منهم ولم يرد الله أنْ يُشرِّعَ ذلك فأكَّد النفي بالباءِ، لأنَّ ترك المألوفاتِ أشقُّ شيءٍ على النفس.
    وجاءت هذه المسألة في سياقِ الآياتِ التي تتكلَّمُ عن الحج ومناسكه بعد هذه الآية، بينما لم يأتِ مثلُ ذلك في الآية 177، فلم يتطلب الأمر التأكيد بالباء، والله أعلم.


    3ـ وكأنّ معنى الآية 189، أي: لا تجعلوا المسائل شكلية؛ لأنّ الله يريد أصل البر وهو الشيء الحسن النافع.

    السؤال الثالث:


    لِمَ قال سبحانه: ﴿ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ﴾ [البقرة:177] ولم يقل: وهو يحبه، في قوله تعالى: ﴿ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ ﴾ [البقرة:177]؟

    الجواب:


    تأمل كيف قال سبحانه: ﴿ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ﴾ ولم يقل: وهو يحبه؛ لأنّ (على) أفادت التمكن من حب المال وشدة التعلق به، فنبّه بها على أبعد أحوال التعلق بالمال، فإذا كنت في حالة شدة حبك للمال تنفقه في سبيل الله وأنت مرتاح النفس، فكيف بك في أحوالك الأخرى؟
    السؤال الرابع:
    ما دلالة نصب ﴿ وَٱلصَّٰبِرِينَ ﴾ في هذه الآية في قوله تعالى: ﴿ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ ﴾؟

    الجواب:


    هذا يُسمّى القطع، والقطع يكون في الصفات أو العطف.
    وإذا كان من باب الصفات فالقطع يكون للأمر المهم، ويكون القطع في الصفات مع المرفوع للمنصوب ومع المنصوب للمرفوع ومع المجرور للمرفوع، والآية موضع السؤال هي من القطع من العطف لأهمية المقطوع.

    والمقطوع يكون مفعولاً به بمعنى أخُصُّ أو أمدَحُ ويسمى مقطوعاً على المدحِ أو الذَّمِّ، وفي الآية ﴿ وَٱلصَّٰبِرِينَ ﴾ مقطوعةٌ وهي تعني: أخُصُّ أو أمدَحُ الصابرين، وكأننا نسلِّطُ الضَّوءَ على المقطوعِ، فالكلمةُ التي نريد أنْ نركِّزَ عليها أو نسلِّطُ عليها الضوءَ نقطَعُها.



    لذلك (الصابرين): منصوبة ركّز عليها وقطع، ولم يقل: (الصابرون) بحيث تكون معطوفة على (الموفون) بل عطف على خبر (لكنَّ)؛ لأنّ الصابرين يكونون في الحرب والسلم وفي البأساء وهي عموم الشدة، والإصابة في الأموال والضرّاء في البدن والدين كله صبر، فقطع الصابرين لأهميتها.


    والصبر هنا له منزلة عالية في البأساء والضراء، فنصبها إشارة إلى تخصص الصابرين وتمييزهم بين المذكورين، وتقديرا لفعل محذوف (أخصُّ الصابرين).

    السؤال الخامس:


    ما الفرق بين البأساء والضراء في الآية: ﴿ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ ﴾؟

    الجواب:


    1ـ البأساء: هي البؤس والفقر والشدة والحرب والمشقة.


    2ـ الضراء: هي المرض والأوجاع في الأبدان وما يصيب الأموال أيضاً، والإصابة في الأبدان من مرض وأوجاع، والإصابة في الأموال هي من الضراء.

    وهما اسمان على وزن فعلاء، ولا أفعل لهما لأنهما ليسا بِنَعتَينِ.


    السؤال السادس:


    ما تفسير قوله تعالى: ﴿ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰۗ﴾ في الآية؟ و لمَ لمْ يقل: لكن البر أنْ تؤمنوا، باعتبار أنّ البر هو الإيمان وليناسب الجزء الأول من الآية الذي أتى بالخبر مصدراً؟

    الجواب:


    جاء في آية البقرة 177 بالمصدر المؤول (أنْ تولوا = التولية) فافترض بعضهم أنّ يستعمل المصدر في الجزء الثاني من الآية أيضاً ليتناسب مع المصدر في بدايتها، فيقول: ولكن البر أنْ تؤمنوا، وكذلك في الآية الثانية.

    وفي لغة العرب يمكن أنْ يحذف المضاف ويقام المضاف إليه مقامه، كما في قوله تعالى: ﴿ وَسۡ*َٔلِ ٱلۡقَرۡيَةَ ﴾ [يوسف:82]، ففيها مضاف محذوف تقديره: (واسأل أهل القرية) فحذف كلمةَ (أهل) وجعل كلمة (قرية) مكانها، وأخذت موقعها الإعرابيَّ.



    فعندما يقول القرآن: ﴿ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰۗ ﴾ [البقرة:189] كأن هذا المتقي صار هو البِرُّ بعينه. فالبِرُّ الحقيقيُّ هو هذا الذي وصفناه بهذه الكلمة، البرُّ هو هذا الذي اتقى أو هذا الذي توفرت فيه هذه الصفات.



    السؤال السابع:


    ما هدف هذه الآية؟


    الجواب:


    آـ أصل الكلام في الآيتين (177 و 189) هو عن القبلة التي هي أولى بالاتجاه نحوها؟ وفي أيِّ اتجاه يكون البِرُّ؟
    والقرآن يريد أنْ يبين لمن يسمعه سواء أكان من المسلمين أم من غيرهم ما البِرُّ الحقيقي؛ فقال: ﴿ لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ ﴾ [البقرة:177].


    ب ـ نلحظ أنه استعمل الفعل المضارع ﴿ تُوَلُّواْ ﴾ بمعنى التحول والتحرك، أي: تولية الوجه، ووصف البر بأنه من تتمثل فيه هذه الصفات، وهي من الآيات الجامعة التي تبين لنا أنّ البر يكون ممثلاً كاملاً في هذا الانسان المتصف بهذه الصفات.


    ج ـ وتمضي الآية تعدد صفاته:
    - الإيمان بالله بكل ما يقتضيه من تطبيق ومن اعتقاد.
    - ثم انتقل إلى الغيبيات من الإيمان باليوم الآخر والملائكة.
    - والكتاب: ونلحظ استعمال الجنس (الكتاب) أي: جنس الكتاب.
    - والنبيين: استعمل (النبيين) دون المرسلين؛ لأنّ عدد الأنبياء أكثر من عدد الرسل، فكل رسول نبي، وليس كلّ نبيٍّ رسولاً.
    _ ثم انتقل إلى المعاملات: ﴿ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ﴾.
    _ ثم بين نوع الإيتاء، فهو ليس من الفرض والزكاة.
    _ وبيّن الفئات التي يصلها العطاء وتستحقه، فبدأ بذوي القربى من باب حرصه على الأرحام، وثنّى باليتامى، ثم بالمساكين الذين يحتاج المرء إلى البحث عنهم ليعرفهم، وهذا من التوجيهات الاجتماعية القرآنية في الرعاية المالية، ثم ذكر (ابن السبيل) ليطمئن المسلم على نفسه أنّى كان، فإذا انقطع به المال في سفر فإنّ له حقا في هذا المال، وذكر السائلين «من سأل بالله فأعطوه» فلا يبحث المرء أمحتاج هذا السائل أم لا؟ ما دام يسأل فعليَّ أنْ أعطي إنْ كنت قادراً. والسائلون ليسوا هم المساكين، ثم ختم بالرقاب.
    وهذه الكلمة يثيرها بعض من لم يطلعوا على حقيقة الإسلام شبهةً ضده فيقولون: إنّ الإسلام يقر الرق ويدعو إلى العبودية، والحقيقة هي أنّ الإسلام أبقى منفذاً واحداً للرق وهو (رقيق الحرب) ثم فتح أبواباً لإخراج العبد من حالة عبوديته بالصدقات والكفارات والترغيب في العتق، وباباً آخر وهو (المكاتبة) فيحق لكل فرد من الرقيق أنْ يذهب إلى القاضي ويطلب مكاتبة سيده، فيرغمه القاضي على المكاتبة إلى أنْ يتخلص العبد من الرق، وهو من مصارف الإنفاق الطوعي ﴿ وَفِي ٱلرِّقَابِ ﴾.
    ـ ﴿ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ ﴾ انتقل بعد ذلك إلى تهذيب النفس وصلتها بالله.
    ـ ﴿ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ ﴾ وهذا تأكيد على أنّ الإنفاق المالي المتقدم ليس من الفرض والزكاة، فالزكاة مال تجمعه الدولة وتتولى إنفاقه في مصارفه، أمّا المذكور سابقاً فإنفاق شخصيٌّ يختلف عن هذا، وفي أيامنا تركت دول كثيرة جمع الزكاة إلى الناس أنفسهم وهذا امتحان لهم.


    د ـ الحق تبارك وتعالى اعتبر في تحقيق ماهية البر خمسة أمور؛ وهي: الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتب والرسل، وقد خصّ الإيمان بهذه الأمور الخمسة؛ لأنه دخل تحتها كل ما يلزم أن نصَّدق به.والله أعلم.


    السؤال الثامن:


    لِمَ قدَّمَ الملائكةَ والكتبَ في الذكر على الرسل؟


    الجواب:


    بالطبع لا علم لنا بوجود الملائكة وصدق الكتب إلاّ من خلال صدق الرسل، فكانت الرسل كالأصل في معرفة الملائكة والكتب، كما أنّ هذا الترتيب هو ترتيب الوجود الخارجي لا ترتيب الاعتبار الذهني، فقد وجدت الملائكة، أولاً ثم حصل بواسطتهم تبليغ الكتب إلى الرسل عليهم السلام.

    السؤال التاسع:


    لم قدّم الإيمان على أفعال الجوارح مثل إيتاء المال والصلاة والزكاة؟
    الجواب:


    للتنبيه على أنّ أعمال القلوب أشرف عند الله من أعمال الجوارح.

