بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله الأمين.
أما بعد؛ فلا شك أن كثيرا من الأسماء والمصطلحات الكلامية قد أخذت طريقها إلى كتب المتكلمين سربا، ما بين مستكثر ومستقل، في حين أننا نجد مقالة «التجسيم» أمست من العبارات ذات الصلة بمباحث المسائل الكلامية مما جعلها تتصدر كثيرا من كتب عقائد أهل الأهواء والبدع؛ حيث وقفوا مع لفظ «الجسم» بشيء من التقريرات والمناقشات الكلامية العقيمة، فعندها تقاسموا أمرههم حولها فرقا وطوائف شتى، كما يلي:
الطائفة الأولى: الممثلة.
وهم الذين يثبتون لفظ «الجسم» لله تعالى؛ باعتبار أن كل ذات موصوفة بصفات: فهي جسم، والأجسام عندهم متماثلة، وهم مع هذا التمثيل فقد انقسموا إلى قسمين:
القسم الأول: من مثل الخالق بالمخلوق في جميع الصفات، فكان الخالق عندهم كالمخلوق ذاتا وصفة عياذا بالله!
القسم الثاني: من مثل الخالق بالمخلوق في بعض الصفات.
وهؤلاء الممثلة المجسمة: قد أجمع أهل العلم على تكفيرهم.
الطائفة الثانية: المعطلة.
وهم الذين ينفون لفظ «الجسم» عن الله تعالى؛ باعتبار أن كل ذات موصوفة فهي جسم، والأجسام عندهم متماثلة، والله تعالى لا مثيل له ولا شبيه، فعندها عطلوا الله تعالى من أسمائه وصفاته الحسنى بحجة تنزييه سبحانه عن التمثيل - زعموا! -.
وهم مع هذا التعطيل فقد انقسموا إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: من عطل جميع أسماء الله وصفاته، بحجة التجسيم: كالجهمية ونحوهم.
القسم الثاني: من عطل جميع صفات أسماء الله دون أسمائه، بحجة التجسيم وتعدد الآلهة: كالمعتزلة ونحوهم.
القسم الثالث: من عطل بعض صفات أسماء الله دون أسمائه، بحجة التجسيم: كالأشاعرة ونحوهم، ولأصحاب هذه الأقوال الثلاثة شبه وتأويلات ليس هذا محل تفصيلها.
أما أهل السنة والجماعة: فهم لا يثبتون لفظ «الجسم» لله تعالى ولا ينفونه؛ بل يتوقفون في إطلاق لفظ «الجسم» إثباتا ونفيا؛ لكونه من الألفاظ المجملة التي حقها الاستفصال في معناها؛ فما كان منها حقا قبلوه وما كان باطلا ردوه، كما سيأتي بيانه.
* * *
وقبل الولوج في مطارحة مقالة «التجسيم» والأبعاد التي دلت عليها لغة واصطلاحا وإلزاما والتزاما: فقد أحببت أن أذكر بعض الأمور باختصار:
الأمر الأول: أن لفظ «الجسم» من المسائل التي طال فيها الكلام عند كثير من أهل الكلام بطريق اللازم والملزوم ما بين ممثل أو معطل، كما مر معنا.
الأمر الثاني: أن «الجسم» من الألفاظ المحدثة التي ابتدعها أهل الأهواء والبدع، كلفظ: التجسيم، والتسلسل، والدور، والأعراض، ودليل حدوث الأجسام، والتركيب، والاختصاص، والجوهر، والفيض، وقدم العالم، والهيولى، والاتحاد، والحلول، والأوتاد، والقطب، والغوث، والنجباء، والنقباء، والفناء، والاصطلام، وغير ذلك من الألفاظ والمصطلحات الكلامية.
الأمر الثالث: أن لفظ «الجسم والتجسيم» من الألفاظ المجملة التي لا يجوز إثباتها لله تعالى ولا نفيها؛ لكونها تحتمل حقا وباطلا، كما سيأتي.
الأمر الرابع: أن كثيرا من أهل الأهواء والبدع لم يفهموا حيثيات مقالة «التجسيم»، ولم يدركوا أبعادها الكلامية لغة واصطلاحا مما جعلهم يقررون باطلا ويردون حقا. كما سيأتي.
