تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


صفحة 3 من 3 الأولىالأولى 123
النتائج 41 إلى 53 من 53

الموضوع: فوائد من شرح رسالة العبودية لابن تيمية ... من شرح الشيخ يوسف الغفيص

  1. #41
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الدولة
    المملكة العربية السعودية
    المشاركات
    2,542

    افتراضي رد: فوائد من شرح رسالة العبودية لابن تيمية ... من شرح الشيخ يوسف الغفيص

    (40)

    قال الشيخ رحمه الله :

    ( وَلها أصلان:

    أَحدهمَا أَن لَا يعبد إِلَّا الله.

    وَالثَّانِي أَلا يعبده إِلَّا بِمَا أَمر وَشرع لَا يعبده بِغَيْر ذَلِك من الْأَهْوَاء والظنون والبدع )

    -------------------

    الشرح :

    -أي العبادة أو العبودية لها أصلان شريفان :

    الأصل الأول : (أَن لَا يعبد إِلَّا الله ) وهو الإخلاص .

    الأصل الثاني : أن يعبد الله سبحانه وتعالى بما شرع ( لا بغير ذَلِك من الْأَهْوَاء ) فكل ما يقابل ما شرع الله فهو بدعة

    كل ما يقابل المشروع فهو المبتدع والمحدث في الدين .

    -لكن المشروع منه ما يكون محكماً في مشروعيته ومنه ما يدخله مادة من الاجتهاد المعتبر وهو الذي مدح صاحبه كما في حديث عمرو بن العاص المتفق عليه ( إذا حكَم الحاكمُ فاجتَهَد ثمَّ أصاب فله أجرانِ وإذا حكَم فاجتَهَد ثمَّ أخطأ فله أجرٌ)

    فهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم في الاجتهاد المعتبر وهو الاجتهاد حيث لا يوجد الدليل الموجب الصريح أو البين وإنما يكون في المسألة مادة من الاستنباط وهذه الأوجه من الاستنباط هي التي وقع فيها اجتهاد الفقهاء من الصحابة ومن بعدهم كاجتهاد الأئمة الأربعة والمدارس الفقهية في فروع الشريعة

    وأما في أصول الشريعة فهذه ليست من ذلك البتة .

    -ولهذا كان السلف رحمهم الله يسمون من يخالف الأصول من أهل البدع ولايسمون من يخالفهم من أصناف الفقهاء فلاتجدنهم يسمي بعضهم بعضاً بذلك أو يسمي أقوالهم بذلك يل يجعلون أقوالهم من أقوال أهل العلم وينقلها أهل العراق عن أهل المدينة وينقل أهل الشام عن أهل مصر وما إلى ذلك

    كلها أقوال معتبرة مادامت أنها للأصول التي حُفظت عن السلف رحمهم الله من كبار أئمة الفقهاء والاجتهاد كالاجتهاد الذي مضى في أصول الأئمة الأربعة في فروض الشريعة .

    - ولهذا لم ينصب خلاف بينهم في أصول الدين لإن أصول الدين متفقة ليست محلاً لذلك .

    - المقصود أن المصنف بين الأصلين الجامعين في العبادة وتحقيقها وهو :

    الأصل الأول ( أَن لَا يعبد إِلَّا الله ) وهو الاخلاص لله

    والأصل الثاني : أن يعبد الله بماشرع .

    -والأصل الأول متعلق بالعلم والقصد والأصل الثاني متعلق بالعلم والفعل .

    والعبادة في ركنها مركبة منهما ولذلك لا تكون العبادة بجهل البتة حتى أبلغ المسلمين عامية عنده ولابد قدر من العلم فإنه إذا عرف أن صلاة الظهر أربع ركعات وصلاها كذلك وصلى العصر على صفتها فهذا وجه من العلم ولابد وإذا يعرف ما يكون بعد تكبيرة الإحرام فهذا وجه من العلم

    فلايتصور أن العبادة تخفى على الجاهل المطلق لكن هم في العلم درجات .

    -وأن لا يعبد الله إلا بماشرع وهذا يغلق باب البدع وهو باب كثرت الشبهات عند المتأخرين وكثرة الشبهات لم تأت من جهة مناقضة للأصل وإنما من جهة التوهم في المقصود بالمشروع وغير المشروع فتوهم كثير من المتأخرين وبعض العامة بعض البدع توهموها من باب المشروعات .


    - ومن سبب ذلك ما يتكلم به بعض المبطلين في القول الذي يزينون بعض البدع فهذا التزيين على وجه من الغلو أو التعصب أو ما إلى ذلك من الأسباب يُفوت على عموم المسلمين مقام العلم والتحقيق والنور والهدى وإلا فقواعد الشريعة واضحة .

    - ولذلك كان الصحابة رضي الله عنهم لم يقع عندهم بدع وحتى الذين أسلموا بين يدى النبي صلى الله عليه وسلم وهم حدثاء العهد وربما رجعوا إلى باديتهم وما إلى ذلك لم يكن يظهر فيهم البدع وذلك أنهم مستمسكون بالأصل والدين يسر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( إن هذا الدين يسر ) كما جاء في صحيح البخاري وغيره

    وما جعل الله فيه حرجاً كما قال الله تعالى ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ )

    هذا يبين لك أن الشبهات التي صارت سبباً لكثير من البدع في الأقوال والأعمال والتصورات سببها هو هذه المادة من عدم تحقيق الإخلاص لله سبحانه وتعالى

    وعدم تحقيق الاتباع لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وإلا فإن الهدي بين وقواعد العلم بينة ولهذا لم تشتبه على الصحابة رضي الله عنهم .

  2. #42
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الدولة
    المملكة العربية السعودية
    المشاركات
    2,542

    افتراضي رد: فوائد من شرح رسالة العبودية لابن تيمية ... من شرح الشيخ يوسف الغفيص

    (41)

    قال الشيخ رحمه الله :

    (قَالَ الفضيل بن عِيَاض فِي قَوْله تَعَالَى [٧ هود، ٢ الْملك] : {ليَبْلُوكُمْ أَيّكُم أحسن عملا} قَالَ: أخلصه وأصوبه قَالُوا: يَا أَبَا عَليّ مَا أخلصه وأصوبه؟ قَالَ: إِن الْعَمَل إِذا كَانَ خَالِصا وَلم يكن صَوَابا لم يقبل وَإِذا كَانَ صَوَابا وَلم يكن خَالِصا لم يقبل حَتَّى يكون خَالِصا صَوَابا والخالص أَن يكون لله وَالصَّوَاب أَن يكون على السّنة.)

    -------------


    الشرح :

    -هذا من تحقيق دلالة الآية وعلى كل تقدير فماذكر عن الفضيل بن عياض رحمه الله معروف عن سائر السلف وهذا أصل محكم مستقر في القرآن

    ( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) فبين الله فيه الإخلاص بالأمر وقوله ( وَمَا أُمِرُوا ) هذا يبين أن الدين أمر وتشريع ( وَمَا أُمِرُوا) هذا يجمع أصل الأمر .

    - وبين بعد ذلك أن جميع ما أمروا به لابد أن يكون خالصاً لله سبحانه وتعالى ( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ )

    فهذه الآية جمعت الأصلين وغيرها كثير لا يحصى في القرآن تبين حقيقة التوحيد وهو العلم بالله وإخلاص الدين له سبحانه وتعالى والاتباع لماشرع الله جل وعلا

    ومايضاد ذلك من البدع والمحدثات التي اشتغل بها بعض المسلمين وتركوا عنها أو بها أو فاتهم بسببها كثير من السنن التي كان عليها السلف الأول .

    - ولهذا ينبغي للمسلم أن يحرص على السنة وعلى الاتباع وأن يعرف أن عبادة الله لا تكون إلا بماشرع الله جل وعلا

    وماشرعه الله بين في القرآن وفي كلام الرسول صلى الله عليه وسلم وإذا اشتبه عليه أمر فيقتدي بأئمة العلم فهل هذا مما أقره أئمة العلم أو لم يقروه ؟

    وأئمة العلم هم الصحابة رضي الله عنهم ومن سلك طريقهم واتبعهم بإحسان من أئمة التابعين كالإمام مالك وأبي حنيفة والشافعي والإمام أحمد .

    -أما الأقوال المتأخرة والعارضة التي ليس لها سلف في كلام أئمة الإسلام أو في كلام الصحابة رضي الله عنهم فلايمكن أن تكون هذه هي المناط في تحقيق ما شرع الله لعباده .

    قوله ( وَإِذا كَانَ صَوَابا وَلم يكن خَالِصا لم يقبل حَتَّى يكون خَالِصا صَوَابا والخالص أَن يكون لله وَالصَّوَاب أَن يكون على السّنة.)

    - والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة .

  3. #43
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الدولة
    المملكة العربية السعودية
    المشاركات
    2,542

    افتراضي رد: فوائد من شرح رسالة العبودية لابن تيمية ... من شرح الشيخ يوسف الغفيص

    (42)

    قال الشيخ رحمه الله :

    ( وَقَالَ الفضيل بن عِيَاض فِي قَوْله تَعَالَى [٧ هود، ٢ الْملك] : {ليَبْلُوكُمْ أَيّكُم أحسن عملا} قَالَ: أخلصه وأصوبه قَالُوا: يَا أَبَا عَليّ مَا أخلصه وأصوبه؟ قَالَ: إِن الْعَمَل إِذا كَانَ خَالِصا وَلم يكن صَوَابا لم يقبل وَإِذا كَانَ صَوَابا وَلم يكن خَالِصا لم يقبل حَتَّى يكون خَالِصا صَوَابا والخالص أَن يكون لله وَالصَّوَاب أَن يكون على السّنة.

    فَإِن قيل: فَإِذا كَانَ جَمِيع مَا يُحِبهُ الله دَاخِلا فِي اسْم الْعِبَادَة فلماذا عطف عَلَيْهَا غَيرهَا كَقَوْلِه فِي فَاتِحَة الْكتا{إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين} وَقَوله لنَبيه [١٢٣ هود] : {فاعبده وتوكل عَلَيْهِ} وَقَول نوح [٣ نوح] : {اعبدوا الله واتقوه وأطيعون} وَكَذَلِكَ قَول غَيره من الرُّسُل؟

    قيل: هَذَا لَهُ نَظَائِر كَمَا فِي قَوْله [٤٥ العنكبوت] : {إِن الصَّلَاة تنْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر} والفحشاء من الْمُنكر وَكَذَلِكَ قَوْله [٩٠ النَّحْل] : {إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان وإيتاء ذِي الْقُرْبَى وَينْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر وَالْبَغي} وإيتاء ذِي الْقُرْبَى هُوَ من الْعدْل وَالْإِحْسَان كَمَا أَن الْفَحْشَاء وَالْبَغي من الْمُنكر وَكَذَلِكَ قَوْله [١٧٠ الْأَعْرَاف] : {وَالَّذين يمسّكون بِالْكتاب وَأَقَامُوا الصَّلَاة} وَإِقَامَة الصَّلَاة من أعظم التَّمَسُّك بِالْكتاب وَكَذَلِكَ قَوْله عَن أنبيائه [٩٠ الْأَنْبِيَاء] : {إِنَّهُم كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخيرَات ويدعوننا رغبا ورهبا} ودعاؤهم رغبا ورهبا من الْخيرَات وأمثال ذَلِك فِي الْقُرْآن كثير.

    وَهَذَا الْبَاب يكون تَارَة مَعَ كَون أَحدهمَا بعض الآخر فيعطف عَلَيْهِ تَخْصِيصًا لَهُ بِالذكر لكَونه مَطْلُوبا بِالْمَعْنَى الْعَام وَالْمعْنَى الْخَاص.)

    ---------------------------------------------

    الشرح :

    -هذا الأثر الذي قاله الفضيل بن عياض رحمه الله وهو من العباد والصالحين وأهل العلم المعتبرين وله كلمات مأثورة وإن كان قد زيد عليه في النقل كثيراً في كتب الصوفية فنسب إليه مقالات ليست من قوله .

    - ويعلم من حاله رحمه الله أنه إمام على السنة والهدي الذي عليه الصحابة رضي الله عنهم .

    -ولكن هنا قاعدة شرعية تسلك وهي مسألة الإثبات وثبوت النقل عن فلان من العلماء أو العباد أو غيرهم فيقال العبرة بما جاء به دليل الشريعة
    فالعبرة والمستند والذي بحتج به دليل الشريعة من كلام الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم

    وهذا يقصد به الإشارة إلى أن له كلمات ليست وفق ما جاء في الكتاب والسنة ولكن قد نسب إليه وإلى غيره من العباد وأهل الأحوال والسلوك مقالات في بعض كتب الصوفية مخالفة لما جاء في كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم .

    وهذه لا تثبت ولكن لو أن أحداً تكلف إثباتها أو ادعى أنها ثابتة فإن لدينا قاعدة سابقة لهذه القاعدة العلمية التي تتحدث عن الإثبات والنفي والإسناد والانقطاع والاتصال وهي قاعدة ميزان الشريعة وهو الكتاب والسنة وكل أحد فهو محكوم بالكتاب والسنة .

    وعليه فالعبرة بما جاء في كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .

    - وهذا يعطي طالب العلم المتبع للسنة منهجاً وهو أن باب السلوك والأحوال والتعبد لله سبحانه وتعالى يعتبر بكلمات الكتاب والسنة ففي كتاب الله من الوعظ وبيان الحق ومنهج الحق والشريعة التامة والهدي التام في عبادة الله سبحانه وتعالى والنسك له جلا وعلا مالا يقدر قدره في نظر الباحثين والبصراء وأهل الأحوال وأهل السلوك ولايحيط به أحد منهم .

    - كل من حقق وجهاً صحيحاً من فاضل القول في باب السلوك والأحوال من العبّاد والصالحين وأرباب السلوك فهؤلاء إنما أصابهم هذا النور من نور القرآن أي بما اهتدوا به من آيات كتاب الله التي فيها ذكر العبودية وأوجه تحقيق العبادة لله والاستعانة به والتوكل عليه والاخبات لوجهه الكريم والخشوع له وغير ذلك .

    - وهذه السعة المتضمنة في كتاب الله مقَصر في تحقيقها وأنت ترى علماء الفقه رحمهم الله التمسوا الأحكام وفقهوا الأحكام مما سماه بعض أهل العلم من المتأخرين بآيات الأحكام مع أن هذه التسمية فيها نظر ولايوجد في القرآن آيات تخص بأنها هي آيات الأحكام وحدها بمعنى أن غيرها ليسي داخلاً في آيات الأحكام

    لأن طريقة دلالة القرآن على الأحكام واسعة ولكن من قصر نظره لا يرى في آيات الأحكام إلاماصرح بذكر الحكم المعين مثل قوله تعالى ( وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا )
    ومثل قوله تعالى (ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ... الآية )

    فهذه لاشك أنها آيات أحكام ولكن البحث ليس في هذا البحث في قصر الأحكام على نوع من الآيات تسمى آيات الأحكام .

    ومثله في الأحاديث فيقال أحاديث الأحكام وهذا اذا استعمل على معنى الصريح في الحكم ولايقصد به الإغلاق ولايؤول إلى حال من الإغلاق
    فإن القصد ينتفي ولكن الحال لا تنتفي فاتقاء القصد سهل ولكن اتقاء الحال ليس كذلك .

    -ولذلك لم يعرف عند الصحابة - رضي الله عنهم - هذا التخصيص وترى أن سياق القرآن ينافي هذا التخصيص؛ ولهذا ليس هنالك سور جمعت فقط الأحكام، وسور أخرى جمعت القول في اليوم الآخر، وسور أخرى جمعت قصص الرسل، وسور أخرى جمعت المعاملات، وسور جمعت العبادات على أوجه من الاختصاص ، بل ترى في سياق كتاب الله من ذكر الأحكام على وجه هو من كمال كتاب الله وبلاغته وإعجازه؛ لأنه من عند رب العالمين - سبحانه وتعالى-.

    -فهذا التمام الذي تراه بكتاب الله ينبغي أن يقدر قدره وأن تميز الآيات المصرحة بالحكم على قدر من ترتيب العلم فقط، لا على جهة التخصيص؛ لأن هذا يؤول إلى قطع بعض الأوجه من الاستدلال الصحيح من القرآن عن مقتضى الأحكام.

    -ولذلك الفقيه يرى في كثير، بل في عامة آيات القرآن يرى فيها أوجها من الحكم، وهذا يختلف باختلاف نفس المجتهدين وعارضة العلم التي لديهم في فقه القرآن وعلمهم باللغة وقواعد الشريعة، إلى غير ذلك.

    -فالمقصود أن هذا التخصيص الذي قال به بعض العلماء، ثم صارت البحوث المعاصرة تتجه له وتقيده أكثر، وصار بعضهم يقول: هذه آيات الأحكام، ويخصصون آيات معينة لما رأوا بعض الحفاظ في السنة قد جمعوا أحاديث كبلوغ المرام وغيرها، فهذه في جملة من الأحكام، لكن ليست على سبيل جمع الأحكام أجمع.

    -لذلك؛ من فقه السلف كالإمام البخاري رحمه الله، أنه ربما أورد في صريح الأحكام، كالزكاة أو الصيام أو المعاملات التي هي في أبواب الفقه المعروفة عند الفقهاء، تجد أنه يورد فيها من الروايات المخرجة عنده في الصحيح ما أصله في السير أو المغازي أو ما إلى ذلك؛ لأن الأحكام هنا لها نظام واسع من الفقه.

    -وأنت تعرف في أدلة الشريعة الأصولية سعة طرق الاستدلال وسعة الأدلة، ولا سيما في هذا الباب وهو باب فروع الشريعة والأحكام العملية
    وعليه، فمثل هذا التخصيص وإن استحسن لدى البعض شكله من حيث الترتيب، لكنه لا ينتظم

    -وفوق ذلك من بالغ وصار يسمي لآيات الأحكام في كل باب من الآيات، فيقول: الآيات المتعلقة بالعبادات بأحكام مباني الإسلام الأربعة، وهي الصلاة والصيام والحج والزكاة، فيقول: آيات العبادات الأربع كذا، ويسمي عددا، وآيات المعاملات المادية كذا، ويسمي عددا، وآيات الحقوق أو الأحكام السلطانية هي كذا، ويسمي عددا، وآيات ذلك الباب من الأبواب التي يصفها، ويسمي عددا.

    فهذه طريقة وهمية لا تصح ولا تليق بنبوة نبي، فضلا عن كتاب الله ونبوة نبينا صلى الله عليه وسلم ؛ لأن رسول الله -عليه الصلاة والسلام- أوتي جوامع الكلم

    وقوله عليه الصلاة والسلام فيه من النور والهدى وسعة الدلالة على الأحكام ما لا يمكن ضبطه بتقدير باحث أو نحو ذلك؛

    ولهذا تفاوت العلماء في فقه هذه الشريعة كتابا وسنة.

    وفوق ذلك يقال في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو كلام الله -سبحانه وتعالى-

    فالمقصود أن كلام الله وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - وهو لا ينطق عن الهوى - عليه الصلاة والسلام - يصان عن مثل هذه التصانيف والتراتيب الضيقة التي تضيق الفقه في القرآن.

    ولذلك صار بعض يقول: ويعلم المشاهد آيات الأحكام !

