حفظ اللسان علامة الإيمان


إن من عظيم ما يحافظ عليه المرء لسانه، اللسان الذي هو نعمة من نِعَم الله عز وجل العظيمة؛ ولهذا جاءت الآيات والأحاديث بالأمر بحفظ اللسان وصيانته من آفاته؛ {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18]، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن كان يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فليقُلْ خيرًا أو ليصمُتْ»[1]، «الْمُسْلِمُ مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسانِهِ ويدِهِ»[2]، «من ستر لسانه ستر الله عورته»[3]، «طُوبى لمَنْ ملَك لسانَه، ووسِعَه بيتُه، وبكى على خطيئتِه»[4].

إنَّ أكثر خطايا ابن آدم من لسانه، يحفظ لسانه من أسوأ خلق وأقبحه وهو الكذب {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119]، إيَّاكم والكذب؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وإنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إلى الفُجُورِ، وإنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إلى النَّارِ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا»[5]، ولا يسخر من الناس، ولا يستهزئ بهم، ولا يحتقرهم، ولا يلقبهم بألقاب سوء؛ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات: 11]، {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} [الهمزة: 1]؛ الطَّعان العيَّاب المغتاب، ويصون لسانه من الفحش والبذاء والسب والشتم واللعن؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سِبابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وقِتالُهُ كُفْرٌ»[6]، «إنَّ اللَّعَّانِينَ لا يَكونُونَ شُهَداءَ، ولا شُفَعاءَ يَومَ القِيامَةِ»[7]، «المؤمِنُ ليسَ بِالطَّعَّانِ، ولا الفاحِشِ، ولا البَذيءِ»[8]، وقال الله تعالى: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا} [النساء: 148].

وأول ما يبدأ الجهر بالسوء: الاتهامات والسب والقذف والطعن، ثم يفشو ذلك في المجتمعات لينتهي الأمر إلى فوضى أخلاقية تنعدم فيها الثقة بين الناس، ويكثر الشرُّ، والله المستعان.

ومن أعظم ما يصون المؤمن لسانه عنه الغيبة التي هي ذِكْرُك أخاك بما يكره {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [الحجرات: 12]، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ المُسْلِمِ علَى المُسْلِمِ حَرامٌ: دَمُهُ، ومالُهُ، وعِرْضُهُ»[9].

وكذلك النميمة: وهي القالة بين الناس، أن ينقل الكلام من قوم إلى قوم، أو من فرد إلى فرد، أو من جماعة إلى جماعة؛ للإفساد أو لأغراض سيئة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ»[10]، «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ نَمَّامٌ»[11]، والنميمة عباد الله من أسباب عذاب القبر، نسأل الله العفو والعافية.

والواجب على المسلم أن يتثبت في الأخبار، وأن يُحسِن الظَّنَّ بإخوانه، وألَّا يُفْشي الأسرار، ولا يكون ذا وجهين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ مِن شَرِّ النَّاسِ، ذا الوَجْهَيْنِ، الذي يَأْتي هَؤُلاءِ بوَجْهٍ، وهَؤُلاءِ بوَجْهٍ»[12]، «شِرارُ عبادِ اللهِ المشَّاؤون بالنميمةِ المُفرِّقون بين الأحِبَّةِ»[13]، وأن يُنزِّه نفسه عن المراء والمخاصمة والنزاعات بالباطل.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَبْغَضُ الرِّجالِ إلى اللَّهِ الألَدُّ الخَصِمُ»[14]، ولا يستكمل عبد حقيقة الإيمان حتى يدع المراء وإن كان مُحِقًّا؛ قال بلال بن سعد: إذا رأيت الرجل لجوجًا مُماريًا معجبًا برأيه، فقد تمَّت خسارته.

وأن يطرد عن نفسه الحسد، وألا ينطق به، وأن يبعده عنه، وأن ينأى عنه، وأن يعلم نتائجه وثمراته المرة؛ فالحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تَحاسَدُوا، ولا تَباغَضُوا، ولا تَجَسَّسُوا، ولا تَحَسَّسُوا، ولا تَناجَشُوا، وكُونُوا عِبادَ اللهِ إخْوانًا»[15].