الأمر الخامس: أن غالب أهل الأهواء والبدع لم يستأخروا في مناصبة العداء لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ما بين اتهام وبين افتراء، فمن ذلك اتهامهم: بأن ابن تيمية من القائلين «بالتجسيم»؛ حتى ذهب بعضهم إلى تكفيره ظلما وعدوانا، والله لا يحب الظالمين! قال تعالى: ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا﴾ [الأحزاب:58].
الأمر السادس: أنه لا يجوز تسمية الله تعالى بشيء من الألفاظ المجملة - كالجسم ونحوه -، كما لا يجوز شرعا استعمالها في تقرير عقائد أهل السنة والجماعة.
أما عند المناظرة والمجادلة والمحاججة: فيجوز استعمالها في حالتين:
الحالة الأولى: أن يستعملها أهل العلم عند المناظرة والمجادلة والمحاججة مع أهل الأهواء والبدع؛ لا سيما إذا كانت من المصطلحات التي يدور حولها الخلاف؛ فما كان معناه حقا قبلوا استعماله مجاراة منهم للاصطلاح الجاري بينهم وبين هل البالطل، وما كان باطلا ردوه مبنى ومعنى.
الحالة الثانية: أن يستعملها أهل العلم لكشف فسادها أو لبيان لوازمها الباطلة، وما سوى ذلك فلا يجوز استعمالها بحال؛ لا سيما عند تقريرات أصول أهل السنة.
قال ابن تيمية رحمه الله في «درء التعارض» (10/302): «والمقصود هنا: أن السائل إذا سأل عن الأمور الدينية بألفاظ ليست مأثورة عن الرسول في ذلك، مثل سؤاله بلفظ: الجهة، والحيز، والجسم، والجوهر، والمركب، والمنقسم، ونحو ذلك: نظرنا إلى معنى لفظه، فأثبتنا المعنى الذي أثبته الله، ونفينا المعنى الذي نفاه الله، ثم إن كان التعبير عن ذلك بعبارته سائغا في الشرع، وإلا عبر بعبارة تسوغ في الشرع، وإذا كانت عبارته تحتمل حقا وباطلا منع من إطلاقها نفيا وإثباتا».
وعليه؛ فلا يجوز اتهام القائل من أهل السنة بما اصطلح عليه مع المخالف عند الجدال والمناظرة، فهذا لون وذاك لون، فمن خلط بينهم فقد أفصح عن سوء مقصده!
وهذا المسلك الجدلي في تحريرات المصطلحات الكلامية: هو الذي سلكه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في أكثر مصنفاته مع المخالفين لأهل السنة؛ لذا فمن أراد أن يلزم ابن تيمية بشيء من اصطلاحات مباحث المناظرة والجدل دون اعتبار لمحكمات تقريراته لأصول السنة: فهو ضال مضل مفتر، ﴿والله عليم بالظالمين﴾ [التوبة:47].
* * *
وهذا الشروع في تحرير مسألة «التجسيم» من خلال أمور، كما يلي:
الأمر الأول: ذكر أول من قال بالتجسيم:
قال أبو الحسن الأشعري في «مقالات الإسلاميين» (1/165): «إن هشام بن الحكم هو في أول المجسمة».
وقال الفخر الرازي في «اعتقادات فرق المسلمين والمشركين» (63): «وكان بدو ظهور التشبيه في الإسلام من الروافض، مثل: بنان بن سمعان الذي كان يثبت لله تعالى الأعضاء والجوارح، وهشام بن الحكم، وهشام بن سالم الجواليقي، ويونس بن عبد الرحمن القمي، وأبي جعفر الأحول الذي كان يدعى شيطان الطاق، وهؤلاء رؤساء علماء الروافض».
وقال ابن تيمية في «منهاج السنة النبوية» (1/72): «وأول من عرف عنه في الإسلام أنه قال: إن الله جسم، هو هشام بن الحكم». انظر أيضا: «الفرق بين الفرق» (48)، و«التبصير في الدين» للإسفراييني (40).
