اللغة العربية وأثرها في المجتمع الهندي


معراج أحمد الندوي


اللغة ظاهرة من الظواهر الاجتماعية ووسيلة من أنجح وسائل الرقى الحضاري. تتأثر اللغة بحضارة الأمة ونظمها وتقاليدها وعقائدها واتجاهاتها العقلية وثقافتها. فكل تطور يحدث في ناحية من هذه النواحي يتردد صداه في أداة التعبير ولذلك تعد اللغة أصدق سجل لتاريخ الشعوب.

لقد حملت اللغة العربية رسالة الإسلام، فغنيت بألفاظ كثيرة جديدة للتعبير عما جاء به الإسلام من مفاهيم وأفكار ونظم وقواعد، وهكذا أصبحت اللغة العربية لغة الدين والثقافة والحضارة والحكم في آن واحد. نهض المسلمون العرب من جزيرة العرب وانتشروا في العالم، حمل العرب معهم الإسلام ورسالته الخالدة. خرج المسلمون العرب من جزيرتهم بهذه الدعوة والرسالة وانتشروا في العالم من مشارقها ومغاربها.

إن الهنود والعرب قد أثّر الشعب الواحد منهما في الآخر عبر التاريخ في مجالات الحياة المختلفة الإجتماعية والفكرية. فقد نتجت عن ذلك صور معينة للشعب والأوّل وانعكست على الآخر. فالصورة التي كانت عند العرب للهند هي صورة احترام وإكبار لما كان عند الهنود من فلسفة وعلوم وآداب.

تأثرت اللغة الأردية بالعربية أولا ثم بالفارسية ثانيا، هي لغة بلاد الهند الإسلامية التي غزاها الفرس في القرن لرابع الهجري والتي عبرت عن حضارة الإسلام في شبه القارة الهندية. ولقد عنى الهنود المسلمون تطورا المعنى لكلمات العربية التي دخلت لغتهم، واندمجت فيها. وقد اهتموا أولا بترجمة معاني القرآن الكريم إلى الأردية، فكانت النقلة الكبرى في لغتهم والتي أمدتهم بزاد وفير من الألفاظ العربية.

لم تكن اللغة العربية غريبة في بلادنا الهند في يوم من الأيام. فقد كانت الهند والعرب بلدين مجاورين وما كان الحائل بينهما إلا البحر. فكان الهنود يسكنون في شاطئة الشرقي والعرب يسكنون على شاطئة الغربي. وعلى هذا البحر طريقات واسعة وشوارع عريضة تمر عليها البواخر والسفن التي تتوثق بها الصلات المتنوعة المختلفة بين البلدين بما فيها التجارة والثقافة والغة والأدب. فكان هذا التفاعل الثقافي والتبادل اللغوي له دور كبير في تعزيز العلاقات بين هذين البلدين منذ زمن عتيق. ثم تقدمت وتوسعت هذه الصلات بعد ظهور الإسلام في الجزيرة العربية حيث تعمقت الروابط وبدأت تتابع وتتواصل القوافل التجارية والثقافية بين البلدين وأثرت الحياة بعضها البعض خلال الأخذ والعطاء.

أنجبت أرض الهند كثيرا من الشعراء المفلقين الذين ابرزوا براعتهم في تذوقهم اللغة العربية وصاغوا انطباعاتهم وأفكارهم في قالب الشعر العربي وضاهوا كثيرا من شعراء العرب في عصرهم ولكن لم يبلغوا مدى ما بلغه شعراء العرب من حيث أن كلامهم العربي لا يخلوا من العجمية ما ينقص قيمتهم الأدبية والفنية. إذ أنهم لا يقدروا على التعبير العربي وأسلوبه الخالص لأن المعرفة بقواعد اللغة ليست دليلا على إتقان التعبير بأسلوب يشبه أسلوب صاحب اللغة وتعبيره.

إن صلات الهند ببلاد العرب عريقة في القدم. وكانت العلاقات التجارية قد توطدت بينهما قبل بزوغ شمس الإسلام في جزيرة العرب بقرون. وكان أهالي بلاد العرب والهند يتبادلون الزيارة فيما بينهم. وقد تعرف بعضهم على بعض وتأثر به بفضل هذا الاحتكاك والاختلاط فأخذ كل واحد منهما الآخر وأعطاه. وإن هذه العلاقة الوثيقة بين الشعب العربي والهندي لم تنحصر في التجارة فحسب بل كان العرب والهنود يتبادلون الأفكار والآراء في العقائد وطرق العبادة والسلوك إلى حد كبير. فازدهرت في هاتين المنطقين حضارات ومدنيات عديدة منذ فجر التاريخ. وكان الشعبان يتاثران بحضارة كل منهما إذ شهدت الهند حضارات الهاريايين والدارفيديين والآريينن بينما كانت تعاصر في البلدان العربية حضارات البابليين والآشوريين والسوميريين والمصريين. وتلاقت أصول وجذور هذه الحضارات القديمة في القرون الوسطى على الساحة الحضارة الإنسانية. وفي ظل هذه الأسس الحضارية المتقاربة سار الشعبان الهندي والعربي في ميادين الحياة الفكرية والثقافة والسياسية.

