تهذيب الأخلاق









كتبه/ ياسر عبد التواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد كان من دعاء الرسول -صلى الله عليه وسلم- سؤال الله الهداية إلى محاسن الأخلاق، وأن يبعده عن مذمومها، كما روي مسلم في صحيحه عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال: (وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا إِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، وَاهْدِنِي لأَحْسَنِ الأَخْلاَقِ لاَ يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إِلاَّ أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لاَ يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلاَّ أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ)، وأخرجه الدارقطني وقال في آخره: "بلغنا عن النضر بن شميل وكان من العلماء باللغة وغيرها قال: معنى قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ): الشر ليس مما يُتقرب به إليك".

وقد دل هذا الحديث -على أن الأخلاق نوعان-:

أخلاق حسنة، وهي: الأخلاق الفاضلة.

وأخلاق سيئة، وهي: الأخلاق المذمومة.

وقد ذكر ابن القيم -رحمه الله- أن أصل الأخلاق المذمومة كلها: الكبر، والمهانة، والدناءة، وأصل الأخلاق المحمودة كلها: الخشوع، وعلو الهمة.

تعريف الأخلاق:

- الخلق صفة مستقرة في النفس فطرية أو مكتسبة ذات آثار في السلوك محمودة أو مذمومة.

- والخلق منه ما هو محمود ومنه ما هو مذموم، والإسلام يدعو إلى محمود الأخلاق وينهى عن مذمومها.

جاء الإسلام بمكارم الأخلاق، وبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليتممها؛ وما ترك الإسلام خلقا حسنا إلا ودعا إليه، ولا خلقًا سيئًا إلا ونفر منه وذمه، وفي تلك العجالة نلفت نظرك أخي القارئ إلى أهمية ذلك الموضوع في شرع الله -تعالى- عسى أن يدفعك ذلك إلى العمل والالتزام؛ عسى أن يكون ذلك دافعًا للتخلق بها والابتعاد عن غيرها، وفقنا الله -تعالى- وإياك لما يحبه ويرضاه.

الأمر بحسن الخلق:

قرن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين الأمر بتقوى الله وعبادته، وحسن الخلق؛ فقد روى الترمذي عن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني).

وعن عائشة -رضي الله عنها قالت: كَانَ مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: (اللهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِي فَأَحْسِنْ خُلُقِي) (رواه أحمد والبيهقي، وصححه الألباني).

وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلاَقًا) (متفق عليه).

وتعوذ الرسول -صلى الله عليه وسلم- من سوء الخلق، فأخرج أبو داود والنسائي عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يدعو: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الأَخْلاقِ وَالأَعْمَالِ وَالأَهْوَاءِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

درجة صاحب الأخلاق الحسنة:

للخلق الحسن درجات عالية يوم القيامة لا يبلغها إلا من حصل ما حصلوا من الخير وزاد عليه؛ قال -تعالى-: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران:133-134).

فمن مجال المسابقة والمسارعة بين المؤمنين حسن الخلق، وعن أبي الدرداء -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، وعنه قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (مَا مِنْ شَيْءٍ يُوضَعُ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ وَإِنَّ صَاحِبَ حُسْنِ الْخُلُقِ لَيَبْلُغُ بِهِ دَرَجَةَ صَاحِبِ الصَّوْمِ وَالصَّلاةِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ؟ فَقَالَ: (تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ). وَسُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ؟ فَقَالَ: (الْفَمُ وَالْفَرْجُ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).

وعن جابر -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلاقًا وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّق ُونَ وَالْمُتَفَيْهِ قُونَ). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّق ُونَ فَمَا الْمُتَفَيْهِقُ ونَ؟ قَالَ: (الْمُتَكَبِّرُو نَ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

وأخرج أحمد في الزهد عن أم الدرداء -رضي الله عنها- قالت: بات أبو الدرداء -رضي الله عنه- ليلة يصلي، فجعل يبكي ويقول: اللهم أحسنت خلقي فأحسن خلقي.. حتى إذا أصبح. فقلت: "يا أبا الدرداء أما كان دعاؤك منذ الليلة إلا في حسن الخلق؟!"، فقال: "يا أم الدرداء إن العبد المسلم يحسن خلقه حتى يدخله حسن خلقه الجنة، ويسوء خلقه حتى يدخله سوء خلقه النار".

