هل اختلاف العلماء رحمة؟ وما الحِكمة من وجوده؟ وأي رأى نتبع عند الخلاف؟


موقع المحاورون




السؤال:

كثيرًا ما يمر على مسمعي أن الاختلاف رحمة للعباد، فكيف يكون كذلك إذا كنا نقول: لا يُسوّغ لنا أن ننتقي من الأقوال في المسائل الخلافية الفقهية؟
وما الحِكمة من وجود الخلاف إذن؟ وكيف ننتقي من الأقوال إن اختلف العلماء ؟
الجواب:

المحور الأول:

إشارات حول عبارة “الاختلاف رحمة للعباد” .
أولًا :


هذه العبارة ليست على إطلاقها, فقد يترتب على الخلاف فرقة ومحن, وقد يتخذ الخلاف ذريعة للتفلت من الشرع واتباع الهوى والوصول للأغراض الفاسدة !
ومن إشكالات الإطلاق في هذه العبارة أنه قد يفهم منها أن الخلاف في ذاته شيء محمود مطلوب, بينما نصوص الشرع تحث على الاجتماع وليس الخلاف, لكن الخلاف قد يكون أمرا يحصل بطبيعته دون تكلف وفي حدود ضوابط الاجتهاد السائغ, وحينها لا يسبب الفرقة.
فالحاصل أن هذا الإطلاق قد يحمل أو يؤدي لمعانٍ غير صحيحة
ثانيًا:


للعبارة محمل صحيح وهي أن الخلاف السائغ في المسائل الاجتهادية يمكن النظر إليه على أنه شيء قدره الله لحِكَم, ومنها أن يترتب عليه توسعة, فيأخذ الناس بأقوال متنوعة بما يؤدي للتيسير العام, كما يحصل في بعض مناسك الحج من تنوع في وقت أداء بعض أعمال الحج..
لكن هنا يرد استشكال السائل:
كيف يكون رحمة ولا يسوغ لنا الانتقاء من الأقوال ؟؟
فالجواب على هذا الاستشكال يمكن أن يقال فيه :
ما يترتب على الخلاف من توسعة لا يلزم أن تحصل باتباع الهوى والتنقي من الأقوال, بل هي تحصل بشكل عفوي عندما يسأل كل إنسان العالم الذي يعرفه ويثق بعلمه ودينه, فيكون في كل جهة عالم مختلف, و لكل أهل مذهب فقهي علماء, فتتنوع الاجتهادات, ويتنوع ما يعمل به الناس بصورة تلقائية لا تكلف فيها ولا تخير عن هوى. وكون هذا يقع بلا تكلف فيه ولا اتباع للهوى هو أمر متصور, لأن الأصل أن الإنسان يسأل من يثق في علمه ودينه, وإذا تحرى في ذلك فسأل فالأصل أنه يجزئه اتباع ذلك العالم, والنتيجة من ذلك قد يحصل بها التوسعة دون تكلف.
وهنا ننبه على أنّ هناك حالات يطلع الإنسان فيها على وجود خلاف ابتداء قبل أن يكون أخذ بفتوى عالم يثق في علمه ودينه, وحينها سيقع في ابتلاء, هل يتبع أحد هؤلاء الذين علم بأنهم اختلفوا على أساس محاولة الوصول للحق أو على أساس تنقي ما يوافق هواه, فهنا مع علمي بالخلاف ابتداء لا أكون مخيرا مطلقا في أخذ ما أشتهي, وعلي تحري الصواب, إما بسؤال من هو أوثق في علمه ودينه, أو أحيانا باتباع ما يظهر لي أنه أصح دليلا كما قد يتهيأ لبعض الناس في بعض المسائل.
لكن الحقيقة أنه حتى في هذه الصورة التي فيها ابتلاء للإنسان, سيترتب عليها تنوع في الأقوال التي يأخذ بها الناس, فأنا قد آخذ بقول لأن صاحبه أعلم أو لأن دليله بدا لي أقوى, وشخص آخر في نفس المسألة قد يصل لنتيجة أخرى مع أنه أيضا يقصد أيضا الوصول للحق لا اتباع الهوى, وهذا طبيعي أن يحصل في المسائل الاجتهادية, فالنتيجة هنا قد تؤول للتوسعة بسبب تنوع ما يأخذ به الناس, ويكون ذلك متصورا بدون اتباع للهوى.
وبهذا يتبين أنّ الجهة منفكة بين حصول التوسعة وبين اتباع الهوى, ولا يلزم لحصول التوسعة أن يكون ذلك بفتح باب تخير الأقوال على أساس الهوى .

