السلام عليكم،


لِنَكُنْ عَمَلِيِيِن!

د.أ. يزيد حمزاوي رحمه الله *
جامعة البليدة 2 سابقا - الجزائر


حِرفة التنظير والكلام والنقد... لا أحد في العالم لا يحسنها، أما العمل فما من أحد إلا ويجد لنفسه الأعذار ليفر منه فراره من الكوليرا، إلا من رحم الله وأنعم عليه من النبيين والمرسَلين ومن تبعهم بإحسان واقتدى بهم على مرّ الأزمان.
ومِن بعض أتباع أولئك الصالحين هؤلاء الشباب المنتمون للصحوة الغيورون على دعوة التوحيد، الذين يدورون ويدورون ـ وللأسف ـ بين التنظير والكلام والردود على المسلمين العاملين، بعيدا عن الانجازات الفعلية المحسوسة والإجراءات التطبيقية الملموسة... والذي يسأم منهم من ذلك، ولا يريد البقاء مكتوف الأيدي، ينزلق في جرف الغلو فيتلف نفسه بعد إتلاف غيره، وكم من هؤلاء! من يغار على دينه ويتحمس للتغيير بدل التنظير، بلا بوصلة توجهه أو منارة تهديه، فيودي به حماسه إلى أحضان المنحرفين المخربين المفجرين.. الذين تتحكم بهم شبكات المتآمرين، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، وهؤلاء هم بحاجة إلى العالم والداعية والشيخ الذي يأخذ بيدهم إلى الطريق السليم الوسطي النافع لدينهم ووطنهم....، وثمة نوع آخر من الشباب ينشغل بنقد الآخرين والتنقيص من جهودهم وإن كانت جبّارة، وبعضهم يدخل في حلقة مفرغة من الرد على أهل الرد الأول، فيهمل نفسه ويضيع عمره ويستنفذ طاقته فيما لا طائل منه، وربما وقع بلا شعور فيما تنهى عنه الملة وفيما ينقمه هو منهم.
لِنَكُنْ عَمَلِيِيِن، فالأصل أن يترك الملتزمُ واجب النصح للدعاة المتمرسين والمشايخ العارفين بخبايا الزوايا، أمّا هو فلينطلق، بعد طلب العلم وأداء فروض العين، في العمل الخيري والدعوي والميداني... اللهَ! اللهَ! في الأيتام والأرامل والمطلقات والعجزة والمعاقين والمرضى والفقراء والأميين والجهلة، وبناء دور الرعاية والمساجد وحفر الآبار وتشييد معاهد تحفيظ القرآن وطباعة الكتب، ونشر المطويات والأقراص وتوزيع المصاحف وبث العلم الديني والدنيوي.. وأبواب الخير كثيرة وسبل الإصلاح متنوعة لا تُعد ولا تُحصى.
لِنَكُنْ عَمَلِيِيِن، فإن من دورنا اليوم دعم الجمعيات السُنية والهيئات النظيفة غير المشبوهة، والمشاركة في بعض المؤسسات التي وجدنا أنفسنا مع الوقت خارجها، وبيدها كثير من مفاتيح التغيير والتأثير والتي يمكن ـ على الأقل ـ أن نخفف من خلالها الضرر على الأمة، ولا أقصد هنا بالضرورة المؤسسات السياسية فالمفهوم أشمل وأوسع، فمنها الدينية والتربوية والثقافية والإعلامية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية...
لِنَكُنْ عَمَلِيِيِن، أيها الشباب الملتزم! خذوا العلم عن أصحابه لا عن المدّعين ثم اكتسحوا حقول العمل، استشيروا واعزموا وتوكلوا على الله، كونوا مبدعين مبتكرين مجددين لا تقليديين، نريد أفكارا جديدة قابلة للتطبيق ومشاريع لا تستعصي على التنفيذ، لا نبغي منافسين لأفلاطون وأرسطو وسقراط في السفسطة والفلسفة والهرطقة... كان الشيخ عبد الرحمان السميط ـ رحمه الله ـ طبيبا كويتيا أسلم على يديه 7 ملايين إفريقي... كان عمليا فأثمرت دعوته في كل بقاع القارة السمراء، فما أعظم الربح! وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