    السؤال العاشر:


    ماذا تفيد (الواوات) من معنى في الآية؟

    الجواب:


    هذه الواوات في الآية للجمع، لذلك من شرائط تمام البر أنْ تجتمع هذه الأوصاف معاً.
    ولذلك قال بعضهم هذه الصفة خاصة للأنبياء عليهم السلام؛ لأنّ غيرهم لا تجتمع فيه هذه الصفات كلها. وقال آخرون: هذه عامة في جميع المؤمنين.

    السؤال الحادي عشر:


    ما دلالة انتقال الحديث من الإفراد إلى الجمع في الآية؟

    الجواب:


    نلحظ انتقال الحديث إلى الجمع، فالكلام المتقدم فردي، وقد تقدمت (مَن) وهي تحتمل الجمع والإفراد، فبدأ بالإفراد (الإيمان ـ الإنفاق الفردي من رعاية ذوي القربى واليتامى والإنفاق على المساكين، والصلاة والزكاة).
    ثم انتقل إلى العمل الجماعي لأنّ (مَن) تجمع الاثنين: الإفراد والجمع، وفي العمل الجماعي ذكر:


    1ـ الوفاء بالعهد، ويجوز أنْ نقول: (نحترم من يفي بعهده ـ ومن يوفون بعهدهم)؛ لأنها تصدق على الواحد والكثرة.
    وقد جعل الوفاء بالعهد عاماً ليشمل وفاء المجتمع بالعهد، والفرد جزء من المجتمع، فأي فرد من المسلمين يمكن أنْ يعاهد عن بقية المسلمين، وهم جميعا ملزمون بالوفاء بعهده (يسعى بذمتهم أدناهم).
    والوفاء بالعهد ليس سهلاً على المرء في مواطن كثيرة، إذ يصعب على النفس، وقد تشعر أن فيه هضماً لحقها، ونتذكر جميعا كيف كان المسلمون يأتون من مكة إلى الرسول ﷺ فيردهم وفاء لعهده مع المشركين في صلح الحديبية.


    2ـ قوله تعالى: ﴿ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ﴾ جاء باسم الإشارة ﴿ أُوْلَٰٓئِكَ ﴾ للبعيد ليقول: إنّ على المسلم أنْ يسعى ليكون مثلهم ويصل إليهم وإلى هذه الصفات.
    ﴿ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ ﴾ والسؤال هنا لم جاء بالضمير ﴿ هُمُ ﴾ ؟
    والجواب أنّ ﴿ هُمُ ﴾ [البقرة:177] ضمير فصل يؤتى به ليميز بين الخبر والصفة، وفيه أيضاً معنى التوكيد، ونفي الوصفية التي قد تفهم إنْ حُذف الضمير، فأثبت لهم الخبرية توكيداً وتخصيصاً.


    3ـ جاء بعد كل الصفات المتقدمة بوصف المتقين، لأنّ ما ذكره الله عزوجل في هذه الآية من العقائد والأعمال الحسنة،هي برهان الإيمان ونوره، والمتصفون بها هم ﴿ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ ﴾. والله أعلم.

    السؤال الثاني عشر:


    ما دلالة هذه الآية بشكل عام؟

    الجواب:


    1 ـ هذه الآية لخّصت الدينَ كله، فالحق سبحانه قال في بدايتها:
    ﴿ لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ ﴾:
    ثم جاء التفصيل على النحو التالي:

    أولاً: من آمن:


    1ـ بالله.
    2ـ واليوم الآخر.
    3ـ والملائكة.
    4ـ والكتاب.
    5 ـ والنبين.

    ثانياً: وآتى المال على حبه:


    1ـ ذوي القربى.
    2ـ واليتامى.
    3ـ والمساكين.
    4ـ وابن السبيل.
    5ـ والسائلين.
    6ـ وفي الرقاب.

    ثالثاً: وكذلك:


    1ـ وأقام الصلاة.
    2 ـ وآتى الزكاة.
    3ـ والموفون بعهدهم إذا عاهدوا.
    4 ـ والصابرين:
    آ ـ في البأساء.
    ب ـ والضرّاء.
    ج ـ وحين البأس.
    ثم تختم الآية بقوله تعالى:
    ﴿ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ ﴾.


    2ـ كانت اليهود تتوجه للمغرب كقِبلة لهم، والنصارى تتوجه للمشرق كقبلة لهم،ويعتبرون ذلك هو البِر، فأنزل الله هذه الآية، فبيّن أنّ البرّ ليس هو أمر القبلة حتى يحدث فيه الخلاف والشقاق، لأنّ التوجه للقبلة هو من الوسائل وليس من المقاصد، وإنما البرّ المطلوب هو الخصال العشر التي تضمنتها الآية، خمس منها في أصول الإيمان والعقيدة وهي:

    ـ الإيمان بالله تعالى.
    ـ الإيمان باليوم الآخر.
    ـ الإيمان بالملائكة.
    ـ الإيمان بجميع كتب الله المنزّلة.
    ـ الإيمان بجميع أنبياء الله ورسله.
    وهذا في قوله تعالى: ﴿ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَ ةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وٱلنّبيّن ﴾.

    وأمّا الإيمان بالقضاء والقدر فقد جاء في آية القمر: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ٤٩﴾ [القمر:49].
    وأمّا الخمس الأخرى فتتعلق بالأعمال الصالحة في التعامل مع الناس وهي:
    ـ بذل المال قليلاً أو كثيراً لـ: ﴿ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِين َ وَفِي ٱلرِّقَابِ ﴾.
    ـ أقام الصلاة.
    ـ آتى الزكاة.
    ـ الوفاء بالعهد والمواثيق.
    ـ الصبر في البأساء والضراء وحين البأس.


    3 ـ النتيجة: ﴿ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ١٧ ٧ ﴾.

    والله أعلم.

  6. #46
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,758

    افتراضي رد: مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن" سورة البقرة

    ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِي ٱلۡقَتۡلَىۖ ٱلۡحُرُّ بِٱلۡحُرِّ وَٱلۡعَبۡدُ بِٱلۡعَبۡدِ وَٱلۡأُنثَىٰ بِٱلۡأُنثَىٰۚ فَمَنۡ عُفِيَ لَهُۥ مِنۡ أَخِيهِ شَيۡءٞ فَٱتِّبَاعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيۡهِ بِإِحۡسَٰنٖۗ ذَٰلِكَ تَخۡفِيفٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَرَحۡمَةٞۗ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ١٧٨﴾ [البقرة: 178]


    تقديم خاص للآية:

    بعد بيان الله لخصال البرّ لأهل التقوى والإيمان في الآية السابقة (البقرة 177)، تذكرُ سورةُ البقرة ابتداء من هذه الآية (178) أربعين حكماً تشريعياً، لتحقيق منهج الله في المجتمع المسلم، وهذه الأحكام هي:
    وهذه الآية (178) تذكر الحُكم الأول وهو: القِصاص وأحكامه، وبُدىء بهذا الحكم لأنه الأعظم في اختلال الأمن، وأهمية شيوع الأمن في المجتمع، وقد ناطَ الإسلامُ مسألة القصاص بالحاكم، ولم يتركها للناس، حتى لا يعتدي أحدٌ على أحد ظلماً وعدواناً بسبب القصاص.

    السؤال الأول:
    ما تفسير الآية 178 في سورة البقرة؟ وما الوجه البلاغي في هذا التقسيم؟

    الجواب:

    هل إذا قتلَ حرٌّ عبداً لا يؤخذ به؟ وإنما يقول: أعطونا ثمنه؟
    نقول: في كثير من الآيات ينبغي الرجوع إلى سبب النزول.
    يوجد عندنا قاعدة عامة ﴿ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ ﴾ [البقرة:179] هذه القاعدة العامة.
    كان هناك ثأرٌ بين حَيَّينِ من أحياء العرب أسلموا قبل أنْ تُفضَّ المشكلة وأحدهما كان قوياً متجبراً، فقبل أنْ يدخلوا في الإسلام كانوا يقولون - تجبراً منهم-: العبد منّا بالحرّ منهم، والمرأة منّا بالرجل منهم، حتى نصطلح وإلا فالحرب مستمرة، فلمّا دخلوا في الإسلام بقوا على حالهم وعلى قولهم، فنزلت الآية تفيد أن في القصاص حياةً، لكنّ الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى.
    وانظروا كم من أحراركم قُتِلَ وأحرارهم قُتِلَ! هذا بهذا والفارق تدفع عنهم الدِّية، وكذلك الأمر للعبيد وللنساء حتى تحل المشكلة، لكن تبقى القاعدة عامة ﴿وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ ﴾ القصاص عامة.


    السؤال الثاني:

    ما الحكمة من بناء الفعل ﴿ كُتِبَ ﴾ هنا للمجهول في هذه الآية؟
    الجواب:
    الأمور المستكرهة يبنيها ربُّنا للمجهول ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ ﴾ [البقرة:183] ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِي ٱلۡقَتۡلَىۖ ﴾ [البقرة:178] ﴿ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ وَهُوَ كُرۡهٞ لَّكُمۡۖ ﴾ [البقرة:216].
    لذلك نرى أنه في الأشياء الصعبة المستكرهة والمشقة يُبنى الفعل للمجهول مع أنه كله بقدر الله عز وجل، لكنْ لا ينسبه لنفسه، وهذا خط عام في القرآن.

    السؤال الثالث:
    ما دلالة قوله تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِي ٱلۡقَتۡلَىۖ ﴾؟
    الجواب:
    قوله تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِي ٱلۡقَتۡلَىۖ ﴾ أي: فُرض بسبب قتل القتلى؛ لأنّ الحرف (في) قد يستعمل للسببية؛ كقوله ﷺ «في النفس المؤمنة مائة من الإبل» والقصاص ليس بفرض، بل الوليُّ مخيرٌ فيه، بل مندوب إلى تركه.
    والمراد هنا أنه فُرِضَ على القاتل التمكين، لا أنه فرض على الولي الاستيفاء.

