مفهوم التجديد الأصولي ​
محمد بن حسين الأنصاري




مقدمة


مفهوم التجديد الأصولي
حاجة القاعدة الأصولية إلى الأدلة
بيان الدخيل على القواعد الأصولية ونبذه.
موقف الناس من التجديد
التجديد متزامن مع التأليف
مقترحات التجديد الأصولي
مقدمة
الحمد لله حمد الشاكرين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وأصحابه الغر الميامين، ومن سار على منهجهم إلى يوم الدين. أما بعد:
فإن من المعلوم أن هذا الموضوع له حساسية مفرطة لدى بعض الباحثين، مما يجعلهم يرفضون كل ما يتسم بالتجديد جملة وتفصيلا بموجب وبلا موجب.
وسبب ذلك هو ضبابية هذا المصطلح، وعدم تحريره، وضبط آلياته. كما أن بعض المرددين له والداعين إليه هم من الدخلاء في هذا العلم.
واختلاف المفاهيم في تحرير هذا المصطلح؛ هو الذي أدى إلى توسيع دائرة النزاع بين الباحثين؛ لعدم تحرير محل البحث وضبط المصطلح، والتجديد في علم الأصول لا بد أن ينطلق من أساس علم الأصول ومحكماته، وإلا كان تجديدا فاقدا للثقة والمصداقية.

مفهوم التجديد الأصولي
حدد مفهوم التجديد الأصولي بما يلي: (تجديد الانضباط بقواعده وأحكامه، وإصلاح ما تصدع من بنيانه، وتمتين ما وهى من دلائله، وسد ما تفتح من ثغرات في مفاهيمه، ونفض ما غشى عليه من غبار النسيان له والإعراض عنه، وعرض مضمونه بأسلوب أكثر جدة وأيسر فهماً) (1).
ومفهوم التجديد الأصولي المقبول: هو إبراز القواعد الأصولية للمستفيد، وتأصيلها بالأدلة الشرعية، وتصفيتها من كلّ ما علق بها مما ليس منها، وكل ما اتصل بها ولم يثمر فرعا.
وأما التجديد حول المعاصرة والأسلوب، فإنه يدخل تبعا لا استقلالا، فمن فاته الأصل لم ينتفع بالفرع، وإن صيغ له بأبدع الأساليب.
فإن مفهوم التجديد إذا لم يخدم الهدف والغاية التي لأجلها وضع علم الأصول، لم تكن الدعوة إليه ذات قيمة وفائدة، لذا لا بد أن يرتبط المفهوم بالغاية من هذا العلم، وغاية هذا العلم: كيفية استنباط الحكم من نص الشارع.
وعليه لا بد أن تكون قواعد هذا العلم سهلة الملتمس، قريبة المأخذ لمن رغب في الاستنباط، فإن الناظر في مجمل كتب الأصول يجد مفاوز شاسعة - من التنظير والجدل - بينه وبين القاعدة الأصولية؛ لهذا أصبحت القواعد في كثير من الأحيان مشوّشة، غير واضحة المعالم، ولا بيّنة الدلائل؛ لكثرة ما علق بها، ولهذا قيل عن علم الأصول: دونه خرط القتاد.
ومفهوم التجديد السابق يتلخص في أمرين:

حاجة القاعدة الأصولية إلى الأدلة.
قال ابن تيمية (ت:728هـ) : (الأصوليون يذكرون في مسائل أصول الفقه مذاهب المجتهدين كمالك؛ والشافعي؛ والأوزاعي؛ وأبي حنيفة؛ وأحمد بن حنبل، وداود ومذهب أتباعهم؛ بل هؤلاء ونحوهم هم أحق الناس بمعرفة أصول الفقه؛ إذ كانوا يعرفونها بأعيانها ويستعملون الأصول في الاستدلال على الأحكام بخلاف الذين يجردون الكلام في أصول مقدرة، بعضها وجد، وبعضها لا يوجد، من غير معرفة أعيانها.
فإن هؤلاء لو كان ما يقولونه حقا فهو قليل المنفعة أو عديمها؛ إذ كان تكلما في أدلة مقدرة في الأذهان لا تحقق لها في الأعيان كمن يتكلم في الفقه فيما يقدره من أفعال العباد، وهو لا يعرف حكم الأفعال المحققة منه، فكيف وأكثر ما يتكلمون به من هذه المقدرات فهو كلام باطل) (2).
