كيف تقيس جودة تلخيصك العلمي؟
عبد العزيز الداخل



الحمد لله العليّ الأكرم الذي علّم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على نبيّنا المكرّم وعلى آله وصحبه ومن تعلّم، أما بعد:
فإنّ من أهم المهارات التي ينبغي لطالب العلم أن يجتهد في تحصيلها حتى يتقنها ويعتادها في طلبه للعلم "مهارة التلخيص العلمي" ، والطالب الماهر بالتلخيص إذا داوم على دراسة أبواب العلم بتنظيم حسن فإن ذلك يعينه على سرعة اكتساب التأصيل العلمي، وبناء أصل علمي متين في العلم الذي يدرسه.
والدراسة بطريقة التلخيص العلمي وإن كان بعض الطلاب يظنّ أنها تستقطع من وقته ما يؤخّره إلا أن التجاريب الكثيرة قد أثبتت أنها تختصر عليه الجهد والوقت وتعينه على ضبط مسائل العلم ضبطاً جيّداً.
وبيان ذلك: أن الطالب إذا درس كتاباً من الكتب المعتمدة في علم من العلوم دراسة تستوفي مسائله بتلخيص حسن وضبط جيّد، فإنّ دراسته لكتاب أوسع منه بعد ذلك تكون أيسر عليه كثيراً، فيضيف إلى أصله ما يستطرفه من المسائل والتنبيهات والفوائد ، ولا يزال على هذه الطريقة يدرس في هذا العلم كتاباً بعد كتاب حتى يكون لديه أصل كبير مهم في ذلك العلم.
وكلما درس كتاباً كانت دراسة الكتاب الذي يليه أخفّ عليه وأيسر.
وأما من كان يدرس الكتاب دراسة سريعة دون تقييد وضبط فإن الغالب عليه أنه ينسى كثيراً مما درس، ولو كان في وقت دراسته يحسّ من نفسه أنه قد فهم الدرس فهماً حسناً، ذلك أنّ الدراسة دون تقييد فيها شيء من تضييع العلم، ثمّ إذا أراد أن يدرس كتاباً آخر فإنّه يحتاج إلى أن يدرسه بالطريقة نفسها، لأنه لم يحصّل أصلاً مضبوطاً يبني عليه إلا ما يرسخ في ذهنه من تكرار دراسة بعض المسائل ومراجعتها؛ بخلاف من بنى أصله العلمي بملخّص وافٍ بمسائل الكتاب الأوّل، فإنّه لا يحتاج إلا لإضافات في مسائل وأبواب مما زاد به الكتاب الثاني على الأول، وتكون دراسته للكتاب الثاني أيسر مؤونة وأحسن ضبطاً وأقلّ مدّة من دراسة صاحب الطريقة السريعة في الكتاب الأول.
ومما يزيد به صاحب طريقة التلخيص أنه يوازن بين الكتب في تناولها للمسائل العلمية من كثرة رجوعه لأصله العلمي الذي جعله لنفسه، وفي هذا تدريب على اكتساب ملكة الموازنة العلمية وتوسيع المدارك ورسوخ المسائل العلمية لكثرة المراجعة ومطالعة الأصل والموازنة بين كتب أهل العلم في المسائل التي يدرسها.

وأصعب ما في هذه الطريقة أوّلها، لكن من اجتهد في التدرّب عليها حتى يتقنها فإنّها تخفّ عليه، ويجد فيها من المتعة والفائدة والثراء العلمي ما يدرك به فضل تقييد مسائل العلم وضبطها.
ولذلك كان من أهمّ ما ينبغي أن يعتني به طالب العلم في أوائل طلبه للعلم أن يتدرّب على طريقة حسنة في التلخيص تفي بغرض التعلّم من تقييد المسائل وضبط خلاصة ما قيل في كل مسألة وترتيب تلك المسائل، ويتعرّف على ما يقيس به جودة تلخيصه، حتى تكون مداومته لطلب العلم على طريقة حسنة ينمو بها بناؤه العلمي سريعاً بإذن الله تعالى، ويجد بها من الفوائد العلمية شيئاً كثيراً مباركاً بإذن الله تعالى، وهذا أمر قد جرّبه العلماء قبلنا وانتفعوا به كثيراً.

ومما ينبغي أن يُعلم أن التلخيص له أنواع معلومة بالاستقراء وسبر مختصرات أهل العلم وملخّصاتهم، والاطلاع على أخبارهم في طلب العلم وطرائقهم في دراسته وتدريسه، ولهم في ذلك مناهج متنوّعة بتنوّع مقاصدهم من التلخيص والاختصار ، ومتابينة بتباين أساليبهم وطرقهم في ذلك.
وسأعرّف بما تيسّرت لي معرفته من هذه الأنواع، ثم أذكر النوع الذي يعنينا في هذا البرنامج ، وتقوَّم على أساسه ملخّصات الطلاب وأبيّن معايير التقويم، والله المستعان.

أنواع التلخيص:
1: تلخيص الدراسة والتعلّم
وهو التلخيص الذي يراد به ضبط مسائل الكتاب الذي يدرسه الطالب لغرض الدراسة والتعلّم، وهو النوع الذي نُعنى به في هذه المرحلة.

2: تلخيص الانتخاب والانتقاء.
وهو التلخيص الذي يكون مراد الملخّص منه أن ينتخب الفوائد اللطيفة والمسائل والتنبيهات المهمة والأقوال التي يستحسنها من الكتاب الذي يلخّصه، وهذه طريقة يسلكها بعض طلاب العلم والعلماء، وهي مفيدة في بعض الكتب التي ليست بعمدة في التعلّم، وإنما تحوي فوائد كثيرة وربما كان في بعضها ما ينتقد فينتخب الطالب ما يصلح للانتقاء وما يستحسنه من الجمل والفوائد.

3: التلخيص النوعي.
والمراد به أن يعمد الطالب لكتاب من الكتب التي تحوي أنواعاً من العلوم فيلخّص ما يتعلّق بنوع منها؛ ومن أمثلته: تلخيص مسائل توجيه القراءات من تفسير ابن عطية، وتلخيص مسائل التفسير من كتاب بدائع الفوائد لابن القيم، ونحو ذلك.
فهو تلخيص متجّه لنوع من الأنواع لا يلوي على غيره.

4: تلخيص الاختصار والتهذيب.
وهو الذي يكون مراد الملخّص منه أن يختصر كتاباً طويلاً فيبقي على أصول ما تضمّنه الكتاب من الأبواب والفصول ويختصر إسهاب المؤلف في كلامه في تلك الأبواب والفصول، وربما حذف بعض الأبواب والفصول اختصاراً إذا كان ما يبقيه كافياً لفهم أصل فكرة الكتاب وما تضمّنه من المسائل المهمة، وقد يكون فيه ما يشكل أو ينتقد فيحذف منه ذلك مع إرادة الاختصار، ومن أمثلته: مختصر الصواعق المرسلة للموصلي، ومختصر زاد المعاد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب.

5: تلخيص التقريب والتيسير.
وهو التلخيص الذي يكون مراد العالم منه تقريب كتاب من الكتب المطوّلة أو التي في أسلوب كاتبها عسر أو صعوبة أو في ترتيبه ما يضعف الانتفاع به، وقد يكون في بعضها ما ينتقد فيلخّص العالم الكتاب تلخيصاً يقرّب به فوائده لطلاب العلم لينتفعوا به ويتجنّب ما فيه من المسائل المنتقدة أو يذكرها لغرض التنبيه، وييسّر عرض مسائل الكتاب بما يراه مفيداً لطلاب العلم.
ومن أمثلة هذا النوع: التقريب والتيسير للنووي، وتقريب التدمرية لابن عثيمين، وموعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين لجمال الدين القاسمي.

6: تلخيص المقاصد
وهو من أرفع أنواع التلخيص وأدقّها مسلكاً، وهو التلخيص الذي يراد به تقريب مقاصد الكتاب وإبرازها وتجنب الإسهاب في بعض التفصيلات التي ليست من غرض الملخِّص، وهذا النوع مهم جدّا في فهم مراد المؤلف ومآخذ كلامه ومصادر استمداده ودوافع تأليف الكتاب.
ومن أمثلة هذا النوع: القول السديد في مقاصد التوحيد للسعدي، والتنبيهات اللطيفة فيما حوته الواسطية من المباحث المنيفة له أيضاً.

7: التلخيص الجمعي
وهو نوع من أنواع التأليف التي يسلكها العلماء، فيطّلع العالم على عدد من الكتب في علم من العلوم، ثمّ يلخّص مسائلها بعبارات مختصرة وافية بمسائل كل باب من الأبواب التي يذكرها في كتابه، من الكتب التي استمدّ منها، ومن أمثلة هذا النوع: كتاب جمع الجوامع للسبكي، لخّصه من مائتي كتاب في أصول الفقه.


ومما ألّفه بعض أهل العلم من المختصرات والتهذيبات والتقريبات ما يجمع خصائص نوعين أو أكثر من هذه الأنواع، وإنما فصّلت أنواعها ليعلم ما يمتاز به كلّ نوع.

والذي يعنينا من هذه الأنواع هو النوع الأول الذي يراد به ضبط مسائل الدرس وإحسان تعلّمها ومعرفة أدلّة المسائل وأنواعها وترتيبها، وهذا النوع من أهمّ الأنواع لأن الطالب يستفيد به ضبط مسائل العلم إذا أحسن طريقة التلخيص وداوم عليها؛ فلذلك يجب أن يفرّق الطالب بينه وبينه الأنواع الأخرى.
وهذا النوع من التلخيص له معايير من وفّى بها فقد أحسن التلخيص وأجاده؛ فمن أحسن الوفاء بها من أوّل الأمر فلديه ملكة حسنة في التلخيص، ومن كان عليه بعض الملحوظات فينبغي أن يتدرّب على تحقيق هذه المعايير حتى يكتسب هذه الملَكة ويعتادها في تلخيصاته لينتفع بها بإذن الله تعالى.


معاييرالتلخيص الجيّد:
الملخّص الجيّد هو الذي يحقق المعايير التالية: الشمول، والترتيب، والتحرير، وحسن الصياغة، وحسن العرض.

1: الشمول:
والمراد به أن يكون الملخّص وافياً بذكر المسائل التي تضمّنها الدرس؛ بحيث لا تفوته مسألة من مسائل عماد الدرس، وأما المسائل الاستطرادية فالطالب مخيّر بين ذكرها وتركها، وإذا كثرت المسائل الاستطرادية في الدرس فينبغي للطالب أن يتعمّد ترك بعضها؛ وذلك لتكون مسائل العماد ظاهرة بيّنة غير مغمورة في المسائل الاستطرادية الكثيرة.

2: الترتيب:
والمراد به: أن يحسن الطالب ترتيب المسائل بتسلسل موضوعي معتبر، وللطالب أن يختار باجتهاده طريقة الترتيب التي يراها أقرب إلى حسن الفهم، ولو خالف ترتيب مسائل الكتاب الذي يلخّصه.

3: التحرير:
والمراد به أن تكون عبارة الطالب في التلخيص عبارة علمية محررة منضبطة بالأصول والقواعد العلمية، ومما يقدح في التحرير العلمي:
- إطلاق الأحكام والدعاوى التي لا أصل لها.
- التوسّع في إطلاق بعض كلام الشارح بما يخرجه عن مراده.
- تعميم ما حقّه التخصيص، أو إطلاق ما حقّه التقييد.
- إغفال ذكر بعض الأقوال المهمّة في المسألة.

4: حسن الصياغة:
ومما يقدح في حسن الصياغة ويضعف تلخيص الطالب:
- ضعف الأسلوب، وركاكة العبارات.
- الأخطاء الإملائية.
- أخطاء علامات الترقيم المخلّة بأداء المعنى.

5: حسن العرض:
والمراد به أن يحسّن الطالب عرض تلخيصه بما يعين على قراءته بوضوح وارتياح، من حيث توزيع النصوص وتلوينها وتفاوت أحجام الخطوط ، فإذا أحسن الطالب إبراز العناوين الرئيسة والفرعية والتقسيمات والجمل المهمة فقد أحسن التنسيق، وليتجنّب الإفراط في استخدام التلوين فإنّه قد يذهب بحسن العرض.


وإذا أراد الطالب أن يقيس جودة تلخيصه فليسأل نفسه عن تحقيق هذه المعايير:
- هل تلخيصي شامل لمسائل الدرس؟
- هل أحسنت ترتيب المسائل؟
- هل عباراتي محررة علميا؟
- هل أحسنت صياغة التلخيص؟
- هل أحسنت طريقة العرض؟



تنبيهات:
1: من أحبّ أن يعيد النظر فيما سبق من تلخيصه فليبيّن ذلك في صفحة التلخيص الخاصّة به قبل أن يبدأ المصححون في تصحيح ما سبق.
2: الطالب الذي شارك بالتلخيص يمنح الدرجة الكاملة إذا كان تلخيصه وافياً بالمطلوب أو مقارباً له، وإذا كان عليه ملحوظات فيؤخّر رصد الدرجة حتى يستكمل ما عليه من الملحوظات التي يبيّنها له المشرف.
3: لتيسير التقويم على هيئة التصحيح نأمل من كل طالب أن يضع رابط الدرس الذي اختار تلخيصه في المشاركة التي فيها تلخيصه.



أسأل الله تعالى أن يوفّقني وإيّاكم لحسن التعلّم والعمل والتعليم، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا، وأن يتقبّل منّا جميعاً إنه هو السميع العليم.