    السؤال الرابع:

    ما دلالة قوله تعالى: ﴿ فَمَنۡ عُفِيَ لَهُۥ مِنۡ أَخِيهِ شَيۡءٞ ﴾؟ ولِمَ عُدّيَ الفعلُ باللام؟ وما دلالة لفظة (شيء) منكرة؟
    الجواب:
    آـ المعنى: فمن له من أخيه شيء من العفو.
    ب ـ إنْ قيل: إنَّ (عُفِيَ) يتعدَّى بـ (عن) وليس بـ(اللام) فما وجه (فمن عفي له)؟
    والجواب: أنه يتعدى بـ (عن) إلى الجاني وإلى الذنب، فيقال: عفوت عن فلان أو عن ذنبه، كما قال تعالى: ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ ﴾[التوبة: 43]، فإذا تعدى إلى الذنب، قيل: عفوت عن فلان عما جنى، كما تقول: عفوت له عن ذنبه، فكأنّ معنى الآية (فمن عفي له من جنايته)، فاستغنى عن ذكر الجناية.
    ج ـ لِم قيل (شيء) من العفو؟
    والجواب: أنه إذا كان الحق يتألف من القود والمال، كان له أنْ يعفو عن القود دون المال، وله أنْ يعفو عن الكل فناسب ذكر (شيء) أي: جزء من العفو.

    السؤال الخامس:
    بأي معنى أثبت الله وصف الأخوة؟
    الجواب:
    هو أحد الاحتمالات التالية:
    ـ الآية نازلة قبل أنْ يقتل أحدٌ أحداً والمؤمنون إخوة قبل الإقدام على القتل.
    ـ الفاسق يتوب ويكون ولي المقتول أخاً له.
    ـ في النسب: ﴿ وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمۡ هُودٗاۚ﴾ [الأعراف:65].
    ـ ليعطف أحدهما على الآخر.
    ـ الله أثبت الأخوة على الإطلاق بين المؤمنين بدون تقييد بزمان أو مكان.

    السؤال السادس:

    ما دلالة قوله تعالى: ﴿ فَٱتِّبَاعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيۡهِ بِإِحۡسَٰنٖۗ﴾ وما إعراب ﴿ فَٱتِّبَاعُۢ﴾؟
    الجواب:
    آـ قوله ﴿ فَٱتِّبَاعُۢ﴾ خبر لمبتدأ محذوف تقديره: فحكمه اتباع، أو مبتدأ خبره محذوف تقديره: فعليه اتباع المعروف.
    ب ـ على العافي الاتباع بالمعروف بألا يشدد بالمطالبة، فإنْ كان معسراً فالنظرة إلى ميسرة، وعلى المعفوِّ عنه أداءٌ بإحسان.

    السؤال السابع:
    ما دلالة قوله تعالى: ﴿ ذَٰلِكَ تَخۡفِيفٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَرَحۡمَةٞۗ﴾؟
    الجواب:
    1ـ قوله تعالى: ﴿ ذَٰلِكَ تَخۡفِيفٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَرَحۡمَةٞۗ﴾ أي: هذا الحكم تخفيف في حقكم؛ لأنّ العفو وأخذ الدية محرمان على أهل التوراة، والقصاص مكتوب عليهم البتة، والقصاص والدية محرمان على أهل الإنجيل والعفو مكتوب عليهم، وهذه الأمة مخيرة بين القصاص والدية والعفو توسعة عليهم وتيسيراً.
    2ـ قوله تعالى: ﴿ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ ﴾ المراد: أنْ لا يقتل بعد العفو والدية، أو يقتل غير قاتله أو أكثر من قاتله، أو طلب أكثر مما وجب له من الدية، ويجب أنْ يحمل على الجميع لعموم اللفظ.

    السؤال الثامن:
    ما فائدة تقديم الجار والمجرور في قوله تعالى: ﴿ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾؟

    الجواب:

    قوله تعالى: ﴿ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ خصّصه بتقديم الجار والمجرور، ونوع خاص من العذاب الأليم، قال النبي ﷺ «لا أعافي أحداً قَتَلَ بعد أخذ الدية» والله أعلم.


  7. #47
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,758

    افتراضي رد: مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن" سورة البقرة

    ﴿وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ١٧٩﴾ [البقرة: 179]

    السؤال الأول:
    ما القيمة الفنية لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ﴾؟

    الجواب:
    آـ هذه الآية فيها مقالات طويلة، ولقد كتب مصطفى صادق الرافعي مقالة بعنوان «كلمة مؤمنة في الرد على كلمة كافرة» حيث إنّ بعضهم قال: إنّ العرب تقول: (القتل أنفى للقتل)، فكتب في الفرق العظيم بين قولهم (القتل أنفى من القتل) التي فيها دماء، وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ﴾ [البقرة:179] التي فيها حياة، والسيوطي ذكر عشرين فرقاً في كتابه «المزهر في اللغة» والرافعي زاد عليه.
    ب ـ الآية بتمامها: ﴿وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ١٧٩﴾ [البقرة:179]. وكلمة القِصاص مأخوذة من فعل: قصّ يقصّ، وفي الأصل القصّ هو القطع، أو القصّ هو تتبّع الأثر تحديداً، والأثر قد يكون خطاً ومنه قصّ الثوب؛ لأنّ الثياب لم تكن تُقصّ إلا بعد أنْ يوضع عليها خط أين يقصّ، والذي يقص بالمقص هو يتتبع أثراً، والقِصاص من قصّ يقص قِصاصاً ومقاصّة.
    ج ـ القِصاص لكم فيه حياة، أي: حياة للمجتمع، وكلمة ﴿حَيَوٰةٞ﴾ جاءت نكِرة فأخّرها على سُنّة العرب في كلامها، والإسلام يريد مجتمعاً هانئاً آمناً فذكر القِصاصَ.
    د ـ أما مقولة (القتل أنفى للقتل) فهذه مقولة عربية يوازنوها أحياناً بـ ﴿وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ﴾ [البقرة:179]، ولكن عندما ندقق في الآية نجد سُمُوَّ التعبير ﴿وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰة﴾ [البقرة:179].
    أما (القتل أنفى للقتل) فيقول بعضهم: إنها كلمة جاهلية، وحتى لو كانت جاهلية فإنها تحمل رائحة الدم، وليس فيها رائحة بناء المجتمع.
    وأمّا كلمة ﴿ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ﴾ فهي كلمة موجزة، والقصاص فيه حياة للمجتمع، القصاص لم يحدد القتل وإنما هو عدالة، وعندما تقول (قصاص)، أي: أنت تتتبّع الذي فعله المخالِف فتقصّ فعله حتى تعاقبه بمثل فعله، واختصرت بكلمة (قصاص) مهما كان الشخص الذي قتل حاكماً أو سيداً في قومه فيقتل وحده، وبعد ذلك رُخِّص للمسلمين بقبول المقابل أو العدل، والدية هي مقابل القتل.
    مقولة (القتل أنفى للقتل) مقولة تتكلم فقط عن القتل، بينما القصاص شامل ذكر كل هذه الأشياء، فضلاً عن أنّ كلمة (القتل أنفى للقتل) كما يقول علماؤنا: خطأ؛ لأنه ليس دائماً القتل ينفي القتل، ففي بعض الأحيان القتل يجلب قتلاً (قتل الظلم، قتل التعدّي) كما يقولون: (ومن يظلم الناس يُظلَم) وليس هكذا مفهوم الإسلام.
    هـ ـ ثم كلمة ﴿حَيَوٰةٞ﴾ نكرة، والنكرة لها في كل موضع معنى، وفي هذه الآية معناها حياة نبيلة، عظيمة، قيّمة، وعندما نسمع السياق نجده يعطي معنى الحياة السعيدة الهانئة، حياة صِفُوها بما شئتم من أوصاف الخير.
    ولاحظ كيف بيّنت هذه الآية على وجازتها حكمة القصاص بأسلوبٍ لا يُمارى وعبارة لا تُحاكى، وكيف نُكِّرت كلمة ﴿حَيَوٰةٞ﴾ فلم يقل (الحياة) إشعاراً أنّ في هذا القصاص نوعاً من الحياة لا يبلغه وصف.

    ولكن كيف يكون القصاص حياة وهو قتلٌ للقاتل؟

    الجواب: أنه إذا عَلِم القاتل أنه سيُقتل فلا شك أنه سيمتنع عن القتل، وهذا يصون النفس من القتل ويحمي القاتل، فكان القصاص حياة للنفسَينِ وهذا يؤدي إلى إحياء البشرية بأسرها.
    قال قتادة: جعل الله في القصاص حياةً، فإذا ذكره الظالمُ المعتدي كفَّ عن القتل.والله أعلم.

  8. #48
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,758

    افتراضي رد: مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن" سورة البقرة

    ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ إِن تَرَكَ خَيۡرًا ٱلۡوَصِيَّةُ لِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِين َ بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُتَّقِينَ١٨ ٠﴾ [البقرة: 180]

    السؤال الأول:
    ما الفرق بين استعمالي الفعل (حضر) و(جاء) مع الموت؟
    الجواب:
    انظر الجواب في آية البقرة: 133.

    السؤال الثاني:
    ما دلالة استعمال (إذا) في الآية؟ وما الفرق في الاستعمال بين (إذا) و (إن)؟
    الجواب:
    (إذا) تستعمل فيما هو كثير وفيما هو آكد وفيما هو واجب، و(إنْ) لما هو أقلّ في عموم الشرط، وقد يكون مستحيلاً وقد يكون قليلاً، وتفصيل ذلك:
    1ـ (إنْ): تستعمل في القرآن الكريم في المعاني المحتملة الوقوع أو المشكوك في حصولها أو المستحيلة أو المفترضة:
    شواهد للمعاني المشكوك في حصولها:
    ﴿ وَلَٰكِنِ ٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡجَبَلِ فَإِنِ ٱسۡتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوۡفَ تَرَىٰنِيۚ ﴾ [الأعراف:143].