فابن تيمية – رحمه الله - يشير في صدر كلامه على أهمية ربط الأصول بأدلتها؛ فأحق الناس عنده بمعرفة هذا العلم هم أعرفهم بالأدلة الشرعية؛ ونقده لأصول المتأخرين في آخر النص يدل على ذلك، بل ذَكر أن حقيقة علم الأصول = هي معرفة هذه الأدلة؛ لهذا فإن الأصولي حقًا هو من أدرك هذه الأدلة على الإجمال، كما يصرح بذلك في موطن آخر ويقول: (فإن الكلام في أصول الفقه وتقسيمها إلى‏:‏ الكتاب، والسنة، والإجماع، واجتهاد الرأي، والكلام في وجه دلالة الأدلة الشرعية على الأحكام‏:‏ أمر معروف من زمن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان؛ ومن بعدهم من أئمة المسلمين، وهم كانوا أقعد بهذا الفن وغيره من فنون العلم الدينية ممن بعدهم) (3).
وغياب الأدلة في كتب الأصول أنتج بالضرورة بناء هذه القواعد على غير أصولها، وفي ذلك يقول ابن تيمية:
(إن من له مادة فلسفية من متكلمة المسلمين - كابن الخطيب وغيره - يتكلمون في أصول الفقه الذي هو علم إسلامي محض؛ فيبنونه على تلك الأصول الفلسفية) (4).
وأنّى لعلم بُنيَ أصله على الفلسفة وعلم الكلام أن يحقق غايته المنشودة: ملكة الاستنباط من النص؛ لهذا لا محيص عن تجديد هذا العلم ورده لما كان عليه من لدن الشافعي، ومن قبله كالصحابة وغيرهم.
وإن أردت أن تعلم غياب الأدلة، فدونك أقرب كتاب في علم الأصول – خاصة المتأخرة - تناوله وابحث فيه عن الأدلة، وانظر ماذا ترى؟!
- مسائل مجردة.
- تعليلات عقلية.
- افتراضات ذهنية.
- حكاية السيد والعبد!
- أصول كلامية.
- نتف من الأدلة الشرعية!
وهم في ذلك بين مستقل ومستكثر، وناقد ومؤيد، وكتب الأصول المتأخرة في الجملة على قسمين:
1- متون صناعية معقّدة.
2- شروح وحواشي، وهي إما شروح تهتم بفك العبارات لا غير، أو شروح تحولت إلى معارك خلافية بين أئمة المذاهب(5).
كل ذلك أدى إلى عدم الاهتمام بذكر الأدلة الشرعية على القواعد الأصولية، كما أدى إلى آثار أخرى سلبية في بناء القواعد على غير أصولها، كمن يذكر القاعدة بناء على أصل كلامي، أو بناء على قول السيد لعبده، وإذا حاول تطبيق ذات القاعدة على النص الشرعي لم يجد لذلك سبيلا؛ لفساد التقعيد من الأساس، بل قد يُطوِّع النص حتى يتوافق مع القاعدة وإن لم يدل عليها.
ولتوضيح ذلك تدبّر التقرير التالي:
"مسألة: إذا توجه الأمر إلى واحد لم يدخل غيره فيه بإطلاقه. قال المصنف – الخطابي -: وجه قولنا أنه لا خلاف بين أهل اللغة أن الإنسان إذا قال لعبده افعل كذا وكذا لم يدخل بقية عبيده في ذلك، فكذلك إذا أمر الله تعالى نبيه لم تدخل فيه الأمة"(6).
فهل هذا التقرير صحيح؟ هل هذا الدليل يكفي لإثبات هذه القاعدة؟ ألم يكن ثمة فرق بين خطاب الله تبارك وتعالى، وخطاب السيد لعبده أو أمته؟ أليس الأصل في خطاب الله العموم؟ فأين ذلك في خطاب السيد لعبده؟! ثمّ وإن سلمنا جدلا بهذا الأصل؛ هل هذا القياس صحيح؟ وإن صح هل ينهض لتأصيل هذه القاعدة؟
يتحصّل مما سبق أن كتب الأصول قد اشتملت على أمور توجب التجديد منها:
- دخول المادة الفلسفية في علم الأصول.
