فن الدعوة.. من أين نبدأ


عبير النحاس




عرفتها إنسانة عادية تضع غطاء الرأس دون تبرُّج، وتصلي فرضها, وقد كان هذا مما ورثته عن عائلتها كتقليد وواقع اعتادته وألفته, وبعد أن كبرت ابنتها وجدت فسحة من حرية سمحت لها بالخروج من المنزل لحضور دروس الدين في المساجد بعد أن أوكلت مهمة الصغار لأختهم, وهناك ارتدت النقاب ولبست حجابا غريبا لم أعرف له اسما إلا أنه كان يشبه الملاءات التي ارتدتها الجدات, وهو قريب مما تلبسه النساء في مسلسل باب الحارة ومما لم يعد له وجود في مجتمعاتنا، وقد استبدلته النساء بما يعرف بالعباءة الخليجية أو المعطف (المانطو).


في البداية استغربت هذه النقلة، وكنت أتعجب لسرعة ارتدائها للنقاب والقفازات رغم علمي بضحالة ما لديها من علوم شرعية, ولكنني كنت أدرك أن الفطرة السليمة هي ما يدفعنا نحن النساء للستر وتسعدنا به, وقد فرحت بنقلة رفيقتي وسعدت بها رغم دهشتي من تصرفاتها.

فقد رأيتها تستوقف الفتيات تارة في الشوارع وتقدم لهن نصائحها للستر، وكان صوتها بطبيعته مرتفعا ونبرتها متشنجة, وكانت تقضي وقتها في الدروس وفي العبادات داخل المنزل بعد أن أوكلت مهام أعمالها المنزلية لابنتها الكبيرة أيضا.

قضت صاحبتنا الكثير من الأوقات في الدروس والتنقل بين المساجد، ونسيت في منزلها ابنتها الكبرى التي أقامت علاقة مع شاب وتواعدا على الزواج، وقد اكتشفتُ يومها الأمر بنفسي وأخبرتها به خوفا على الصبية, فاحتارت في اتخاذ التدابير لمنع تلك العلاقة ولكن هيهات أن يتم هذا وهي خارج المنزل, ثم ترك ابنها الدراسة والتحق بالعمل في محل لبيع الملابس بعد أن غيَّر مهنته أكثر من مرة، ورأيته يوما بملابس تساير موضة هي من غرائب الزمان، ولا زالت تلك البكلة الذهبية التي زين بها حزامه تلمع أمامي بحجمها الخيالي، وتتراءى لي خصلات شعره المصففة بتصنع واضح. أما صغارها فقد تراجع مستواهم الدراسي، وكانت مشاكلهم معها لا تنتهي، ودعواتها عليهم ترافقهم مثل زخات المطر الشتوية.

وكانت أخر أخبارها أنها اعتمدت على مبدأ رشوة طبيب الصحة المدرسية بمبلغ معين مقابل إجازات صحية يمنحها إياها بشكل مستمر لأنها لم تعد قادرة على العمل في المدرسة.

قد يقال إن قصة صاحبتي هي طفرة، وإن غالبية الداعيات يمتلكن قدرا من العلم وأسلوبا حسنا في الدعوة, وهذا قد يكون صحيحا، ولكن مأخذا يأخذه الجميع على الكثير من الداعيات وهو تركهن لمسؤولياتهن الأسرية مقابل خروجهن من منازلهن في سبيل الدعوة، وهو خطأ تدركه كل صاحبة فطرة سليمة.

فالدعوة أمر يقع على عاتق الجميع كل بقدره، وهو فرض على الأم والأب بالنسبة لأولادهم، ولكنه فرض كفاية لأولاد الغير، وهذا ما لا تدركه الكثيرات, فلو اعتنت كل مسلمة بدعوة أبنائها وتعلمت معهم علوم الشرع وطبقته لما بقي على الدعاة من جهد خارجي كبير, وقد نجد أن ما يتشربه الصغير منذ نعومة أظفاره من والديه قولا وعملا وقدوة حسنة هو أساس متين لخلق قويم وسلوك سليم فيما بعد.

ولا أنكر أننا قد نجد تفاوتا بين أولادنا في تدينهم، ولكننا ندرك جيدا أن من نقصت لديه التقوى هو من نقص حظه من تربيتنا وجهدنا وتعليمنا له واهتمامنا به، وهذه قاعدة يعترف بها الجميع دون استثناء.
فما بالنا لو أن كل والدة أنتجت لنا علماء ودعاة ومتدينين, ولو أن كل عائلة من المسلمين نعمت بالسكينة والاستقرار والسرور عندما يتعامل أفرادها في ما بينهم بما يرضي الله, بل وعاملوا جيرانهم وأقرباءهم وزملاءهم ومن يعاشرون بالإحسان, متأكدة أننا سنعيش وقتها في الجنة, وأننا سنجد وقتا كافيا لدعوة غير المسلمين, بل ولتحقيق النهضة التي سيكون من جندها عدد لا يحصى من مسلمين تلقوا الدعوة في بيوتهم ومن أيد ناصحة أمينة مشفقة.