    شواهد للمعاني المحتملة:
    ﴿ فَإِن قَٰتَلُوكُمۡ فَٱقۡتُلُوهُمۡۗ ﴾ [البقرة:191].
    ﴿ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوۡجًا غَيۡرَهُۥۗ ﴾ [البقرة:230].
    ﴿ وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ ﴾ [المائدة:6].

    شواهد للمعاني المستحيلة:
    ﴿ قُلۡ إِن كَانَ لِلرَّحۡمَٰنِ وَلَدٞ فَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡعَٰبِدِينَ٨١ ﴾ [الزخرف:81].
    ﴿ يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ إِنِ ٱسۡتَطَعۡتُمۡ أَن تَنفُذُواْ مِنۡ أَقۡطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ فَٱنفُذُواْۚ ﴾ [الرحمن:33].


    شواهد للمعاني المفترضة:
    ﴿ قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمُ ٱلَّيۡلَ سَرۡمَدًا إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ ﴾ [القصص:71].
    2ـ (إذا): تستعمل للمقطوع بحدوثه والكثير الوقوع كما في الآيات:
    ﴿ كُتِبَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ﴾ [البقرة:180].
    ﴿ وَٱبۡتَلُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُواْ ٱلنِّكَاحَ ﴾ [النساء:6].
    ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ ﴾ [الجمعة:10].
    ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٖ فَحَيُّواْ بِأَحۡسَنَ مِنۡهَآ أَوۡ رُدُّوهَآۗ ﴾ [النساء:86].
    ﴿ وَإِذَا قُرِئَ ٱلۡقُرۡءَانُ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥ وَأَنصِتُواْ ﴾ [الأعراف:204].
    شواهد إضافية: [ آل عمران25 ـ المائدة 2 ـ الأعراف 34 ـ التوبة 5 ـ النور59 ـ البقرة 282 ـ يونس12].

    3ـ شواهد مشتركة تتضمن(إذا وإنْ) معاً:
    ﴿ كُتِبَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ إِن تَرَكَ خَيۡرًا ٱلۡوَصِيَّةُ ﴾ [البقرة:180].
    ﴿ فَإِنۡ أُحۡصِرۡتُمۡ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۖ وَلَا تَحۡلِقُواْ رُءُوسَكُمۡ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡهَدۡيُ مَحِلَّهُۥۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ بِهِۦٓ أَذٗى مِّن رَّأۡسِهِۦ فَفِدۡيَةٞ مِّن صِيَامٍ أَوۡ صَدَقَةٍ أَوۡ نُسُكٖۚ فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلۡعُمۡرَةِ إِلَى ٱلۡحَجِّ ﴾ [البقرة:196].
    ﴿ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ فَرِجَالًا أَوۡ رُكۡبَانٗاۖ فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم ﴾ [البقرة:239]
    ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ فَلۡيَكۡتُبۡ وَلۡيُمۡلِلِ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبۡخَسۡ مِنۡهُ شَيۡ*ٔٗاۚ فَإِن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ سَفِيهًا أَوۡ ضَعِيفًا ﴾ [البقرة:282]
    ﴿ فَإِذَآ أُحۡصِنَّ فَإِنۡ أَتَيۡنَ بِفَٰحِشَةٖ فَعَلَيۡهِنَّ نِصۡفُ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ مِنَ ٱلۡعَذَابِۚ ﴾ [النساء:25].
    ﴿ فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلۡأَشۡهُرُ ٱلۡحُرُمُ فَٱقۡتُلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡ وَخُذُوهُمۡ وَٱحۡصُرُوهُمۡ وَٱقۡعُدُواْ لَهُمۡ كُلَّ مَرۡصَدٖۚ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ ﴾ [التوبة:5].
    شواهد إضافية: [ المائدة6ـ الأعراف131ـ الروم 36ـ البقرة 239ـ النساء 101ـ البقرة 229ـ230ـ 231ـ الرعد5 ].

    4ـ ملاحظات عامة:
    أـ (إذا) و(إنْ) من أدوات الشرط.
    ب ـ وردت (إذا) في القرآن الكريم في أكثر من (362) مرة، لم ترد في موضع واحد غير محتمل الوقوع، بل هي كلها إمّا مقطوع بوقوعها أو كثير الوقوع، بخلاف (إنْ).
    ولمّا كانت (إذا) تفيد الجزم بالوقوع، غلب معها الفعل الماضي، لكونه أدل على الوقوع، باعتبار لفظه، بخلاف (إنْ) التي تستعمل في المعاني المحتملة، والمشكوك فيها، فإنه غلب معها الفعل المضارع.
    وقد وردت (إذا) في القرآن الكريم ـ شرطية وظرفية ـ في أكثر من (362) مرة، منها (18) فقط ورد معها الفعل المضارع، بينما ورد الفعل الماضي مع البقية.
    ج ـ إذا كان فعل الشرط ماضياً فإنه يفيد افتراض حصول الحدث مرة أو وقوعه جملة، في حين أنّ الفعل المضارع قد يفيد تكرار الحدث، أو يفيد تطاول الحدث.
    د ـ وقد وردت (إنْ) في القرآن الكريم في حوالي (554) مرة. والله أعلم.

    السؤال الثالث:
    ما إعراب كلمة ﴿ ٱلۡوَصِيَّةُ ﴾ [البقرة:180] في هذه الآية؟
    الجواب:
    الوصيةُ: نائب فاعل مرفوع.


    السؤال الرابع:
    كيف عطف الأقربين على الوالدين، وهما أقرب المقربين والعطف يقتضي المغايرة؟
    الجواب:
    الوالدان ليسا من الأقربين؛ لأنّ القريب من يدلي إلى غيره بواسطة كالأخ والعم ونحوهما، والوالدان ليسا كذلك، وحتى لو كانا منهم لكان تخصيصهما بالذكر لشرفهما، كقوله تعالى: ﴿ وَمَلَٰٓئِكَتِه ِۦ وَرُسُلِهِۦ وَجِبۡرِيلَ وَمِيكَىٰلَ ﴾ [البقرة:98].

    السؤال الخامس:
    ما دلالة هذه الآية؟
    الجواب:
    1ـ هذه الآية فيها وصيّة مجملة مردّها إلى العُرف، بالنسبة للوالدين والأقارب الوارثين، وكان ذلك قبل تحديد أنصبة المواريث في سورة النساء، ولكن هل نسخت هذه الآية؟ والجواب:
    آ ـ عند جمهور أهل العلم نسخت هذه الوصية للوالدين والأقربين بآية الميراث في سورة النساء: ﴿ يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيٓ أَوۡلَٰدِكُمۡۖ لِلذَّكَرِ مِثۡلُ حَظِّ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۚ ﴾ [النساء:11].
    ب ـ وقيل: إنها غير منسوخة، وإنها نزلت في حق من ليس بوارث من الوالدين والأقربين بسبب الكفر أو الحَجْر أو نحوه، فشُرعت الوصية لهم قضاء لحق الأبوة والقرابة، فهي مستحبة في حق من لا يرث.
    أي أنها خاصة بغير الورثة، لأنّ الوصية لا تجوز لوارث إلا إذا أجازتها الورثة لسبب خاص كأن يكون معاقاً أو نحوه.
    2ـ هذا هو الحكم التشريعي الثاني: الوصية عند الموت.
    والله أعلم.


    مثنى محمد هيبان
    رابطة العلماء السوريين


  9. #49
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,758

    افتراضي رد: مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن" سورة البقرة

    ﴿فَمَنۢ بَدَّلَهُۥ بَعۡدَ مَا سَمِعَهُۥ فَإِنَّمَآ إِثۡمُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُۥ ٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ١٨١ فَمَنۡ خَافَ مِن مُّوصٖ جَنَفًا أَوۡ إِثۡمٗا فَأَصۡلَحَ بَيۡنَهُمۡ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ١٨٢﴾ [البقرة: 181-182]


    السؤال الأول:


    خُتمت الآية 182 بقوله تعالى: ﴿غَفُورٞ رَّحِيمٞ١٨٢﴾ وخُتمت آية البقرة 181 بقوله تعالى: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٞ١٨١﴾ فما دلالة ذلك؟

    الجواب:


    ختم الآية: 181 بالسمع والعلم لمـّا قال قبلها: ﴿فَمَنۢ بَدَّلَهُۥ بَعۡدَ مَا سَمِعَهُۥ﴾ [البقرة:181] ليكون مطابقاً.
    وختم الآية 182 بالمغفرة والرحمة لمـّا قال قبلها: ﴿فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ﴾ ليطابق المعنى.

    السؤال الثاني:


    ما دلالة هاتين الآيتين؟

    الجواب:


    الآية (181):
    1ـ الآية جرت مجرى الوعيد في تغيير الوصية، ولا ذنب على الموصِي ولا الموصَى له، وإنما الإثم على من بدّل.
    2ـ إقامة الظاهر مقام المضمر لزيادة الاهتمام بشأنه، ولو جرى على نسق الكلام السابق لقال: فإنما إثمه عليه وعلى من يبدله.
    الآية (182):
    1ـ بيّن في هذه الآية أنّ المراد بالآية السابقة هو التبديل من الحق إلى الباطل، أمّا إذا غيّره عن باطل إلى حق فقد أحسن.
    2ـ (الجَنَف): الميل في الأمور، والعدول عن الاستواء، والانحراف عن الحق. يقال: جَنف يجنِفُ بكسر النون في الماضي، وفتحها في المستقبل.
    3ـ الفرق بين الجنف والإثم أنّ الجنف هو الخطأ من حيث لا يعلم، والإثم هو العمد.
    4ـ المجاز المرسل في (خاف) فقد جاءت بمعنى الظن أو التوقع، والعلاقة في هذا المجاز السببية، لأنه تعبير عن السبب بالمسبب.
    5ـ جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنّ الرجلَ ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في وصيته، فيختم له بشر عمله).
    6ـ لذلك من أوصى بشيء فيه ظلم، فعلى وليّ أمر الميت وأولي الأمر بالمعروف أن يردوه إلى الصواب. والله أعلم.