والمقصود عباد الله أن المرء يحافظ على لسانه، فلا يقول إلَّا حقًّا، ويشغل لسانه بما ينفع، ويذكر الله عز وجل به ذكرًا كثيرًا.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الرَّجلَ ليتكلَّمُ بالكلمةِ من رضوانِ اللهِ، ما كان يظُنُّ أن تبلُغَ ما بلغت، يكتبُ اللهُ له بها رضوانَه إلى يومِ يلقاه، وإنَّ الرَّجلَ ليتكلَّمُ بالكلمةِ من سخطِ اللهِ، ما كان يظُنُّ أن تبلُغَ ما بلغت، يكتبُ اللهُ له بها سخطَه إلى يومِ يلقاه»[16].

فلتعلموا عباد الله أن للمؤمن عند الله حرمة، فلا تنتهكوا حرمته، فالمؤمن للمؤمن كالبنيان يشُدُّ بعضُه بعضًا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ في تَوادِّهِمْ، وتَراحُمِهِمْ، وتَعاطُفِهِمْ مَثَلُ الجَسَدِ إذا اشْتَكَى منه عُضْوٌ تَداعَى له سائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى»[17].

والمؤمن عباد الله وليٌّ لله، قال الله تعالى في الحديث القدسي: «مَن عادَى لي وَلِيًّا فقَدْ آذَنْتُهُ بالحَرْبِ»[18].

فاتَّقِ اللهَ عبد الله، ولا تنتهك حرمة مؤمن أبدًا، لا تتكلم عليه بالسوء، أحسن الظَّنَّ به، وإيَّاك والطعن بالنيات، والخوض بالباطل في أخيك، فمن ابتُلي ببلاء في إخوانك المؤمنين، فادْعُ اللهَ له أن يكشف كربه، وأن يُفرِّج همَّه، وأن يشرح صدْرَه، ويُيسِّر أمرَه، أمَّا أن يجعل ذلك مدخلًا للكلام عنه والطعن في ذمته، فهذا لا يكون أبدًا حتى ولو حكم عليه قاضٍ، أو أتى له بشيء، فإنه لا يحل لأحد أن يتكلَّم عليه بسوء أبدًا؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مِنْ حُسْنِ إسلامِ المَرْءِ تَرْكُه ما لا يَعنيه»[19]، والقاضي إنما يحكم بما يسمع أو يقرأ فلا يعلم البواطن، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّما أنا بَشَرٌ، وإنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، ولَعَلَّ بَعْضَكُمْ أنْ يَكونَ ألْحَنَ بحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ، فأقْضِي علَى نَحْوِ ما أسْمَعُ، فمَن قَضَيْتُ له مِن حَقِّ أخِيهِ شيئًا، فلا يَأْخُذْهُ، فإنَّما أقْطَعُ له قِطْعَةً مِنَ النَّارِ»[20].

نسأل الله العفو والعافية.

فالواجب عباد الله الحذر وحفظ اللسان الذي فيه حفظ لدين المرء وإيمانه، نسأل الله أن يُطهِّر قلوبنا وألسنتنا وأعمالنا، وأن يجعلنا قوَّالين للحقِّ قائمين به.


[1] صحيح البخاري، 6138.
[2] صحيح مسلم، 41.
[3] أخرجه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (1320) باختلاف يسير، وأبو نعيم في ((تاريخ أصبهان)) (2/ 73) مطولاً.
[4] الترغيب والترهيب.
الترغيب والترهيب، [إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما]، 3/ 380.
[5] صحيح البخاري، 6094.
[6] صحيح البخاري، 6044.
[7] صحيح مسلم، 2598.
[8] أخرجه الترمذي (1977)، وأحمد (3839) باختلاف يسير، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (4/ 235) واللفظ له، وصححه العراقي والسيوطي.
[9] صحيح مسلم، 2564.
[10] صحيح البخاري، 6056.
[11] صحيح مسلم، 105.
[12] صحيح مسلم، 2526.
[13] أخرجه مطولًا أحمد (27599)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (323) بنحوه، وحسنه الألباني.
[14] صحيح البخاري، 7188.
[15] صحيح مسلم، 2563.
[16] صحيح ابن حبان، 281.
[17] صحيح مسلم، 2586.

[18] صحيح البخاري، 6502.
[19] أخرجه أحمد (1737)، وقال الهيثمي: رجاله ثقات.
[20] صحيح البخاري، 7169.
______________________________ ______________________________ _
الكاتب: سعد محسن الشمري