وصف حسن الخلق:

تنوع وصف حسن الخلق مما ورد عن السلف الصالح، وهذا التنوع يثري الراغب في التعرف على سمات صاحب الخلق الحسن، عن علي -رضي الله عنه- قال: "حسن الخلق في ثلاث: اجتناب المحارم، وطلب الحلال، والتوسعة على العيال".

وعن عبد الله بن المبارك -رحمه الله- أنه وصف حسن الخلق فقال: "هو بسط الوجه، وبذل المعروف، وكف الأذى".

وقال الواسطي: "هو ألا يخاصم ولا يخاصم من شدة معرفته بالله -تعالى-؛ ويرضي الخلق في السراء والضراء".

وعن سهل التستري قال: "أدناه الاحتمال وترك المكافأة -أي في الشر-، والرحمة للظالم والشفقة عليه".

وقال بعضهم: أن يكون من الناس قريبًا وفيما بينهم غريبًا".

وقال غيره: "معرفة الجميل وفعله عند القدرة عليه، ومعرفة القبيح وتركه".

أمهات الأخلاق:

قال الغزالي ما مفاده: "وأمهات الأخلاق أربعة: الحكمة والشجاعة والعفة والعدل؛ فالحكمة يكون منها حسن التدبير وجودة الذهن وقوة العلم وثقابة الرأي، والخروج عن حدها الشرعي من جهة الإفراط: يكون بالمكر والخداع والدهاء، ومن جهة التفريط في الحكمة يكون: الحمق والغفلة.

والشجاعة، ومنها: الكرم، والنجدة، والشهامة، وكسر النفس، والاحتمال، والحلم، والثبات، وكظم الغيظ، والوقار، والتودد، والخروج عن حدها الشرعي بالإفراط يكون التهور، ومنه: الصلف، والبذخ، والاستشاطة، والتكبر، والعجب.

ومن جهة التفريط: تأتي أخلاق المهانة، والمذلة، والجزع، والخسة، وصغر النفوس ودناءتها، والجبن عن قول الحق ونصرته.

وأما خلق العفة فمنه: السخاء، والحياء، والصبر، والمسامحة، والقناعة، والورع، واللطف، والمساعدة، وخروجها عن الحد الشرعي يتولد منه في الإفراط: الإسراف، أو التبذير، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ومن جهة التفريط في خلق العفة يكون: الحرص، والشره، والعبث، والمجون، والحسد، والتذلل للأغنياء، واحتقار الفقراء.

وأما العدل: فبه قامت السماوات والأرض، وقد دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأن يرزقه الله كلمة الحق في الغضب والرضا؛ فمن ثمراته أن يعطي كل ذي حق حقه، فيرضي عنه الله -تعالى- ويحبه الناس، والتفريط فيه يورث الظلم، وأذى الناس، وضياع الحقوق، وشهادة الزور، واختلاط الأنساب".

قابلية الأخلاق للتغيير:

لقد بيَّن الشرع الحكيم أن الإنسان يمكنه أن يُنجي نفسه بتزكيتها، أو يهلكها بتركها تتردى في مهاوي الضلال؛ قال -تعالى-: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (الشمس:9-10)، وقال: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى . فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) (النازعات:40-41).

والأخلاق الحسنة هي من زكاة النفس، فلابد لك من تحصيلها، والسعي في اكتسابها، فالأخلاق تُكتسب، ويستطيع الإنسان أن يروِّض نفسه؛ ليدفعها إلى محاسن الأخلاق وليصرف عن نفسه سيئها، وإلا فلا فائدة من الوصايا والمواعظ والإرشاد في الشرع؟! ولئن كان الإنسان يستطيع ترييض الحيوانات العجماء، بل ربما استأنس الوحشي منها؛ فإن نفسه التي بين جنبيه أولى منه وأيسر عليه.

فاستعن بالله -تعالى- واطلب تغيير ما تراه في نفسك من أخلاق مذمومة.