    السؤال الثالث:


    قوله تعالى في الآية: ﴿جَنَفًا﴾ أي: مَيلاً، فما كلمات منظومة الجنح في القرآن الكريم؟

    الجواب:


    هذه هي مجموعة (جَنَحَ) وتشمل كل أنواع المَيل، وكلها صغائر تدل على أنّ الفعل المحرم لم يُرتكب:
    1- جنح:
    هي بداية الميل في الغالب وليس ميلاً كاملاً.
    ﴿ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلۡمِ فَٱجۡنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ ﴾ [الأنفال: ٦١].
    2- زاغ:
    هو الميل من الصواب إلى الخطأ، والزيغ هو النقص في الصواب.
    ﴿ فَلَمَّا زَاغُوٓاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ٥ ﴾ [الصف: 5].
    3- جنف:
    خاص بالحكم عندما يكون قاضياً فيميل عن الحق قليلاً، مثل أنْ يميل قلب الأب إلى الذكور وليس هو الحكم بالظلم.
    ﴿ فَمَنۡ خَافَ مِن مُّوصٖ جَنَفًا أَوۡ إِثۡمٗا فَأَصۡلَحَ بَيۡنَهُمۡ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ ﴾ [البقرة: 182].
    4- حنف:
    ميل من الباطل إلى الحق ومن الخطأ إلى الصواب ﴿ حَنِيفٗا مُّسۡلِمٗا ﴾ [آل عمران:67] وحنفاء، أي: ليس لديهم أي ميل للشرك، وهو عكس الزيغ.
    5- راغ:
    هو ميل لكنْ لاحتيال ﴿فَرَاغَ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ﴾ [الذاريات:26] من باب اللياقة وإكرام الضيف بأنْ يميل المضيف إلى أهله بطريقة خفية حتى يهيأ الطعام لضيفه.
    6- عدل:
    عَدَلَ بمعنى مال مع اعترافه بأنّ ميلَه ليس صحيحاً ﴿بَلۡ هُمۡ قَوۡمٞ يَعۡدِلُونَ٦٠﴾ [النمل:60].
    7- زلّ:
    ميل مرغم عليه ولا يقصده، كما يقال في زلة اللسان أو زلة القدم ﴿فأزلّهما ٱلشَّيۡطَٰنُ﴾ [البقرة:36] ﴿فَإِن زَلَلۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡكُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ٢٠٩﴾ [البقرة:209].

    8- ألحد:
    هو الميل إلى كتمان الحق وهو أخطر أنواع الميل، والملحد هو الذي مال إلى كتمان التوحيد.
    ﴿وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلۡحِدُونَ فِيٓ أَسۡمَٰٓئِهِۦۚ سَيُجۡزَوۡنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [الأعراف: 180].
    والله أعلم.

  10. #50
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,758

    افتراضي رد: مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن" سورة البقرة

    الحكم التشريعي الثالث في سورة البقرة: الصيام وأحكامه

    ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ١٨٣﴾ [البقرة: 183]

    السؤال الأول:

    ما موقع آيات الصيام كما جاءت في سياقها في القرآن الكريم؟
    الجواب:
    آيات الصوم وقعت بين آيات الشدة وذكر الصبر وما يقتضي الصبر قبلها، قال تعالى: ﴿ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ١٧ ٧﴾ [البقرة:177] والصوم نصف الصبر كما في الحديث، والصبر نصف الإيمان، وتقدّمها أيضاً ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِي ٱلۡقَتۡلَىۖ ﴾ [البقرة:178] وهذه شدة، وتحتاج إلى صبر، وقبلها: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِين َ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة:180] هذه شدة، وتحتاج إلى الصبر.
    وبعدها آيات القتال:
    ﴿ وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُم ۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ ﴾ [البقرة:190].
    ﴿ وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ ثَقِفۡتُمُوهُمۡ ﴾ [البقرة:191].
    ﴿ وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِۖ ﴾ [البقرة:193].
    الصوم من المشاق، والقتال من المشاق، والقتال يقتضي الصبر، والصوم نصف الصبر.
    وبعدها ذكر آيات الحج؛ لأنّ الحج يقع بعد الصيام، وبعد شهر رمضان تبدأ أشهر الحج، فذكر ﴿ ٱلۡحَجُّ أَشۡهُرٞ مَّعۡلُومَٰتٞۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلۡحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي ٱلۡحَجِّۗ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُونِ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ١٩٧ ﴾ [البقرة:197].
    ثم ذكر المريض في الحج، كما ذكر المريض في الصوم، وذكر الفدية في الحج، ومن الفدية الصيام ﴿ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖ فِي ٱلۡحَجِّ وَسَبۡعَةٍ إِذَا رَجَعۡتُمۡۗ تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ ﴾ [البقرة:196] إذن موقع آيات الصيام تقع بين آيات الصبر وما يقتضي الصبر وعموم المشقة.

    السؤال الثاني:

    كيف كان الصوم في البدء قبل مشروعية شهر رمضان؟
    الجواب:
    قال الشيخ الشعراوي رحمه الله تعالى رحمة واسعة: إنّ مشروعية الصوم بدأت بالأيام المعدودة وهي: ثلاثة أيام من كل شهر، وهو اليوم العاشر والعشرون والثلاثون، وكان الإنسان مخيراً في تلك الأيام المعدودة، إنْ كان مطيقاً للصوم أنْ يصوم أو أنْ يفتدي.
    أمّا حين شرّع الله الصوم في رمضان، فقد أصبح الصوم فريضة تعبدية وركناً من أركان الإسلام، وبعد ذلك جاءنا الاستثناء للمريض والمسافر.
    وكلمة (رمضان) تدل على الحرارة والقيظ، وكان الناس حينما أرادوا أن يضعوا أسماء للشهور جاءت التسمية لرمضان وقتَ كان حاراً، فسمَّوه رمضان، كما سموا ربيعاً الأول وربيعاً الآخر عندما كان الزمان متفقاً مع وجود الربيع، وعندما سمَّوا جمادى الأولى وجمادى الآخرة، عندما كان الماء يجمد في تلك الأيام.
    ورمضان مصدر (رَمَضَ) إذا احترق، من الرمضاء، ثم زيدت الألف والنون، وصار علماً، ومُنع من الصرف للعلمية.

    السؤال الثالث:

    قوله تعالى في الآية: ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمُ﴾ والفعل (كُتب) مبني للمجهول وجاء مع ﴿عَلَيۡكُمُ ﴾ تحديداً، مع أنه ورد في القرآن ﴿ كُتِبَ لَهُم بِهِۦ عَمَلٞ صَٰلِحٌۚ ﴾ [التوبة:120] فما دلالة ذلك؟
    الجواب:
    نلاحظ في قول ربنا تعالى: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ﴾ [البقرة:183] أنه ناداهم بنفسه ولم يقل: (قل يا أيها الذين آمنوا) فيكلف الرسولَ بخطابهم، وإنما ناداهم مباشرة؛ لأهمية ما ناداهم إليه؛ لأنّ الصيام عبادة عظيمة قديمة كتبها تعالى على من سبقنا فنادانا مباشرة، ولم ينادنا بشكل غير مباشر عن طريق نبيه عليه السلام.
    (عليكم ـ لكم)
    آ ـ استعمال ﴿ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ﴾ فيه شدة ومشقة وما يستكره من الأمور عموماً، ولذلك عندما يقول: ﴿ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ) يكون أمراً فيه شدة ومشقة وإلزام، ويكون في أمور مستثقلة.
    ومن معاني (كُتب): ألزم ووجبَ وفرضَ، نحو قوله تعالى: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِي ٱلۡقَتۡلَىۖ ﴾ [البقرة:178]،وقوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ وَهُوَ كُرۡهٞ لَّكُمۡۖ ﴾ [البقرة:216]، وفيه شدة.
    ب ـ أما (كَتبَ له) فهو في الخير بشكل عام، نحو قوله تعالى: ﴿ وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ﴾ [البقرة:187]، بينما (كُتِب عليكم) فيه شدة ومشقة وإلزام، والصوم مشقة يترك الطعام والشراب والمفطرات من الفجر إلى الليل ففيه مشقة؛ لذا لم يقل (لكم).
    صيغة المجهول (ما لم يُسمّ فاعله) وصيغة المعلوم:
    آ ـ هناك قاعدة في القرآن الكريم،وهي أنّ الله سبحانه وتعالى يظهر نفسه في الأمور التي فيها خير، أمّا في الأمور المستكرهة وفي مقام الذم فأحياناً يُبنى للمجهول، نحو قوله تعالى: ﴿ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِي قُلُوبِكُمۡ﴾ [الحُجُرات:7] بينما قال: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ ﴾ [آل عمران:14] بصيغة الفعل المبني للمجهول للأمور التي فيها شر، ومثلها أيضاً: (آتيناهم الكتاب وأوتوا الكتاب) ففي مقام الذم يقول: (أوتوا الكتاب) مطلقاً، وفي مقام الخير يقول:(آتيناهم الكتاب).
    فلمّا كان هناك مشقة في الصوم على عباده قال: ﴿ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ﴾، ولم يقل: كتبنا، وأمّا في الأمور التي فيها خير ظاهر فيظهر نفسه، نحو قوله تعالى:
    ـ ﴿ كَتَبَ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَۚ﴾ [الأنعام:12].
    ـ ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمۡ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَ﴾ [الأنعام:54].
    ـ ﴿ وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِ*َٔايَٰتِنَا يؤمنون[الأعراف:156] هذا خير.
    أمّا قوله تعالى:
    ـ ﴿ وَكَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفۡسَ بِٱلنَّفۡسِ وَٱلۡعَيۡنَ بِٱلۡعَيۡنِ ﴾ [المائدة:45] هذه فيها إلزام لهم، كتب على بني إسرائيل الأمور التي شددها عليهم، وشدد عليهم لأنهم شددوا على أنفسهم.
    ب ـ وحرف الجر يغير الدلالة وأحياناً يصير نقيضها، مثل: رغب فيه: يعني أحبّه، ورغب عنه: يعني كرهه. وضع الشيء عليه: يعني حمّله، ووضع الشيء عنه: أي أنزله.