    ما هي آيات الأحكام؟ من قال إن هذه الآية تدل على الحكم وهذه الآية تدل على الحكم ؟ ألست ترى أن الأحكام ترتبط بالقواعد وبالمقاصد وبالأصول وبعلوم شتى كلها ترتبط بأحكام المعاملات والعبادات.

    -ولذلك؛ علم التشريع لما كتبه علماء المسلمين ارتبط بعدة علوم، ما ارتبط بالفقه وحده، ارتبط بالفقه، وارتبط بعلم أصول الفقه، وعلم مقاصد الشريعة، وعلم القواعد الفقهية، وعلم التخريج الفقهي، وله اتصال بعلوم أخرى مراعاة في أحوال المجتهد، أو يراعيها المجتهد في اجتهاده في أحوال المكلفين.

    -فإذا كان كذلك، فكتاب الله واسع من جهة الاستدلال، وإنما العبرة بأن يكون هذا الاستدلال على وفق القواعد المعتبرة في العلم التي حفظت عن سلف هذه الأمة وكتبت فيها صنف في علوم الشريعة وقواعد الاستدلال فيها.

    المقصود هنا في باب الأحوال: أن هذا الباب من علم الشريعة توسع فيه وفي تحقيقه، وحسن تحقيقه في الجملة بكثرة ما كتب في علم الفقه وفي علوم الشريعة المتصلة بعلم الفقه، كعلم الأصول الذي هو مقدمته، وكذلك علم القواعد... إلى آخره

    -ولكن إذا جئت في باب التعبد والسلوك والأحوال، وجدت في هذه الكتب المعنية بذلك كثرة الكلمات المروية عن العلماء أو عن آحاد العباد، والاستئناس بهذه الكلمات الصالحة من كلمات الصالحين والاستشهاد بها حسن في ذاته.

    ولكن إذا زادت وصار أكثر ما يسمعه السالك في هذا الباب هي تلك الكلمات، وكأنها معيار التعبد، ويكون فقهه وعلمه بما تضمنه كتاب الله - سبحانه وتعالى - قاصرا وناقصاَ فهذا من فوات الفقه الصحيح.

    ولهذا؛ لما غلب على كثير من الناظرين في السلوك والتعبد تلك الكلمات، وصارت أشبه ما تكون بالمعيار عندهم؛ ضعف نظام تعبدهم وطريقة تعبدهم، وقصرت عن طريقة التحقيق البالغة الشرعية التي كان عليها الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - الذين فقهوا عبادتهم لربهم سبحانه وتعالى - من كتاب الله .

    فخير ما يؤخذ منه التعبد منهجا وسلوكا، وطريقة وتصفية للنفس وتزكية لها، وترتيباً لمدارك النفس ... وما إلى ذلك، خير ذلك وأصدقه كما هو بدهي: هو القرآن.

    -ولذلك ينبغي للمسلم أن يلزم كتاب الله في حال سيره إلى الله وسلوكه إلى الله سبحانه وتعالى، متعبدا وبه بإخلاص الدين، وبمحبة الله، وبتحقيق الخشوع له، وباتقاء غضبه وسخطه سبحانه وتعالى، والإقبال على ما يرضي وجهه الكريم -جل وعلا، ويستأنس بكلمات الصالحين والعباد والبصراء في التعبد، فإن لهم كلمات فيها من النور والخير الشيء الكثير .

    -ولكن لا ينبغي أن يغلب ذلك، بل غالب حال المسلم يكون مستنيرا بالنص، ويكون ما يتبعه من ذلك هو من بيانه وتفسيره، وما يسبق به أولئك البصراء والعباد والصالحون من نور القرآن، وإلا فكتاب الله فيه الكفاية وفيه التمام، ولكن المسلم يحتاج إلى أهل الاقتداء من أولئك الصالحين والعباد الصادقين الذين استفاض عند الأمة صلاحهم -ويحسبونها هكذا والله حسيب عباده- لكن لهم من مقامات الديانة والعلم والتحقيق كلمات نافعة، وإشارات بالغة في التعبد.

    فهذه يستأنس بها، وهي من شواهد الإيمان الذي يلقيه الله - سبحانه وتعالى - في قلوب عباده الصالحين.

    -فالمقصود أن هذه الكلمة للفضيل من فاضل الكلمات، لكن بين في كتاب الله هذا المعنى: أن العمل يُراد أن يكون خالصا وأن يكون صوابا، والإخلاص هو مقام الإرادة الأول، والصواب هو مقام الاتباع الأول .

    -ثم أورد المصنف - رحمه الله - ما يقع من العطف في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: ٥]، مع أن الاستعانة من عبادة الله وبين أن هذا معروف في القرآن، وهو كذلك، وهو معروف في لغة العرب، وهو ما يعرف بعطف الخاص على العام.

    وقد يقع ذلك على سبيل التنوع كما في الوجه الآخر الذي أشار إليه، فإذا اجتمع الاسمان اختص كل واحد منهما تنوعًا بوجه دون الآخر، كقول الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ﴾ ،


    فالفقير درجة والمسكين هنا درجة وأما إذا ذكر المسكين وحده في سياق دخل فيه الفقير كقوله جل وعلا ( إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ )

    فيدخل في ذلك من كان فقيراً من باب أولى .

  4. #44
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الدولة
    المملكة العربية السعودية
    المشاركات
    2,542

    افتراضي رد: فوائد من شرح رسالة العبودية لابن تيمية ... من شرح الشيخ يوسف الغفيص

    (43)

    قال الشيخ رحمه الله :

    (وقد قيل: إن الخاص المعطوف على العام لا يدخل في العام حال الاقتران، فلا يكون من هذا الباب. والتحقيق أن هذا ليس لازما،

    قال تعالى: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا الله وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ ﴾ [البقرة: ۹۸]،

    وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخذنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ﴾ [الأحزاب: ٧).

    وذكر الخاص مع العام يكون ثباتًا متنوعًا تارة لكونه له خاصية ليست السائر أفراد العام، كما في نوح وإبراهيم وموسى وعيسى).

    -لأنهم أولي العزم من الرسل

    (وتارة لكون العام فيه إطلاق قد لا يفهم منه العموم، كما في قوله: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (۲) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ )

    الشرح :

    -كون بيانا وتفسيرا للعموم

    (فقوله: (يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البَقَرَة: ٣] يتناول الغيب الذي يجب الإيمان به، لكن فيه إجمال، فليس فيه دلالة على أن من الغيب ما أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ) [البَقَرَة: ٤]. وقد يكون المقصود أنهم يؤمنون بالمخبر به وهو الغيب، وبالإخبار بالغيب وهو بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ﴾

    ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ [العنكبوت: ٤٥]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾

    وتلاوة الكتاب هي اتباعه كما قال ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]

    قال: يحللون حلاله ويحرمون حرامه، ويؤمنون بمتشابهة ويعملون بمحكمه.

    فاتباع الكتاب يتناول الصلاة وغيرها، لكن خصها المذكورة لمزيتها، وكذلك قال لموسى: (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) [طه: ١٤] وإقامة الصلاة لذكره من أجل عبادته.

    وكذلك قوله تعالى: (اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) [الأحزاب: ٧٠]، وقوله: ﴿اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَة [المائدة: ٣٥]، وقوله: (اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة: ١١٩]. فإن هذه الأمور هي أيضًا من تمام تقوى الله، وكذلك قوله: ﴿فَاعْبُدُهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾ [هود: ۱۲۳]

    فإن التوكل والاستعانة هي من عبادة الله، لكن خصت بالذكر ليقصدها المتعبد بخصوصها، فإنها هي العون على سائر أنواع العبادة؛ إذ هو سبحانه لا يعبد إلا بمعونته إذا كان هذا، فكمال المخلوق في تحقيق عبوديته الله، وواقع العبد تحقيقا للعبودية وواقع كماله وعلته درجته، ومن توهم أن المخلوق يخرج عن العبودية بوجه من الوجوه، أو أن يخرج عنها أكمل؛ فهو من أجهل الخلق وأضلهم،


    قال تعالى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عباد مكرمون (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ ، ٢٧] إلى قوله: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ۲۸]،

    وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (۸۸) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِداً) [مريم: ۸۸، ۸۹]


    إلى قوله : (إنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (۹۳) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدهُمْ عَداً (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) [مريم: ۹۳ - ٩٥]،

    وقال تعالى في المسيح : (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ )[الزخرف: ٥٩]،

    وقال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (۱۹) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتَرُونَ) [الأنبياء: ۱۹ ، ۲۰]،


    وقال تعالى: (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا اللَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُم ْ إِلَيْهِ جَمِيعًا) [النساء: ١٧٢]

    إلى قوله: ﴿وَلَا يَجِدُونَ هُمْ مِنْ دُونِ اللَّهُ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) [النساء: ۱۷۳]).


    الشرح :

    إذا هذه الآيات التي ساقها المصنف رحمه الله - في هذا المقام، وبين ما في عطف الخاص على العام من مقاصد الشريعة، وهذا كثير في القرآن، ويكون فيه من أوجه الدلالات

    كدلالته على امتياز هذا الخاص الذي عطف على العام.

    أو يكون فيه من البيان للعام... إلى غير ذلك

    و من تحقيق المصنف - رحمه الله - أن هذه الآيات التي يستشهد بها في رسالته يمضيها على وجهه الذي وردت به، بمعنى لا يشرع في توجيه أو بيان معناها بالدلالات القاصرة عن كمالها.

    وهذا ليبين أن التعبد لله - سبحانه وتعالى - يكون بما في القرآن وبهدي القرآن.

    وبعض الأوجه من التفسير الذي يفسر بها القرآن لا تكون مناسبة لهذا المقام، بمعنى أن بعض الناس صار عنده رغبة في أن كل ما يسمعه من الكتاب أو السنة يحتاج عنده إلى تفسير، وأن هذا التفسير هو بواب الدخول إلى قلبه، وهذا خطأ.

    الأصل أن كلام الله - سبحانه وتعالى - وكلام الرسول - عليه الصلاة والسلام - محل إدراك للمكلفين، صحيح أن هناك من أوجه الاستدلال على بعض الأحكام أو الفقه بعض الأدلة ما يحتاج إلى البصيرة ويحتاج إلى التقريب ويحتاج إلى البيان بالجمل المبينة والمفسرة ... إلى آخره، هذا له مادته ولكن ليس على سبيل الاطراد.

    الأصل أن الآية يكون أثرها مباشرًا إذا كان للمسلم في سياقها؛ لأن سياق القرآن لا يمكن المفسر مهما علا وقع، حتى الصحابة - رضي الله عنهم، أن يأتوا على طريقة القرآن في تفسيره.

    ولذلك:

    1 - المفسر إما أن يفسر اللفظ بمرادف، فهو وإن ذكر مرادفا من حيث اللغة، لكنه لا يستطيع أن يجد في اللغة مرادفا من حيث السياق، فيقصر تفسيره ولا بد من هذا الوجه، ويصير لو قدر خلافه من تحصيل حاصل.

    2 - وإما أن يفسر بالمبين من النوع أو الآحاد من الدلالة، فيكون هذا قاصرا عما تضمنه الآية من الشمول والعموم.

    ولذلك مثل هذا يستعمل إذا قام سبب لبيان حكمه أو تقريب دلالة والناس فيه درجات من جهة العلم تتعلق درجة واحدة،

    وذلك مقام له اعتبار، وهو اختلاف درجات المكلفين في الإدراك بالعلم، تتعلق أعني المكلفين - تتعلق درجة واحدة

    وثانياً باعتبار مقام الآيات ودلالة الآية على أحكام الشريعة، وكذلك هذا المقام له اعتباره.

    لكن يكفي إلى هذا المقام وإلى هذا المقام ما يزاد على ذلك ليصل نور القرآن إلى قلوب الناس.

    الآن تجد الكثير من المواعظ والخطب والمحاضرات وما إلى ذلك، تسعين بنسبة أو ثمانين بنسبة كلام للمتكلم، وتجد النصوص من القرآن أو السنة قليلة مقارنة بغلبة هذا الكلام، هذه بهذه الطريقة لم يكن معروفاً عند السلف - رحمه الله -، لم يكن وعظهم وطريقتهم بهذه الطريقة.

    -ينبغي أن يكثر على الناس سماع الكلام الأعظم، وهو كلام الله - سبحانه وتعالى - وكلام الرسول - عليه الصلاة والسلام، ويبين بين ذلك بين الآيات والأحاديث، كما هي طريقة المصنف وهو ما كتب هذه الرسالة للعلماء، هي ليست متناً في علم أصول الفقه، أو رسالة في مشكل المسائل الفقهية أو ما إلى ذلك، هي رسالة في العبودية، والأصل أنه يخاطب بها العموم من الناس من المكلفين ومع ذلك تجد من سرده للآيات، ويجعل التعليق عليها يسيرا بقدر ما يستدعيه المقام.

    وله مشابه في ذلك لما كتب العقيدة الواسطية أو الرسالة الواسطية، تجد أنه في صدرها ذكر كثيرًا من آيات القرآن، ثم بعد ذلك جملة من الأحاديث الصحاح، ثم فرع بعد ذلك.

    -وإذا نظرت في كتب السلف - رحمه الله - ومن روى عن السلف كلامهم فالأمر كذلك، وكتب الحديث. بل كان بعض الأئمة - كالإمام أحمد - يتقي أن يعلق على الأحاديث، كان بعض الأئمة كالإمام أحمد يتقي أن يكتب على الأحاديث شيئًا، والإمام مالك في موطئه كتب كثيرًا ثم اختصر ما كتب.

    هذا على كل حال - كما قلت - مرتبط بدرجات العلم ودرجات المكلفين وأحوال المكلفين والعلم إذا كان بيبين ما في القرآن والسنة فهو خير.

    لكن المقصود هنا الذي فات على كثير من الناس: شغفهم بكلام الناس من حيث لا يشعرون فصارت كثير من الكلمات والمواعظ والمحاضرات يغلب فيها كلام المتكلم،

    وحتى طرق التفسير، كما أشرت سابقا، القرآن نزل بينا، وسمعه العامة، وسمعه من ليس من أهل العلم من المشركين ولا من أهل الدين، فأمنوا به،

    وما كفر به إلى لا من كابر وعاند، وإلا فلم يكن أحد يسمع هذا القرآن ويجد عليه مطعنا أو مأخذاً غير أنه لا يدرك ولا يفهم.

    فلذلك ينبغي لأهل العلم أن يوصوا الناس، وينبغي للمسلم أن يلزم القرآن؛ لأن القرآن فيه النور، وكلام الرسول عليه الصلاة والسلام.

  5. #45
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الدولة
    المملكة العربية السعودية
    المشاركات
    2,542

    افتراضي رد: فوائد من شرح رسالة العبودية لابن تيمية ... من شرح الشيخ يوسف الغفيص

    (44)

    قال الشيخ الإمام ابن تيمية رحمه الله وأسكنه الفردوس :

    ( وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)

    وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (۳۷) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ) [فصلت: ۳۷، ۳۸]،


    وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعَ وَخِيفَةً)

    إلى قوله: (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَه ُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾

    وهذا ونحوه مما فيه وصف أكابِر المخلوقات بالعبادة وذم من خرج عن ذلك متعدد في القرآن، وقد أخبر أنه أرسل جميع الرسل بذلك).

    ---------------------

    الشرح :

    -أي أن الله - سبحانه وتعالى - جميع الخلق قد ذلوا له طوعًا أو كرها، وهم عباده، كما قال الله - جل وعلا-: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) [مريم: (۹۳)، وكقوله جل وعلا-: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾ [الإسراء: ٤٤].


    -----------------

    قال الشيخ رحمه الله :


    (فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء: ٢٥]، وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهُ وَاجْتَنبوا الطَّاغُوت)
    وقال تعالى لبني إسرائيل: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ﴾ [العنكبوت: ٥٦]، وقال: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ) [البقرة: ٤١]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَقُونَ﴾

    قال: (وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إلا ليعبدون ) [الذاريات : ٥٦]، وقال تعالى: (قل إنى أمرتُ أَنْ أَعْبُدَ الله مخلصا له الدِّينَ. وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ. قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيم. قل الله أَعْبُدُ مخلصا له ديني فَاعْبُدوا مَا شِئْتُمْ [الزمر: ١١-١٥]، وكل رسول من الرسل افتتح دعوته بالدعاء إلى عبادة الله

    -------------------

    الشرح :

    -في هذه الرسالة - رسالة العبودية لشيخ الإسلام ابن تيمية - جاء في ذكر الله - جل ذكره : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا ليعبدون ) وقبلها جملة آيات وبعدها جملة آياته

    كقول الله جل وعلا-: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبد الله مخلصا له الدين) وما إلى ذلك من الآيات التي ذكرها الله في كتابه، وهي مستفيضة في كلام الله - جل وعلا-أو ذكر ذلك الرسول - صلى الله عليه وسلم - في سنته،


    وهذا يبين به أعظم الأصول التي خلق الله الخلق وأرسل الرسل وأنزل الكتب لتحقيق هذا الأصل الشريف وهو عبادة الله وإخلاص الدين له وحده لا شريك له ومعرفة الله - سبحانه وتعالى - حق معرفته،



    -فإن توحيد الله - جل وعلا - هو معرفة الله وعبادة الله وإخلاص الدين الله وحده لا شريك له، وهذا المقام الشريف يسمى بجملة أسماء:

    (1) فتارة يسمى بالاسم العام له المتضمن لسائر شعائره: كاسم الإيمان، واسم التقوى، واسم الإسلام، واسم العبادة ويسمى أصحابه بهذا على ذكر اسم الفاعل في حقهم كالمؤمنين والمسلمين والعابدين،

    كما في قول الله - جل وعلا-:( التَّائبُونَ الْعَابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ الله وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) .

    (۲) وقد يُذكر ببعض مقاماته الشريفة: كالركوع والسجود وكالحمد.

    فتارة يذكر باسمه العام، وتارة يذكر ببعض مقاماته الشريفة.

    وهذا يسمى الإيمان، ويسمى الإسلام، ويُسمى الإحسان، فكل ذلك داخل في عبادة الله - جل وعلا.

    (۳) ويسمى التوحيد كما سماه الصحابة، وأصل ذلك وارد في ذكر كلام الله - جل وعلا - لقوله سبحانه وتعالى: ﴿قل هُوَ اللهُ أحد ) وسمى الصحابة هذا الاسم وهو التوحيد كما قال جابر - رضي الله عنه - كما في الصحيح وغيره في قصة حجة النبي - صلى الله عليه وسلم : (فأهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتوحيد )

    -فهذه الأسماء الشرعية: الأسماء الشرعية التي يقصد إلى تحقيقها وإلى التمسك بها ويتسمى بها هي الأسماء التي ذكرها الله ورسوله كاسم الإسلام، ويُسمى صاحبها مسلماً، ويُسمى أصحابها مسلمين، ويسمى مؤمناً، ويسمى أصحابها المؤمنين، كما سمى الله عباده بذلك، وكما خاطبهم بذلك، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا )

    ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصَّيَامُ ) إلى غير ذلك.

