تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: فائدة جليلة من قصة يوسف عليه السلام

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    7,880

    افتراضي فائدة جليلة من قصة يوسف عليه السلام

    قال الشيخ صالح الفوزان
    يوسف عليه السلام لما دخل السجن ..و سألوه عن رؤيا رؤوها كما فى قوله تعالى (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)
    فلم يبادر بالإجابة حتى دعاهم على التوحيد
    فقال(إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ واتبعت مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ) ثم أجابهم: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ) إلى آخره،
    فلما رآهم بحاجة إلى التوحيد وهم يجهلون العقيدة الصحيحة هم ما سألوه العقيدة
    ولكن رآهم بحاجة إلى هذا والعقيدة هي الأساس فدعاهم إلى التوحيد أولًا، وبينه لهم , وانه ملة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ثم أجابهم على سؤالهم.

    [للشيخ الفوزان بتصرف ]

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    7,880

    افتراضي رد: فائدة جليلة من قصة يوسف عليه السلام

    {يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ }.
    ينتهز يوسف هذه الفرصة ليبث بين السجناء عقيدته الصحيحة؛
    فكونه سجيناً لا يعفيه من تصحيح العقيدة الفاسدة والأوضاع الفاسدة، القائمة على صرف حق الربوبية والالوهية لغير الله وجعلهم بالخضوع لهم أرباباً وطواغيت يزاولون خصائص الربوبية والالوهية، ويصبحون فراعين!
    ويبدأ يوسف مع صاحبي السجن من موضوعهما الذي يشغل بالهما، فيطمئنهما ابتداء إلى أنه سيؤول لهم الرؤى، لأن ربه علمه علماً لدنياً خاصاً، جزاء على تجرده لعبادته وحده، وتخلصه من عبادة الشركاء.
    هو وآباؤه من قبله.. وبذلك يكسب ثقتهما منذ اللحظة الأولى بقدرته على تأويل رؤياهما،
    كما يكسب ثقتهما كذلك لدينه:
    {قال: لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما، ذلكما مما علمني ربي.
    إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله، وهم بالآخرة هم كافرون. واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء. ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يشكرون}..
    ويبدو في طريقة تناول يوسف للحديث لطف مدخله إلى النفوس، وكياسته وتنقله في الحديث في رفق لطيف..
    وهي سمة هذه الشخصية البارزة في القصة بطولها..
    {قال: لا يأتيكما طعام ترزقانه، إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما، ذلكما مما علمني ربي}..
    بهذا التوكيد الموحي بالثقة بأن الرجل على علم لدني، يرى به مقبل الرزق وينبئ بما يرى.
    وهذا فوق دلالته على هبة الله لعبده الصالح يوسف
    وهي كذلك بطبيعة الفترة
    وقوله: {ذلكما مما علمني ربي} تجيء في اللحظة المناسبة من الناحية النفسية ليدخل بها إلى قلبيهما بدعوته إلى ربه؛ وليعلل بها هذا العلم اللدني الذي سيؤول لهما رؤياهما عن طريقه.
    {إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله، وهم بالآخرة هم كافرون}..
    مشيراً بهذا إلى القوم الذي ربي فيهم، وهم بيت العزيز وحاشية الملك والملأ من القوم والشعب الذي يتبعهم.
    والفتيان على دين القوم، ولكنه لا يواجههما بشخصيتهما،
    إنما يواجه القوم عامة كي لا يحرجهما ولا ينفرهما وهي كياسة وحكمة ولطافة حس وحسن مدخل.