إن اللغة العربية وسيلة لترسيخ جذور العلاقات العربية الهندية. وما كانت الصلة اللسانية بين شبه القارة والبلاد العربية قائمة منذ زمن القديم بدأت الهجرات من شبه القارة إلى البلاد العربية والإسلامية. وكانت هذه المنطقة موضع غزوات وهجرات حققها أقوام وشعوب في قديم الزمن وحديثه فأدّى ذلك إلى اختلاط شديد مع من كانوا يسكنونها من قبل لأن كل من نزل بها من الأقوام والملل أثّر في الثقافة واللغة والتقاليد والآداب.

وليس ثمة شك أن اللغة العربية موضع احترام وتقدير لدى مسلمي الهند كما أنهم تأثروا تأثرًا بالغًا بأنماط الحياة العربية. فهم يشكلون وحدة حضارية لها شخصية مستقلة تستمد مكوناتها من التراث العربي الأصيل ومن الحضارة الهندية العتيقة. ولهم نشاط ملموس في جميع مجالات الحياة الهندية، كما لهم إسهامات جمة في إثراء التراث العربي الإسلامي.

بدأت اللغة العربية تثبت أقداها في الهند منذ عهد الحكم العربي في منطقة السند حيث أسلم مئات الألاف من الهنود وأقبلوا على تعلم القرآن الكريم والحديث الشريف والفقه وبدأوا يخدمونها بصورة ملموسة. تطورت اللغة العربية في الهند تطورا ملحوظا وحظيت الهند حظا وافرا في إثراء اللغة العربية وآدابها في عصور مختلفة. ومن أهم أسباب تطورها في الهند عبر العصور والتاريخ القرآن الكريم والسنة النبوية. احتلت اللغة العربية في العهد الإسلامي مكانة عالية ولغة علمية ولو ما كانت اللغة العربية اللغة الرسمية في الهند في أي عصر من عصور التاريخ. حظيت اللغة العربية في هذا العهد الإسلامي مكانة مرموقة وقبولا ورواجا حيث بدأ الناس يستخدمونها في حديثهم في شؤونهم اليومية. وكان كثير من أهالي السند ينتقلون إلى المراكز الثقافية العربية والإسلامية في العراق والحجاز والشام ومصر وبخاصة للحصول على العلوم الدينية التفسير والحيث والفقه وأصول الفقه وما إلى ذلك من العلوم الإسلامية.

خطت اللغة العربية خطوة أخرى نحو الانتشار في جنوب الهند في فجر الإسلام عندما اتخذ التجار العرب جاليات بساحل ملابار في ولاية كيرالا ولكن الأسباب الرئيسية التي عملت نهائيا لانتشار اللغة العربية وتطورها هي الحركة الإسلامية والعلوم الإسلامية التي قادها محمد بن قاسم وبعد ما توطدت قواعدها في السند من ديبل إلى كشمير ثم توجهت إلى دلهي ومن هنا عمت وانتشرت في كب ناحية من نواحي الهند فحدثت نهضة علمية و ظهرت ثمارها.

اللغة العربية من أهم اللغات في العالم. وهي من اللغات التي تزخر بمختلف العلوم والفنون. وبما أنها لغة القرآن والسنة والعلوم الإسلامية فإنها انتشرت في جميع أقطار العالم. وإن المسلمين قد اعتنوا بهذه اللغة درسا وتدريسا، تأليفا وتصنيفا ، محادثة وكتابة مهما اختلفت أمصارهم وتفرقت بلدانهم وتباينت لغاتهم بسبب كونهم في أنحاء مختلفة من العالم. واللغة العربية هي مفتاح لكنوز الكتاب والسنة. ومن المعروف أن من أهم أسباب انتشار اللغة العربية في العالم من الناحية العامة و في الهند من الناحية الخاصة كان بجانب الفتوح الإسلامية العربية هو وجود القرىن الكريم الذي فرض على كل مسلم أن يتعلمه ويحفظ بعض من سورته لأداء الصلوات الخمس في كل يوم بالإضافة إلى تلاوته وفهم معانيه والتدبر فيه.