    -وأما الأسماء المحدثة: وفوقها الأسماء المبتدعة، فهذه يجب على المسلمين أن يُعرضوا عنها، وأن يكتفوا بالأسماء الشرعية التي سماها الله - جل وعلا - وسماهم بها، كما قال ربنا جل ذكره :( هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ ﴾ .

    وفي قول الله - جل وعلا : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ ﴾ لأنهم مكلفون، وإن كان التكليف لا يختص بالجن والإنس، وما من خلق خلقه الله - وإن كانوا ليسوا من المكلفين - إلا وهم يسبحون بحمد الله، كما قال الله جل وعلا:

    (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا غَفُورًا ﴾.

    فهذا المقام هو مقام العبودية، وهو معرفة الله وإخلاص الدين الله وحده لا شريك له، هو المقام الذي بعث به الرسول وبعث به الرسل كما قال ربنا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت ﴾ وهو مقام الإيمان والتوحيد.

    -ولكن قد يحتاج العلماء لما كثرت الشبه أو ضعف الإدراك لدى بعض المكلفين فيستعمل طرقاً من البيان العلمي، فصار بعضهم يقسم التوحيد عند ذكره إلى قسمين، فيقول:

    التوحيد الطلبي أو الإرادي

    ويجعل القسم الثاني: التوحيد العلمي أو التوحيد الخبري.

    وصار بعضهم يقول : التوحيد ثلاثة:

    . توحيد الربوبية

    وتوحيد الألوهية

    وتوحيد الأسماء والصفات.

    -فهذه التقاسيم وأمثالها ليس متعبداً بها، ولا يجب استعمالها من حيث الوجوب الشرعي كالتقاسيم، وإنما الذي يجب أخذه ومعرفته والعمل به هو توحيد الله الذي شرعه الله في كتابه، وهذه التقاسيم مبينة لما أنزله الله وبعث به رسوله، لكنها - من حيث هي تقاسيم هي تراتب علمية، فهي ليست واجبة،

    ولكنها ليست بدعة محدثة، ليست واجبة كتقاسيم ولكنها ليست بدعة محدثة.

    فمن ادعى الشبهة عليها يقوله بأن هذه لم ترد في القرآن ولا في السنة، فيقال له: إن هذه التقاسيم هي من البيان العلمي وليست مما يتعبد به كتقسيم،

    ولذلك من آمن بالله ولم يستعمل هذا التقسيم أو حقق توحيد الله ولم يستعمل هذا التقسيم، فهذا لا نقول فقط أن إيمانه صحيح، بل نقول أن هذا هو الأصل،

    وما أحتيج إلى هذه التقاسيم والاصطلاحات والتراتيب إلا لما ضعفت الفصاحة العربية وضعف الإدراك وما إلى ذلك،

    وإلا إذا جئت للصحابة - رضي الله عنهم - ما وجدت عندهم هذه التقاسيم، لكن بالمقابل - لا يعني هذا أن هذه التقاسيم من البدع.

    -هذه تقاسيم على سبيل التراتيب العلمية وليست من باب البدع؛ لأنها - أعني هذه التقاسيم حينما يقولون التوحيد العلمي والتوحيد الطلبي أو توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية - هذه معاني وكلمات وحروف بينة وصحيحة في الشريعة،


    فالربوبية هو ربوبية الله - سبحانه وتعالى، فإذا قلت توحيد الربوبية، هذه الكلمة المضافة، التوحيد اسم معتبر في الشريعة، وربوبية الله - جل وعلا - اسم شرعي،

    فالله هو رب العالمين، فيما في الاسم بدعة، ومثله إذا قلت توحيد العبادة أو توحيد الألوهية، فكذلك اسم الألوهية اسم شرعي، فإن الله هو رب العالمين وهو الذي أمر بعبادته،

    (واعْبُدُوا اللَّهُ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهِ غيره ﴾

    هذه دعوة الرسل، فهو استعمال شرعي، فالكلمات كلمات صحيحة، كلمات شرعية.

    لكن لماذا بعضهم سماها ثلاثة أوجه؟ وبعضهم سمى ذلك على وجهين أو قال إنه نوعان والآخر قال إنه ثلاثة أنواع أو ثلاثة أوجه ؟

    هذه من باب التراتيب العلمية؛ لأن هذا المقام قد يزاد فيه وينقص، فبعض الناس قد يتكلف في بيئة ما ألفوا هذه التقاسيم وكأنها ما تعبد بها ضرورة، وهذا ليس ضرورياً، وإنما العلم الضروري هو العلم بمعانيها سواء عبر عنها بأنها ثلاثة أقسام أو بأنها قسمان، فهذا كله واسع،


    أو قيل بأن التوحيد هو توحيد الله، وهو عبادة الله، وهو إخلاص الدين الله، وهو معرفة الله، وهو تحقيق أسماء الله وصفاته، فهذا أيضاً كلام صحيح، والعلماء تنوع سياقهم في ذلك، فمنهم من يستعمل طريقة التقاسيم، ومن من يستعمل طريقة الجمع في الكلمات والمعاني، وكل هذا صحيح، فلا يتعصب لوجه من هذه التقاسيم.

    ولكن بالمقابل - من زعم أن هذا من البدع وأن هذا من المحدثات، فهذا لا يستعمله في العادة وفي الوقوع إلا أهل البدع، يعني من يتكلمون بأن هذا التقسيم بدعة هم في الحقيقة أصحاب البدعة الذين إذا نظرت في حالهم وجدت أنهم واقعون في البدع الشرعية - التي هي بدع في حكم الشريعة ، إما البدع في التصورات وإما البدع في الأعمال.

    -ولذلك اتفق العلماء على أن هذه التقاسيم - أعني التقاسيم التي تقال - هي من باب الاصطلاح والتراتيب العلمية، وهي أيضاً من حيث الحروف - كما ترى - حروفها حروف صحيحة، ككلمة الربوبية والألوهية والأسماء والصفات بل هي حروف شرعية،

    فإنها اسم الربوبية: أي أن الله رب العالمين، هذا قد أخبر عنه في القرآن بأوجه من السياق،

    وكذلك الألوهية، وكذلك الأسماء الله سبحانه وتعالى، وأفعال الله وصفات الله - جل وعلا، هذا قد تنوع ثبوت سياقه في القرآن والحديث.

    وإنها قسم بعض العلماء بهذه الطريقة ليميزوا مراتب التوحيد، وليميزوا ما وقع فيه الجهل أغلب من غيره،

    فإنك إذا نظرت إلى مقام الربوبية وإلى مقام الألوهية، فإن بين هذين المقامين من الفرق من جهة أحوال المكلفين،


    -ولهذا ضلال المشركين وجحدهم وشركهم في الألوهية أظهر منه في الربوبية، وهم - أعني جمهور المشركين - يقرون بجملة الربوبية وإن كانوا ليسوا محققين لها،


    وإلا فقد أخبر الله عن مشركي العرب وغيرهم بأنهم يقرون أن الله هو الذي خلقهم وخلق السماوات والأرض إلى غير ذلك،


    ولكن هذا لا يعني أنهم محققون لمعرفة الله أو لربوبية الله، فهم أيضاً يقع لهم الشرك في ذلك وإن كان شركهم المستطير هو شرك في العبودية،


    وهم واقعون في هذه الأنواع من الشرك، ولكن هذا الإقرار إقرار مذكور في القرآن، والعرب كان في ذلك على درجات أيضاً - في درجات الإقرار بالربوبية .

    ولذلك يصح أن يقال إن الربوبية قد أقر به العرب في جاهليتها،


    والمقصود بالإقرار هنا الإقرار بجملته وليس هو التحقيق له أو العلم به على ميزان الشريعة التي جاء، لما نزل القرآن وبعث الرسول - صلى الله عليه وسلم ، فهذا مقام، وما كانت عليه العرب مقام آخر .

  6. #46
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الدولة
    المملكة العربية السعودية
    المشاركات
    2,542

    افتراضي رد: فوائد من شرح رسالة العبودية لابن تيمية ... من شرح الشيخ يوسف الغفيص

    (45)

    قال شيخ الإسلام رحمه الله :

    (وكل رسول من الرسل افتتح دعوته بالدعاء إلى عبادة الله كقول نوح ومن بعده: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهِ )

    الشرح :


    -وهذا علم بهذا أن كل رسول بعثه الله افتتح دعوته بالدعوة إلى توحيد الله علم أن أول الواجبات على المكلفين هو التوحيد وهو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فالتوحيد هو أول الواجبات، وهكذا كل نبي بعث، أول ما أوجب الله عليه وعلى من يدعوهم هو التوحيد، وهذا صريح في كتاب الله وفي قصص الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.

    -وبه يعلم أن طرائق المتكلمين التي تكلمت في أول واجب على المكلف هي طرائق مبتدعة، كقول جماهير المعتزلة بأن أول واجب على المكلف هو النظر، وقول بعض المعتزلة كأبي هاشم الجبائي بأن أول واجب على المكلف هو الشك.

    -وكقول جمهور متكلمة الصفاتية من أصحاب أبي الحسن وغيرهم بأن أول واجب هو المعرفة، وكقول بعض أصحاب أبي الحسن بأن أول واجب هو القصد إلى النظر، وكقول بعضهم بأن أول واجب هو أول جزء من النظر.

    -وقد كان بعض النظار كالرازي وغيره يقولون بأن الخلاف بين هذه الأقوال والمقالات هو خلاف لفظي، وهذا من جهة التحقيق له وقوع،

    أعني أن هذه الأقوال ترجع في جملتها إلى هذا المعنى، ولهذا كان أبو هاشم الجبائي لما قال بإنه الشك، إنها اعتبر بأن النظر إنما يرد على المحل الذي لا يُصادف حكماً، فإذا سبق الحكم من جهة الفطرة أو دليل العقل أو ما إلى ذلك وجب أن يتخذ لذلك ما يرفعه،

    ومن هنا قصد إلى القول بالشك على هذا التقدير، وإلا لم يكن أبو هاشم أو غيره من النظار يقولون بالشك على معنى الشك الذي يتبادر مطلقاً وهو الدعوة إلى الشك الذي يقود إلى الإلحاد، ليس المقصود عند أبي هاشم، مع أن قوله خطأ وبدعة وضلال، لم ينكره أصحاب السنة وحدهم، بل أنكره حتى أصحابه من المعتزلة عليه،

    -إلا أن الله أوجب علينا العدل في بيان ما يقوله الناس أو يتخذونه، فهو يريد هذا المعنى ولا يريد الشك الذي يوجب الإلحاد، أي الشك في كل ما يقتضيه الإيمان بالله، ليس المراد هذا ولكنه أعني قوله - إذا فهم على هذا التقدير فإنه من الأوجه الناقضة المقالة جمهور أصحابه من حيث أن مقالة جمهور أصحابه من المعتزلة بأن أول واجب هو النظر، يُعد من تحصيل الحاصل كما يقولون

    وتحصيل الحاصل ممتنع إلا على تقدير صحة مقالة أبي هاشم، فلما كانوا يقولون بأن مقالته باطلة - أعني أصحابه - علم أن قولهم باطل ولابد،

    فطريقة أبي هاشم أشبه ما تكون بالطرق العقلية اللازمة منها عن الطرق الشرعية.

    ---------------

    قال الشيخ رحمه الله :

    ( وكل رسول من الرسل افتتح دعوته بالدعاء إلى عبادة الله كقول نوح ومن بعده عليهم السلام: اعْبُدُوا الله ما لَكُمْ مِنْ إِلَهِ غَيْرُهُ ﴾

    وفي المسند عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يُعبد الله وحده لا شريك له))

    الشرح :

    هذا الحديث - حديث عبد الله بن عمر :( بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له)

    وبهذا يعلم أن ما شرعه الله من الجهاد فالمقصود منه أن يستقيم الناس وأن يتحقق للناس العبادة، فهذا هو أعظم المقاصد،

    وأعظم مقاصد الشرائع هو تحقيق العبودية الله - سبحانه وتعالى .

  7. #47
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الدولة
    المملكة العربية السعودية
    المشاركات
    2,542

    افتراضي رد: فوائد من شرح رسالة العبودية لابن تيمية ... من شرح الشيخ يوسف الغفيص

    (46)

    قال شيخ الإسلام رحمه الله :

    ( وقد بين أن عباده هم الذين ينجون من السيئات الذي زينها الشيطان قال: (بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يُعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري )

    وقد بين أن عباده هم الذين ينجون من السيئات، قال الشيطان: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيتي لأزينَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّ هُمْ أَجْمَعِينَ إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) قال تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴾ .

    الشرح :

    -هذا من فضل الله على عباده، أن الله يثبت الذين آمنوا بالقول الثابت كما أخبر الله في كتابه،( يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ )

    وأن من ضل فإنما ضل بظلمه لنفسه.

    بل لما قام الظلم واستحكم في نفسه، وعن هذا جاء اسم فاعل في الآية، قال ( وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ)

    والله - سبحانه وتعالى يصطفي من عباده من يصطفي، وهذا الاصطفاء من الله سبحانه وتعالى - هم فيه - أعني عباده هم فيه على درجات،

    وكل ذلك من الله فضل، كما أن عقوبته على من كفر به هي من الله عدل، ولا يظلم ربك أحداً.

    قال ابن تيمية رحمه الله :

    (وقال: فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُم ْ أَجْمَعِينَ إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾ وقال في حق يوسف: ﴿كَذَلِكَ لنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴾

    الشرح :

    -صرف عنه السوء والفحشاء؛ لأنه من عباد الله المخلصين، أي بتوحيدهم وإيمانهم وما جعل الله له من العاقبة - وهي عاقبة النبوة - فجعله الله نبياً ورسولاً.

    قال ابن تيمية رحمه الله :

    ( وقال: سُبْحَانَ اللهُ عَمَّا يَصِفُونَ إِلا عِبَادَ اللهُ الْمُخْلَصِينَ )

    الشرح :

    -لذلك هذه المعاني الكلية تستصحب في تفسير القرآن، كما سبق في المجلس في الفقه في فروع الشريعة، ففي هذا من باب أولى، ولا تجرد السياقات عن هذه القواعد التي هي أوصاف شرعية مؤثرة .

    كما أنك تقول في المثال الأدنى وليس في المثال الملائم أو المساوي، كما أنك تقول في المثال الأدنى:

    إن الوقائع القضائية لا تفك عن الأحوال المقارنة لها وتجرد عنها، فكذلك هنا في الأمور الشرعية من باب أولى.

    ولذلك لما جاء قول الله - جل وعلا: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾

    تكلم بعض المفسرين أو كثير منهم، ونقلوا في ذلك آثاراً عن بعض الصحابة - جمهورها لا يصح - من جهة أن يوسف - عليه الصلاة والسلام وقع منه الهم أو إلى ما ذلك، ثم صاروا يقولون وهذا الهم هو الهم الأول وهو الهم الذي غفره الله لعباده وهو الذي قال عنه النبي :

    ((إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به،))

    قالوا: فهو الهم المغفور، إلى غير ذلك.

    وهذا النظر غريب، لأنه ليس النظر في سياق عادي، هذا لم يأتي خبراً في سياق رجل من الناس، هذا جاء في سياق أمر نبي من الأنبياء، صحيح أن هذا كان قبل نبوته، ولكن الله جل وعلا - اصطفى أولئك القوم - وهم رسل الله وأنبياء الله -

    فلا يمكن أن أحداً منهم يقع في مثل هذا الهم المنافي في أخلاقه للشريعة التي يجعلها الله - سبحانه وتعالى - لهم.

    ولهذا بين طائفة من محققي العلماء من المفسرين ومن علماء اللغة بأن يوسف عليه الصلاة والسلام لم يقع منه الهم أصلاً، ليس الشأن أنه يغفر أو لا يغفر، أو أنه الهم المغفور أو ليس المغفور، هذا محل معروف،


    لكن لا يقال بأن النبي في هذا المقام - وهو مقام الأخلاق - عرض منه أدنى درجة، هذا الأنبياء أشرف من ذلك، حتى قبل نبوتهم لا يقع ذلك منهم،

    لذلك صار بعض المحققين من العلماء وبينوا امتناع ذلك، والآية التي تليها تقول:

    ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾

    فإذا امتنع وقوعه في الهم؛ لأنه رأى برهان ربه، فهذا هو معناها.

    وبعضهم أورد اعتراضاً على هذا من جهة اللغة، ولكن التحقيق من جهة اللغة، أن هذا معروف عند العرب، وصار بعض علماء النحو إذا لم يكن هذا هو المشهور فى كلام العرب، قال بأن هذا يخالف شرط اللغة، ثم هذا الشرط إنما بناه- أي كونه شرطاً - على المشهور في كلام العرب،

    مع أن الشرط هنا من جنس الشرط الشرعي، بل أدنى منه.

    فإن الشرط الشرعي الذي يذكره الفقهاء منه ما يكون ثابتاً بنص، ومنه ما يكون ثابتا بوجه من الاجتهاد، كما إذا قال بعض الفقهاء بأن هذا العقد قد خالف الشرط، مع أنه قد يكون مخالفاً للشرط بوجه من الاجتهاد، أي أن هذا الشرط وكونه من شروط صحة هذا العقد، هذا محل اختلاف أو محل اجتهاد

    فكذلك اللغة، يجتهد من يجتهد، فيقول : ولكن هذا السياق أو هذا الورود من جهة اللغة من شرطه كذا وكذا، فلا يصلح أن تفسر الآية به، فيتوهم الباحث وكأن هذا الشرط نزل به قرآن أو نزل به نص أو استحكم عند العرب في كلامها وأطبقت عليه في شعرها وقولها، وهذا ليس كذلك.

    وإنما هو قدر من الاستقراء، استقرأه بعض علماء اللغة ثم من هذا الاستقراء الذي استقرأوه ومن تلك القواعد التي قعدوها،

    صاروا يقولون بأن هذا يشترط كذا ولا يشترط كذا، وإذا نظرت في كلام العرب وشعرها، وجدت أنه ليس من باب الشرط وإنما من باب المشهور ويأتي غيره.

    ولا سيما أن الإحاطة بلسان العرب إحاطة متوهمة، فلا أحد يحيط بما قالته العرب من شعرها ونثرها وما إلى ذلك، فهذا،

    ولذلك هناك مذهب معروف الطائفة من النحاة بل من كبار أئمة النحاة يصححون هذه الطريقة في تفسير هذه الآية وأنها لا تخالف قواعد العربية ولا سياق كلام العرب الذين نزل القرآن بكلامهم،

    ولكن البعض أغلق ذلك، وإنما أغلق اجتهاداً، والاجتهاد لا يغلق ولا يُغلق به،

    وهذا القول - حتى لو قدر جدلاً بأنه ليس المشهور في كلام العرب - فإنه هو الأليق في تفسير هذه الآية لما سبق من معاني الشريعة.