الأمر الثاني: تعريف «الجسم» لغة واصطلاحا:
الجسم لغة: هو ما نص عليه الخليل الفراهيدي بقوله: «يجمع البدن وأعضاءه من الناس والإبل والدواب ونحوه مما عظم من الخلق الجسيم»، فيأتي الجسم في اللغة بمعنى البدن. انظر: «العين» (6/60)، و«لسان العرب» (12/99)، و«المحيط في اللغة» (2/92).
أما الجسم اصطلاحا: فقد اختلف أهل الكلام وغيرهم في تعريفه إلى أقوال كثيرة.
ومع هذا الاختلاف بينهم في تعريف الجسم اصطلاحا؛ إلا أن كلمتهم تجتمع على أن الجسم اصطلاحا: «هو المركب المتصف بالصفات»، مع اختلاف فيما بينهم في الصفات التي تؤدي إلى الجسمية؛ لأن إثبات الصفات عندهم يلزم منه التركيب، كما هي حجة المعتزلة في نفي الصفات.
يقول القاضي عبد الجبار في «شرح الأصول الخمسة» (217): «ومما يجب نفيه عن الله كونه جسما... فاعلم أن الجسم: هو ما يكون طويلا عريضا عميقا، ولا يحصل فيه الطول والعرض والعمق إلا إذا تركب من ثمانية أجزاء».
وهو كذلك عند الأشاعرة، فالجسم عندهم: «هو المؤلف المركب».
يقول الجويني في «الشامل في أصول الدين» (315): «اسم الجسم لا ينطلق إلا عند انضمام جوهر إلى جوهر».
وذكر الفخر الرازي في «المطالب العالية» (2/27) - عند إقامة الدلائل على أنه تعالى يمتنع أن يكون جسما -: «أن كل متحيز مركب».
والمتحيز عنده: هو جسم، كما قاله في «المطالب العالية» (2/32): «الحجة السادسة: لو كان متحيزا لكان جسما».
بل هذا المعنى عند الأشاعرة مقرر حتى في اللغة، كما يقول الباقلاني في «الإنصاف» (2): «فالجسم في اللغة: هو المؤلف المركب».
قلت: كل من تتبع معنى كلمة «الجسم» في كتب اللغة يجدها لا تتفق مع شيء مما ذكره أهل الكلام القائلين: بأن الجسم لغة بمعنى: المؤلف المركب!.
وهذا ما بينه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ حيث قال «شرح حديث النزول» (69): «ومعلوم أن هؤلاء كلهم ينازعون في ثلاث مقامات:
أحدها: أن تسمية ما يتصف بهذه الصفات بالجسم بدعة في الشرع واللغة، فلا أهل اللغة يسمون هذا جسما، بل الجسم عندهم هو البدن، كما نقله غير واحد من أئمة اللغة».
ثم قال مبينا خطأ المتكلمين (70): «وقد ادعى طوائف من أهل الكلام النفاة أن الجسم في اللغة: هو المؤلف المركب...
ثم قال: ولو سلم ذلك فقولهم: إن هذا جسم يطلقونه عند تزايد الأجزاء هو مبني على أن الأجسام مركبة من الجواهر المنفردة، وهذا لو قدر أنه صحيح فأهل اللغة لم يعتبروه، ولا قال أحد منهم ذلك» انتهى.
الأمر الثالث: موقف ابن تيمية من التجسيم:
قال ابن تيمية رحمه الله في «الجواب الصحيح» (4/432): «وأما الشرع فالرسل وأتباعهم الذين من أمة موسى وعيسى ومحمد لم يقولوا: إن الله جسم، ولا إنه ليس بجسم، ولا إنه جوهر، ولا إنه ليس بجوهر. لكن النزاع اللغوي والعقلي والشرعي في هذه الأسماء هو مما أحدث في الملل الثلاث بعد انقراض الصدر الأول من هؤلاء وهؤلاء وهؤلاء. والذي اتفقت عليه الرسل وأتباعهم ما جاء به القرآن والتوراة من أن الله موصوف بصفات الكمال، وأنه ليس كمثله شيء، فلا تمثل صفاته بصفات المخلوقين، مع إثبات ما أثبته لنفسه من الصفات، ولا يدخل في صفاته ما ليس منها، ويخرج منها ما هو داخل فيها».