العلوم العقلية:

وإذا كانت العلوم السابقة لها الحظوة لاتصالها بأمور الدين مباشرة، فإن العلوم العقلية لم تكن قليلة الحظ من الانتشار داخل أرجاء الهند، وكان أول من اشتهر في نشر العلوم العقلية في الهند هو خواجة جمال الدين محمود، كما أسهما تلميذاه ميرزاجان الشيرازي وفتح الله الشيرازي في نشرها، وقد كتب كل من العلماء الثلاثة كتب المنطق والفلسفة والحكمة، وتتلمذ على أيديهم عدد لا يحصى من التلاميذ مما ساعد على تعميم العلوم العقلية في الهند، ومن العلماء الذين لهم مساهمات بارزة في هذه العلوم الشيخ عبد الله بن الهداد العثماني التلبني، وله "ميزان المنطق"، والملا محمود بن محمد الجونبوري، وله "الشمس البازغة". والشيخ محب الله البيهاري وله "سلم العلوم".

علوم اللغة:

لم يتخلف العلماء الهنود في علوم اللغة حيث ألفوا كتبا كثيرة واسهموا اسهامات في هذا الباب. ومنهم النواب صديق حسن خان القنوجي الذي ألف " العلم الخفاق من علم الاشتقاق" ومن أحسن ما رأينا في هذا الباب كتاب "فقه السان" لكرامت حسين الكنتوري، و" كتاب المبتكر في المؤنث والمذكر " للسيد ذو الفقار علي الديوبندي و"موارد المصادر والأفعال" لعبد الغني بن محمد الفرخ آبادي و " نيل العرب في مصادر العرب" للشيخ ظفر الدين بن إمام الدين اللاهوري و" معارف العلوم" للقاضي أبراهيم بن فتح الله الملتاني.

الصحافة العربية في الهند:

ظهرت الصحافة العربية في ربوع الهند متأخرا بعد أن ظهرات فيها الصحافة الإنجليزية والفارسية والأردية لأساب مختلفة ومنها ظل المسلمون الهنود ينظرون إلى اللغة العربية كلغة مقدسة لأنها هي لغة القرآن الكريم والحديث النبوي. فاقتصر العلماء الهنود جل اهتمامهم على العلوم القرآنية مثل التفسير والحديث الشريف والفقه والتاريخ ولم يهتموا بإصدار المجلات والجرائد اهتماما بالغا في اللغة العربية. لعبت الصحافة العربية دور كبير في صيانة اللغة العربية وتوسيع دائرة نفوذها وتعزيز العلاقات والاحتكاك بين الهند والبلدان العربية. فأول جريدة عربية ظهرت على أرض الهند في عام 1871م هي "النفع العظيم لأهل هذا الإقليم" على يد الشيخ شمس الدين. شهدت هذه الجريدة في الأوساط العلمية والأدبية. ثم ظهرت صحيفة "البيان" من مدينة لكناؤ في سنة 1902م. وتتابعت "الجامعة" من كلكتا في سنة 1923م و"الضياء" من لكناؤ في سنة 1932م و"ثقافة الهند" من دلهي في سنة 1950م و "البعث الإسلامي من لكناؤ في سنة 1955م و" الرائد" و"دعوة الحق" من ديوبند في سنة 1965م و "صوت الأمة” من بنارس في سنة 1969م ومجلة المجمع العلمي الهندي من الجامعة الإسلامية عليجراه في سنة 1976م. ولهذه الجرائد والمجلات العربية دور ملموس مخاطبة قضايا اللغة العربية وفي نشر العلوم الإسلامية في الهند.

إن اللغة العربية في الهند مرت بمختلف المراحل حتى وصلت إلى البراعة الفنية والقوة اللسانية والقدرة الكاملة على التعبير . ويوجد في الهند عدد لا بأس به من المتاب والعلماء والشعراء الذين يبوحون بما في نفوسهم ويبرون عما في ضمائرهم أصدق تعبير وأروع بيان فيما يتصل بالفنون الأدبية والصحافة إلى جانب العلوم الإسلامية. وقدم العلماء الهنود مجهودات جبارة ومساهمات ملموسة عبر العصور في سبيل ترويج اللغة العربية وآدابها في الهند.
---------------------------
المراجع والمصادر

دكتور أشفاق أحمد : مساهمة الهند في تطوير اللغة العربية، ص، 8

دكتور سيد رضوان علي الندوي: اللغة العربية وآدابها في شبه القارة الهندية الباكستانية عبر القرون: ص، 44

نفس المصدر ص، 259

نفس المصدر ص، 28

دكتور أيوب تاج الدين الندوي: الصحافة العربية في الهند نشأتها وتطورها ،ص، 82

نفس المصدر ،ص، 187