    وهنا تكون المعاني مبينة وجه الاختيار في كلام العرب، وكله كلام معتبر، وإن كان بعض النحاة ليضبطوا قواعد علم النحو صاروا يتحرون لصناعة تلك القواعد، ولا سيما زمن الصناعة أي -زمن صناعة قواعد النحو - صاروا حتى تستقر لهم القواعد يتقون ما ليس مشهوراً أو قد يسمونه شاذاً أو قد يسمونه يسمع ولا يقاس عليه وما إلى ذلك لتستقرلهم الصنعة والقواعد،


    وهذا صار فيه من بعض الملخصين عن متقدمي النحاة ولا سيما من المصريين - صار فيه غلو، حتى صار يضاف إلى مذهب البصريين الزيادة في ذلك وإلى ترك ما ورد القرآن به في قراءات متواترة، ويجعلون ذلك مخالفاً لما وجب في استعمال العرب، وهذا من الجهل،


    فإن ما ورد به قراءة متواترة لا يمكن أن يقال بأن هذا خالف ما وجب في كلام العرب، هذا من التناقض ولا بد؛ لأنك إذا نظرته وجدته متناقضاً من جهة العقل فضلاً عن اللغة.

    والمقصود هنا : أن تفسير القرآن بل وتفسير الأحكام والقول في الأحكام يجب أن تستصحب فيه هذه المقدمات من قواعد ومقاصد وما إلى ذلك، حتى يكون التفسير للنص ملاقياً لها، وأما أخذ الكلمة المفردة من النص أو أخذ السياق الواحد ويقطع عن قواعده وعن جملة السياق وعن مقاصد الشريعة في هذا الباب وفي كليات القواعد، فهذا هو علامة الجهل الذي لا يدرك صاحبه أنه جهل ويتوهم أنه محقق.

    فيأتي في سياق آية أو في سياق حرف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ويُقلب هذا الحرف على أوجه متكلفة مع أن هذا يخالف التحصيل من جهة القواعد،


    ثم يقول بأن النص يقدم على غيره، وكأن غيره هذا ليس من النص، وكأنه لا يعرف بأن القاعدة هي حكم نص مستفيض القواعد هي: حكم نص مستفيض،


    هذا نص وذاك نص مستفيض، لكن النص المستفيض قد سلم من الاجتهاد وهذا لم يسلم من الاجتهاد في تحصيل حكمه.

  8. #48
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الدولة
    المملكة العربية السعودية
    المشاركات
    2,542

    افتراضي رد: فوائد من شرح رسالة العبودية لابن تيمية ... من شرح الشيخ يوسف الغفيص

    (47)

    قال الشيخ رحمه الله تعالى:

    «وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (۹۹) إِنَّمَا سُلْطَاتُهُ عَلَى اللَّهِ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (۱۰۰))

    وبالعبودية نعت كل من اصطفى من خلقه في قوله( وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى النَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا مِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧))

    وَقَالَ: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ بِمَا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا ﴾
    وَقَالَ : فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (۱۰))
    وَقَالَ : ( عَيْنَا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهُ )
    وَقَالَ: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ﴾ ومثل هَذَا كَثير متعدد فِي الْقُرْآن .

    فصل:

    إذا كان ذلك فمعلوم أن الناس يتفاضلون في هذا الباب تفاضلا عظيما.) ا.هــ كلام الشيخ رحمه الله .

    الشرح :



    -هذه الآيات التي ساقها المصنف رحمه الله - وهذا من فقهه ؛ فإنه ضمن هذه الرسالة الفاضلة في بيان مقام العبودية لله -جل وعلا-


    فضمنها جملة واسعة من آيات الكتاب وأحاديث النبي صل الله عليه وسلم -


    وهذه هي العبودية وهذا هو علمها؛ لأن علمها هو الكتاب والسنة، وتؤخذ مما قاله الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .



    -وآيات ذكر العبودية وما تتضمنه العبودية من الشرائع والعبادات والمعاني الكلية والمعاني الخاصة والمطلقة والمقيدة تقع في كتاب الله أوجها متنوعة في بيان حال السالكين، وحال البصيرة، وحال العبادة.

    فيذكر فيها مقام العلم، ويُذكر فيها مقام الإخلاص، ويُذكر فيها مقام الإرادات، وأوجه التعبدات الظاهرة والباطنة،

    مع أنه ليس في الشريعة باطن محض ولا ظاهر محض،

    فما من ظاهر إلا وهو يتضمن باطنا، وما من باطن إلا وهو يتضمن ويستلزم ظاهرا ويقتضيه نوع اقتضاء.


    كله في مقام العبودية والشريعة التي جعلها الله سبحانه وتعالى - دينا لعباده أجمعين، وهو إخلاص الدين الله وحده لا شريك له.

    وهذه الآيات في هذا السياق بين بها مقاما من مقامات فقه العبودية وهو أنه:

    من شرف مقامها أن الله وصف بها خاصة الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام - الذين سماهم الله في كتابه إلى خيرهم؛ وهو رسول الله محمد سماه الله بذلك في مقام الاطفاء والامتنان والاجتباء وذلك في قول الله جل ذكره

    ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾


    فوصفه هنا بمقام العبودية كما وصف إخوانه من الرسل والأنبياء بمقام العبودية،

    وذلك المقام من أشرف المقامات بل هو أشرف مقام يضاف إلى جملة العباد وعموم العباد.

    ومقام النبوة هو من مقامات عبودية الله سبحانه وتعالى، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام - هم المصطفون بعبادة الله وحده لا شريك له،

    وهم أعلى الخلق مرتبة في عبادة الله الملائكة والأنبياء -عليهم الصلاة والسلام - فأولئك (
    لا يعْصُونَ اللهُ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)) ، يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتَرُونَ (۲۰))

    والأنبياء والرسل عصمهم الله عن معصيته، وهداهم لطاعته، والإقامة على عبادته .

    (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَثَمَانِي للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)) .

    -قال رحمه الله تعالى «إذا كان ذلك فمعلوم أن الناس يتفاضلون في هذا الباب تفاضلا عظيما وَهُوَ تفاضلهم في حَقِيقَة الْإِيمان وهم ينقسمون فيه إلى عام وخاص، وهذا كانت ربوبية الرب لهم فيها عموم وخصوص ودروب، وَقال ( كَانَ الشرك في هذه الأمة "أَخْفى من دُبِّيب النمل".)

    الشرح :

    -هذا جاء في الشرك أخفى في هذه الأمة من دبِّيب النمل جاء هذا في آثار رويت مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم -قواها طائفة من الحفاظ،

    وبعضهم أعلها بجملتها، وفيها ما هو معلول جزماً ولكن منهم من قوى أوجهاً منها، ومنهم من أعلّ جملتها.

  9. #49
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الدولة
    المملكة العربية السعودية
    المشاركات
    2,542

    افتراضي رد: فوائد من شرح رسالة العبودية لابن تيمية ... من شرح الشيخ يوسف الغفيص

    (48)

    قال الشيخ الإمام رحمه الله :

    ( وفي " الصحيح " عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس عبد القطيفة تعس عبد الخميصة تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش إن أعطي رَضِي وإن منع سخط )

    فَسَماه النبي صلى الله عليه وسلم - عبد الدرهم وعبد الدينار وعبد القطيفة وعبد الخميصة وذكر ما فيه دعاء وخبرًا وَهُوَ قَوْله: «تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش)

    والنقش إخراج الشوكة من الرجل والمنقاش ما يخرج به الشوكة، وَهَذِهِ حَالَ من إِذا أَصَابَهُ شَر لم يخرج منه ولم يفلح كونه تعس وانتكس، فلا نال المطلوب ولا خلص من المكروه، وَهَذِهِ حال من عبد المال، وقد وصف ذلك بِأَنَّهُ إِذا أعطي رَضِي وَإِن منع سخط

    كما قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أَعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ﴾ فرضاهم لغير الله وسخطهم لغير الله .)) ا.هــ

    الشرح :

    هذا الصنف في العبودية التي ذكرت في الحديث وهو عبد الدينار وعبد الدرهم وهو الذي يشتري بآيات الله أو بدين الله أو بالحقوق ثمناً قليلا

    إما بالأيمان الكاذبة أو بشهادة الزور أو غير ذلك.

    --------------------------

    قال الشيخ رحمه الله (وَهَكَذَا حال من كان متعلقا برئاسة أو بصورة - ونحو ذلك من أهواء نفسه - إن حصل لَهُ رَضِي وَإن لم يحصل له سخط فهذا عبد ما يهواه من ذلك، وَهُوَ رَقِيق لَهُ إِذْ الرق والعبودية في الحقيقة هُوَ رق القلب وعبوديته، فما استرق القلب واستعبده فَهُوَ عَبدِهِ، وَهَذَا يُقَال: العبد حر ما قنع والحر عبد ما طمع.

    وَقَالَ الشَّاعِر : أطعتُ مطامعي فاستعبدتني ولو أني قنعت لكنت حرا

    ويقال: الطمع غل في العنق قيد في الرجل، فإذا زَالَ الغل من الْعُنُقِ زَالَ الْقَيْد من الرجل.

    ويروى عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- أنه قال: "الطمع فقر واليأس غنى وإن أحدكم إذا يئس من شيء استغنى عَنهُ)

    وَهَذَا أَمر يجده الإنسان من نفسه فإن الأمر الذي يأس مِنْهُ لَا يَطْلُبُهُ، وَلَا يَطْمَع فِيهِ، وَلَا يَبْقى قلبهِ فَقِيرًا إِلَيْهِ وَلَا إِلى من يفعله، وأما إذا طمع في أمر من الأمور ورجاه فَإن قلبه يتعلَّق بِهِ، فَصارَ فَقِيرًا إِلَى حُصُوله وَإِلى من يظن أنه سَبَب في حصوله وَهَذَا فِي المال والجاه والصور وغير ذلك،

    قَالَ الخليل صلى الله عليه وسلم -: (فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهُ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوالَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (۱۷)) .ا.هـــــ

    الشرح :

    -المقصود بهذا المقام ليس إبطال الأسباب، وقد سبق أن ذكر المصنف أن الأسباب معتبرة في الشريعة، الأسباب التي جعلت أسبابا، قدرها الله أسبابا أو أمر بها قد تكون أسبابا كونية. أو أسباباً شرعية.

    ولكن الالتفات إلى الأسباب أو التعلق بآثار الأسباب وما إلى ذلك هذا من نقص تحقيق العبودية؛


    لأن من مقامات العبودية: الإيمان بقضاء الله وقدره، وابتغاء ما عند الله سبحانه وتعالى - في الأعمال الصالحة،

    وأن تكون الأعمال الصالحة أو عبادة الله هي الأصل الجامع الحال المؤمن، وتكون حياته حظاً يُستعان به على عبادته لربه.

    -----------------------

    قال الشيخ رحمه الله :قال: «فَالْعَبْدُ لَا بُد لَهُ مِن رِزْقِ وَهُوَ مُحتاج إلى ذلك فإذا طلب رزقه من الله صار عبدًا للهِ فَقِيرًا إِلَيْهِ وَإِذَا طلبه من تمخْلُوقَ صَار عبدا لذلك المَخْلُوقَ فَقِيرًا إِلَيْهِ وَلِهَذَا كَانَت مَسْأَلَة المخلوق محرمة في الأصل وإنما أبيحت للضرورة وفي النهى عَنْهَا أَحاديث كثيرة في " الصحاح " و "السنن" و "المسانيد " كَقَوْلِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: «لا تزال المسأَلة بأحدكم حَتَّى يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَة وَلَيْسَ في وجهه مزعه لحم )

    الشرح :

    هذه الأحاديث التي فيها ذم المسألة ، أو ذم أهلها ، إنما هي في المسألة التي تكون تكثرا ، أو عن أسباب مخالفة لمقتضى الشريعة،


    وأما من سأل لفقره وعجزه ، واستعان بغيره من المسلمين ما يعينه على لوازم أمره ، وحاجة نفسه ، وحاجة من يعول،

    فهذه المسألة ليست مذمومة وقد فعلها الصحابة رضوان الله عليهم، وفعلت بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم ، وأقر النبي للحاجة عليها.

    وأثنى الله سبحانه وتعالى - على من يحسن إلى هؤلاء .

    فمثل قوله: «لا تزال المسألة بأحدكم والحديث في الصحيح وغيره، حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم ))

    فهذا ليس فيمن يسأل وهو مضطر في سؤاله، فإن الناس فقراء، والغنى الذي يُصيب بعض الناس هو غنى نسبي،


    وإلا جميع الخلق فقراء إلى الله، وهذا الرزق الذي بيد الأغنياء هو من فضل الله عليهم.

    ولهذا ينبغي الشكر، ولهذا فرضت الزكاة مع أن الزكاة في فريضتها قد تتضمن أن الفقير يسأل الغني الزكاة، وهذا من حق الفقير أن يسأل الغني الزكاة، والمسكين يسأل الزكاة،


    وإن كانت المروءة والخير الأعلى أن الغني يبادر ، لكن لو أنه سأل فالمسألة هنا ليست المسألة المذمومة.

    إنما المسألة المذمومة هي مسألة التكثر ، أو مسألة التي يُصاحبها إسقاط للأسباب التي شرع الأخذ بها مع قدرته على العمل ونحو ذلك ،


    فهؤلاء أو هذه الصور وأمثالها هي التي فيها مسألة مذمومة، وأما الإنسان المقطوع العاجز إما لمرض أو لكبر أو لغير ذلك من الأسباب، وهو لا يريد هذه المسألة وليست من رغبته، ولكنه اضطر الجائحة اجتاحته أو فاقة أصابته ونحو ذلك،


    فهؤلاء موقرون في الشريعة، ومحترمون في الشريعة، ليسوا مذمومين لهذه العوارض التي صادفتهم أولاقتهم .

    -------------------
    قال الشيخ رحمه الله :(وقوله: من سأل الناس وله مَا يُغْنِيه جاءت مسألته يوم القيامة خدوشا أو خموشا أو كدوشا في وجهه

    وقوله: ولا تحل المسألة إلا لذي غرم مفظع ))

    الشرح :


    -أي إذا رأيت هذه الآثار التي ساقها المصنف وجدت أنها مقيدة من سأل الناس وله ما يُغنيه... هذا قيد،

    وقد يقول قائل : إن الحديث الأول لا تزال المسألة بأحدكم .... ليس فيه قيد.

    فنقول: هذا فهم خطأ، بل فيه قيد، فإن الشريعة نصوصها المفصلة تقيد بفقه قواعدها، وهذا من أخص طرق التقييد والتفصيل للشريعة.

    -------------------

    قال الشيخ ( وقوله: «لا تحل المسألة إلا لذي غرم مفظع أو دم موجع أو فقر مدقع».

    الشرح :

    -فضلا عن كون الفعل لا تزال يدل على الاستمرار، لا تزال يدل على أن هذا صار حالا له قد أقام عليها، وهذا في الغالب المطلق لا يكون إلا عن تقصير؛

    لأن الإقامة على تلك الحال من المسألة مع أن الإنسان تنقلب حاله، ومن أقام على المسألة فهذا في الغالب مظنة التقصير، وإن كان لا يستلزم التقصير على كل تقدير .


    -----------------------------------

    قال الشيخ رحمه الله :

    (وفيه أيضا: «لأن يَأْخُذ أحدكم حبله فيذهب فيحتطب خير له من أن يسأل النَّاسِ أَعْطُوهُ أَو مِنعُوهُ، وَقَالَ: «مَا أَتَاكَ من هَذَا المال وأنت غير سائل وَلَا مُشرف فخله وَمَا لَا فَلا تبعه نفسك )) فكره أخذه مَعَ سُؤال اللسان واستشراف القلب،

    وقال في الحديث الصحيح: «من يستغن يغنه الله، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر».

    الشرح :

    وهذه كلها أحاديث صحيحة، الحديث ((ما أتاك من هذا المال،)) وكذلك ما ذكره المصنف.

  10. #50
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الدولة
    المملكة العربية السعودية
    المشاركات
    2,542

    افتراضي رد: فوائد من شرح رسالة العبودية لابن تيمية ... من شرح الشيخ يوسف الغفيص

    (49)

    قال الشيخ رحمه الله

    (وأوصى خواص أصْحَابه ألا يسألوا الناس شَيْئًا وَفي "المسند": " أن أبا بكر كان يسقط السوط من يده فلا يقول الأحد: ناولني إياه ويقول: إن خليلي أمرني ألا أسأل الناس شَيْئًا، وفي "صحيح مسلم " وَغَيره عَن عَوْف بن مالك أن النبي -صلى الله عليه وسلم - بايعه في طائفة وأسر إليهم كلمة خفية: «أن لا يسألوا الناس شَيْئًا)

    فَكَانَ بعض أُولَئِكَ النفر يسقط السوط من يد أحدهم ولا يقول لأحد: ناولني إياه )

    الشرح :

    -كلما اتقيت المسألة فهو أفضل، لكن أيضًا لا يكون للإنسان ترك المسألة لما جرت العادة بالتعاون فيه، فهناك مسائل على خلاف العادة، وهناك مسائل على وفق العادة.

    والعادة محكمة؛ لأن البعض قد يغلق على نفسه، أو يشق على نفسه، مما لا يعد من المسألة المذمومة، فهذه المسألة فيها اعتدال وتوسط على كل حال.

    -وما لاقي بعض السلف من الحال الخاصة هذا لا يلزم أن يكون منهجا عاما لكل أحد، وإلا لو اتخذ منهجا مضطرداً لضاقت على الناس بعض الأمور التي هم محتاجون إليها أو من ورائهم ومن يعولونهم يحتاجون إليها.

    -----------------
    فال الشيح رحمه الله

    (قال: وقد دلت النصوص على الْأَمْرِ بِمَسْأَلَة الخَالِقِ وَالنَّهْي عَن مَسْأَلَة الْمَخْلُوقِ فِي غَير مَوضِعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (۷) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (۸)) [الشَّرْح : ٧].)

    الشرح :

    -ولكن هذا مقامات مسألة الخالق ومسألة المخلوق هذه مقامات، فهناك مقامات من المسألة لا تصح إلا الله، وهناك مقامات يسأل الله سبحانه وتعالى ما يليق به،

    وقد يسأل المخلوق ما هو بيده ، ولا يكون مما يختص بالخالق، فالمخلوق لا يسأل الرزق؛ لأن الله وحده هو الرزاق،

    لكن قد يسأل مخلوق مخلوقا آخر أن يُعطيه مالا معينا، أو درهما معينا، أو عقارا معيناً أو طعاما معينا فهذا من مقدوره،

    لكن أن يسأله رزقا سواء كان حيا أو ميتا فهذا مما لا يليق إلا بالله .

    ---------------

    قال الشيخ رحمه الله

    ( وقد دلت النصوص على الأمر بمسألة الخالق والنهي عن مسألة المخلوق في غير موضع كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (۷) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (۸)) [الشرح : ٧] وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن عباس: إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاسْتَمِن بِالله وَمِنه قول الخليل: (فَابْتَغُوا عِندَ اللهِ الرِّزْقَ) [العنكبوت: ١٧] ولم يقل: فابتغوا الرزق عند الله لأن تقديم الظرف يشعر بالاختصاص والحصر كانه قَالَ: لَا تَبْتَغُوا الرزق إِلَّا عِندَ اللهِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّبِينَ فَضْلِهِ) [النساء: (٣٢)، والإنسان لابد له من حصول ما يحتاج إليه من الرزق ونحوه ودفع ما يضره وكلا الأمرين شرع له أن يكون دعاؤه لله فله أن يسأل وإليه يشتكي كما قَالَ يَعْقُوب عَلَيْهِ السلام : (إِنَّمَا أَشْكُو بَنِي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ الْيُوسُف ٨٦) الله تعالى ذكر في القرآن الهجر الجميل، والصفح الجميل، والصبر الجميل وقد قيل: إن الهجر الجميل: هو هجر يلا أذى، والصفح الجميل : صفح بلا معاتبة، والصبر الجميل : صبر بغير شكوى إلى المخلوق.)