- غياب الأدلة عن القواعد الأصولية.
- دخول ما لا ثمرة فيه في علم الأصول.
- شيوع التقليد المذموم.

قال بعض الباحثين – في معرض حديثه عن جمود المدونات الفقهية -: (فلم تعد هذه المدونة بحكم تقليدها وامتثالها بحاجة أصلاً إلى هذا النموذج الذي تتحدد وظيفته المنهجية المعرفية الأساسية بتقعيد عملية الاجتهاد. وهو ما يفسر – ما خلا استثناءات محدودة - جمود البحث الأصولي، وتحوله إلى نوعٍ من مختصرات معقدة ومستغلقة للمختصرات، إلى درجة تدفع الشيخ محمد الخضري الذي كان يدرس مادة أصول الفقه في كلية غوردون في السودان إلى وصف ألغازها بأنها (تكاد لا تكون عربية المبنى) وأن فهم (المراد) منها مثل (فتح المعميات).
حتى كأنها (ما ألفت لتفهم) ومن هنا "لا تكاد تفهم وحدها لذلك احتاجت إلى الشروح، واحتاج الشرح إلى حاشية، كحاشية ابن عابدين". ولا أدل على جمود التفكير الأصولي من أن تدريس علم الأصول في الأزهر، قد انحصر قروناً طويلة حتى أوائل القرن العشرين بكتاب (جمع الجوامع) بشرح المحلى الذي يصفه الشيخ محمد الخضري بأنه "عبارة عن جمع الأقاويل المختلفة بعبارة لا تفيد قارئاً ولا سامعاً، وهو مع ذلك خلو من الاستدلال على ما يقرره من القواعد". فلقد غدا علم الأصول بتعبير للشيخ محمد الخضري أيضاً "أثراً من الآثار")(7).
فوجود هذه الأمور تبين ضرورة التجديد في علم الأصول، ولا سيما ما يتعلق بربط القواعد الأصولية بأدلتها الشرعية؛ لأن ذلك هو الأصل واللب، وممن نحا هذا المنحى من المتقدمين الإمام الشيرازي – رحمه الله - (ت:476هـ)، فقد كانت له جهود مباركة في تنقيح أصول الإمام الشافعي عن أصول المتكلمين، إضافة إلى ذكر الأدلة الشرعية على المسائل الأصولية، وهذا ظاهر وبيّن، ولا سيما في كتابه "التبصرة" الذي خصه بأصول الفقه المقارن.
قال أبو الحسن: (ومعروف شدة الشيخ أبي حامد الإسفراييني على أهل الكلام حتى ميز أصول فقه الشافعي من أصول الأشعري، وعلقه عنه أبو بكر الزاذاقاني وهو عندي، وبه اقتدى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتابيه "اللمع" و"التبصرة" حتى لو وافق قول الأشعري وجها لأصحابنا ميزه. وقال: هو قول بعض أصحابنا، وبه قالت الأشعرية، ولم يعدّهم من أصحاب الشافعي، واستنكفوا منهم – أي: من الأشاعرة - ومن مذهبهم في أصول الفقه فضلا عن أصول الدين.
قلت: - أي ابن تيمية - هذا المنقول عن الشيخ أبي حامد، وأمثاله من أئمة أصحاب الشافعي أصحاب الوجوه؛ معروف في كتبهم المصنفة في أصول الفقه وغيرها) (8).
ولولا مخافة التطويل والخروج عن المقصود؛ لأتيت بشواهد تطبيقية من خلال "شرح اللمع" للشيرازي.
وممن تأثر بالشيرازي واقتفى أثره الإمام السمعاني (ت:489هـ)؛ وذلك في كتابه: "قواطع الأدلة".
قال ابن تيمية: (من بنى الكلام في العلم - الأصول والفروع - على الكتاب والسنة والآثار المأثورة عن السابقين، فقد أصاب طريق النبوة) (9).

بيان الدخيل على القواعد الأصولية ونبذه.
المسائل الخارجة عن علم الأصول وغايتهِ كثيرة، وعلاقة هذه المسائل بعلم الأصول تختلف من مسألة إلى أخرى، فمن هذه المسائل ما لها علاقة مباشرة بالقاعدة، وقد يستفاد منها في فهمها وتصورها، بل وتطبيقها، ومنها ما لا علاقة لها به، وهذا يمكن الاستغناء عنه.