لِنَكُنْ عَمَلِيِيِن، أيها الملتزم! لا ترفع سقف التوقعات والطموحات إلى حدٍّ لا يمكن إدراكه، اختر من الأعمال ما يمكن المداومة عليه وتحقيقه، وأحبها إلى الله أدومها وإن قلّ، كما قال الحبيب ـ صلى الله عليه وسلم ـ، واستعن على الخير بأعوان من أمثالك، من المحبين للكد والجهد الفعّالين فيه، من أصحاب الهمة العالية، وطريق الدعوة محفوف بالمشاق يخففه الرفاق.
لِنَكُنْ عَمَلِيِيِن، فيا أصحاب الأموال! من أهل السنة تحركوا في تمويل المشاريع الدقيقة والضخمة، وأطلقوا سراح دنانيركم ودراهمكم من محابسها فيما ينفع البلاد والعباد وقبل ذلك دينكم الإسلام، ولا تبخلوا على الدعاة العاملين الذين يحملون الدعوة، لا المتكسبين الذين تحملهم الدعوة.
لِنَكُنْ عَمَلِيِيِن، لا أرباب ثرثرة على نهر دجلة في حين مغول العصر يعيثون بالبلاد الإسلامية الفساد، وتتر القرن الواحد والعشرين يجتثون بنيان الأمة من أصوله، ونحن مكبلون بلغو الكلام وفضول الحديث والردود على بعضنا والاتكال على غيرنا، وبعد الخراب نَنْدب الخدود ونبكي على اللبن المسكوب.....
لِنَكُنْ عَمَلِيِيِن، لا جالسين متفرجين متواكلين.. ننتظر من العالم أو الشيخ إلى جانب مهمته التعليمية ووظيفته الدعوية، التي لا يكفيه وقته وجهده لأداء أقلها، أن يبني المساجد ويؤسس الجمعيات ويراجع الإدارات ويتابع الملفات ويشرف على إطعام المساكين ويوزع الكتيبات في الطرقات ويطبخ للأيتام في المخيمات ويزور المرضى في المستشفيات وينظف سجاد المصلى ويغسل الموتى ويرقي الممسوسين والمسحورين ويعقد بين المتزوجين ويصلح بين المطلقين.... ومن هذا الجهاد الكبير إلى جهاد أكبر منه في أسرته.. زوجة لا ترحمُه بمطالبها وأولاد لا يعرفون سقفا لحاجاتهم!!
لِنَكُنْ عَمَلِيِيِن، فإن عدد أفراد الأمة يقترب من المليار الثاني، ومنهم ملايين من الملتزمين الذين تنقصهم الفعّالية، كثيرون يعيشون في عزلة سلبية عن قضايا الأمة الكبرى والصغرى، تائهون حائرون لا يدرون من أين يبدأون، رغم أن العديد من الميادين مفتوحة أمامهم، حتى وإن كان ثمة عقبات هنا أو هناك.. ومن يظن أن الدعوة الإسلامية جلسة على مصيف من خمسة نجوم! فليختر لنفسه دينا بديلا أو إيديولوجيا أخرى، واللذة كل اللذة في تلك العقبات التي تشعرك أنك من أولياء الله الذين تشَرّفوا بالابتلاء والمقاساة في سبيل الله منذ فجر التاريخ.
لِنَكُنْ عَمَلِيِيِن، ولا نأبه لكل أفّاق يلمزنا أو يشتهي نشر أخطائنا في الآفاق، ليس لواجب النصح ولكن لمرض في القلب واضطراب في العقل أو حتى عمالة للعدو، عمدا أو غفلة منه... ولو تُشترط العصمة والكمال لنصبح عمليين ما كان أحد منا يجرأ على تحريك أصبعه، لأننا جميعا من الذين قال عنهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (كل بني آدم خطاء وخير الخطّائين التوابون)، وعلى رأسهم أولئك الخطاة الذين نصَّبوا أنفسهم جلادين وقضاة.
وهَبْ أننا نخطئ.. فهذا مؤشر صحة وسلامة، فالذي لا يخطئ هو من لا يعمل، أما نحن فواجبنا العمل على منهج الله... نُكمل المشوار.. نتواضع ولا تأخذنا العزة بأخطائنا.. نصحح المسيرة بينما القافلة تخطو إلى الأمام ترعاها عين المولى...، شيئا فشيئا نؤدي الذي علينا، فنكون أحسن خلف لأحسن سلف، ولو كان سلفنا الصالح، الذي نزعم الانتماء إليه، ثرثارا على منهج الرد والرد المعاكس، ومُنظّرا استراتيجيا لا يَكَلُ من تعقُب أقوال وأفعال الآخرين والتعقِيب عليها، لكان الإسلام قد لفظ أنفاسه الأخيرة في دار الأرقم بن أبي الأرقم أو حتى في غار حراء . اهـ.

* رحمه الله برحمته الواسعة توفي في 24 يونيو 2021م.