    الشرح :

    -هذا المعنى الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في تقرير هذه الرسالة رسالة العبودية، وقوله رحمه الله: "وقد دلت النصوص على الأمر بمسألة الخالق والنهي عن مسألة المخلوق"؛ الأمر بمسألة الخالق هذا قد استقرت دلالة النصوص عليه، فهو من المحكمات؛

    (وقال ربكم ادعوني استجب لكم) الله أمر بدعائه، وأمر بمسألته

    (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُ وا لِي ﴾ [البقرة: ١٨٦]


    فأجاب سبحانه وتعالى دعوة من دعاء من المشركين إذا دعوا ربهم مخلصين له الدين فأنجاهم سبحانه وتعالى - ابتلاء منه لهم، وآية منه سبحانه وتعالى -وبرهانا على ربوبيته - جل وعلا، والله سبحانه وتعالى - أمر بدعائه ومسألته.


    -وأما مسألة المخلوق : فمن حيث الجملة والجنس الأصل فيها الذم، لكنك تعلم أنه لا بد للمخلوق لقصوره من أن يسأل مخلوقا،

    ولكن المقصود بالمسألة هنا التي هي من موارد المباحات الأمر الذي تكون بها الحركة وتمام الحركة وما إلى ذلك كأن يطلب هذا أو يحمل هذا أو ما إلى ذلك؛

    وليست من المقصود في الأصل، بمعنى ليست بما يتعلق به الذم، فإن هذا مما لا تصلح أحوال الناس وأحوال بني آدم إلا به، وإن كانت لا يتوسع فيها .

    -وعن هذا جاء عن جماعة من السلف رحمهم الله - أنهم كانوا ربها سقط سوط أحدهم فلا يطلب من يأخذ له هذا السوط، أو يعطيه هذا السوط، لم ؟

    لأن السوط من اليسير الذي يحمله بنفسه.

    -لكن ما كان لابد له من مساعدة غيره فهذا كانوا يبذلونه؛ لأن تحقق المصالح لا تكون إلا بمثله، فليس في الشريعة تشريع ينهى عن المسألة بكل تقديراتها.

    -وأما المثال الذي روي عن بعض السلف في مسألة السوط يسقط من أحدهم، فهذا نقل عن بعض الصحابة أو عن بعض التابعين،

    فهذا لا يقصد به الإغلاق المطلق، وإنما لأن هذا المثال هو كذلك ، بمعنى أنه من خاصة الإنسان.

    -ولذلك موسى عليه السلام - لما سأله الله (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (۱۷)) [طه: ۱۷] ما قال هي عصا، وإنما قال: (هي عصاي ) [طه: ۱۸]

    فهذه من خاصة الإنسان، ولذلك لا ينبغي للإنسان أن يحمل عصاه أو نعله إلا هو.

    لكن فيما يتعلق بمسألة الإنسان في تحقيق المعنى الذي تقوم به مصالحهم في البناء وفي العلم وفي الإعانة فهذا لابد للناس منه، وإلا لتعطلت مصالح العباد،

    فهذا لا يدخل في هذا القدر، هذا وجه، حتى لا يعمم ويظن أنه لما ذكر عن بعض السلف كما في مسألة السوط دل على أن غيره من باب أولى على كل تقدير، لا، هو السوط؛ لأنه من خاصة الإنسان،

    لكن إذا أراد الإنسان أن يحمل هذه الخشبة مثلا بثقلها لا بد أن يطلب من غيره أن يعينه.

    هل هذا داخل في مادة الذم ؟

    الجواب: هذا ليس داخلا في مادة الذم

    -لأنه إما أن الإنسان يحملها وحده وهذا ممتنع حساً .

    -وإما أنه لا يحمل ما لا يستطيع وهذا معناه عجز، وتأخر عن العمل.

    -وإما أنه يستعين بغيره وهذا هو الذي تتحقق به المصلحة له ولغيره. هذا وجه.

    الوجه الثاني: وهو يبلغ في الدلالة والمعنى، ماذا يقصد بالمسألة ؟ والباعث على الأمر؟ وما هو المعنى الذي يقوم في نفس الإنسان إذا سأل غيره،

    هل هو على المعنى الذي يكون على قدر السبب البشري القاصر ؟ أو أنه يفرط في نظره إلى هذا الغير أو إلى سبب هذا الغير ؟

    وكما أن الإنسان يغلو في الأسباب - أنت تعلم أن الشريعة أقرت الأسباب والأخذ بالأسباب،

    -ولكن إذا غلا الإنسان في السبب أو في أثر السبب صار مخالفًا للشريعة - وهنا كذلك يُقال إذا سأل إنسان إنساناً آخر؛ نظر إلى هذه المسألة من وجهين

    -هل هي مما يحتمله السؤال ؟

    -أو مما يختص به الإنسان؟

    فإن كان مما يحتمله السؤال كما سبق الإبانة لبعض أنواعه، وليس لجميع أنواعه، فقد أتى على وجه مناسب،

    لكن بقي أن يتحقق من الوجه الآخر حتى لو صح له الأول،

    ما هو الوجه الآخر ؟

    أنه إذا سأل إنسان إنسان آخر ولو فيه يصح فيه السؤال ، ينبغي أن لا يكون هذا السؤال متجاوزًا في قدر السبب الذي جعل له،

    وهذا متفق وظاهر في مسائل الأسباب، يقع فيها إفراط ويقع فيها تفريط.


    وكما أن الشريعة ذمت إغلاق السبب وتركه توكلا على القدر؛ لأن هذا الإغلاق للسبب توكلا على القدر هو فهم وجهل لمسألة القدر؛

    لأن السبب من حيث هو مقدر، ومن حيث هو فعل الإنسان، هو من قدر الله، فالله هو الذي قدر الأسباب وقدر المسببات،

    فكل سبب أتاه الإنسان فهو بقضاء الله وقدره .

    -إذا المقصود أن مسألة المخلوق؛ الأصل فيها الذم، ولكن إذا قبل الأصل فيها الذم ، ليس معنى هذا أن ثمة مراد في الشريعة لإغلاقها على كل تقدير؛

    لأن من رام إغلاقها على كل تقدير وقع في العجز، ولو تواطئ الناس على إغلاقها على كل تقدير ما قامت حالهم وصلحت دنياهم و شئونهم،

    د فهي لابد فيها من هذا المقام.

    -ومن تعالى عن هذه الدرجة العادية ، التي هي محل إباحة في الشريعة، من تعالى عنها على زعم التوكل ، وألا يسأل إلا الله فقد أخطأ في فهم مسألة الله، وإنها الإنسان لا يسأل إلا الله فيها هو من أمر الله - سبحانه، والأمر كله لله ، له الأمر من قبل و من بعد.

    -ولكن ما كان في شأن بني آدم المحض كحمل متاع الإنسان، إذا كان متاعاً ثقيلاً لا يستطيع أن يحمله، فإذا استعان بآخر من الناس ليحمله على رحله ، أو ليحمله معه على ظهره ، أو على دابته أو نحو ذلك ، لم يقل إن هذه الاستعانة من الاستعانة المذمومة أو هذه المسألة من المسألة المذمومة.

    -وإنما المذموم؛ الالتفات للمخلوقين في أي مسألة حتى لو هذه.


    الالتفات للمخلوق لأن المخلوق سبب، والالتفات للأسباب منافي لتحقيق التوحيد.


    -وكذلك ما كان اختصاصا للإنسان فهذا من مروءته ومن صدق تحقيقه لتعبده الله ألا يلتفت فيه إلى الناس ، حتى لا يقع في هذا المورد مما هو من إغلاق الأسباب؛ لأن إغلاق الأسباب ليس مشروعًا بل مخالف للشريعة، والالتفات للأسباب مخالف للشريعة.


    ومسألة الناس هي في هذا السياق؛ إذا وقعت في محلها المناسب، وعلى المقصود المناسب صارت مسألة خارجة عن الذم

    أما إذا اختل المحل أو اختل المقصود صارت داخلة في مادة الذم التي قال فيها المصنف: وذم مسألة المخلوقين.

    -ولهذا شرعت الشريعة طلب الرزق من الله،( فَابْتَغُوا عِندَ الله الرزق ) [العنكبوت: ١٧]

    وكما أشار المصنف قدم الظرف ليدل على أن الرزق من عند الله وحده، فالله هو الرزاق،

    وحتى الأموال التي بيد الكفار هي من رزق الله ، خلافا لبعض أهل البدع كطوائف من المعتزلة وغيرهم، الذين قالوا : رزق الله هو ما يكون للمؤمنين.

    فالجواب : لا هذا من الأمر القدري فهو رزق من الله؛ لأن الأمر كله الله سبحانه وتعالى.

    ومع أن الله قال: (فَابْتَغُوا عِندَ الله الرِّزْق) [العنكبوت: ۱۷] إلا أن الله سبحانه - أباح لعباده البيع والشراء، مع أنهم يبتغون في بيعهم وشراءهم وتجارتهم يبتغون الرزق

    فهل هذا منافي ويبتغونه فيما بينه ؟ لكن هذا الابتغاء فيما بينهم ليس هو الابتغاء الذي أمر الله به وهو حقه سبحانه في قوله: ﴿فَابْتَغُوا عِندَ الله الرِّزْقَ ﴾ [العنكبوت: ١٧]

    فهذا ابتغاء وذاك ابتغاء ولكن هذا الابتغاء هو من حق الله،

    وهذا الابتغاء الثاني - إن جاز تسميته أو التعاطي أو المعاطاة أو البيع أو الشراء أو المبادلة التجارية، أو التجارة، كل هذه الأسماء - هي من مناسب المخلوق.

    -وهذا هي ليست مبنية على الجزم ، لا قدرًا يعلمه الإنسان، لأن القدر لا يعلمه إلا الله، لا يعلم ما سيكون إلا الله -سبحانه وتعالى.

    ولو كان الإنسان يعلم بعلمه بالقدر النتائج؛ ما باع إنسان إلا وهو يعلم أنه رابح إلى غير ذلك، لكن هذا لا يكون.

    -فالقدر بأن هذا ربح أو خسارة ، هذا في علم الله، ليس في علم البشر، لاشك أنه في علم الله وفي قضاء الله وفي قدر الله أن هذا رابح وهذا خاسر، معلوم.

    لكن هذا من القدر الذي لا يعلمه الناس، وإنما يتبين له الأمور فيما بعد.

    -والله سبحانه وتعالى - شرع لهم هذه الأعمال، أو أباح لهم هذه الأعمال، وهي من شرع الله المباح؛ ومن شرع الله ومن أحكام الله التي أباحها وشرعها لعباده.

    -فإذا كان كذلك علمنا أن ابتغاء الرزق عند الله لا يتنافى مع بذل الأسباب؛ لأن هذه الأسباب أسباب قاصرة لا يجزم بوقوع الرزق بموجبها، ولهذا تقع في التجارة الخسارة، وهي قائمة على ذلك بل لو لم تقم على ذلك لدخلت في أوجه من الظلم لبعض الناس

    ولذلك نهت الشريعة عن ضمان الربح في بعض الصور التي تكون مبنية على الاجتهاد وبذل الجهد كعقد المضاربة مثلاً.

    فلو أن المضارب ضمن لرب المال الربح؛ قال: اعطني مائة ألف، وأضمن لك ربحا أضارب بها في تجارة ما، وأضمن لك ربحا في السنة قدره كذا وكذا، فقبل بأن هذا العقد عقد باطل، بل قد يكون رابحًا في تمام سنته، وقد يكون خاسرا، وقد يكون لا رابحا ولا خاسرا مثلا.

    ----------------

    قال الشيخ «وهذا قرى على أحمد بن حنبل في مرضه أن طاوسا كان يكره أنين المريض وَيَقُولُ: إِنَّه شكوى فما أن أحمد حَتَّى مات. وأما الشكوى إلى الخالق فلا تنافي الصبر الجميل فَإِن يَعْقُوب قَالَ : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ) [يُوسُفَ : ٨٣]، وَقَالَ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَني وَحُزْنِي إِلَى الله [يُوسُفَ : ٨٦].)

    الشرح :

    -كما أشرنا هي فرق بين مقامات يعني مسائل القصود البواعث هي المؤثرة

    فرسول الله - عليه الصلاة والسلام قال في حديث ابن مسعود: إني أوعك لكن لما قال: إني أوعك؛ ونظرنا إلى السياق،

    فقال له ابن مسعود: يا رسول الله إنك لتوعك كما يوعك رجلان منا، فقال: «نعم، ذلك لأن لي الأجر مرتين)

    فهنا النبي صلى الله عليه وسلم لا يقول ذلك على سبيل الشكوى، وإنما على سبيل بيان أمر شرعي في أحكام الشريعة وما إلى ذلك.

    فإذا العبرة في مثل هذه الأخبار التي تقع ، مما يعرض في أمر الناس ، إما في مرض، أو في بيع، أو في شراء، أو في حصول مصلحة، أو في وقوع مفسدة هذا ليس كله من باب الشكوى لغير الله.

    -ولذلك يعقوب عليه الصلاة والسلام قال لبنيه ما قال وراجعهم في أمرهم، وعاتبهم في بعض فعلهم، ولم يكن هذا من باب الشكوى لغير الله ؛

    فهذا كما قلت هو معتبر بأمرين:

    -معرفة المحل المناسب.

    -وفوقه وأجل منه فقها وعلما ما يتعلق بالقصد والباعث.

    وإذا تحقق هذا وهذا؛ وقع على الوجه الشرعي المناسب.

  11. #51
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الدولة
    المملكة العربية السعودية
    المشاركات
    2,542

    افتراضي رد: فوائد من شرح رسالة العبودية لابن تيمية ... من شرح الشيخ يوسف الغفيص

    (50)

    قال الشيخ الإمام رحمه الله : وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقرا في الفجر بسورة يونس ويوسف والنحل قمر بهله الآية في قراءته فبكى حتى سمع نشيجه من آخر الصفوف. وَمِن دُعَاء مُوسَى: "اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان ويك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بك ".

    وَفِي الدُّعَاءِ الَّذِي دَعَا بِهِ النَّبي - صلى الله عَلَيْهِ وَسلم - لما فعل به أهل الطائف ما فعلوا: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس ... "...

    الشرح :

    -لاشك أن من أعظم مقامات العبودية؛ هو تعلق العبد بربه سبحانه وتعالى ، وبمسألته، وبالفقر إليه، وبالتذلل بين يديه وبأن يجعل أمره كله الله، وإلى الله سبحانه وتعالى، فيجعل عبادته الله، ويجعل أمره الله.

    وحتى الأمر العادي يجعله الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله بيده ملكوت كل شيء،


    وهذا قول الخليل إبراهيم عليه السلام - فيما ذكره الله جل وعلا - (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (۷۸) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (۷۹) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (۸۰) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (۸۱) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (۸۲)) [الشعراء: ۷۸]

    فهنا ترى في سياق ذكر الخليل عليه الصلاة والسلام - ذكر المعاني العبادية المحضة، وذكر المعاني العادية.

    وكل ذلك وكله وجعله إلى الله سبحانه وتعالى، فجعل هدايته من الله، وجعل عبادته الله، كما جعل رزقه وطعامه وشرابه ومرضه وشفاءه بأمر الله وقضاءه،

    قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (۸۰)) [الشعراء: ۸۰] .

    والمرض بقدر الله، لكن لما كان ضعفًا في الإنسان ، لم يضف ذلك إلى الله سبحانه وتعالى - قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يشفين (۸۰)) [الشعراء: ۸۰]،


    لكن لما كان الخلق كمالا وفضلا من الله على عبده - أما المرض فهو نقص في العبد وإن كان بقدر الله، وبأمر الله الكوني -

    وأما الخلق فقال: (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (۷۸)) [الشعراء: ۷۸]، والطعام( وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (۷۹)) [الشعراء: ۷۹]،

    لكن لما كان المرض هو عارض من النقص ينتاب البشر ما أضيف إلى الله سبحانه وتعالى - مع أنه بأمر الله جل وعلا.

    -ولذلك من شهد هذه الحقيقة شهد العبودية في كل شأنه حتى في أكله وشربه، ولذلك كان رسول الله - عليه الصلاة والسلام - يقول:

    «إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا؛)

    لأن هذا أمر عادي، فمن حقق هذا المقام العادي فهو أحرى بتحقيق ما فوقه، ولذلك صار موجبا لرضا الله، ورضا الله أكبر المقامات وأشرفها، وأنت ترى أنه جعل هنا في فعل من فعل الإنسان وهو طعامه وشرابه، ولكن الموجب لرضا الله هو مقام الحمد له سبحانه ، ومقام الشكر له سبحانه .

    -فمن استم مقام الشكر ومقام الحمد حمد الله في شأنه كله، وهذا هو مقتضى الإيمان بالشرع من جهة كهذا الحديث؛ (إن اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْها )

    وهو مقتضى الإيمان بالقدر من جهة كقول النبي - عليه الصلاة والسلام في الصحيح وغيره( عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ).

    -ولهذا مقام الحمد هو من أخص مقامات العبودية، وافتتحت أجل السور، وأعظم السور في كتاب الله وهي السبع المثاني، سورة الفاتحة ابتدأت بحمد الله سبحانه

    -( الحمد لله رَبِّ الْعَالَمِينَ (۲)) [الفاتحة: ٢] بعد البسملة.

    وكان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح كلامه وخطبه عليه الصلاة والسلام - بهذا المقام : بالحمد لله رب العالمين إن الحمد لله، فالحمد من أخص مقامات العبودية،


    وسمى الله سبحانه - قومًا فقال:( التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ) [التوبة : ١١٢]

    فجعل المقام الأول مقام التوبة؛ لأن التوبة هي مقدمة وهي تسليم النفس من جرائرها وموبقاتها وآثامها وسخائمها ونقصها ولهذا شرعها الله لجميع المؤمنين.

    ولما خوطبوا بها خوطبوا بها بصيغة العموم المؤكدة، وإلا الخطاب كثير العموم في القرآن، بل هو الأصل في خطاب الإيمان، لكن هنا جاء العموم مؤكدًا ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهُ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [النور: ۳۱) فجاء التأكيد بذكر "جميعا"

    ولذلك اجتمع في هذه الآية (وَتُوبُوا إِلَى الله جميعا ﴾ [النور: ۳۱)؛ اجتمع فيها عدد من مقتضيات العموم.

    فذكر الله مقام التائبون، وبعده العابدون، وإنها قدمت التوبة باعتبارها مصححة للحال، حتى يدخل العبد على طهارة، ولهذا كثر مشروعية الاستغفار بين يدي العبادة وبعدها

    (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ ...) [التوبة: ١١٢] بعد هذا المقام المجمل العام المطلق وهو مقام العبادة - لأنه مقام جامع لكل ما شرع الله ورسوله من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة العبادة كما هي معروفة في الشريعة - ذكر المقام أو الوصف بقوله: (الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ) [التوبة : ١١٢]

    فهذا الثالث؛ فيه ذكر لأخص مقامات العبودية، وأن أخص مقامات العبودية هو مقام الحمد.

    -والحمد فقه وعلم ونور وبصيرة في قلب العبد، والصلاة من حمد الله، والصيام من حمد الله، والحج من حمد الله، فمن وجد في هذه العبادات مقام الحمد ، فقد حقق هذه العبادات على وجهها المنيف.

    -وعن هذا كان أخص ما يتفاضل به الأولياء ليس هي كثرة النوافل كما يتوهم، ليس أخص ما يتفاضل به في ولاية الله كثرة النوافل وإن كان مقامها معتبرا في الشريعة،

    ولكن أخص ما يتفاضل به الأولياء في ولايتهم هو تحقيقهم لمقام العبودية على وجهه الأكمل والأتم الذي يُرضي الله.

    وهذا فقه كلمة الحسن البصري - وهو من سادات الفقهاء والعلماء كما أنه من البصراء في العبادة وفي فقه العبادة وسلوكها؛ لأن العبادة لها فقه، وكما يتفاضل الفقهاء في معرفة الأحكام وفقهها وتحريرها وأوجهها، يتفاضل العباد في فقه العبادة، وليست العبادة كثرة محضة، وإن كان العمل محمودا بكثرته إذا كان صالحا بمعنى تكراره

    ، لهذا أثني إلى التكرار الجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارة لم بينهما والتكرار الذي يوافق ويلاقي الشريعة محمود.

    لكن فوق هذا المعنى معنى يخفى على بعض الناس فيظن أن المفاضلة أو التحقيق هو في العدد فحسب ، وهذا ليس كذلك، ولكنه في المقام الأخص.

    وعن هذا كما قلت هذا هو - فقه كلمة الحسن البصري رحمه الله - لما قال: " ما سبقهم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة"؛ فإنك تعلم أن أبا بكر الصديق هو أفضل هذه الأمة لصريح الأدلة الدالة على ذلك في الكتاب والسنة على فضل أبي بكر -رضي الله عنه ، وهذا متواتر في السنة للرسول عليه الصلاة والسلام - وفي كلام الرسول من الأوجه الكثيرة الدالة على فضل أبي بكر، وها متفق عليه بين الصحابة رضي الله عنهم .

    وتعلم أن أبا بكر لم يكن السبب المقدم هو مسألة الكثرة، وإن كان هذا لا يعني أن أبا بكر رضي الله عنه - لم يكن كثير التبتل، فهو من أئمة التبتل والعبادة، ولا يجوز الإنسان أصلا أن يقول كان يصلي كذا أو يصلي كذالأن صلاته فيها بينه وبين الله،


    ما كان الصحابة يُظهرون أعمالهم أو يسمون للناس أعمالهم، وإنما كانوا يستخفون فيما شرع فيه الاستخفاء من العبادة.

    الشاهد هنا: أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه - حقق مقام الفعل، وحقق مقام العلم، والعمل القلبي وهذا هو فقه الإيمان،


    ألسنا نقول بأن الإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل واعتقاد؟، ويقولون هو : قول وعمل؛ قول القلب وقول اللسان، وعمل القلب وعمل الجوارح كما هي الجملة التي جاءت عند أكثر أئمة السلف، قول وعمل،

    وقال بعضهم قول وعمل واعتقاد، لكن جمهور السلف الذين نقل عنهم بالإيمان كلام لما ظهرت البدع، قالوا: الإيمان قول وعمل.

    قد يقول قائل : أين الاعتقاد؟

    نقول: قول؛ أرادوا قول القلب وقول اللسان، وعمل أرادوا عمل القلب وعمل الجوارح.

    -فمن غلب عليه مقام العمل في الجوارح، ولم يُدرك عمل القلب فاته من الإيمان ما فاته، وهذا الذي يعرض لكثير من العامة وبعض المتعبدة، أنهم يعتبرون مقام الولاية أو العبودية بكثرة الأعمال، وهذا مقام في أصله شريف، لكنه أحد المقامات، ولا يصيب التحقيق صاحبه إلا إذا عرف المقصود من هذه الأعمال، فوجد مقام أو حقق مقام الحمد في صلاته ومقام الحمد في صيامه، ومقام الحمد في صدقته وفي بذله.

    -ولذلك تجد أن الشريعة إذا شرعت أمرًا حتى في باب النفقات تغلق هذا الباب عما ينافي مقام الحمد لله (ثُمَّ لَا يُتَّبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنَّا وَلَا أَذًى ) [البقرة: ٢٦٢]

    لأنه إن خالطه من أو خالطه أذى ولو بحركة أو تصرف فإن هذا ينافي مقام الحمد الله سبحانه .

    وإنها المتصدق حقا هو الذي يتصدق وهو يعلم ويرى ويجد أن هذه الصدقة هي من فضل الله عليه، فمن عرف لهذه العبادات حقها وجد أثارها الشرعية

    وقامت فيه أثارها الشرعية التي قال فيها الله ورسوله - عليه الصلاة والسلام كقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي مالك الأشعري: «الصلاة نور».

    لكن هل هذا النور درجته في كل الناس وفي كل المصلين سواء ؟ الجواب: ليس كذلك.

    الصلاة نور والصدقة برهان؟ هل هذا البرهان يكون لسائر المتصدقين بدرجة واحدة ؟ الجواب: لا.

    وهكذا في مقامات العبادات، فالعبودية لها فقه، ولها علم، ولها قواعد، والشريعة جاءت بهذا العلم، ويقواعد العبادة، ومحبة الله، والتعلق بالله، والاستعانة بالله، فليست الشريعة أحكاما فيها الواجب وفيها المستحب فقط.

    الشريعة فيها التشريعات ، لكن فيها مقام العبودية، وكما فيها الأحكام التي تخاطب العقول فيها الأحكام التي تخاطب النفوس، ولهذا هذا من ركن الشريعة ومقامها.

    ولهذا العمل إذا خلا منه لم يكن عملا صالحا، إذا خلا من عمل القلب فعمل الجوارح المحض ليس عملاً صالحا، إذا لم لا يسمى فعله عبادة، أليس كذلك؟

    يُصاحبه تصديق ولا عمل في القلب لم يكن هذا من الأعمال الصالحة، ولذلك الذي يفعل الفعل العبادي على وجه عادي

    فالذي يبحث عن مفقود له أو عن صاحب له بين الطائفين، وهو لا يريد بذلك الطواف بالبيت، وإنما يريد أن يجد صاحبه، لا يسمى فعله هذا ماذا ؟ طوافا ولا يسقط به ركن في حج أو عمرة.

    -وكذلك الذي يفعله لغير وجه الله؛ فأنت تعلم أن المنافقين يصلون، ولكن صلاتهم هذه ليست عبادة ، مع أنها في ظاهرها يأتون بظاهر الصلاة مع الرسول - عليه الصلاة والسلام- والمسلمين، لكن الله - سبحانه - سماهم منافقين، لأنهم ظاهر لا باطن لهم في الإيمان، وإنما باطنهم الضلال وعدم الإيمان بالله - سبحانه وتعالى.

    -فالمقصود أن هذا علم منيف شريف، وقد اعتنى به جملة من علماء المسلمين، ولكن كما نعلم أن علم الفقه مثلا فيه محققون، وفيه مقلدون، فكذلك هذا العلم فيه محققون، وفيه مقلدون، وفيه متوهمون .

    كبعض من خاض في هذا العلم بطرق مبتدعة أو متكلفة،


    ويُقابلهم في ذلك من أراد، - وهذا هو الذي يخاف على بعض القاصدين للسنة، ويحسن أن يتقوه

    - فإن بعض القاصدين للسنة والاتباع يريد أن يُغلق بعض الطرق كطرق التصوف مثلا أو ما هو منها فيقع في مادة من الجفاء في فقه العبادة لجهله وقلة علمه وفقه بفقه العبودية ،

    فيتوهم أن مثل هذه المعاني هي من معاني التصوف وهي ليست كذلك.


    -وتأمل في سياق الدلالات، إذا كان الآن في باب الأمر والنهي نأخذ من الأمر والنهي في تشريع الأحكام بحسب دلالات الخطاب التي رتبت في علم أصول الفقه المعرفة أحكام الشريعة، هنالك دلالة النص، وهناك دلالة الظاهر، وما دون ذلك، ، والمنطوق، والمفهوم، ومفهوم الموافقة، والمخالفة إلى آخره من أنواع الدلالات، أو العام، أو الخاص، أو المطلق، والمقيد إلى آخره.

    كذلك في الفقه العبادي المعني هنا بهذه الرسالة دلالات الأسماء والأفعال التي ذكرت في القرآن، مثل:

    الخاشعين؛ كلمة الخاشعين التي جاءت اسم فاعل، أو يأتي بصيغة الفعل مثل: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لذكر الله )(الحديد : ۱۷] ما قال هنا أن تستجيب، أو أعطاهم الأمر الذي يقع في الأمر التشريعي المحض،

    هنا جاء الفعل فعلا قلبيا له فقهه، وله معناه الخاص( الم يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله ) [الحديد: ١٧ ] لم يقل : أن يسمعوا وإنما قال: ﴿أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهُ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) [الحديد: ١٧].

    هنا الخشوع، الإخبات، ما معنى الإخبات؟ وما الفرق بين الإخبات وبين الخشوع ؟

    الحمد الحامدون، ما معنى الحمد؟ مقام الحامدين ما هو ؟

    لأن هذه ذكرها الله مقامات حتى للرسل( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتا ﴾ [النحل : ۱۲۰]؛ ما معنى مقام القنوت الله ؟

    وكما تتفقه وتتدبر القرآن في معرفة أحكام الأمر والنهي ، يجب من باب أولى أن نتدبر القرآن في فهم مقامات العبودية، ماهو المعنى الذي ذكره ؟ أو ما فقه هذه الآية؟

    إذا كنت تقف عند قوله - جل ذكره - : ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة: ١٨٤]لنفقه منها حكم الفطر في السفر وحال المريض وأنه يقضي إلى غير ذلك، وهذا من علم القرآن وشريعة الإسلام، فالعلم فيه ركن من أركان الإسلام.

    لكن كذلك الآيات التي فيها مقام العبودية لله لها فقه، (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِنَا لله حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (۱۲۰) شَاكِرًا لأنعمه ﴾ [النحل : ۱۲۰ - ۱۲۱]

    ما هو مقام القنوت الذي وصف به إبراهيم؟ وما هو مقام الشكر الذي وصف به إبراهيم ؟

    في ذكر إسماعيل عليه الصلاة والسلام - (إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ) [مريم: ٥٤] ، مقام صادق الوعد .

    (وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) [الأنبياء: (۷۳)، وفي مثل قول الله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا)[الأنبياء: ٩٠).

    آيات فقه العبودية مع الأسف هنالك تقصير كثير في فقهها، وهذا من الجهل الذي مر في القرون المتأخرة حتى استطار، ولما كان كذلك أصبحت المراجعة فيه صعبة، وقد يفوت إقناعها حتى على بعض من له مقام في العلم.

    ولهذا إذا أقبل الطالب على طلب العلم أول ما يتبادر إليه في طلب العلم أن يعرف الأحكام الحلال، وأن هذه المسألة فيها خلاف بين أبي حنيفة ومالك، وهذا البيع صحيح في مذهب أحمد باطل في مذهب الشافعي، وأن بيع العربون من مفردات المذهب، وهذا لاشك أنه من علم الشريعة.

    لكن تجد أنه في جانب علم العبودية وفقهها ما هو من العلم الذي يتبصر فيه، وإذا أقبل الإنسان فيه على مقام أقبل على مقام العدد. ما معنى أقبل على مقام العدد ؟

    أقبل على مقام العدد بأنه يحافظ على عدد من الركعات، وعدد من الصيام النوافل؛ فيجد أن نفسه قد حققت هذا المقام؛ لأنه لا يكتفي بصوم رمضان، وإنما يصوم من النافلة ما يصوم كثلاثة أيام من كل شهر، أو الإثنين، أو ما إلى ذلك، مما ورد فيه فضل إما مجمع عليه، أو على رأي طائفة كأيام البيض وتخصيصها إلى غير ذلك، أو يحافظ على سنن من الصلاة أو قدر من ذلك.

    لاشك أن هذه عبودية الله، لكن هل تحديد مقام العبودية بها وحدها أو هذا المقام له علم وله فقه ؟

    -فكما تقبل على مقام العدد، فيجب أن تقبل على مقام العلم، وعلى مقام الخشوع، وعلى مقام الإخبات الله، وعلى مقام الاستعانة بالله.


    ولا سيما أن الاستعانة يتوهم أحيانًا أنها في الأمر الكوني ، وليست في الأمر العبادي؛ كقضاء الحاجات، وهذا ليس صحيحا بل الاستعانة بالله تكون في الأمر الكوني، وتكون في الأمر العبادي، فإن الذي هداك للصلاة وفعلها وللصيام وفعله هو الذي رزقك، وهو الذي نجاك، وهو الذي حفظك إلى غير ذلك.

    ولهذا قال الله في أعظم سورة في كتابه - ومهما نظر الناظرون والعلماء والفقهاء والبصراء والمكاشفون في فقه هذه السورة الشريفة؛ سورة الفاتحة، فإنهم لن يأتوا على تمام مقتضياتها، ودلالاتها، وإشاراتها الشريفة في العلم والعبودية وما إلى ذلك

    - فأنت ترى أن الله يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: ٥] فهنالك اقتران بين مقام العبودية ومقام الاستعانة، هذا مقام الكثرة أو مقام العدد قد يفوت معهم،


    بمعنى : بعض الناس يقبل على مسألة العدد، ولكنه لا يشهد مقام الاستعانة، ويكون عبد من عباد الله دونه في العدد،

    ولكنه أعظم مقام عند الله - سبحانه وتعالى-، لم؟ لأنه على مقام من تحقيق الاستعانة بالله - سبحانه وتعالى.

    -ولهذا كما تعلم في الشريعة أن العمل مقصود ، فعند علماء السنة العمل ركن في الإيمان؛ لأنه أصلا لا يوجد عمل مجرد ويكون إيمانا، فالعمل إذا تجرد لم يمكن أن يكون إيمانًا.

    -ولهذا قول المرجئة خطأ في العقل والنقل، لما يقولون الإيمان هو التصديق، ثم يقولون: والعمل ليس من الإيمان، هذا خطأ في العقل مخالف لدليل العقل قبل أن يكون مخالفًا لدليل الشرع، فهذا مخالف للعقل والنقل؛ لأنه لا يوجد في نفس الأمر عمل مجرد ومعية مجردة مستقلة تسمى شريعة وعبادة يقبلها الله - سبحانه وتعالى.

    -والشاهد: أن هذا العلم علم كثير وبالغ ودقيق، وقد خاض فيه خلق من الباحثين والبصراء والمكاشفين وكلهم من علماء الإسلام، يرومون تحقيق هذا المقام لكن فاتهم، أو فات طائفة منهم قدرًا من تحقيقه،


    وهذا الفوات من أخص أسبابه عدم العلم بالسنة، وهدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم، وعدم العلم بفقه القرآن في هذا المقام، هذا يعرض وهذا يعرض،


    الأول يعرض لبعض المتصوفة، والثاني يعرض لبعض المنتسبين للسنة ممن لم يفقه هذا المقام على وجهه ولا سيما إذا كان قليل المادة العلمية في فقه هذا الباب ومحاذرًا للبدعة، فربما صارت محاذرته هذه تباعده عن موارد من المعاني الصحيحة توهما أنها قد تقوده إلى وجه من التصوف.

    فالتصوف منهج ضل فيه من ضل، وزل فيه من زل، وأخطأ فيه من أخطأ، ونسب لبعض العباد والصالحين وهم منهم براء لم ينتسبوا إليه، وقال به بعض الصالحين والعباد وتسموا به، فيكون هذا القدر مراجعا في شأنهم.

    وإن كان الغالب على حالهم أنها حال صحيحة، وعبادة مستقيمة، وهؤلاء من يسميهم المصنف أي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله - (صوفية أهل الحديث)، أو يسميهم في بعض المقامات (مقتصدة الصوفية)، أو (فضلاء الصوفية).

    فيهم من زاد عن ذلك، وفيهم من غلا وضل ضلالاً مبيناً كغلاة الصوفية أهل وحدة الوجود ونحوها كصاحب الفصوص، والعفيف التلمساني، وابن الفارض، وابن سبعين وأمثال هؤلاء، فهؤلاء غلاة معرفون، وتصوفهم فلسفة ليس تعبدا مجتهدا في تحصيله بالطرق الشرعية ، والطرق النفسية البسيطة، وإنما هي طرق نفسية مركبة ومبنية على فلسفة.

    فوحدة الوجود نظرية فلسفية قديمة، وتكلم عنها كثير من الفلاسفة المعارضين لها؛ كأرسطو طاليس من الفلاسفة العقليين المناوئين لهذه الفلسفة، لما صار بعض أهل الأقاليم في غير اليونان يقولون بهذه الفلسفة، وصار السائد إذ ذاك في اليونان هي الفلسفة العقلية، ولاسيما لما تيممت بأرسطو طاليس صاحب التعاليم المعروفة.

    وكان قبله جانب من الروحانيات والميل إليها في الفلسفة التي كان عليها أفلاطون من قبله، ولم تكن الفلسفة عند أفلاطون بمثل المعنى التي تقول فلسفة وحدة الوجود ، التي لم تكن من صنع اليونان أصلا، وإنما من صنع أقاليم بعيدة عن بلادهم، ولكن كان فلاسفتهم وبالذات من هم من أهل الأقيسة العقلية كأرسطو لهم رد معروف عليها.

    والمقصود هنا؛ أن علم العبادة علم له قواعد، وبعض العلماء الفضلاء - رحمهم الله - عنوا بهذا العلم، ومن أخص من عني به المصنف - رحمه الله - أعني شيخ الإسلام ابن تيمية، فهو من المحققين في ترتيب هذا العلم، وله فيه جملة رسائل منها

    هذه الرسالة ( رسالة العبودية )، ومنها رسالة في مجموع فتاواه موجودة تسمى ( التحفة العراقية ) وله رسائل أخرى، وهو من أخص المحققين لفقه هذا العلم، ولغيره من العلماء من قبله ومن بعده لاشك.

    ولابن القيم رحمه الله - كذلك عرض أوسع في هذا العلم، وإن كان فقهه له ليس بدرجة فقه شيخ الإسلام له.

    وهذا كما قلت؛ كما يتفاضل الفقهاء في معرفة الأحكام الفقهية يتفاضلون في هذا العلم كذلك، وليس التفاضل - بعض الناس من سذاجته يظن أن التفاضل في التطبيق، وأنه علم بدهي،

    وإنما التفاضل - في الإقبال عليه أو عدم الإقبال عليه، هذا جهل فهو علم بالله سبحانه وتعالى، وكيف أن العلم يُورث الخشية لله

    كما قال الله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ العلماء) [فاطر: ۲۸]

    وكيف ترى نور الشريعة كما قال النبي: الصلاة نور»، وكيف ترى البرهان في الصدقة ؟ كيف تكون الصدقة برهانا ؟

    ولذلك حفظتها الشريعة عن مقامات الرياء، وجعلت الأصل فيها الإخفاء؛ ولأن حاجة البشر تقتضي أو مصلحة الفقراء أو أوجه الخير قد تقتضي إظهارا، فالشريعة من كمالها ما جعلت المعيار للنفاق هو الإظهار.