    السؤال الرابع:

    ما دلالة استخدام (الصيام) لا (الصوم)؟
    الجواب:
    هذا من خصائص التعبير القرآني؛ إذ لم يستعمل (الصوم) في العبادة وإنما استعمله في (الصمت) فقط، قال تعالى: ﴿ إِنِّي نَذَرۡتُ لِلرَّحۡمَٰنِ صَوۡمٗا ﴾ [مريم:26].
    والصوم هو الإمساك، والفعل: (صام) يصوم صوماً وصياماً وكلاهما مصدر، وربنا استعمل (الصوم) للصمت، والكلمتان متقاربتان في اللفظ والوزن (الصوم والصمت)، واستعمل كلمة (الصيام) للعبادة لسببين:
    آـ مدة الامتناع والإمساك عن الطعام والشراب طويلة فناسب كلمة (صيام) لأنها أطول من (صوم).
    ب ـ والمتعلقات بالصيام أكثر: طعام وشراب ومفطرات، فهو أطول، فقال: صيام، ولم يستعمل الصوم في العبادة.
    وهذا من خواص الاستعمال القرآني، يفرد بعض الكلمات أحياناً بدلالة معينة؛ كما ذكرنا في الرياح والريح، وفي الغيث والمطر،وفي وصّى وأوصى، ومن جملتها: الصوم والصيام.
    وللعلم فإنه في الحديث الشريف القدسي وغيره من الأحاديث النبوية يستعمل الصوم والصيام للعبادة نحو: «الصوم لي وأنا أجزي به»، « الصوم نصف الصبر» لكنْ من خواص الاستعمال القرآني أنه يستعمل الصيام للعبادة.
    السؤال الخامس:
    ختمت الآية بقوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ١٨٣ ﴾ فما اللمسة البيانية فيها؟
    الجواب:
    آـ قال تعالى: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ١٨٣﴾ وهذا يدل على علوِّ هذه العبادة وعظمتها، وربنا سبحانه وتعالى كتب هذه العبادة على الأمم التي سبقتنا ومعناها أنّ الصوم عبادة عظيمة ونحن لا نعلم كيفيتها، لكنْ كان الصيام موجوداً.
    ب ـ ثم تدل الآية على الترغيب في هذه العبادة لأهميتها، فبدأ بها تعالى في الأمم السابقة؛ لأنّ الأمور إذا عمّت هانت، فالصيام ليس بِدعاً لكم وإنما هو موجود في السابق، فإذن هذا الأمر يدل على أهمية تلك العبادة، ويدل على تهوينها، حيث إنها ليست لكم وحدكم وإنما هي مسألة قديمة، فهي كما كتبت عليكم كتبت على الذين من قبلكم.
    ج ـ كلمة ﴿ تَتَّقُونَ ﴾ أطلقها ولم يقل: (تتقون كذا)، على نحو ما قال (اتقوا النار) أو (اتقوا ربكم) فيحتمل أشياء مرادة.

    أمّا إطلاق ﴿ تَتَّقُونَ ﴾ فتعني:
    1ـ أنكم تتقون المحرمات وتحذرون من المعاصي؛ لأنّ الصوم يكسر الشهوة ويهذبها ويحُدّها كما في الحديث الشريف «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج».
    2ـ وتتقون المفطرات والإخلال بأدائها، أي: تحفظون الصيام وتتقون الإخلال بأشياء تؤدي إلى ذهاب الصوم.
    3ـ لعلكم تتقون، تحتمل تَصِلُون إلى منزلة التقوى وتكونون من المتقين، فإذن فيها احتمالات عديدة، وهي كلها مُرادةٌ.
    4ـ وضمن آيات هذا السياق للصيام تكرر ذكر التقوى والمتقين، قال تعالى:
    ـ ﴿ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ١٧ ٧﴾ [البقرة:177].
    ـ ﴿ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ١٧٩﴾ [البقرة:179].
    ـ ﴿ كُتِبَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ إِن تَرَكَ خَيۡرًا ٱلۡوَصِيَّةُ لِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِين َ بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُتَّقِينَ١٨ ٠﴾ [البقرة:180].
    ـ ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ١٨٣ ﴾ [البقرة:183].
    ـ ﴿ أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَخۡتَانُونَ أَنفُسَكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡ وَعَفَا عَنكُمۡۖ فَٱلۡـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِۚ وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِي ٱلۡمَسَٰجِدِۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ١٨٧﴾ [البقرة:187].
    ـ ﴿ ٱلشَّهۡرُ ٱلۡحَرَامُ بِٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ وَٱلۡحُرُمَٰتُ قِصَاصٞۚ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَٱعۡتَدُواْ عَلَيۡهِ بِمِثۡلِ مَا ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ١٩ ٤﴾ [البقرة:194].
    5ـ لذلك نرى أن التقوى تكررت في السياق وهي مناسبة لأول السورة، قال تعالى: ﴿ ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ ٢﴾ [البقرة:2].
    وفي عموم سورة البقرة كان إطلاق التقوى، وسورة البقرة ترددت فيها التقوى ومشتقاتها 36 مرة. والتقوى فِعلُها: (وَقَى) وقى نفسه، أي: حفظ نفسه وحذّرها، أي: احفظوا أنفسكم من الأشياء التي ينبغي أنْ تبتعدوا عنها.
    وقسم يقول: إنّ التقوى هي ألا يراك الله حيث نهاك ولا يفتقدك حيث أمرك، ويعني الابتعاد عن المحرمات والانهماك في الطاعات، هذه هي التقوى. وقد جاءت التقوى في سورة البقرة على الإطلاق، ومنها قوله: ﴿ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ١٨٣ ﴾ يعني: تتقون أيَّ شيء عموماً. والله أعلم.







    ﴿أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۚ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةٞ طَعَامُ مِسۡكِينٖۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥۚ وَأَن تَصُومُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تعلمون: 184]
    السؤال الأول:
    قوله تعالى ﴿ أَيَّامٗا مّعدودَتٖلماذا (معدودات) وليس (معدودة)؟
    الجواب:
    في الجواب أمران:
    آـ الجمع في غير العاقل: (معدودات) تدل على القلة و(معدودة) تدل على الكثرة، هذا هو القياس في اللغة، وكذلك في جمع غير العاقل الغالبُ أنْ يعود عليه الضمير في جمع الكثرة بالإفراد، وفي جمع القلة بالجمع، فتقول: (الأشجار سقطتْ) إذا كان عددها كبيراً فوق العشرة، وتقول: (الأشجار سقطنَ) إذا كان عدد الأشجار قليلاً دون العشرة، وكذلك تقول: (الجذوع انكسرتْ) لجمع الكثرة، وتقول: (الجذوع انكسرنَ) لجمع القلة.
    وفي قوله تعالى: ﴿عَلَىٰ سُرُرٖ مّوۡضونةٖ [الواقعة: 15] وقوله تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٞ مَّرۡفُوعَةٞ١٣ وَأَكۡوَابٞ مَّوۡضُوعَةٞ١٤ وَنَمَارِقُ مَصۡفُوفَةٞ١٥ وَزَرَابِيُّ مَبۡثُوثَةٌ١٦﴾ [الغاشية: 13-16]، هذه الصفات تدل على الكثرة، ولو قال مثلاً: (مرفوعات ـ موضونات ـ مصفوفات ـ مبثوثات) لدلت على القلة عددياً أي دون العشرة.
    وإذا رجعنا إلى كتب التاريخ عند العرب نجد أنها تؤرخ بالليالي (لثلاث خلون، لأربع خلون) ويأتي بها بالجمع، أمّا (لإحدى عشرة ليلة خلت) يأتي بها بالمفرد؛ لأنها تدل على الكثرة، حتى في العدد نقول: ثلاثة رجال، عشرة رجال، أحد عشر رجلاً، مائة رجل، مليون رجل.
    ب ـ جمع القلة يكون من واحد إلى عشرة، وأمّا في الآية فقالوا: ﴿ أَيَّامٗا مّعدودتٖ تقليلاً لهن تهويناً للصائم، وقسم يقول: إنها في أول فرض العبادة كانت ثلاثة أيام في كل شهر ولم يبدأ بالشهر كاملاً، ثم نُسِخ وجاء شهر رمضان فبدأت معدودات، ثم قال: شهر رمضان بعد هذه الأيام.
    و(المعدودات) تدل على القلة (حتى العشرة) و(معدودة) أكثر من عشرة، وقوله تعالى: ﴿ أَيَّامٗا معدودتٖۚ ما اليوم؟ المشهور أن الأيام بمقابل الليالي، قال تعالى: ﴿ سَخَّرَهَا عَلَيۡهِمۡ سَبۡعَ لَيَالٖ وَثَمَٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومٗاۖ فَتَرَى ٱلۡقَوۡمَ فِيهَا صَرۡعَىٰ كَأَنَّهُمۡ أَعۡجَازُ نَخۡلٍ خَاوِيَةٖ٧﴾ [الحاقة:7]. وفي آية البقرة 184نصبت (أياماً) على الظرف أو بإضمار؛ أي صوموا أياماً.