مثال الأول: تقسيم الأسماء إلى حقيقة عرفية، ووضعية، وشرعية(10)، ووجه ذلك: أن القواعد الأصولية قد تتضمن مصطلحات شرعية، وعرفية، ووضعية، كما أن النصوص قد تتضمن ذلك، والمتفقه بحاجة إلى قاعدة بيّنة في تعامله مع هذه الحقائق(11).
ومثال الثاني: تقسيم الكلام إلى اسم، وفعل، وحرف(12)، وهذا لا وجه له سوى الاستطراد.
يقول الغزالي (ت: 505هـ): (وذلك – أي علم الكلام - مجاوزة لحد هذا العلم – أي علم الأصول - وخلط له بالكلام، وإنما أكثر فيه المتكلمون من الأصوليين لغلبة الكلام على طبائعهم، فحملهم حب صناعتهم على خلطه بهذه الصنعة، كما حمل حب اللغة والنحو بعض الأصوليين على مزج جملة من النحو بالأصول، فذكروا فيه من معاني الحروف، ومعاني الإعراب جملا هي من علم النحو خاصة) (13).
قال الطوفي (ت: 716هـ): (واعلم أن البحث عن أن العموم من عوارض الألفاظ، أو المعاني هو من رياضات هذا العلم، لا من ضروراته حتى لو ترك، لم يُخِلّ بفائدة) (14).
وما لو ترك في كتب الأصول لم يُخل بفائدة كثير جدا، فأصول الفقه فيه جزء كبير من العربية، وجزء كبير من أصول الدين كالحسن والقبح، وصدق النبوة وعصمة الأنبياء عليهم السلام، وجزء من النحو والتصريف وغير ذلك مما ليس له به صلة مباشرة(15).
وكثرة المسائل الدخيلة في أصول الفقه تطبيقيًّا، أمر أوضح من أن يستدل له، وقد نص على ذلك كثير من الأصوليين، بل كتب بعض المعاصرين رسالة في مجلد لطيف بعنوان: "المباحث اللغوية وأثرها في أصول الفقه دراسة في كتاب شرح جمع الجوامع للمحلى" للباحث: نشأت علي محمود. فإذا كان هذا في شرح جمع الجوامع فقط، فما بالك بغيره من المصادر الأصولية الموسعة؟
وقد كُتب أيضًا في تمييز المسائل الكلامية عن المسائل الأصولية، ومن أشهر مَن ميّز هذه المسائل العروسي في كتابه: "المسائل المشتركة"، وممن بيّن وجمع المسائل الأصولية المبنيّة على المسائل الكلامية واللغوية الزركشي (ت:794هـ) في كتابه: "سلاسل الذهب" وهو تصنيف مبتكر لم يُسبق إلى مثله، ولم يُنسج على منواله.
الخلاصة: وجود مسائل ليست من أصول الفقه أمر لا جدل فيه، ودونك هذا المثال:
قال الرازي (ت:606هـ) : (وأما الكلام، فهو الجملة المفيدة، وهي إما الجملة الاسمية، كقولنا زيد قائم، أو الفعلية، كقولنا قام زيد، وإما مركب من جملتين) (16).
قال عبد المؤمن الحنبلي (ت:739هـ): (و"الكلام" هو المنتظم من الأصوات المسموعة المعتمدة على المقاطع وهي الحروف، وهو جمع كلمة، وهي اللفظ الموضوع لمعنى. وخص أهل العربية الكلام المفيد وهو الجمل المركبة من فعل وفاعل، أو مبتدأ وخبر، وغير المفيد كلم) (17).
وهذه الأمثلة جزء من عشرات الأمثلة، وكتب الأصول في ذلك تكاد تكون متطابقة، فالمثال الواحد يكفي في إثبات القضية؛ وذلك لغلبة النقل عليهم.
قال الإسنوي (ت:772هـ) : (واعلم أن المصنف –رحمه الله- أخذ كتابه من الحاصل للفاضل تاج الدين الأرموي، والحاصل أخذه مصنفه من المحصول للإمام فخر الدين، والمحصول استمداده من كتابين لا يكاد يخرج عنهما غالباً، أحدهما المستصفى لحجة الإسلام الغزالي، والثاني المعتمد لأبي الحسين البصري، حتى رأيته ينقل منهما الصفحة أو قريباً منها بلفظها، وسببه –على ما قيل- أنه كان يحفظهما، فاعتمدت في شرحي لهذا الكتاب مراجعة هذه الأصول) (18).