والأخلاق إما أن تكون فطرية، وإما أن تكون مكتسبة:

فالفطرية: جُبِل الإنسان عليها، وهي من جملة رزق الله لك إن كانت حسنة، أو ابتلاء الله -تعالى- واختياره إن كانت سيئة، وقد مدح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أشج عبد القيس المنذر بن عائذ -رضي الله عنه- قائلاً: (إِنَّ فِيكَ خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ: الْحِلْمُ وَالأَنَاةُ)، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَتَخَلَّقُ بِهِمَا أَمِ اللَّهُ جَبَلَنِي عَلَيْهِمَا؟ قَالَ: (بَلِ اللَّهُ جَبَلَكَ عَلَيْهِمَا)، قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ. (رواه أبو داود، وصححه الألباني، وأخرجه مسلم بنحوه).

أما المكتسبة: فتكون بسبب اختلاطك ببعض من يتصف بتلك الصفات، ومثال ذلك: الحلم والغضب قد يكونان ناشئين عن عوامل وراثية، أو يكتسبهما من البيئة المحيطة من أصدقاء وتجارب، وغير ذلك.

ولكن لابد لاكتساب الأخلاق من وجود الاستعداد الفطري لاكتسابها، وشأن الأخلاق في هذا كشأن المهارات الحركية والعضلية؛ فالعضو الذي لديه استعداد وقابلية فطرية لاكتساب مهارة من المهارات يمكن أن يغدو بالتدريب والتعليم مكتسبًا لهذه المهارة، بعكس العضو الذي ليس لديه قابلية فطرية لاكتساب مهارة من المهارات؛ فهذا يتعذر تدريبه وتعليمه، وكذلك اكتساب الأخلاق.

والأخلاق الفطرية قابلة للتنمية والتوجيه والتعديل؛ لأن وجود الخلق بصفة فطرية يدل على وجود الاستعداد الفطري لتقويمه وتعديله وتهذيبه بالتدريب وتكرر الخبرات، وتشهد لهذه القابلية التجارب التربوية على الإنسان والملاحظات المتكررة على أفراد الناس من مختلف البيئات الإنسانية.

قال ابن حبان -رحمه الله-: "الحلم منه ما يكون سجية وطبعًا، ومنه: ما يكون تجربة وتكلفًا، ومنه: ما يكون مركبًا منهما معًا. وأول الحلم: المعرفة، ثم التثبت، ثم العزم، ثم التصبر، ثم الصبر، ثم الرضا، ثم الصمت والإغفاء، وما الفضل إلا للمحسن لمن أساء؛ فأما من أحسن إلى المحسن وحَلُمَ عمن لم يؤذه؛ فليس ذلك بحلم ولا إحسان".

وسائل اكتساب الأخلاق الصالحة:

1- التدريب العملي والرياضة النفسية.

2- الغمس في البيئات الصالحة.

3- القدوة الحسنة.

4- الضغط الاجتماعي من قبل المجتمع المسلم.

5- سلطان الدولة الإسلامية من خلال النظم والقوانين ونظام التعليم، وغير ذلك.

فأيًا كانت طرق اكتسابك للخلق المذموم فيمكنك تغييره بعدة أسباب:

1- تستعين أولاً بربك وتدعوه مخلصًا؛ ليهديك لأحسن الأخلاق، وليصرف عنك سيئها، كما مر بنا من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهذا من أهم العلاجات؛ إذ تستعين بالله فيعينك، وهو -سبحانه وتعالى- عليم بك وأرحم بك من نفسك؛ فلا تُغفِل دعاءه، تقول: "يا رب إن بي بخلاً، أو لساني يسارع في الأذى، أو.. فعافني يا رب، وأذهب عني ذلك البلاء".

2- أن تترك الخُلطة بأصحاب الأخلاق الفاسدة الذي يشجعونك على أفعال السوء، واستبدل أصحاب القلوب الطيبة والأخلاق الكريمة بهم، فالإنسان يميل إلى التقليد دومًا، فمن جالس أهل الكرم اعتاد الكرم، ومن صاحب أهل الظلم هان عليه إيذاء الناس، وهكذا.

3- أن تستضيء بنور العلم الشرعي فيما يتعلق بالخلق الذي هو فيك، فانظر إلى توجيهات الشرع لك فيه.

4- انظر إلى الأمثلة العظيمة التي ساقها الإسلام للأخلاق الحسنة أو الذامة للأخلاق السيئة، وكيف كان حال السلف معها، وكيف كانت أخلاقهم.

ويمكنك عمومًا الرجوع إلى كتب سيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وسير الصالحين من الصحابة والعلماء؛ لتكتسب من خلال القراءة الصفات الطيبة لهؤلاء الكرام التي تطرد عنك تلقائيًا ما خالفها من المذمومات، وكمثال على ذلك كتاب "صفة الصفوة" للإمام ابن الجوزي -رحمه الله-.