وقال في «منهاج السنة النبوية» (2/224): «وأما القول الثالث: وهو القول الثابت عن أئمة السنة المحضة - كالإمام أحمد وذويه -، فلا يطلقون لفظ الجسم لا نفيا ولا إثباتا لوجهين:
أحدهما: أنه ليس مأثورا لا في كتاب ولا سنة، ولا أثر عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا غيرهم من أئمة المسلمين، فصار من البدع المذمومة.
الثاني: أن معناه يدخل فيه حق وباطل، فالذين أثبتوه أدخلوا فيه من النقص والتمثيل ما هو باطل، والذين نفوه أدخلوا فيه من التعطيل والتحريف ما هو باطل».
وقال في «درء التعارض» (10/306): «فإن أئمة السنة والحديث لم يختلفوا في شيء من أصول دينهم، ولهذا لم يقل أحد منهم: إن الله جسم، ولا قال: إن الله ليس بجسم، بل أنكروا النفي لما ابتدعته الجهمية من المعتزلة وغيرهم، وأنكروا ما نفته الجهمية من الصفات، مع إنكارهم على من شبه صفاته بصفات خلقه، مع أن إنكارهم كان على الجهمية المعطلة أعظم منه على المشبهة؛ لأن مرض التعطيل أعظم من مرض التشبيه».
وقال أيضا (10/311): «فإن قال القائل: الأجسام المتماثلة، فإذا قلنا: هو جسم، لزم أن يكون مثلا لغيره؛ بخلاف ما إذا قيل: حي وحي، وعليم وعليم، وقدير وقدير، فإذا هذا اتفاق في الصفات لا يقتضي التماثل في الذوات، فمن قال: هو جسم لا كالأجسام كان مشبها؛ بخلاف من قال: حي لا كالأحياء، وهذا السؤال يقوله من يقوله من أصحاب الأشعري ومن وافقهم من أصحاب مالك والشافعي وأحمد.
فيقال: إذا كان المخاطب لك ينفي أن يكون مماثلا لغيره وينفي التشبيه كما ننفيه، وأنت وهو قد تنازعتم في مسمى اسم من الأسماء: هل هو مماثل لغيره أو لا؟ كان ذلك نزاعا لفظيا ونزاعا عقليا، ليس ذلك نزاعا في أمر ديني، ولو تركوا الكلام في هذا لم يضر ذلك الدين شيئا، ويمكن كلا منهما أن يعبر مقصوده الديني بما لا نزاع فيه… فإن اللفظ إنما يكون البحث عن معناه من الدين الواجب إذا جاء في الكتاب والسنة وكلام أهل الإجماع، فإن معرفة مراد الله ومراد رسوله ومراد أهل الإجماع واجب؛ لأن قول الله ورسوله وقول أهل الإجماع قول معصوم عن الخطإ يجب اتباعه… ولفظ الجسم في حق الله وفي الأدلة الدالة عليه لم يرد في كتاب الله، ولا سنة رسوله، ولا كلام أحد من السلف والأئمة، فما منهم أحد قال: إن الله جسم، أو جوهر، أو ليس بجسم ولا جوهر، ولا قال: إنه لا يعرف إلا بطريقة الأجسام والأعراض، بل ولا استدل أحد منهم على معرفة الله بشيء من هذه الطرق: لا طريقة التركيب، ولا طريقة الأعراض والحوادث، ولا طريقة الاختصاص.
وإذا كان كذلك، فالمتنازعون في مسمى الجسم متنازعون في أمر ليس من الدين: لا من أحكامه، ولا دلائله، وهكذا نزاعهم في مسمى العرض، وأمثال ذلك، بخلاف نزاعهم في إثبات المعنى المراد بلفظ الجسم ونفيه؛ فإن هذا يتعلق بالدين، فما كان من الدين فقد بينه الله في كتابه وسنة رسوله، بخلاف ما لم يكن كذلك» انتهى.
* * *
ومن خلال ما ذكرناه آنفا؛ يظهر لنا أن لفظ «الجسم» لفظ مجمل، لكونه لم يرد في الكتاب والسنة، لذا فإن أهل السنة لم ينفوا لفظ «الجسم» مطلقا، بل تعاملوا معه كغيره من الألفاظ المجملة؛ حتى يستفصل في مراد المتكلم بها.