    السؤال الثاني:

    قوله تعالى: ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۚ ﴾ لماذا ﴿ عَلَىٰ سَفَرٖ ﴾؟
    الجواب:
    يقال: لأنه أباح للمتهييء للسفر أنْ يفطر إذا اشتغل بالسفر قبل الفجر، وقوله تعالى: ﴿ عَلَىٰ سَفَرٖ ﴾ أي: لم يسافربعد وإنما هو متهييءٌ للسفر، مثل قوله تعالى: ﴿ وَإِن كُنتُمۡ عَلَىٰ سَفَرٖ وَلَمۡ تَجِدُواْ كَاتِبٗا فَرِهَٰنٞ مَّقۡبُوضَةٞۖ ﴾ [البقرة:283] أي: تتهيئون، فقوله تعالى: ﴿ عَلَىٰ سَفَرٖ) لا يعني أنه سافر بالفعل، وكثير من الفقهاء قالوا: ﴿ عَلَىٰ سَفَرٖ ﴾ أي: أباح للمتهييِّء للسفر الفطر وإنْ لم يكن مسافراً، وقالوا: لو كان قال: (للمسافر) عندها لا يحق الإفطار لمن تهيأ للسفر؛ لذا قال: ﴿ عَلَىٰ سَفَرٖ ﴾ ومعناه أنه أباح للمتهييِّء للسفر أنْ يفطر.

    السؤال الثالث:

    ما معنى كلمة ﴿ يُطِيقُونَهُۥ ﴾ في الآية؟
    الجواب:
    كلمة ﴿ يُطِيقُونَهُۥ ﴾ فيها كلام متعددٌ:
    آـ قسم قال: المقصود به هو في بدء فرض الإسلام للصيام، أي عند بداية الفريضة؛ لأنهم لم يكونوا متعودين على الصوم، فمن شاء صام ومن شاء فدى في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ولمّا نزلت هذه الآية كأنهم فهموا أنهم مخيّرون بين الصوم والإفطار.
    ب ـ وقسم قال: هذه الآية نسخت؛ لأنهم كانوا فعلاً في أول الإسلام مخيرين، فمن شاء يفطر ويفدي ومن شاء يصوم.
    ج ـ وقسم قال: أطاق، أي: تكلَّفه بمشقة وصعوبة، وتكون الهمزة للسلب، يعني: سلبت طاقته وجهده، والفعل الثلاثي (طاق) أي: تحمل، والفعل (أطاق) فيه همزة السلب، أي: سلب طاقته.
    د ـ الفدية مرهونة بعدم الصيام، وعدمُ الصيام هو لأحد أمرين:
    1ـ قالوا أنه في أول الإسلام كان المسلمون مخيرين في الإفطار ودفع الفدية أو الصوم، والصوم خير.
    2ـ وإنْ كان غير ذلك، فالهمزة للسلب تبقى على دلالتها وليست منسوخة، وهي للذي لا يستطيع أنْ يصوم؛ لأنّ الصوم يسلب طاقته بحيث لا يتمكن من الصوم، فربّ العالمين رخصّ بالفدية للشيخ الكبير الهِرم، والمريض الذي لا يرجى شفاؤه.
    وعندها تبقى الآية على دلالتها مستمرة ليس فيها نسخ إذا جعلت للسلب، ويبقى الحكم عاماً سارياً إلى يوم القيامة.
    ولا شك أنّ الصيام أفضل لقوله تعالى ﴿ وَأَن تَصُومُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ ﴾.

    السؤال الرابع:

    ما الفرق بين (أطاق وقدر واستطاع)؟
    الجواب:
    1ـ الفعل (قدر) تعني أنّ الإنسان يقوم بالعمل دون أي جهد وأنّ العمل عليه سهل، ولذلك وصف الله تعالى ذاته العلية بأنه قدير؛ لأنه سبحانه إذا أراد شيئاً فإنما يقول له: كن فيكون.
    شواهد قرآنية:
    آيات: [البقرة 148ـ الأنعام 37 ـ النحل 77 ـ الإسراء 99].
    2- الفعل (استطاع) مشتق من الاستطاعة وهي أنْ تقوم بالعمل الذي يساوي قوتك وجهدك دون أنْ تدخر منه شيئاً أو تتكلف أي جهد إضافي.

    شواهد قرآنية:

    ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗاۚ ﴾ [آل عمران: 97]
    ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ ﴾ [الأنفال: 60].
    3 ـ الفعل (أطاق) من الطاقة وهي القيام بالأمر ببذل أقصى الجهد والمشقة والتعب الشديد، أي: يقوم بالعمل ببذل مزيد من الجهد والعنت والشقاء.
    شواهد قرآنية:
    ﴿ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةٞ طَعَامُ مِسۡكِينٖۖ ﴾ [البقرة:184].
    ﴿ وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ ﴾ [البقرة:286].

    السؤال الخامس:

    ما الفرق بين الفاء والواو في آيات البقرة: ﴿ فَمَن تَطَوَّعَ ﴾ [البقرة:184] ﴿ وَمَن تَطَوَّعَ ﴾ [البقرة:158]؟
    الجواب:
    1ـ الفاء للتعقيب وتأتي للسبب كقولك: درس فنجح، وأمّا الواو فهي لمطلق الجمع ولا تدل على ترتيب أو تعقيب.
    2ـ جاء في الآية 158 ﴿ وَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا ﴾ بالواو، وجاء في الآية 184﴿ فَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا ﴾ بالفاء.
    والسبب أنّ الأولى في الحج والعمرة ﴿ فَمَنۡ حَجَّ ٱلۡبَيۡتَ أَوِ ٱعۡتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَاۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ١٥٨﴾ أي: جاء بعبادة أخرى كطواف آخر أو حج آخر، فهي طاعة مستحدثة إضافية فناسبها الواو.
    وأما الآية الثانية 184 فهي في الصوم فكيف يتطوع؟ أي: يزيد في الفدية في نفس المسألة وفي نفس الطاعة، فهي ليست طاعة مستحدثة، فناسبها الفاء.

    السؤال السادس:

    قوله تعالى: ﴿ وَأَن تَصُومُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ ﴾ ما اللمسات البيانية في هذه الآية؟
    الجواب:
    1ـ قوله تعالى: ﴿ فَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥۚ﴾ بأنْ زاد على القدر المذكور، أو فعل أكثر من المطلوب؛ بحيث يُطعم مسكينَين أو أكثرَ، أو يجمع بين الصيام والفدية أوبين الإطعام والصيام.
    2ـ قوله تعالى: ﴿ وَأَن تَصُومُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ ﴾ يعني أيها الأصحاء أنْ تصوموا خير لكم، ملتفتاً من ضمير الغائب في ﴿ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ ﴾ إلى المخاطب ﴿ وَأَن تَصُومُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ ﴾.
    3ـ كان يمكن أنْ يقال في غير القرآن: (وأن يصوموا)، لكنه تحوّل من الغيبة إلى الخطاب لئلا يخص المرضى والمسافرين؛ لأنه لو قال: (لو يصوموا خيراً لهم) لكان هذا يخص المرضى والمسافرين ويتداخل مع قوله: ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ ﴾ لكنّ قوله تعالى: ﴿ وَأَن تَصُومُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ ﴾ أعم، وكل من هو مرخص له بالإفطار إنْ صام فهو خير له، وليس لهؤلاء فقط، وإنما أيضاً إذا صح الكلام أنهم في أول الصيام كانوا مخيرين بين الفدية والصيام قبل أنْ يفرض شهر رمضان، فإنهم يدخلون تحت هذا الحكم ؛ أي أن الجميع يدخل تحت قوله تعالى: ﴿ وَأَن تَصُومُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ ﴾.
    ولو قال: (وأن يصوموا) لكان يخص المرضى والمسافرين فقط، بينما لما قال: ﴿ وَأَن تَصُومُواْ ﴾ شمل الجميع المرخّص لهم وغيرهم وليس خاصاً بالمرضى والمسافرين، لذلك كان هذا الالتفات للجمع وهذا اسمه التفات في الخطاب.

    السؤال السابع:

    ما دلالة استخدام أداة الشرط (إنْ) هنا ﴿ وَأَن تَصُومُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِنْ كُنتُمۡ تعلمون١٨٤؟
    الجواب:
    تأمل كيف جاء أسلوب الشرط مستخدماً (إنْ) التي تفيد التشكيك والتقليل، ولم يستخدم (إذا) التي تفيد الجزم والتحقيق، وفي ذلك إشارة إلى أنّ علمك أيها المؤمن بفوائد الصيام في الدنيا والآخرة عِلمٌ غير محقق؛ لأنّ فوائده خفية وأسراره قد لا تتوصل إلى معرفتها، ولذلك فإنّ الله يرغّبك في هذه العبادة حتى لو لم تدرِكْ فوائدها إدراكاً كاملاً.

    السؤال الثامن:

    قوله تعالى في الآية: ﴿ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةٞ طَعَامُ مِسۡكِينٖۖ ﴾ [البقرة:184] وكلمة (طعام) بدل من (فدية) فهل البَدَلُ يفيد التوكيد؟
    الجواب:
    للبدل عدة أغراض؛ منها أنْ يكون للإيضاح والتبيين، كما في قوله تعالى: ﴿ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۚ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةٞ طَعَامُ مِسۡكِينٖۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥۚ وَأَن تَصُومُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعلمون[البقرة:184] فطعام مسكين إيضاح للفدية.