    فأنت ترى أن الصلاة وهي أخص العبادات بعد التوحيد تُصلى فروضها ظاهرة، ويجتمع الناس عليها في المساجد، يرى بعضهم صلاة بعض، والجماعة مشروعة بإجماع العلماء وإن اختلفوا في حكمها التكليفي من حيث الدرجة، فهذه المقامات واسعة في العبودية وفي الحقائق الإلهية،

    وكيف شرع النسك كما قال الله: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهُ ) [الحج: ٣٤] فكيف يتحقق هذا المقام في المناسك التي هي شعائر الله ؟

    ولذلك حتى فيما يفعلونه ويأكلونه في سياق نسكهم، وهو المهدي هم إنما يفعلونه تقوى الله قبل أن يكون طعاما لهم، ولذلك أمر الله بإطعام الجائع القانع والمعتر، وقد قال سبحانه:( لَن يَنَالَ الله لحومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى منكم )[الحج: ۳۷] فهذه مقامات الإخلاص ومقامات العبودية مقامات شريفة.

    وقد خاض فيها من سلف الإشارة إليهم من أنواع العلماء، وإن كان بعض الخائضين قد يعرض له شيء من المخالفة، لكن إذا عرض له شيء من المخالفة لا يلزم أن تكون جميع حاله مخالفة؛ كالحارث بن أسد المحاسبي - رحمه الله، فهو من أهل العلم بهذا الفقه، وإن كان له كلام يترك، وقد كان الإمام أحمد رحمه الله ينتقي من كلامه وأحواله شيئًا،

    ولكنه يستحسن له بعض الأحوال، وهذا من علم الإمام أحمد وإنصافه وورعه وفقهه، وإن كان الحارث بن أسد له كلام في موارد الإلهيات والصفات تابع فيه طريقة ابن كلاب، هذا مقام مختلف أي لا يوافق عليه لكنه في مادة أو في باب آخر.

    وكالجنيد بن محمد مثلا، ومن المتأخرين كأبي حامد الغزالي، فإن أبا حامد ممن عني بهذا العلم حتى أقبل عليه كثيرا، وإن كان - أعني أبا حامد - قد اضطربت حاله فيه، وقد أشار إلى اضطراب حاله - رحمه الله - في كتابه الذي سماه (المنقذ من الضلال والمفصح بالأحوال) وهي رسالة معروفة لأبي حامد، ذكر فيها أحواله التي مر بها.

    ولما كان لم يجد في طريقة المتكلمين التي نشأ فيها ما هو من الموصل للحقائق العبادية، والحقائق هذا العلم الشريف الذي نشير إليه؛ لأن علم الكلام علم محدث، انصرف إلى ما سماء بهذه الطريقة ، وإن كان تصوّفه ليس طارئا عليه ، لكنه تقلب في أوجه التصوف كثيرا، فصار مرة يقول من كلام الصوفية ما يوافق مقتصديهم، وصار تارة يقول من كلام الصوفية ما يوافق متوسطيهم، وصار تارة يقول من كلام الصوفية ما يوافق كلام من شذ منهم.

    ولذلك صار في كتبه مقامات ودرجات، وبعض رسائل أبي حامد بالغة الخطأ، كبعض الرسائل التي كتبها في التصوف كمشكاة الأنوار، وجواهر القرآن فهذه فيها تصوف بعيد عن أثر السنة.

    وفي كلام أبي حامد ولاسيما في كتابه ( إحياء علوم الدين )كلام حسن مقتصد في السلوك، وإن كان فيه أغلاط، ولكن الغالب على هذا الكتاب أن المادة فيه مادة مناسبة، أكثره مادة مناسبة لكن فيه أغلاط بل أغلاط شديدة،

    ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - لما سئل عن كتاب ( إحياء علوم الدين ) ،

    قال ابن تيمية: "أما الإحياء فغاليه جيد، لكن فيه ثلاث مواد فاسدة مادة من تزهات الصوفية، ومادة من الأحاديث الموضوعة، ومادة فلسفية".

    هذه ثلاث مواد خالطت كتاب الإحياء لأبي حامد، فله فيه مقامات حسنة، وفيه مقامات لا يتابع عليها بل غلط فيها غلطا بينا.

    أما الأحاديث الموضوعة فلأنه لم يكن مقبلا إقبالا واسعا على دراسة علم الحديث ولا سبها من جهة الرواية، وقد ذكر هو هذا عن نفسه في بعض كلامه،

    وإن كان هذا لا يعني جهل أبي حامد بالسنة، لكنه ليس من المقبلين على علم الرواية كالحفاظ الذين لهم عناية واسعة بعلم الرواية،

    وإلا هو فقيه كبير من كبار الفقهاء ولاسيما في مذهب الإمام الشافعي، وأصولي متين ولاسيما في مذهب الشافعية وفي نظام علم الأصول ونظرياته، كتب فيه كتبا من أخصها كتاب(المستصفى)، وله علوم أخرى.

    وكذلك مادة من تزهات الصوفية لأنه أتى على بعض كلام الصوفية المنحرف وعلى طائفة من أوهامهم فدرج عليها أبوحامد وتأول لها، وصحح لها مشارع، وهو بديع في صناعة المشارع للطرق التي يتكلم عنها.

    وله مادة ثالثة كما يشير شيخ الإسلام ابن تيمية، قال:- ومادة فلسفية- مع أنك تعلم أن أبا حامد من أخص من رد على الفلسفة، وله في ذلك كتب ومن أخصها كتاب (التهافت)،

    ولكن أبا حامد لما درس الفلسفة وأقبل عليها وقرأ كتب الحسين بن عبد الله بن سينا بالذات تأثر بفلسفة ابن سينا مع أنه يطعن عليه كثيرا، ويختلف معه كثيرا،

    لكن لما كان ابن سينا إشراقيا في فلسفته، فيضيا في فلسفته، عرفانيا في فلسفته وهذه تناسب مزاج أبي حامد من حيث الطريقة، تأثر بفلسفة ابن سينا ولا سيما في كتابه المطول كتاب (الشفاء).

    -ولهذا قيل بأن أبا حامد أمرضَه الشفاء أي كتاب (الشفاء) لابن سينا، ولكن لا يعني هذا أنه موافق لابن سينا، أو أنه قريب من مذهبه في التصوف أو في الفلسفة، هو ليس كذلك، وابن سينا مسافة بعيدة عن أبي حامد؛ أبو حامد له علم في الشريعة، وإجلال لها، وله مقامات في التحقيق معروفة وغير ذلك،

    -أما ابن سينا فهو فيلسوف كما يُعرف بعيد عن هذا المناط وعن هذه الرتبة، وله ضلالات بالغة في مسائل العبادة والإلهيات كتبها في كتبه الفلسفية التي عرف طائفة منها،وفقد طائفة منها، ومنها كتاب (الإشارات) و (التنبيهات) وكتاب (التعليقات) وغيرها،

    فليس هناك مقارنة بين الرجلين البتة، ولكن المقصود أن كتاب( إحياء علوم الدين) فيه مقامات حسنة، وفيه ضلالات أخطأ فيها أبو حامد، عفا الله عنا وعنه.


    النتيجة من هذا:

    أن هذا العلم خاض فيه خلق، ولكن من حسن ما يُوصى به من الرسائل العلمية هي رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله - ولا سيما ( التحفة العراقية)، ورسالة (العبودية).

    وابن القيم كذلك له بعض المقامات، وإن كانت درجة التحقيق عند شيخ الإسلام أبلغ.

    أيضًا من العارفين في هذا المقام والفضلاء فيه الحافظ ابن رجب الحنبلي، وهو محقق بالغ التحقيق في مثل هذه المسائل.

    ولا بن الجوزي كلام، ولكن ينتاب كلام ابن الجوزي ما ينتابه، ولأبي حامد كلام ولكن انتاب كلام أبي حامد ما ينتابه، ولكن حينما يقال : ينتابه، فمن كان على درجة من العلم والتحقيق استفاد من ذلك .

    كما أنك تقول: كتاب (المحلي) لابن حزم في الفقه ينتابه ما ينتابه؛ لأنه سلك فيه المسلك الظاهري المعروف الذي خالف في قواعده الجماهير، ولكن في كتاب (المحلي) جملة واسعة من التحقيقات العلمية والإشارات في الاستدلال حتى ولو لم تأخذ القول كاملا فإنك تستفيد منه أوجها من طرق الاستدلال أو الآثار التي يُعنى ابن حزم بجمعها أو بتوجيهها أو ما إلى ذلك.

    فهذا لا يغلق ولكن لا يحسن للمبتدئ أن يبتدئ بكلام أبي محمد بن حزم، فكذلك في السلوك لا يحسن بالمبتدئ أن يبتدئ بكلام قد دخله ما دخله، لكن إذا صار الإنسان على مقام من رفيع العلم، وفهم السنة، وقواعد الاتباع لمنهج وهدي الرسول عليه الصلاة والسلام - أصاب من كلام هؤلاء العلماء الذين هم مقتصدون


    - بخلاف الغلاة؛ فالغلاة شأنهم بعيد، ولا حاجة للنظر في كتبهم البتة غلاة الصوفية أو ما إلى ذلك؛ لأنهم لا يختصون بشيء من المعاني الحسنة، بل ما عندهم معنى حسن اختصوا به،

    فالمعاني الحسنة قد ذكرت في كتب أهل العلم من قبلهم، وحققت على درجة أرفع يذكرونها، فضلا عما في كتبهم من الأخطاء المخالفة للإجماع، فهذا من التوسط لأخذ الأمور.

  12. #52
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الدولة
    المملكة العربية السعودية
    المشاركات
    2,542

    افتراضي رد: فوائد من شرح رسالة العبودية لابن تيمية ... من شرح الشيخ يوسف الغفيص

    (51)

    قال ابن تيميه رحمه الله
    ( وفي الدُّعَاءِ الَّذِي دَعا بِهِ النبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما فَعَلَ بِهِ أَهْلُ الطَّائفِ مَا فَعَلُوا

    (اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوتي وقلَةٌ حِيلتي وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ أَنتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِ ينَ وَأَنتَ رَبِّي اللَّهُمَّ إِلَى مَنْ تَكِلْني إلى بَعِيدٍ يَتَجَهُمُنِي أَمْ إلى عدو ملكته أمري، إِنْ لَمْ يَكُن بِكَ غَضَبْ عَلَى فَلَا أُبَالِي غَيْرَ أَنْ عَافِيَتَكَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ بِهِ الظُّلْمات وَصَلَح عَلَيْهِ أمرُ الدُّنيا وَالآخِرَةِ أَن يَنزِلَ بي سَخَطِكَ، أَوْ يَحِلُّ عَلَى غَضَبُكَ لَكَ الْعُتبى حَتَّى تَرْضَى فَلا حول ولا قوة إلا بك وفي بَعْضِ الرَّوَايَاتِ وَلَا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ، )

    وَكُلَّمَا قَوِيَ طَمَعُ الْعَبْدِ فِي فَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ وَرَجَالِهِ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ وَدَفْعِ ضَرُورَةِ فقوَيَتْ عُبُودِيته لَهُ وَحُرِّيتهُ مما سِوَاهُ، فَكَمَا أَنْ طَمَعَهُ فِي الْمَخْلُوقِ يُوجِبُ عُبُودِيَّتهُ لَهُ فَيَأْسُهُ مِنْهُ يُوجِبُ غنى قَلْبهِ عَنْهُ كَمَا قِيلَ : -اسْتَغْنِ عَمَّنْ شِئْتَ تَكُنْ نَظِيرَهُ وَأَفْضِلُ عَلَى مَنْ شِئْتَ تكُنْ أَمِيرَهُ، وَاخْتَجْ إِلَى مَنْ شِئْتَ تَكُنْ أَسِيرَهُ -فَكَذَلِكَ طمَعُ الْعَبْدِ فِي رَبِّهِ وَرَجَاؤُهُ لَهُ يُوجِبُ عُبُودِيتهُ لَهُ.)

    الشرح :

    -ذكر المصنف - رحمه الله - هذا المعنى، وهو من شريف المعاني في طمع العبد وتعلقه بالله - سبحانه وتعالى-، وأن العبد كلما تعلق بالله - سبحانه وتعالى - وطمع قلبه في أمر الله وفي فضل الله، وفي عطاء الله - سبحانه وتعالى - بان وتحقق في قلب العبد فقره إلى ربه سبحانه وتعالى.

    وهذا التعلق لا تزاحمه الأسباب بل هو واجب ومن مقامات العبادة، ومقامات الإيمان.

    -والنفوس القاصرة في علمها وفقهها وعبوديتها لا تشهد هذا المقام مع قيام الأسباب، وإنما تُجمِله مع قيام الأسباب، وهذا من قلة العلم وقلة فقه العبادة،

    فإن هذا المقام ينبغي أن يكون لازما للعابد في عبادته، وللعارف في معرفته، وللناسك في سيره إلى الله - سبحانه وتعالى .

    -ووجود الأسباب لا يُقصِّره، وأما الذي لا يحركه مقام التعلق بالله، إلا ضعف الأسباب بين يديه، فهذه ليست حالا فاضلة، وإنما الحال الفاضلة والتي كان عليها الرسل عليهم الصلاة والسلام أنهم يدعون الله رغبا ورهبا، ويدعونه في سائر أحوالهم.

    ولذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقوم من الليل حتى قالت له عائشة - رضي الله عنه -: "تتكلف هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ " فقال: «أفلا أكون عبدا شكورا».

    فالنفوس القاصرة في علمها وفي فقهها ومعرفتها بحقيقة مقام العبودية، يقوى عندها هذا المقام في حال ضعف الأسباب، وإن كان تعلقها بالله في حال ضعف الأسباب هو تعلق ممدوح، لكن القصور هنا أو النقص فيه وفي المقام هنا، هو أنه إذا كانت الأسباب قائمة ضعف تعلقه بالله سبحانه وتعالى، فهذا الضعف الذي دخل عليه،

    هذا من التوهم، ومن إعطاء الأسباب ما ليس من صفتها.

    فعلى كل حال هذا معنى يعرض للنفوس وفيه تفاوت كثير، ولكن الجهل فيه كثير أيضًا.

    وأنت ترى حال المشركين؛ أنهم إذا سقطت الأسباب عندهم،( دَعَوُا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) لأن الأسباب هنا تكون أسبابا ضعيفة أو ساقطة،

    ولكنهم إذا نجوا (فَلَما نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) فما يقع لبعض نفوس المسلمين ليست هي الحال التي تكون للمشركين، ولكن تُنكر حال المشركين ليميز المقال.

    والذي يقع من بعض المسلمين هو التقصير، فلا يشهد تحقيق هذا المقام مع قيام الأسباب؛ توهما منه أن السبب يكون مرجحا لمقام،

    ومن عرف الله وما أوجبه الله من مقامات عبوديته، عرف أن هذا المقام وهو مقام الاستعانة بالله - جل وعلا والتعلق به -سبحانه وتعالى - لا تعطله الأسباب، ولا تنقصه الأسباب.

    وإن كان هذا أي تأثر هذا المقام بالأسباب واستدعاءه إذا ضعف السبب - استدعاءه إذا ضعف السبب: هذا من حيث هو صحيح، لكن الذي ليس صحيحًا هو التقصير فيه إذا قام السبب،

    وإلا استدعاءه إذا ضعف السبب هذا استدعاء صحيح، والأنبياء في حال الضر دعوا ربهم سبحانه وتعالى ولذلك قال الله عن عبده يونس عليه الصلاة والسلام (فَنَادَى فى الظلمات أن لا إله إلا أنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمينَ ﴾

    -لكن ما الفرق بين حال يونس عليه الصلاة والسلام - وبين الحال التي ذم الله فيها ( فإذا ركبوا في الْفُلْكِ دَعوا الله مخلصين له الدين فلما نَجَاهُم إلى البر إذا هم يشركون)


    أن أولئك مع قيام الأسباب معرضين عن هذا التعلق، وعن هذا الإخلاص بخلاف يونس عليه الصلاة والسلام فإنه في حال قيام الأسباب كان متعلقا بهذا المقام، وكان لازما له، ومحققا له

    والدليل على أنه كان لازما له، ما هو ؟

    الدليل على أنه كان لازما له: أن الله جل وعلا - قال في كتابه: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ) أليس قوله سبحانه - فيما ذكره عن عبده ورسوله يونس عليه الصلاة والسلام-: (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا أنت سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) هذا الذكر من التسبيح، أليس داخلا في عموم التسبيح؟

    قوله: (لا إله إلا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) هذا من مقام التسبيح، أليس كذلك؟

    لكن هل هذا المقام عرض ليونس، وفعله في هذا المقام العارض ؟ أم كان حالا لازمة له؟

    -كانت حالا لازمة له، و الدليل عليه (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ) اسم فاعل، فهي حال قائمة، بخلاف أولئك المشركين وهم ليسوا كذلك،

    بل كان المشركون إذا قامت الأسباب ونجاهم الله كانوا على نقيض ذلك، فإن نقيض الإخلاص هو الشِرك.

    -المسلم الذي دون ذلك، دون مقام التحقيق لا يقع منه النقيض، ولكن يقع منه التقصير، وصارت المقامات ثلاث:

    1 - مقام استعمال النقيض مع قيام الأسباب، وهذه أبطل المقامات وهي مقامات المشركين، والنقيض هنا يراد به الشرك (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ .

    والتوحيد والإخلاص نقيضه الشرك، فهذه الحال من التناقض هي الحال الباطلة التي عليها المشركون.

    2-والحال الأولى في الرتبة والشرف والتحقيق: هي حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام - التي قال فيها رسول الله:( أفلا أكون عبداً شكورا )

    وقال الله فيها عن عبده يونس عليه الصلاة والسلام: (فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ) فكانت حالا لازمة له.

    وأتى بهذه الحال في مقامه هذه بقوله : (لا إله إلا أنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ).

    3-وبين هذين المقامين من المقام الفاضل الواجب، والمقام الباطل المتروك يقع لبعض المسلمين وهو مقام ليس هو بحال المشركين، لكن قد فاته طريقة المحققين من العابدين، وهم أنبياء الله - عليهم الصلاة والسلام-

    وهذه الحال كثيرة في الناس : فانهم لا يتعلقون بحق الله - جل وعلا - وبدعائه وبالاستعانة وبالتسليم، فنجد أن مقام التسليم ومقام الدعاء ومقام الاستعانة ضعيف عنده، لما؟

    لأنه جعل هذه المقام إنما يستدعى بحسب الأسباب؛ فكلما قويت الأسباب، توهم أنه لا يستدعي هذا المقام، أو كانت حاله كذلك.

    -ويتوهم أن هذا التعلق إنما يكون في حال الضرورة فحسب، وصحيح أن حال الضرورة لها اختصاص، أليس كذلك؟ حال الضرورة لها اختصاص من التعلق، لكن هذا اختصاص من التعلق لا يعني النقص والتقصير في الحال الأخرى، لم ؟

    لأنه في الحقيقة العبادية والحقيقة الكونية: الإنسان لا يزال في حالة ضرورة، ولا يزال في حالة فقر إلى الله.