المحور الثاني:

الحِكمة من وجود الخلاف .
يمكن مراجعة هذا المقطع الصوتي القصير حول الحِكمة من وجود الخلاف الفقهي والتعامل معه:
للاستماع إلى الصوتية اضغط هنا

وهنا تجدر الإشارة إلى مواد قد تساعد في معرفة أسباب الخلاف بين العلماء، وسيتبين منها أن العالم قد يفتي اعتمادًا على نص مجموع إليه أمور أخرى من نصوص وأدلة فرعية وقرائن، وبناء عليه قد يختلف الحُكم والنص واحد.
حلقة أسباب اختلاف العلماء – عامر بهجت .
لمشاهدتها اضغط هنــا

مقطع قصير يتحدث عن إشكالية تغير الفتاوى وسببها .
للاستماع للمقطع اضغط هنا

رسالة رفع الملام عن الأئمة الأعلام – ابن تيمية .
لقراءتها اضغط هنا
وهذا ملف لشرح مهذب مبسط لها
لقراءته اضغط هنا


المحور الثالث:

أمّا عن كيفية تعامل المُستفتي العامي مع هذا الاختلاف.
فهذه عدة نصائح قد تُساعد في هذا :
اللجوء إلى الله بصدق ، وطلب الهداية منه سبحانه، وتجنب اتباع الهوى والبحث عن الترخص بقصد، والتجرد فى طلب الحق .
سؤال العالم الثقة.
ومعرفة شروط المُفتي ، وهى تتعلق بالعلم وبالديانة، فنحن عندما نتحدث عن الاختلاف وغيره، هذا على أصل أن المفتيين توفر فيهم الشروط ، سواء فى العلم أو الديانة، والعلم يظهر من خلال الثناء على العالم وبروزه للفتوى، وعلامات أخرى مثل حسن الجواب والتفصيل وغير ذلك، والديانة تظهر من عبادته وتمسكه بدينه ومواقفه ، فإن اختل أحد الشرطين لا يُعتبر باختلافه ولا يُستفتى أصلا، فإذا ظهر أنه يُوثق في علمه ودينه يُجزئ سؤاله واتباعه مالم يظهر أنه خالف الحق فالحق أحق أن يتبع .

وإن سُئل أكثر من عالم وكانوا جميعهم على نفس الثقة فى العلم والديانة وحصل الاختلاف بينهم، فهذه صوتية تفيد فى كيفية التعامل في هذه الحالة :
صوتية للشيخ ابن عثيمين يوضح ما على العامي فعله إذا اختلفت الفتاوى .
ولا ينسَ المُستفتي أن الله مطلع على قلبه خبير ببواطنه ، فقد يستفتي عالمًا ويعرض عليه المسألة بطريقة يُرخص له فيها ، أو يأخذ بفتوى تُبيح الرخصة لتوفر القيود والضوابط فيها ، رغم علمه بوقوع مآلات ومفاسد قد تُغير هذه الإباحة ، فليتق الله ولا يتبع الهوى فى ذلك، وليعرض كل التفاصيل التى تساعد المُفتي على الوصول للحق ، فكون المسألة محل خلاف لا يرفع الإثم على كل حال عن المكلف ، وإنما يوجب العذر للمخالف، قد يأثم إذا علم أن الحق في القول الآخر ولم يتبعه .



والله أعلم
بتصرف