وقد تقرر في قاعدة الألفاظ المجملة: أعمال مسلك الاستفصال، فإن أراد المتكلم بها معنى حقا ثابتا في الكتاب والسنة قبلوا معناه الذي أراده لا لفظها، وإن أراد بها معنى باطلا ردوه لفظا ومعنى، وهذا ما أكده ابن تيمية في غير موضع من كتبه.
قال ابن تيمية رحمه الله في «منهاج السنة النبوية» (2/134): «وكذلك قوله: «ليس بجسم»، لفظ الجسم فيه إجمال»، ثم شرع يفصل المعاني الكثيرة للجسم؛ سواء في اللغة أو عند أهل الكلام، ويبين حكم كل معنى وكونه مقبولا أو لا.
وقال رحمه الله في «درء التعارض» (10/302): «وكذلك لفظ الجسم والجوهر والعرض والتحيز والانقسام والتركيب، معانيها في اصطلاح النظار غير معانيها في لغة العرب، لكن هذه الألفاظ لم تستعمل في القرآن في الأمور الإلهية، وكذلك غير طائفة من أهل الكلام والفلسفة لفظ التوحيد والإيمان والسنة والشريعة، ونحو ذلك من الألفاظ المستعملة في الأمور الإلهية.
والمقصود هنا: أن السائل إذا سأل عن الأمور الدينية بألفاظ ليست مأثورة عن الرسول في ذلك، مثل سؤاله بلفظ: الجهة، والحيز، والجسم، والجوهر، والمركب، والمنقسم، ونحو ذلك: نظرنا إلى معنى لفظه، فأثبتنا المعنى الذي أثبته الله، ونفينا المعنى الذي نفاه الله، ثم إن كان التعبير عن ذلك بعبارته سائغا في الشرع، وإلا عبر بعبارة تسوغ في الشرع، وإذا كانت عبارته تحتمل حقا وباطلا منع من إطلاقها نفيا وإثباتا».
وقال في «بيان تلبيس الجهمية» (3/136): «وكذلك لفظ التجسيم هو كلفظ التأليف والتركيب والتبعيض والتجزئة، من معناه ما هو متفق على نفيه بين المسلمين، ومنه ما هو متفق على نفيه بين علماء المسلمين من جميع الطوائف، إلا ما يحكى عن غلاة المجسمة من أنهم يمثلونه بالأجسام المخلوقة، وأما المعنى الخاص الذي يعنيه النفاة والمثبتة الذين يقولون: هو جسم لا كالأجسام، فهذا هو مورد النزاع بين أئمة أهل الكلام وغيرهم، وهو الذي يتناقض سائر الطوائف من نفاته لإثبات ما يستلزمه، كما يتناقض مثبتوه مع نفي لوازمه، ولهذا كان الذي عليه أئمة الإسلام أنهم لا يطلقون الألفاظ المبتدعة المتنازع فيها لا نفيا ولا إثباتا، إلا بعد الاستفسار والتفصيل، فيثبت ما أثبته الكتاب والسنة من المعاني، وينفى ما نفاه الكتاب والسنة من المعاني». انظر أيضا: «درء التعارض» (10/307)، (6/130)، و«التدمرية» (65)، و«مجموع الفتاوى» (5/ 298).
ثم ذكر ابن تيمية: أن السلف لم يثبتوا لفظ «الجسم»، ولم ينفوها، فقال رحمه الله في «الفتاوى الكبرى» (6/547): «الكلام في وصف الله بالجسم نفيا وإثباتا: بدعة، لم يقل أحد من سلف الأمة وأئمتها: إن الله ليس بجسم، كما لم يقولوا: إن الله جسم».
وقال في «بيان تلبيس الجهمية» (1/271): «وصنف يثبتون هذه الصفات، ولا يتعرضون للتركيب والتجسيم والتبعيض، ونحو ذلك من الألفاظ المبتدعة، لا بنفي ولا إثبات، لكن ينزهون الله عما نزه عنه نفسه، ويقولون: إنه أحد، صمد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد… وهذا القول هو الذي يؤثر عن سلف الأمة وأئمتها، وعليه أئمة الفقهاء وأئمة الحديث وأئمة الصوفية وأهل الاتباع المحض من الحنبلية على هذا القول، يحافظون على الألفاظ المأثورة، ولا يطلقون على الله نفيا وإثباتا، إلا ما جاء به الأثر وما كان في معناه».