    السؤال التاسع:

    ما مراحل الصيام التي مرّ بها في الإسلام؟

    الجواب:

    هناك ثلاث مراحل مرّ بها الصيام في الإسلام وهي:
    1ـ لمّا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، جعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، ويصوم عاشوراء، ثم إنّ الله فرض عليه صيام رمضان في السنة الثانية من الهجرة، فكان من شاء صام، ومن شاء أفطر فأطعم مسكيناً، فأجزأ ذلك عنه. وهذا هو قوله تعالى: ﴿ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةٞ طَعَامُ مِسۡكِينٖۖ ﴾ [البقرة:184].
    2 ـ ثم أنزل الله تعالى الآية الأخرى: ﴿ شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ ﴾ [البقرة:185] فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح، ورّخص فيه للمريض والمسافر، وثبّت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع.
    3ـ كانت فترة الإفطار من المغرب حتى العشاء، فحدث حرجٌ ومشقة للمسلمين من العطش والجوع وعدم اتيان النساء، فخفّف الله عنهم، بأن أحلّ لهم الرفث إلى نسائهم والأكل والشرب حتى مطلع الفجر، وهذا قوله تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَخۡتَانُونَ أَنفُسَكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡ وَعَفَا عَنكُمۡۖ فَٱلۡـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِۚ ﴾ [البقرة:187].والله أعلم.

    مثنى محمد الهيبان
    رابطة العلماء السوريين


  11. #51
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,758

    افتراضي رد: مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن" سورة البقرة

    وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ وَتُدۡلُواْ بِهَآ إِلَى ٱلۡحُكَّامِ لِتَأۡكُلُواْ فَرِيقٗا مِّنۡ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلۡإِثۡمِ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ١٨٨﴾[البقرة: 188]

    السؤالالأول:
    مادلالة هذه الآية؟وما ارتباطها بماقبلهامن آيات الصوم؟
    الجواب:
    1ـ كأنّ هذه الآية متممة ومكملة لآيات الصوم، وكأنّ الله سبحانه أوجب عليناصوماً من نوع آخر، وهوالتحريم الدائم لأكل أموال الناس بأي لون من ألوان الباطل التي لاحصرلها وخاصة في عصرناهذا.
    ولما انقضت آيات الصيام أعقبها الله بالنهي عن أكل أموال الناس بالباطل؛ لأنه محرم في كل زمان ومكان، بخلاف الطعام والشراب فكأنه يقال للصائم: يا من أطعت ربك وتركت الطعام والشراب الذي حرم عليك في النهار فقط، فامتثل أمر ربك في اجتناب أكل الأموال بالباطل، فإنه محرم بكل حال، ولا يباح في وقت من الأوقات.
    2ـقوله تعالى:﴿وَتُدۡلُواْ بِهَآ إِلَى ٱلۡحُكَّامِ﴾ الإدلاء مأخوذمن إدلاء الدلو وهو إرسال كإياها في البئر باتجاه الأسفل للاستسقاء،أيليصل
    إلى
    مطلبه من الماء، وفي
    هذا
    كناية عن الرشوة وشهادةالزور بأن تدفع إلى القُضاة أو ولاة الأمور أو الموظفين لتأكلوا أموالا لآخرين ظلماًوعدواناً﴿لِتَأۡكُلُواْ فَرِيقٗا مِّنۡ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلۡإِثۡمِ﴾بطريق السقوط إلى الأسفل﴿وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾أنكم على باطل وأنك متأكلون حراماً، فإذاصام المسلم عن الحل الفي رمضان، فأولى به أن يصوم عن الحرام طيلةعمره. وللعلم الواوواوالحال(وأنتم) فهي تصف حالتكم آنذاك.

    3ـقال النبي عليه السلام: (لايحل لامرىء أن يأخذ مال أخيه بغيرحقه، وذلك لما حرّم الله مال المسلم على المسلم). أخرجه البزاروابن حبان.

    السؤال الثاني:
    مادلالةقوله تعالى في الآية﴿وَتُدۡلُواْ بِهَآ إِلَى ٱلۡحُكَّامِ﴾ فيالآية؟

    الجواب:
    قوله سبحانه:﴿وَتُدۡلُواْ﴾[البقرة:188] مأخوذة من أدلى،ونحن ندلي الدلو إلى الأسفل،وأدلى: معناها: أنزل الدلو؛ولذلك جاءفي قصة الشيطان مع آدم عليه السلام﴿فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورٖۚ ﴾[الأعراف: ٢٢].
    فقوله تعالى:﴿وَتُدۡلُواْ بِهَآ إِلَى ٱلۡحُكَّامِ﴾[البقرة:188] أي: ترشواالحكام﴿ لِتَأۡكُلُواْ فَرِيقٗا مِّنۡ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلۡإِثۡمِ ﴾[البقرة:188] ومن العجيب أنّ الرشوةمأخوذةمن الرَّشاءوهو الحبل الذي يُعلق فيه الدلو،لذلك فأدلىودلَّى في الرشوة.
    وكلمة﴿وَتُدۡلُواْ﴾[البقرة:188] تبين أنّ اليد التي تأخذالرشوة هي اليدالسفلى،فجاءت لتعبرعن دناءةالمرتشي وسفله ولو كان في الذروةمن حيث المنصب وموقع المسؤولية.
    أمّا لماذايدلون بها إلى الحكام؟إنهم يفعلون ذلك حتى يعطيهم الحكام المبررات التشريعية لأكل أموال الناس بالباطل،وذلك عندمانكون محكومين بقوانين البشر.
    لكن عندما نكون محكومين بقوانين الله،فالحاكم لايبيح مثله ذا الفعل. والله أعلم.

  12. #52
    تاريخ التسجيل
    Jun 2024
    المشاركات
    4,758

    افتراضي رد: مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن" سورة البقرة

    ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ۗ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [البقرة: 189 ]


    السؤال الأول:


    قوله تعالى: ﴿وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ﴾[البقرة:189] البِرُّمصدر،ومن اتقى: شخص،كيف البر هو الذي اتقى؟

    الجواب:

    البارّ هو الذي يتقي وليس البِرّ،والبارّ من اتقى وليس البر،البِرّ عمل وهوفعل الخير،ولو تحول البر إلى شخص لكان شخصاً متقياً.

    السؤال
    الثاني:

    قوله تعالى في آيةالبقرة177: ﴿ لَّيسَ ٱلبِرَّ ﴾ بالنصب،وقوله تعالى في آيةالبقرة189 ﴿وَلَيسَ ٱلبِرُّ﴾[البقرة:189] بالرفع،فما دلالة الرفع ودلالة النصب؟وما الفرق؟

    الجواب:


    انظر الجواب في آية
    البقرةرقم177.


    السؤال
    الثالث:

    مادلالة الآيات التي بدئت بقوله تعالى﴿يَسْأَلُونَكَ﴾؟

    الجواب:

    أولاً ـ
    ن
    عدد الأسئلة الت يسألها الصحابة رضوان الله عليهم كبيراً،فعددها لم يتعد بضعة عشرسؤالاً،وبشكل أدق فقد كان عددالأسئلة ستةعشرسؤالاً،والنبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «ذروني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه» رواهأبوهريرة.


    ثانياًـ
    حينما دخل المسلمون الدين الجديد- الإسلام- عشقوا معه التكليف والأحكام وأرادوا أنْ يبنوا حياته مع هذا النظام الإسلامي الجديد الطاهر،حتى إن الشيءالذي لم يغيره الإسلام أرادوا أنْ يعرفوه ويطبقوه على أنه حكم الإسلام لا على حكم العادة،فعندما تقرأ﴿
    يَسْأَلُونَكَ﴾ في القرآن فاعلم أنه امن هذاالنوع.

    1ـوردت كلمة﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ مع الواو6 مرات،وبدون الواو،أي: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾9 مرات،وذلك حسبما يأتي السؤال منفرداً أو في بداية كلام جديد، فيأتي الجواب بدون حرف الواو ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾أو ربما تأتي عدة أسئلة معاً، فيأتي في الجواب
    بدون
    حرف العطف للسؤال الأول،ثم مع حرف العطف لبقية الأسئلة.﴿
    يَسْأَلُونَكَعَنِ ٱلرُّوحِۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنۡ أَمۡرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ إِلَّا قَلِيلٗا٨٥﴾ [الإسراء: 85]

    أو
    يأتي للسؤال ضمن المتعاطفات،فيأتي حرفا لعطف كما في قوله تعالى: ﴿
    يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِۖ ﴾ [الإسراء:85] فقدسبقها وتبعهامجموعةمن المتعاطفات،أويكون الوضع أنّ السياق يحسن فيه العطف.

    2ـجاءت الأجوبة على ثلاثةأنواع: فالأغلب فيها أنّ الله لما حكى السؤال قال لنبيه: (قل) إلاسؤالاًواحداًجاءمعه الجواب بـ (فقل) فيقوله تعالى في آيةطه105: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلجِبَالِ فَقُلۡ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسفٗا١٠٥﴾[طه:105] فجاءبالفاءمع الفعل(قل) لماذا؟
    لأنّ السؤال في كل الآيات سؤال عن شيءوقع بالفعل،وسئل الرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل نزول الآيات فكان الجواب(قل)

    أمّا
    السؤال عن الجبال فلأنه حدثٌ لم يقع بعد،فكأنّ الله سبحانه يُخبر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أنه سيُسأل هذاالسؤال،أي: كأنّ حرف الفاء دل على شرط مقدر،بمعنى: إنْ سألوك عن الجبال فقل ينسفهاربي نسفاً.


    أمّا
    الصورةالثالثة: فهي في آيةالبقرة186،فجاء الفعل بصيغة الماضي،ولم يكن الجواب بـ (قل) سواء مع الفاء أو بدونها، للأسباب التالية:

    آـ لأنّ قوله(قل) تطيل القرب.

    بيريدالله أنْ يجعل القرب منه لعباده مباشرة من دون واسطة،وإنْ كان الذي سيبلغ الجواب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فحذ فكلمة(قل) ليبين لهم القرب ويبين للعبد أنه لاواسطة بينه وبين الله في مقام الدعاء،والقرب في هذه الآية ليس قرباً للمكان،وإنما قرب علم واطلاع من الله تعالى للعبد.

    ـقوله: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي ﴾ [البقرة:186] يدل على أنّ العبدلله،وقوله: ﴿ فَإِنِّي قَرِيبٌۖ ﴾ [البقرة:186] يدل على أنّ الرب للعبد.


الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •