اعتكاف المرأة


الشيخ عبدالرحمن بن عبدالعزيز الدهامي






الاعتكاف مشروع للرجال والنساء على حدٍّ سواء، لكن يُراعى في حق النساء أمن الفتنة.
ومما يدل على عمومه قول الله عز وجل: ﴿ وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾ [البقرة: 125]، فعمَّت الآية الرجال والنساء.


وثبَت في صحيح البخاري عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يعتكف، فلما انصرف إلى المكان الذي أراد أن يعتكف إذا أخبيةٌ، خباء عائشة، وخباء حفصة، وخباء زينب؛ فقال: ((آلبرَّ تقولون بهن؟)) ثم انصرف فلم يعتكف، حتى اعتكف عشرًا من شوال[1].


وتقدم حديث عائشة رضي الله عنها: "ثم اعتكف أزواجه من بعده"[2]؛ رواه الشيخان.


وعنها رضي الله عنها أنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فكنت أضرب له خباءً، فيُصلي الصبح ثم يدخله، فاستأذنت حفصة عائشة أن تضرب خباءً، فأذنت لها فضربت خباءً، فلما رأته زينب ابنة جحش ضربت خباءً آخرَ، فلما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم رأى الأخبية، فقال: ((ما هذا؟))، فأُخبر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((آلبِر تُرون بهن؟))، فترك الاعتكاف ذلك الشهر، ثم اعتكف عشرًا من شوال؛ رواه البخاري[3].


قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "وكأنه صلى الله عليه وسلم خشي أن يكون الحامل لهنَّ على ذلك المباهاة والتنافس الناشئ عن الغيرة، حرصًا على القرب منه خاصة، فيَخرج الاعتكاف عن موضوعِه، أو لما أَذِن لعائشة وحفصة أولًا، كان ذلك خفيفًا بالنسبة إلى ما يُفضي إليه الأمر مِن توارُد بقيَّة النِّسوة على ذلك، فيَضيق المسجد على المصلين، أو بالنسبة إلى أنَّ اجتماع النسوة عنده يُصيِّره كالجالس في بيته، وربما شغلنه عن التخلي لما قصَد من العبادة، فيفوت مقصود الاعتكاف"[4].


ولكن ليس للزوجة أن تعتكف بغير إذنِ زَوجها؛ لأن ذلك يفوِّت حقه[5]، قال في "الإنصاف" (7 / 571): "بلا نزاع"، وله إخراجها منه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لأمهات المؤمنين في الاعتكاف، ثم منعهنَّ بعد أن دخلْنَ فيه.


وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يحلُّ للمرأة أن تصوم وزوجها شاهدٌ إلا بإذنه))[6]، فالاعتكاف من باب أولى، والله أعلم.


وكره بعض أهل العلم الاعتكاف للمرأة الشابة، واختاره القاضي[7] من الحنابلة[8]، والراجح قول جماهير أهل العلم[9]؛ فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أذن لعائشة وحفصة رضي الله عنهما وكانتا شابَّتين.


"قال الأثرم: سمعتُ أبا عبدالله سُئل عن النساء يعتكفْن؟ قال: نعم؛ قد اعتكف النساء، فعمَّ ولم يخصَّ الشابة من غيرها"[10].


لكن بالشرط الذي تقدم، وهو الأمن من الفتنة والخطر، لا سيما في هذا الزمن، فإن خيفَتِ الفتنة والمفسدة مُنعت من ذلك حينئذ؛ لأنَّ درء المفاسد مقدَّمٌ على جلب المصالح.


[1] رواه البخاري في الاعتكاف، باب الأخبية في المسجد، رقم: (2034).

[2] "سبق تخريجه" (ص: 86).

[3] رواه البخاري، واللفظ له، في الاعتكاف، باب اعتكاف النساء، رقم: (2033)، ورواه مسلم في الاعتكاف، باب متى يدخل من أراد الاعتكاف في معتكفه؟ رقم: (1173).


[4] "فتح الباري" (4 / 351).

[5] ينظر: "الفروع" (5 / 134).
قال في "المجموع" (6 / 324): "ولا يجوز للمرأة أن تَعتكِف بغير إذن الزوج؛ لأن استمتاعها ملك للزوج".

[6] حديث أبي هريرة رضي الله عنه: رواه البخاري في النكاح، باب لا تأذن لامرأة في بيتها لأحد إلا بإذنه، رقم: (5195).

[7] هو الإمام القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن الفراء البغدادي (ت: 458هـ)، ينظر في ترجمته: "طبقات الحنابلة" (3 / 361)، و"المقصد الأرشد" (2 / 395).

[8] ينظر: "شرح عمدة الفقه" (5 / 746).

[9] ينظر: "المبدع" (3 / 62)، وينظر: "شرح عمدة الفقه" (5 / 746)، "المبسوط" (3 / 119)، "الأم" (3 / 267).

[10] "شرح عمدة الفقه" (5 / 746).