    -بمعنى : أن الاستغناء توهم، فإن حال الإنسان في كل أمره فقير إلى الله، كما قال الله - جل وعلا-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء ) فهذه حال لازمة للإنسان.

    قد يقول قائل أو يجادل مجادل: أليس إذا كان في حال الفقر وفي حال الحاجة وفي حال الضرورة، يقول: وهل الإنسان تأتي عليه أحوال لا يكون في حال الحاجة ؟ أو في حال الضرورة؟

    ولكن قد تكون بعض آثار الضرورة ومشاهدة بعض آثار الضرورة، توهم أن هذا هو الضرورة وما لم يكن كذلك ليس ضرورة، كالمرض مثلا، أو كالفقر مثلا في المال، فهذه آثار الضرورة.

    لكن هل الإنسان الذي هو صحيح في جسده، غني في ماله، هل يستطيع أن يحفظ نفسه ؟

    لا، ولذلك قال الله - تعالى -: ﴿ فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ﴾ الإنسان ليس لديه ملكة الغنى، والغنى هو غنى شكلي إضافي،

    وإلا الحال الفقر في حقه ، والخالق هو الغني ، والعبد هو الفقير .

    الإنسان يمكن أن يكون غنيا عن غيره، وقد يكون فقيرًا يأخذ زكاة صاحبه أو قريبه، ثم يصيبه غنى ، وربما صار أغنى من ذاك الذي كان يعطيه زكاة، هذه في الأحوال البشرية والعلاقة البشرية.

    لكن في حال العبد مع الله - جل وعلا - هو لا يتصور أصلا يعني الذي يقول : أليس في حال الضرورة يكون كذا وكذا؟ هذا تصور وهمي؛ لأنه ما في حالة إلا وهي حالة فقر، فلا يمر بالإنسان مع الله حالة يكون مستغنيا فيها عن الله.

    فهو في كل أمره منذ ولادته إلى وفاته، هو فقير إلى الله، فالتوهم هذا توهم كاذب.

    لكن إذا ظهرت الآثار فلا شك أن ظهور الآثار يستدعي مقاما من العبودية بحسب هذا المناسب؛ حتى لا يفهم الكلام فهما متضادا.

    كما أن عدم ظهور الآثار، يستدعي مقاما من العبودية مناسبا، يعني كنتيجة أصبح التقصير في مقام التحقيق ليس واردا، ولكنه إذا ظهرت الآثار - آثار الضرورة صار يناسب هذه الآثار من مقام العبادة مناسب،

    وإذا لم تظهر آثار الضرورة، صار يناسب هذا المقام من مقام العبادة مناسب، وهو الذي ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله( أفلا أكون عبدًا شكورا»

    فهذا المقام يناسب مقام عدم قيام الآثار.

    ذاك المقام الذي ليونس - عليه الصلاة والسلام - هو المناسب لمقام الآثار.

    ولهذا ما حفظ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - في أيام مرضه كانت عبادته أبلغ ، صحيح أنه في مرضه - عليه الصلاة السلام - رقاه جبريل، ورقته عائشة، والإنسان في مرضه يسأل ربه، كما قال إبراهيم: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ )

    ودعا الأنبياء ربهم بما عرض لهم من الأسباب، ربي( أني مسني الضر ) وزكريا إذ نادى ربه هذه أحوال من الدعاء صحيحة

    لكن هل كان الأنبياء في الأحوال الأخرى يقع عندهم التقصير في هذا المتعلق من مقامات العبودية؟

    كلا، وحاشاهم عن ذلك، وإنما هذا يقع للنفوس الجاهلة التي تجعل المقام الأول هو مقام الأسباب، وإن كانت كثير من هذه النفوس أكثرها لا تسمي ذلك مقاماً، وإنما هي أحوال .

    ففي حقيقة العبادة ومقامها الشريف، يكون العابد على درجة من التعلق بالله - جل وعلا - بحسب المقامات، فإن لكل مقام ما يناسبه.

    ولهذا صارت مقامات العارفين والعابدين متنوعة، كما ذكر الله - جل وعلا - تنوعها في القرآن في مواضع من كتابه.

    فما سميت مقاماتهم مقام واحد، بل كل مقام يدل على صفة، وعلى معنى، ومن المقامات المسماة في القرآن ما جاء في قوله -سبحانه وتعالى : (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ حُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

    وبقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانتا اللَّهُ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) وفي مثل قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ)


    وفي مثل قوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَات ِ وَالْمُؤْمِنِين َ وَالْمُؤْمِنَات ِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ ﴾ إلى آخره، فهذه المقامات.

    -أما من جعل معياره الأسباب، وبقدر قوة الأسباب تضعف مقامات العبودية والاستعانة، والتعلق بالله بأوجه مقامات العبادة، وإذا ضعفت الأسباب استدعى مقامات العبودية، ويظن أنه على حالي من الكمال، فهذه حال ناقصة ظاهرة النقص، وليست هي حال الأنبياء.

    وإن كانت الحال الباطلة هي حال المشركين الذين إذا سقطت الأسباب أو نقصت استدعوا مقام الإخلاص، ولكن إذا استقامت الأسباب ولو ظاهرا لهم، وقعوا في نقيض ذلك؛

    ( فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعوا الله مخلصينَ لَهُ الدِّين) فصار المحرك للدين هو الأسباب (فلما نجاهم إلى البر) فظهر لهم استقامة السبب، (إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ﴾ فهذه حال المشركين.

    ولكن يعرض لبعض المسلمين ما ليس من حال المشركين، ولكنها من حال التقصير

    -وهذا التقصير من أخص أسبابه: الجهل بمقامات العبودية، وحقيقة العبادة الله - سبحانه وتعالى- ولهذا يعرض ما هو من هذا المقام لبعض من له علم في الأمة.

    من له علم: يعني أن العلم المجرد ليس هو علم الاستجابة،

    علم الاستجابة: العلم الذي يوجب العمل.

    -هو الإشكال في هذه المسائل: أن الناس صاروا يتعلمون الفقه ، وقصروا الفقه في الدين على فقه الأحكام، وما كان هكذا الأمر في كتاب الله لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نزال نقرأه إلى هذا اليوم بحمد الله، لا ترى أن هذا هو الفقه في كتاب الله ولا كان الفقه في هدي رسول الله، ولا كان الفقه في هدي الصحابة.

    صحيح أنه مقام من الفقه، هو من أخص مقامات الفقه، لكن الفقه مقامات، وكما تفقه الأحكام، فيُعرف الحلال والحرام، وهذا من علم الشريعة والديانة المحفوظ المعروف.

    -كذلك فقه تحقيق العبودية لله - سبحانه وتعالى - هذا لا بد أيضًا للمسلم ولطالب العلم خاصة أن يكون على معرفة ونقله فيه، ويتوهم بالغ التوهم من يظن أن هذه المسائل مسائل ظاهرة، أو مسائل مدركة، والحق أنها ليست كذلك، هي ظاهرة باعتبار أدلتها، وهذا الوصف تقوله في جميع الدين: أن الدين باعتبار دليله ظاهر.


    لكن باعتبار التحقيق ومعرفة المناطات المؤثرة والمفصحة في أحوال العابدين والسالكين إلى الله - سبحانه وتعالى - هذا مقام يقع فيه تقصير ويقع فيه جهل ويقع فيه اضطراب من جنس التقصير والجهل والاضطراب في فهم الآراء الفقهية في مسائل فروع الشريعة.

    وكما أنه في فقه الشريعة هنالك العلماء المحققون في مسائل الفقه، ففي هذا المقام من فقه العبودية كذلك.

  13. #53
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الدولة
    المملكة العربية السعودية
    المشاركات
    2,542

    افتراضي رد: فوائد من شرح رسالة العبودية لابن تيمية ... من شرح الشيخ يوسف الغفيص

    52)قال الإمام ابن تيميه رحمه الله :

    (فَكَذَلِكَ طَمَعُ الْعَبْدِ فِي رَبِّهِ وَرَجَاؤُهُ لَهُ يُوجِبُ عُبُودِيَّتَهُ لَهُ وَإِعْرَاضَ قَلْبِهِ عَنْ الطَّلَبِ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ، وَالرَّجَاءِ لَهُ يُوجِبُ انْصِرَافَ قَلْبِهِ عَنْ الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ فَلَا سِيمَا مَنْ كَانَ يَرْجُو المَخْلُوقَ وَلَا يَرْجُو الْخَالِقَ؛ بِحَيْثُ يَكُونُ قَلْبُهُ مُعْتَمِداً إِمَّا عَلَى رِئَاسَتِهِ وَجُنُودِهِ وَأَتْبَاعِهِ ومماليكه؛ وَإِمَّا عَلَى أَهْلِهِ وَأَصْدِقَائِهِ ؛ وَإِمَّا عَلَى أَمْوَالِهِ وَذَخَائِرِهِ، وَإِمَّا عَلَى سَادَاتِهِ وَكُبَرَائه، كَمَالِكِهِ وَمَلِكِهِ وَشَيْخِهِ ومخدومه وَغَيْرِهِمْ.


    الشرح هذه كلها داخلة في اسم الأسباب؛ وهي الأسباب المنفصلة ومهما اجتمعت الأسباب فإنها لا ترفع الصفة التي خلق الإنسان عليها من فقره إلى ربه، ولذلك لما أفصح قارون بأثر السبب، وأن السبب عنده رفع الصفة التي خلق الخلق عليها من الفقر إلى الله،وقال: «إنَّما أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ) [ سورة القصص : 78)،


    فرفع صفة الفقر عنه، لم يخسف الله به الأنه ذو مال ، - فقد يكون ذو المال من أخص المؤمنين، وقد أتى الله عبده ورسوله ونبيه داود المال، وصار ملكا، (وَلَقَدْ أَتينا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا) [سبأ: 10]وفي سادات المؤمنين وكبار الصحابة من هم من الأغنياء، فما خسف بقارون لأنه ذو مال


    -وقد يكون العبد كافرًا فاجرا مكذبا بدين المرسلين وهو من أقل الناس مالا ، وأدناهم فقرا، فقارون ما خُسف به لأنه ذو مال - وإنما خُسف به لأنه جعل السبب رافعا للصفة، فلما جعل السبب رافعا للصفة وهي صفة الفقر - فتكبر على الله وعلى دين الله - سبحانه وتعالى -


    وفقر العبد إلى الله في التكوين وفي التشريع (أَنتُمُ الْفُقَرَاهُ إِلَى اللَّه) [فاطر: 15]ولهذا الإنسان لا يستطيع أن يضع شرعًا له، وإذا كان هذا بديها في عبادته مع ربه، فهو حتى في معاملته مع غيره من بني آدم، فما يقدر من تشريع هنا إلا ويقع فيه من النقص والمخاطرة والقصور إلى غير ذلك.


    ولذلك قال الله - جل وعلا-: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي (78)) [سورة القصص: 78] وكان جزاءه عند الله -جل وعلا : ما ذكره الله بقوله: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ ) [القصص: (81]وصفة العذاب التي أصابته هي مبينة لبطلان اختصاص السبب


    بمعنى أنه لم يأته السبب من عدو.ربما يقال: أنه لما قال هذا القول ما استصحب في عقله بعض الأبعاد، المنازع للسبب.


    فما قدر الله أن هلاكه يكون بعدو يجتاح أمره، وإنما بمحض أمر الله المقطوع عن السبب، من جهة فعل فاعل، يسلطه الله عليه.:1:


    وإنما قال الله: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ ) [القصص: 81]


    كل من رفع الصفة، وأوجب السبب، وجاءه عذاب من الله سبحانه وتعالى - أي قدر الله أن يعذبه،وقد يرفع الصفة، ويجعل السبب موجبا، ويملي له الله - سبحانه وتعالى فإن ربنا جل وعلا - حكيم عليم، عذب قوما وأملى الآخرين.


    وقال سبحانه : (إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثمآ ﴾ [آل عمران: 178]


    ولكن من ذكر الله عذابه كقارون أو كفرعون، هم رفعوا صفة السبب في حق الله - سبحانه وتعالى - عليهم، وتركهم الإيمان بالله، والإخلاص له سبحانه وتعالى والإقرار بحقه في التدبير والملك والتأثير،ورفع هذه الصفة التي تنازع مقام التوحيد في أصله،


    وترفع مقام التوحيد عند من استحكم عنده ، رفع هذه الصفةكما كان من أمر قارون وفرعون الذي أغرقه الله هو وجنوده.


    قال الشيخ رحمه الله


    (وَإِمَّا عَلَى سَادَاتِهِ وَكُبرائه كمالكه وَمَلكِهِ، وَشَيْخِهِ ومخدومه وَغَيْرِهِمْ مِنْ هُوَ قَدْ مَاتَ أَوْ يَمُوتُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الحي الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا) [الفرقان: 58]، وَكُلُّ مَنْ عَلَّقَ قَلْبُهُ بِالْخُلُوقَاتِ أَنْ يَنصُرُوهُ أَوْ يَرْزُقُوهُ أَوْ أَنْ يَهْدُوهُ خَضَعَ قَلْبُه لهم، وصار فيهم من العبودية بقدر ذلك، وإن كان في الظاهر أميرا لهم مديرا هم متصرفا بهم، بل العاقل ينظر إلى الحقائق لا إلى الظواهر،فالرجل إذا تعلق قلبه بامرأة ولو كانت مباحة له؛ يبقى قلبه أسيرا لها، تحكم فيه وتتصرف بما تريد، وهو في الظاهر سيدها لأنها زوجها، وفي الحقيقة هو أسيرها ومملوكها لا سيما إذا درت بفقره إليها، وعشقه لها، وأنه لا يعتاض عنها بغيرها،فإن حينئذ تحكم فيه بحكم السيد القاهر الظالم في عبده المقهور الذي لا يستطيع الخلاص منه بل أعظم. فإن أسر القلب أعظم من أسر البدن، واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن،

    فإن من استعبد بدنه واسترق لا يبالي إذا كان قلبه مستريحا من ذلك مطمئنا بل يمكنه الاحتيال في الخلاص. وأما إذا كان القلب -الذي هو ملك الجسم - رقيقاً، مستعبداً، متيماً لغير الله فهذا هو الذل والأسر المحض، والعبودية الذليلة لما استعبد القلب، و وعبودية القلب وأسره هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب.)


    الشرح :

    قال الإمام ابن تيمية رحمه الله - وكل من علق قلبه بالمخلوقات أن ينصروه، أو أن يرزقوه ... إلخ،ثم تكلم المصنف -رحمه الله - عن التعلق بالمخلوقين،


    وذكر التعلق من قبل الرجل بالمرأة ونحو ذلك، وهذا التعلق كما تعلم على نوعين:هنالك تعلق فطري، وتعلق طبيعي، وتعلق مباح، بل قد يكون تعلقا مشروعا كتعلق الولد بوالده محبة وبرا، ونحو ذلك،


    فمثل هذه الأوجه من التعلقات هي تعلقات عادية، وتعلقات فطرية، وتعلقات مباحة، قد تكون من التعلق المشروع،


    لكن هذا يجب أن يكون بالقدر الذي تقتضيه الفطرة، وتقتضيه العادة الصحيحة، وتقتضيه الشريعة.


    فإذا كان الاتصال أو التعلق أو المصاحبة على هذه الرتب من جهة حال الفطرة، ومن جهة حال العادة الصحيحة، ومن جهة موافقة الشريعة؛ فهذا هو التعلق والمحبة الصحيحة.


    ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام - محبا لزوجاته، ولأصحابه، ولأمته، ولبناته، ولآل بيته، وهكذا في سائر المؤمنين، بل هذا أمر مطرد في عموم الناس أجمعين.


    وأما إذا زاد هذا التعلق، وصار فاحشا خارجا عن نظام الفطرة، وقانون العادة الصحيحة، وترتيب الشريعة القيمة؛فهذه الأحوال إذا حصل فيها الخلل إما في درجتة أو رتبة الفطرة، أو رتبة العادة، أو في رتبة الشريعة؛ صار مما ينافي مقام العبودية.


    لأنه إما أن يكون إفراطاً مشغلا عن حق الله سبحانه وتعالى، ومزاحها لما أوجب الله سبحانه وتعالى - من حقه.


    وإما أن يكون تفريطاً فيكون منافيا لما شرع الله سبحانه وتعالى - من الحقوق الواجبة أو المشروعة بين الناس، ولا سيما بين درجاتهم التي لها اختصاص إما في قرابة أو دين كقوله (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [الحجرات: 10]،


    ونحو ذلك من الأوجه.إذا ليس كل تعلق يكون مذموما، واسم التعلق : اسم ورتبة مشتركة بين التعلق الممدوح والتعلق المذموم.


    وأما أن يتوهم أن من تحقيق العبودية قطع العلائق مع الناس أجمعين الذي تكون نتيجته وحقيقته التفريط فيها أوجب الله من صلة الأرحام، ورعاية الحقوق، وحفظ الأولاد، وبر الوالدين، والإحسان إلى الناس ونحو ذلك،


    فهذا الانقطاع فيه تكلف، وليس هو من العبادة، بل هو مما ينافي مقام العبادة.فإن الله جل وعلا الذي شرع لنا أن نخلص الدين له،


    وقال في كتابه: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدين ) [ البيئة: 5]،


    هو الذي شرع لنا أن نصل الأرحام،


    وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنْهُمُ اللهُ ﴾ [محمد : 22-23)،


    فجعل أهل القطيعة لصلة الرحم من الذين غضب الله عليهم ولعنهم، ولذلك قطيعة الرحم من كبائر الذنوب، كما أن صلة الرحم من الواجبات وأعظم القربات،ومثله في الوالدين: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَي ْنِ إِحْسَانًا ﴾ [الإسراء: 23]،


    فالرب حقه العبادة، والمخلوق حقه الإحسان، وأخص المخلوقين في حق الإحسان هم الوالد والولد من جهة الوالد، الوالد من جهة ما يكون له.


    أما الأنبياء عليه الصلاة والسلام؛ فحقهم أعظم من حق الوالدين، ومن حق الولد، وهو إيمان المكلف بهم، ومحبتهم، ونصرتهم، وتوفيرهم إلى غير ذلك من حقوق الرسل والأنبياء التي هي أعظم الحقوق بعد حق الله سبحانه وتعالى.

    المقصود أن هذه الآية قال الله فيها : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَي ْنِ إِحْسَانًا) [الإسراء: 23]،فاسم التعلق، أو رتبة التعلق هي رتبة مشتركة،


    ولكن صار في كثير من كلام العارفين يقصدون بالتعلق الذي هو الإطباق، وإذا كان التعلق على معنى الإطباق والانصراف؛ فلا شك أن هذا يكون منافيا للشريعة،ومن هنا أشار المصنف إلى المثل في مسألة أنه يكون أسيرًا وما إلى ذلك،


    وإنما يقال إنما صار أسيرًا في قلبه إذا استتمت هذا التعلق بغير الله سبحانه وتعالى.ولهذا لم يكن هذا من الحكمة العقلية، ولا من الشريعة،

    ولا من مقتضى الفطرة الصحيحة، وإنما تكون الذي شرعه الله على الدرجة المعتدلة.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •