السؤال

كنت أقرأ في كتابٍ أن أمير المؤمنين عمر بن العزيز لم يغتسل من جنابة أو من احتلام منذ أن ولى الخلافة، وهذا مثال مما أسأل عنه، فكيف يهضم حق زوجته في هذا؟ وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلاطف نساءه، ويؤدي ما عليه من حقوقهن، وهو من هو صلى الله عليه وسلم، بل إنه حمل عبئاً أكبر من الخليفة عمر بن عبدالعزيز، فلماذا أقرأ في بعض الأحيان أعمال كهذه للسلف لم تكن موافقة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم على حد علمي القليل؟ أرجو الإجابة؛ لأتعلم كيف أنوي أن أحيا حياتي على مراد رسوله صلى الله عليه وسلم، وإن كنت مقصرا، لكن أسأل الله تعالى أن يوفقني وإياكم لصالح الأعمال.
الجواب



الحمد لله.
أولا :
نسأل الله تعالى أن يوفقك للعلم النافع والعمل الصالح ، وأن يجعلنا وإياك من الهداة المهتدين .
ثانيا :
هذا الأثر رواه عبد الله بن المبارك في "الزهد" (890)، ومن طريقه رواه يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (1/584)، قال: حَدَّثَنَا ابْنُ عُثْمَانَ:
وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (5/310)، قال: أَخْبَرَنَا عَتَّابُ بْنُ زِيَادٍ:
كلاهما عن عَبْد اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَشِيطٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمان بْنُ حُمَيْدٍ الْمُزَنِيُّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ نَافِعٍ الْقُرَشِيِّ: ( أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ عَبْدِ الملك وقال لَهَا: أَلَا تُخْبِرِينِي عَنْ عُمَرَ؟ فَقَالَتْ:
مَا أَعْلَمُ أَنَّهُ اغْتَسَلَ مِنْ جَنَابَةٍ وَلَا مِنَ احتلام منذ استخلفه الله حتى قبضه ).
وهذا إسناد رواته ثقات غير سليمان بن حميد، المزني، سكت عنه البخاري، في "التاريخ الكبير" (4/8)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (4/106)، وذكره ابن حبان في " الثقات " (6/ 385).
فهو مجهول الحال.
فالإسناد ليس بصحيح.
وعلى فرض صحة هذا الخبر فالظاهر أن زوجته رضيت بذلك ، وتنازلت عن حقها ، والزوجة إذا تنازلت عن شيء من حقوقها عن رضى ، لا يصح أن يقال عن زوجها حينئذ: إنه قد أخطأ أو خالف السنة .
بقي أن يقال : لماذا لم يفعل عمر بن عبد العزيز رحمه الله كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم ؟
والجواب :
أن حال النبي صلى الله علي وسلم هو أكمل الأحوال بلا شك ، ولكن .. ليس كل الناس يستطيع الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم في كل شيء ، بل تتعارض عنده السنن على وجه لا يمكنه الجمع بينها ، فعليه في هذه الحالة أن يقدم الأهم فالأهم ، ويكون معذورا في ترك ما لم يستطع فعله . وهذا هو الفقه .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
" وتمام "الورع" أن يعلم الإنسان خير الخيرين وشر الشرين، ويعلم أن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها ، وإلا فمن لم يوازن ما في الفعل والترك من المصلحة الشرعية والمفسدة الشرعية فقد يدع واجبات ويفعل محرمات " انتهى من "مجموع الفتاوى" (10/512).
فعمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى ورث خلافة انتشرت فيها جملة من المظالم واشتد خوفه من التقصير ولم يطل عمره فيها، ولم يستطع أن يجمع بين واجبات الزوج وواجبات الخلافة، فقدم الأولى منهما، خاصة وأن التقصير في حق الزوجة يمكن الخروج منه بالاعتذار لها، وأما التقصير في حقوق الرعية فيصعب الخروج منه لاستحالة تتبع الرعية واحدا واحدا للاعتذار منهم؛ والشريعة ترشد عند تزاحم الأوامر إلى أن يقدم الأرجح منها.
ومثل ذلك : أن السنة جاءت بالترغيب في النكاح ، وأنه من سنن المرسلين ، ومع ذلك نجد بعض العلماء الكبار (الذين لا تخفى عليهم مثل هذه السنة) لم يتزوجوا ، كالنووي وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله ، فلا يصح أن يقال : إنهم خالفوا السنة ، وإنما يقال : إنهم شغلوا عن هذه السنة بما هو أهم منها ، كالجهاد في سبيل الله ، وتعلم العلم وتعليمه ، والدعوة إلى الله ... ونحو ذلك.
والله أعلم.


https://islamqa.info/ar/answers/4029...B3%D9%86%D8%A9