5- أن تتكلف الخلق الحسن حتى يصير طبعًا، ومثال ذلك: من يكثر مِن كلام فيما لا يعنيه يحرص على تكلف الصمت، ويحاسب نفسه على ذلك حتى يعتاد اختيار الألفاظ، وقد كان بعض السلف يضع حصاة في فمه؛ ليصعب عليه الكلام، وكان عمر -رضي الله عنه- يؤنب نفسه على المنبر ليؤدبها.

وقال رجل لعمر بن عبد العزيز: "متى أتكلم؟"،قال: "إذا اشتهيت الصمت"،قال: "ومتى أصمت؟"،قال: "إذا اشتهيت الكلام".

6- التذكير بالآخرة وما أعده الله -تعالى- لأهل الخير من نعيم وما أعده -عز وجل- لأهل الفساد والزيغ يُرغِّب دومًا في فعل الخيرات وترك المنكرات، قال -تعالى-: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ . الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ . وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (آل عمران:133-135).

قال علي -رضي الله عنه-: "من اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات في الدنيا".

وكان مالك بن دينار يقول لنفسه: "اصبري، فوالله ما أمنعك إلا من كرامتك عليَّ".

كيف تعرف عيوب نفسك؟

1- باطلاعك على حال السلف ومقارنة نفسك بهم، والنظر في حال كرام الناس أيضًا من الذين تعاشرهم ينبيك بما في نفسك من عيوب.

2- أن تطلب من صديق صدوق عالم ديِّن أن يبصرك بعيوبك، وأن ينصحك فيها؛ فخير الأصحاب خيرهم لصاحبه، وابتعد عمن يداهنك فيخفي عليك عيوبك، وكذا ابتعد عن الحسود؛ فإنه يزعم لك عيوبًا ليست فيك.

وكان عمر -رضي الله عنه- يقول: "رحم الله امرأً أهدى إليَّ عيوبي"، وكان يسأل سلمان: "ما الذي بلغك عني مما تكره؟"، فقال: "بلغني أنك جمعت بين إدامين على مائدة"، وكان يسأل حذيفة: أسماه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المنافقين؟!

وقيل لداود الطائي: "لم لا تخالط الناس؟"، قال: "وماذا أصنع بأقوام يخفون عني عيوبي؟".

3- أن تطلع على مذمات أعدائك لك؛ فإن فيها من الصحة جانبًا، فالبصير لا يترك الانتفاع من قول حاسديه، ولا يترك الحذر من مدح محبيه، قال علي -رضي الله عنه-: "المغرور والله مَن غررتموه؛ فلا يغرك المدح فتتراخى".

وقال عبد الله بن جعفر -رضي الله عنهما-:

فـلست بـراءٍ عـيـب ذي الود كـلهولا بـعـض مـا فيه إذا كنت راضيا

وعين الرضا عن كل عيب كليلةولكن عين السخط تبدي المساويا

ومعنى البيتين: "أنك لا ترى عيوب من تحب كلها أو بعضها؛ لأنك تنظر بعين محب يتجاوز عن كل إساءة".

وقال آخر:

وكذبت طرفي فيك والطرف صادق وأسمعت أذني فيك ما ليس تسمع

فلعل انتفاعك مما يذمك به منتقدوك يعطيك درسًا تستفيد به في تصحيح أخطائك وتهذيب نفسك، وأنت عليم بأن قول الأعداء يكون مبالغًا فيه؛ يدفعهم إلى ذلك الرغبة في التشفي، فانبذ الزيادة ولا تجعلها تحبطك، وانتفع بالأصل ينقلب السحر على الساحر.


4- انظر في حال المذمومين والجاهلين وإلى عاقبتهم في الدنيا والآخرة ترتدع -إن كنت ذا عقل- من أن تتشبه بهم؛ فلتتفقد نفسك ولتطهرها من الأخلاق المشابهة؛ لئلا تقع في الذم مثلما وقعوا.

قيل لعيسى -عليه السلام-: "من أدبك؟"، قال: "رأيت جهل الجاهل شينًا فاجتنبته".

أعاننا الله -تعالى- وإياكم على ما يحبه ويرضاه.