هذا النصّ يدلك على كثرة النقل لديهم، والعيب في ذلك ليس في مجرد النقل، وإنما في النسخ المتطابق من غير إضافة ولا تحرير، وهذا أثر كبير من آثار التقليد الذي بلينا به.
قال الشوكاني (ت:1250هـ) : (- بعد ذكره لأهمية علم الأصول – وكانت مسائله المقررة، وقواعده المحررة تؤخذ مسلمةً عند كثير من الناظرين، كما تراه في مباحث الباحثين، وتصانيف المصنفين، فإن أحدهم إذا استشهد لما قاله بكلمة من كلام أهل الأصول أذعن لها المنازعون، وإن كانوا من الفحول، لاعتقادهم أن مسائل هذا الفن قواعد مؤسسةٌ على الحق الحقيق بالقبول، مربوطة بأدلةٍ علمية من المعقول والمنقول، تقصر عن القَدحِ في شيءٍ منها أيدي الفحول، وإن تبالغت في الطول) (19).
بهذا نكون قد استوفينا بإيجاز التقرير الدال (نظريًّا وتطبيقيًّا) من خلال كتب الأصول على صدق هذا المفهوم الذي ذكرناه، كما قد بان لك من خلال النقول السابقة حاجة هذا العلم إلى التجديد والمراجعة في كثير من مواده، ولا سيما التي تضمنها هذا المعنى وهو: هو إبراز القواعد الأصولية للمستفيد، وتأصيلها بالأدلة الشرعية، وتصفيتها من كلّ ما علق بها مما ليس منها، وكل ما اتصل بها ولم يثمر فرعا.
الخلاصة: أن علم الأصول من أحوج العلوم إلى التجديد وتنقيته والنهوض به وتحرير مسائله، وأسباب ذلك لا تخفى على الممارسين له كما سيأتي. ولعل هذا ما جعل بعض الأيدي تتناوله بحق، أو تتطاول عليه بلا حق. والدراسات التي تناولت موضوع التجديد في الأصول، تختلف باختلاف أصحابها وتوجهاتهم ومقاصدهم، ورد دعوى التجديد بالكلية ليس سديداً، فقد يصدق الكذوب، ويجود البخيل، غير أنها قد ترشدك وتنبهك على مواطن الخلل أحيانا، فخذ منها ودَعْ، والحكمة ضالة المؤمن، وعليه لا بد أن تعلم أن الرد الجملي بلا تفصيل لا يستقيم.

مواقف الناس من التجديد
تباينت مواقف العلماء والكُتَّاب في النظر إلى موضوع التجديد إلى طرفين ووسط:
الموقف الأول: مانعو التجديد، وهم الذين يريدون أن يبقى كل قديم على قدمه، وشعارهم المرفوع: ليس في الإمكان أبدع مما كان! يمثل هؤلاء بعض مقلدي المذاهب المتعصبين لها، والحرفيون الذين يقفون جامدين عند ظواهر النصوص(20).
أقول لهؤلاء: إن تراثنا بأمس الحاجة إلى التحقيق والغربلة، لتكثيف الفهم والتعقل، وتحري الاختيار والانتخاب، ومن ادعى غير ذلك فقد جنى على التراث أولاً، وعلى المتقدمين ثانياً؛ بالادعاء لهم ما لم يدعوه لأنفسهم، ولا لمن سبقهم، وتعدى على المتأخرين ثالثاً؛ بوأد عقولهم في مهدها، والتشكيك في قدراتهم ومقاصدهم.
كما أن ركام الخلافيات التي تفاقم أمرها في كتب علم الأصول يحتاج إلى عقل مجدد لاستخلاص الراجح من بينه.
وأؤكد في هذا السياق على عدم صحة اعتبار أن الماضي دائماً أفضل حالاً من الحاضر، والقادم أسوأ من الحاضر. فمجمل ما يتعلق به هؤلاء مردود من مقولات كَرَّست حالة الجمود والسكون والرهبة، والتقديس في التعامل مع التراث، وبالذات مع آراء واجتهادات العلماء السابقين، ورسَّخت حالة التقليد والتبعية، وأضعفت حالة الاجتهاد والتجديد(21).
"وأما الجانب النفسي – عند هؤلاء - فإن هناك لوناً من الخشية في الإقدام على تجديد كل ماله علاقة بالدين، حتى إن كلمة التجديد نفسها إذا وردت في معرض الحديث عن مسألة فقهية تقابل بالامتعاض خوفاً من أن تكون ذريعة للتحلل من أوامر الدين وشعائره شيئاً فشيئاً.
والانتصار على هذا الجانب النفسي يحتاج إلى شجاعة وثقة بالنفس، وإيمان بأن الإسلام الذي ارتضاه الله ديناً للناس كافة يحض على إعمال العقل، ومحاربة الجمود، والعمل الدؤوب من أجل أن تسود كلمة الحق، وأن تكون لها صولة وقوة حتى لا تخنس أمام ضراوة الباطل وإعصار التقليد والجمود"(22).
الموقف الثاني: الغلاة في التجديد، وهم الذين يريدون أن ينسفوا كل قديم، وإن كان هو أساس هوية المجتمع، وهؤلاء في الحقيقة مبددون لا مجددون، وهم يكتبون تارة باسم التجديد الأصولي، وتارة بتجديد الفكر الإسلامي(23).
الموقف الثالث: المتوسطون في التجديد، وهم الذين يرفضون جمود الأولين وجحود الآخرين.
وهنا لا بد أن نفرق بين ما يبديه الذين يدعون إلى التجديد الذي يظهر أنه امتداد للجهد الذي بذله علماء المسلمين منذ قيامهم بواجب الاجتهاد والإفتاء، وبناء صرح الفقه الإسلامي، وبين الذين يدعون إلى هدم الإسلام، وطمس معالمه، وقد بان لك فيما سبق أنهم متصفون بأسوأ من ذلك(24).
وهؤلاء المتوسطون اختلفوا في الضوابط الشرعية للتجديد، كما اختلفوا في التعاطي معها، منهم من توسع حتى كاد يصل إلى الغلاة، ومنهم من ضيّق حتى كاد يغلق الباب.
"وجملة القول: إن التجديد في علم الأصول ضرورة دينية، وأن الدعوة إلى هذا التجديد تنطلق من مبدأ صلاحية التشريع الدائم للتطبيق، وأن هذه الدعوة لا تعني خروجاً على كل ما كتبه السلف في هذا العلم، فمنه ما لا يقبل التطور، ومنه ما جاء عن نظر واجتهاد، ولا أحد يستطيع أن يدعي فرضية متابعة أي مجتهد في أمر أداه إليه اجتهاده فقط، فإن ذلك أقصى ما يقال فيه، إنه رأي، والرأي مشترك"(25).

التجديد متزامن مع التأليف
وهنا أنبه القارئ على أن فكرة التجديد لعلم الأصول ليست وليدة الساعة، ولا مما أفرزته الثقافة الغربية فحسب، وإن كان لها أثر على بعض من يحمل لواءها.
فإن من الأصوليين من كان يشير إلى ما يمكن أن نطلق عليه: تجديد الأصول، وإن كان المصطلح قد تطور وتَعَصْرَنَ، إلا أن أصل فكرة التجديد متفق عليها. فالشاطبي قد جدد وابتكر وغيره كذلك.
انظر مثلاً هذا القول وهو لفخر الأئمة منصور بن إسحاق السجستاني (ت:290هـ) - إن صح تاريخ الوفاة - يقول بعد كلام: (..فرغبت في جمع جمل من الفصول تقع بها الهداية والكفاية لطلبة الأصول، وطرحت منها الحواشي والفضول..) (26).
ويقول أبو الحسين البصري (ت:436هـ) : (فأحببت أن أؤلف كتابا مرتبة أبوابه غير مكررة، وأعدل فيه عن ذكر ما لا يليق بأصول الفقه من دقيق الكلام. إذ كان ذلك من علم آخر، لا يجوز خلطه بهذا العلم..) (27).
ويقول السمعاني (ت:489هـ) أيضا في هذا المعنى: (..ورأيت بعضهم - أي الأصحاب - قد أوغل، وحلل، وداخل. غير أنه حاد عن محجة الفقهاء في كثير من المسائل، وسلك طريق المتكلمين الذين هم أجانب عن الفقه ومعانيه، بل لا قبيل لهم فيه ولا دبير، ولا نقير ولا قطمير..) (28).
فهذه النقول تدلك على التزامن بين التأليف والتجديد في هذا العلم، وإن كان متباينا مع التجديد المعاصر، لكنه يؤيد أصل الفكرة.

مقترحات التجديد الأصولي
مما أقترح تهذيبه وتفعيله في علم الأصول ما يلي:
أولاً: الرجوع التام إلى الأصول والمصادر التي تَكون منها هذا العلم، فتجديد علم الأصول لا يكون مثمرا إلا برجوعه لمصادره الأصلية، وانعتاقه مما خالطه من العلوم الأجنبية عنه، ومصادر أصول الفقه اثنان:
1- الأدلة الشرعية بفهم السلف.
2- اللغة العربية.
قال القرافي: (والحق أن مسائل أصول الفقه معلومة -كما قال التبريزي- بالاستقراء التام من اللغات..) (29).
وما سوى ذلك من الفروع فهو مساعد لضبط الأصول لا ناتج لها.
ثانياً: تنقيح علم الأصول من فضول المسائل التي لا علاقة له بها(30)، وذلك يكون بطريقين:
1- بإفراد هذه المسائل عن العلم؛ مع ذكر السبب، وبيان أثرها على العلم(31).
2- بتصفية قواعد علم الأصول التي لها أثر ظاهر في الاستنباط مع أدلتها وأمثلتها(32).
والفرق بين الأول والثاني: هو أن الأول إبراز المسائل الدخيلة في هذا العلم؛ ليعلمها المتلقي، والثاني تصفية وتنقيح المسائل الأصولية المثمرة عن غيرها؛ ليسهل الوصول إليها.
ثالثاً: تفعيل جانب التطبيق على جانب التنظير في الدراسات الأصولية، وهذا له عدة جوانب:
1- ربط القواعد الأصولية بالأدلة، وذلك في محافل التدريس، والرسائل الجامعية(33)، لبيان أصلها ومصدرها.
2- الاهتمام بذكر الأمثلة الفقهية لكل قاعدة، لبيان ثمرتها وإنتاجها.
3- الاهتمام بتطبيق القواعد الأصولية على النوازل الفقهية المعاصرة، وبيان فاعليتها.
رابعاً: التحديث والإضافة للتراث الأصولي، وذلك بأمور:
1- صياغة التراث الأصولي وتحديثه بأسلوب عصري مدعوم بالأمثلة والترجيح، وتحرير المصطلحات ما أمكن خاصة في المناهج الدراسية الأصولية.
2- إضافة ما لا بد منه كالمقاصد الشرعية، ولا سيما في المناهج.
3- تقليل الاعتماد على المتون الصناعية ما أمكن، خاصة المنظومات؛ لما فيها من التعقيد وقلة الفائدة.
4- الاهتمام بالموضوعات الأصولية التي كثر الكلام حولها كالمصالح والنسخ وغيرها.
خامسًا: التجديد من جهة الصياغة وطريقة التأليف، وهذا له طرق:
1- مؤلَف يهتم بإعادة الصياغة لبعض القواعد الأصولية.
2- مؤلَف يهتم بأخطاء الأصوليين في طريقة التأليف.
قال الشاطبي: (كل مسألة مرسومة في أصول الفقه لا ينبني عليها فروع فقهية، أو آداب شرعية، أو لا تكون عونا في ذلك فوضعها في أصول الفقه عارية. والذي يوضح ذلك أن هذا العلم لم يختص بإضافته إلى الفقه إلا لكونه مفيدا له، ومحققا للاجتهاد فيه، فإذا لم يفد ذلك؛ فليس بأصل له) (34).
"الخلاصة أن علم أصول الفقه ينبغي أن تجاوز به في عصرنا مرحلة الاجترار والتكرار إلى مرحلة التجديد والابتكار، حتى يكون الاجتهاد - ولا سيما في القضايا العامة التي تواجهنا فيها مشكلات جمة - ناضجا متطورا، لا يقف عاجزا أمام ما تتمخض عنه الحياة كل يوم من نوازل بحجة أن السابقين لم يتكلموا فيها، أو أنه لا يوجد لها شبه فيما اشتملت عليه كتب الفقه من مسائل"(35).