ثم قال في «منهاج السنة النبوية» (2/105): «وأما من لا يطلق على الله اسم «الجسم»، كأئمة أهل الحديث والتفسير والتصوف والفقه، مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم، وشيوخ المسلمين المشهورين في الأمة ومن قبلهم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان: فهؤلاء ليس فيهم من يقول: إن الله جسم، وإن كان أيضا ليس من السلف والأئمة من قال: إن الله ليس بجسم، ولكن من نسب التجسيم إلى بعضهم فهو بحسب ما اعتقده من معنى الجسم ورآه لازما لغيره».
وهكذا لم يزل ابن تيمية رحمه الله في كل كتبه لم يزل يرد على كل من أثبت الجسم لله، حيث قال في «منهاج السنة النبوية» (2/501): «فيقال: الكلام على هذا من وجوه، أحدها: أن يقال: هذا اللفظ بعينه (أن الله جسم له طول وعرض وعمق) أول من عرف أنه قاله في الإسلام شيوخ الإمامية كهشام بن الحكم وهشام بن سالم… وهذا مما اتفق عليه نقل الناقلين للمقالات في الملل والنحل من جميع الطوائف… ونقل الناس عن الرافضة هذه المقالات وما هو أقبح منها، فنقلوا ما ذكره الأشعري وغيره في كتب المقالات عن بيان بن سمعان التميمي الذي تنتسب إليه البيانية من غالية الشيعة أنه كان يقول: إن الله على صورة الإنسان، وإنه يهلك كله إلا وجهه».
وقال في «الفتاوى الكبرى» (6/547): «ولا ريب أن من جعل الرب جسما من جنس المخلوقات: فهو من أعظم المبتدعة ضلالا، دع من يقول منهم: إنه لحم ودم، ونحو ذلك من الضلالات المنقولة عنهم».
وقال في «الجواب الصحيح» (4/431): «ومن قال من القائلين بأنه جسم فيقول: إنه مركب من الجواهر المنفردة، أو من المادة والصورة: فهؤلاء مذمومون لفظا ومعنى عند جماهير المسلمين وغيرهم». انظر أيضا: «بيان تلبيس الجهمية» (1/285).
وقال أيضا في «الجواب الصحيح» (4/451): «غلاة المجسمة الذين يكفرهم المسلمون أحسن حالا منكم شرعا وعقلا، وهم أقل مخالفة للشرع والعقل منكم».
ومن خلال ما ذكرناه آنفا، فقد تبين للجميع: أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من أبعد الناس وأشدهم تحذيرا من أن يوصف الله تعالى بالجسم أو بأنه غير جسم، بل لم يؤثر عنه شيء من هذا القبيل لا في كتبه ولا في فتاويه، ولا في شيء من مصنفاته، فتأمل!
بل نص على أن لفظة «الجسم» كغيرها من الألفاظ المجملة لا غير، كما نص على ذلك أئمة السلف، أي: أنها من الألفاظ التي لم ترد في الكتاب والسنة، والتي حقها الاستفصال في معناها لا في مبناها، كما مر معنا.
ثم اعلم: أن ما جاء ذكره عند ابن تيمية في بعض كتبه من مباحث الجسمية وذكر خلاف الناس فيها: فهو جار في سياقات الرد على أهل الكلام، أو عند إلزام نفاة الصفات الإلهية، فمحل المجادلة والمحاججة لون، ومحل التقرير لون آخر، فمن لم يفرق بينهما فهو أحد رجلين:
- إما جاهل، وهذا عذره ظاهر.
- وإما كذاب مبتدع يريد الاتهام والإساءة بأئمة أهل السنة؛ لا سيما بابن تيمية رحمه الله، كما هو ظاهر في أكثر كتب ومقالات أهل الأهواء والبدع: كالشيعة والأشعرية والصوفية والقبورية وغيرهم من أهل الضلال والفساد!