هذا وإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمني والشيطان والله ورسوله منه براء، ورحم الله من أهدى إليَّ عيوبي، سبحانك اللهم أستغفرك وأتوب إليك.
(1) إشكالية تجديد أصول الفقه (ص:156).
(2) مجموع فتاوى ابن تيمية (20/402).
(3) المصدر السابق: (20/401-402).
(4) المصدر السابق: (2/86).
(5) وأصدق مثال يبيّن ذلك كتابان: الأول: "الردود والنقود" وهو للبابرتي الحنفي (ت786هـ).
والثاني: "الآيات البينات" وهو للعبادي (ت994هـ)، والأمثلة كثيرة.
(6) التمهيد في أصول الفقه للخطابي (1/277).
(7) الاجتهاد للريسوني ومحمد باروت (ص:92-93).
(8) درء التعارض (2/98).
(9) المصدر السابق: (10/363).
(10) إحكام الأحكام للآمدي (1/27-28).
(11) التمهيد في تخريج الأصول على الفروع للإسنوي (ص: 228).
(12) منتهى الأصول الأمل في علمي الأصول والجدل، لابن الحاجب (ص:17).
(13) المستصفى (1/42).
(14) شرح مختصر الروضة (2/455).
(15) انظر: نفائس الأصول في شرح المحصول للقرافي (1/161) بتصرف.
(16) المحصول (1/180).
(17) قواعد الأصول ومعاقد الفصول (ص:49-50).
(18) نهاية السول (1/5-6).
(19) إرشاد الفحول (1/53-54)
(20) من أجل صحوة راشدة، (ص:51و53) بتصرف.
(21) انظر: من التراث إلى الاجتهاد لزكي الميلاد (ص:256).
(22) نظرة نقدية في الدراسات الأصولية المعاصرة للدسوقي (ص:130-131)‏.
(23) وهذه الطائفة سأخصص لها بحثاً مستقلاً لبيان أصولهم ومسوغاتهم والمآخذ عليهم والرد عليها بالتفصيل بحول الله.
(24) تجديد علم أصول الفقه للسريري (ص:89) بتصرف يسير.
(25) نظرات في علم أصول الفقه، طه العلواني، نقلا عن الدسوقي نحو منهج جديد لدراسة علم أصول الفقه (ص:484).
(26) الغنية في الأصول (ص: 23).
(27) المعتمد في أصول الفقه (1/7).
(28) قواطع الأدلة (1/6).
(29) العقد المنظوم (1/499).
(30) مثل: مسائل علم الكلام، والمنطق، والفلسفة، وجمل من مسائل المصطلح، والبلاغة، والنحو.
(31) وقد كتب في هذا المجال عدة رسائل منها: المسائل المشتركة للعروسي، وهناك بحثان كلاهما قيد الإعداد؛ الأول: " علاقة علم المنطق بعلم أصول الفقه" رسالة جامعية لأخي الأستاذ/ وائل الحارثي. والثاني: "أثر الأصول الكلامية في بناء القواعد الأصولية" لأخي الأستاذ/ سلطان العميري، كما أن هناك بحثان كلاهما مطبوع الأول: "البحث النحوي عند الأصوليين" للسيد مصطفى جمال الدين. الثاني: "المباحث اللغوية وأثرها في أصول الفقه؛ نشأت علي محمود.
(32) المحاولات في هذا المجال متعددة من أحسنها في نظري كتاب: "المصفى في أصول الفقه" لأحمد ابن الوزير (ت:1372هـ)
(33) وهنا أشيد برسالة جامعية تحمل في أثنائها بصمات التجديد الإيجابي، ومواصفات البحث العلمي، وهي بعنوان: "الاستقراء وأثره في القواعد الأصولية والفقهية دراسة نظرية تطبيقية" للطيب السنوسي أحمد. وفقه الله للمزيد. كما لا أنسى الإشادة بكتاب: "الثبات والشمول" لشيخنا الشيخ/ عابد السفياني؛ سلمه الله.
(34) الموافقات (1/37).
(35) نظرة نقدية في الدراسات الأصولية المعاصرة؛ محمد الدسوقي (ص:130)‏