فمن تلك المحاججة والمجادلة في مباحث الجسمية ما قاله ابن تيمية رحمه الله في «درء التعارض» (6/317): «أن يقال: إذا كان فوق العرش فلا يخلو: إما أن يلزم أن يكون جسما أو لا يلزم، فإن لم يلزم بطل مذهب النفي؛ فإن مدار قولهم على أن العلو يستلزم أن يكون جسما، فإذا لم يلزم ذلك لم يكن في كونه على العرش محذور، وإن لزم أن يكون جسما فإن لازم هذا القول قدم ما يكون جسما.
وحينئذ فقول القائل: إن كان المكان موجودا كان جسما، ولزم قدم الأجسام لدوامه: لا يكون محذورا على هذا التقدير، ولا يصح الاستدلال على انتفاء المكان بهذا الاعتبار».
فابن تيمية رحمه الله يقول هنا للمخالف: أنا أثبت العلو وما ذكره الله ورسوله في الكتاب والسنة، وإثبات هذا: إما أن يلزم منه التجسيم أو لا يلزم منه، فإن كان لا يلزم: فقد بطل قولك في نفي العلو لأنك بنيته عليه، وإن كان يلزم التجسيم: فإنه ليست لك أدلة على إبطاله، وأدلتك العقلية على نفي العلو وإبطال التجسيم منفية مردود عليها، فقول المخالف مردود عليه على كل حال.
ومثل ذلك أيضا قوله في «درء التعارض» (1/248): «فيقال لهؤلاء: أنتم لم تنفوا ما نفيتموه بكتاب ولا سنة ولا إجماع، فإن هذه الألفاظ ليس لها وجود في النصوص، بل قولكم: لو رئي لكان في جهة، وما كان في جهة فهو جسم، وما كان جسما فهو محدث: كلام تدعون أنكم علمتم صحته بالعقل، حينئذ فتطالبون بالدلالة العقلية على هذا النفي، وينظر فيه بنفس العقل.
ومن عارضكم من المثبتة أهل الكلام من المرجئة وغيرهم كالكرامية والهشامية، وقال لكم: فليكن هذا لازما للرؤية، وليكن هو جسما، أو قال لكم: أنا أقول: إنه جسم، وناظركم على ذلك بالمعقول، وأثبته بالمعقول كما نفيتموه بالمعقول: لم يكن لكم أن تقولوا له: أنت مبتدع في إثبات الجسم، فإنه يقول لكم: وأنتم مبتدعون في نفيه، فالبدعة في نفيه كالبدعة في إثباته وإن لم تكن أعظم، بل النافي أحق بالبدعة من المثبت؛ لأن المثبت أثبت ما أثبتته النصوص، وذكر هذا معاضدة للنصوص، وتأييدا لها، وموافقة لها، وردا على من خالف موجبها، فإن قدر أنه ابتدع في ذلك كانت بدعته أخف من بدعة من نفى ذلك نفيا عارض به النصوص».
قلت: وعليه فكل من اتهم ابن تيمية رحمه الله بأنه يصف الله تعالى بالجسم: فهو إما جاهل مغفل، وإما كذاب أشر، بل منافق يريد النيل من إمام الدين والدنيا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، كل هذا منهم زعزعة لمكانة ابن تيمية رحمه الله في قلوب المسلمين، لكن الله يأبى ذلك والمسلمون، فهذا التاريخ شاهد منذ نبوغ ابن تيمية إلى وفاته وبعد مماته: بأن الله قد وضع له هذا القبول الذي لا نظير له في تاريخ الإسلام منذ نبغ إلى يومنا هذا.
ويدل على ذلك العداء الدفين: أن غالب مناقشات أهل الأهواء والبدع لهذه المسألة لم يكن دائرا حول تحقيقها تحقيقا علميا بعيدا عن شخص ابن تيمية رحمه الله، بل كان حول الوقيعة في ابن تيمية لا غير؛ حتى إذا ظنوا أنهم قد وجدوا طريقا للنيل من ابن تيمية قاموا - والحالة هذه - إلى نشر بدعهم وترويج شبههم بين عامة المسلمين، ثم بعدئذ كان من السهل عليهم تشكيك المسلمين في عقائد أئمة أهل السنة والجماعة، عياذا بالله!
فليت شعري! هل ظن أهل الأهواء والبدع بردهم على ابن تيمية في هذه المسألة - بحجة انتصارهم للحق -، أنهم قد أوصدوا باب البدع؟ أم أنهم نسوا أو تناسوا أنهم من أكثر الناس خلافا واختلافا؟ بل من أكثرهم مخالفة لأهل السنة في معظم أصول الدين والإيمان مما عليه أئمة أهل السنة والجماعة، فتأمل!
لذا كان واجبا على كل مسلم: أن يعلم أن طعن أهل الأهواء والبدع في ابن تيمية رحمه الله؛ سواء في منهجه أو عقديته أو اتهامه بالتجسيم أو بالنصب أو بالتكفير أو غيره: ليس مقصودا لذاته، ولا انتصارا لعقيدة أهل السنة والجماعة! بل مقصودهم من وراء ذلك: هو الطعن في عقيدة أهل السنة والجماعة، و الطعن في أئمة السلف قديما وحديثا، فتأمل!
* * *
خلاصة تحرير مقالة «التجسيم»:
أن مقالة «التجسيم» من الألفاظ المحدثة التي ابتدعها أهل الأهواء والبدع.
أن أول من قال بالتجسيم في الإسلام: هو هشام بن الحكم الرافضي.
أن أهل الأهواء والبدع أخطأوا في تقرير معنى «الجسم»، لغة واصطلاحا؛ حيث اتفقوا جميعا على أن معنى «الجسم» لغة واصطلاحا: «هو المركب المتصف بالصفات»، وهذا منهم مخالف لأهل اللغة في كتبهم.
أن لفظ «الجسم والتجسيم» من الألفاظ المجملة التي لا يجوز إثباتها لله تعالى ولا نفيها؛ لكونها تحتمل حقا وباطلا.
أن لفظ «الجسم» من الألفاظ التي اختلف الناس في إثباتها لله تعالى على أقوال ثلاثة:
القول الأول: الممثلة، وهم الذين يثبتون لفظ «الجسم» لله تعالى؛ باعتبار أن كل ذات موصوفة بصفات: فهي جسم، والأجسام عندهم متماثلة.
القول الثاني: المعطلة، وهم الذين ينفون لفظ «الجسم» عن الله تعالى؛ باعتبار أن كل ذات موصوفة فهي جسم، والأجسام عندهم متماثلة، والله تعالى لا مثيل له ولا شبيه، فعندها عطلوا الله تعالى من أسمائه وصفاته الحسنى بحجة تنزييه سبحانه عن التمثيل - زعموا! -.
القول الثالث: أهل السنة والجماعة: فهم لا يثبتون لفظ «الجسم» لله تعالى ولا ينفونه؛ بل يتوقفون في إطلاق لفظ «الجسم» إثباتا ونفيا.
أن لفظ «الجسم» من الألفاظ المجملة، فهو ليس مأثورا لا في كتاب ولا سنة، ولا أثر عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا غيرهم من أئمة المسلمين، فصار من البدع المذمومة.
لفظ «الجسم» كغيره من الألفاظ المجملة: فإن معناه يدخل فيه حق وباطل، فالذين أثبتوه: أدخلوا فيه من النقص والتمثيل ما هو باطل، والذين نفوه: أدخلوا فيه من التعطيل والتحريف ما هو باطل؛ لذا فلا يجوز نفيه ولا إثباته إلا بعد الاستفصال في مراد المتكلم به.
أنه لا يجوز شرعا استعمال شيء من الألفاظ المجملة في تقرير عقائد أهل السنة والجماعة؛ إلا عند المناظرة والمجادلة والمحاججة مع المخالفين لأهل السنة.
أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كغيره من أئمة السلف: لا يثبتون الألفاظ المجملة ولا ينفونها؛ بل يستفصلوا في معناها، كما مر بيانه.
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله الأمين.

وكتبه
ذياب بن سعد آل حمدان الغامدي
في صباح يوم الأربعاء الموافق (28/ربيع الثاني/1444)