    وذكر الآخرة هنا في قول يوسف
    يقرر كما قلنا من قبل أن الإيمان بالآخرة كان عنصراً من عناصر العقيدة على لسان الرسل جميعاً؛ منذ فجر البشرية الأول؛
    ولم يكن الأمر كما يزعم علماء الأديان المقارنة أن تصور الآخرة جاء إلى العقيدة بجملتها متأخراً.. لقد جاء إلى العقائد الوثنية الجاهلية متأخراً فعلاً، ولكنه كان دائماً عنصراً أصيلاً في الرسالات السماوية الصحيحة..
    ثم يمضي يوسف بعد بيان معالم ملة الكفر ليبين معالم ملة الإيمان التي يتبعها هو وآباؤه:
    {واتبعت ملة آبائي: إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء}..
    فهي ملة التوحيد الخالصالذى لا شرك فيه بوجه من الوجوه سواء فى ربوبيته او ألوهيته أو اسمائه وصفاته
    والهداية إلى التوحيد فضل من الله على المهتدين، وهو فضل في متناول الناس جميعاً لو اتجهوا إليه وأرادوه.
    ففي فطرتهم أصوله وهواتفه، وفي الوجود من حولهم موحياته ودلائله
    ، وفي رسالات الرسل بيانه وتقريره.
    ولكن الناس هم الذين لا يعرفون هذا الفضل ولا يشكرونه:
    {ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يشكرون}..
    .. وخطوة خطوة في حذر ولين..
    يتوغل في قلبيهما أكثر وأكثر،
    ويفصح عن عقيدته ودعوته إفصاحاً كاملاً،
    ويكشف عن فساد اعتقادهما واعتقاد قومهما،
    وفساد ذلك الواقع الذي يعيشون فيه..
    بعد ذلك التمهيد الطويل:
    {يا صاحبي السجن، أأرباب متفرقون خير؟ أم الله الواحد القهار؟ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان. إن الحكم إلا لله. أمر ألا تعبدوا إلا إياه. ذلك الدين القيم. ولكن أكثر الناس لا يعلمون}..
    لقد رسم يوسف عليه السلام بهذه الكلمات القليلة الناصعة الحاسمة المنيرة، كل معالم هذا الدين،
    وكل مقومات هذه العقيدة.
    كما هز بها كل قوائم الشرك والطاغوت والجاهلية هزاً شديداً عنيفاً..
    {يا صاحبي السجن، أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار؟}..
    إنه يتخذ منهما صاحبين، ويتحبب إليهما هذه الصفة المؤنسة، ليدخل من هذا المدخل إلى صلب الدعوة وجسم العقيدة.
    وهو لا يدعوهما إليها دعوة مباشرة،
    إنما يعرضها قضية موضوعية:
    {أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار؟}..
    وهو سؤال يهجم على الفطرة في أعماقها ويهزها هزاً شديداً..
    إن الفطرة تعرف لها إلهاً واحداً يجب أن يعبد وحده لا شريك له ففيم إذن تعدد الأرباب والالهه؟.. إن الذي يستحق أنيعبد ويطاع أمره ويتبع شرعه هو الله الواحد القهار. ومتى توحد الرب فى ربوبيته فيجب تبعاً أن يتوحد فى الوهيته وعبادته. وما يجوز لحظة واحدة أن يعرف الناس أن الله واحد، وأنه هو القاهر، ثم يدينوا لغيره ويخضعوا لأمره، ويتخذوا بذلك من دون الله الها..فكما ان الرب يملك أمر هذا الكون ويسيره ويقهرهم بحكمه الكونى .فكذلك ينبغي أن يقهرهم بحكمه الشرعى،
    والله الواحد القهار خير أن يدين العباد لحكمه الونى والشرعى من أن يدينوا للأرباب المتفرقة الأهواء الجاهلة القاصرة العمياء عن رؤية ما وراء المنظور القريب كالشأن في كل الأرباب إلا الله وما شقيت البشرية قط شقاءها بتعدد الأرباب وتفرقهم، وتوزع العباد بين أهوائهم وتنازعهم.. فهذه الأرباب والمعبودات والطواغيت الأرضية التي تغتصب سلطان الله وحكمه؛ أو يعطيها الجاهليون هذا السلطان تحت تأثير الوهم والخرافة والجهل، أو تحت تأثير القهر أو الخداع أو الدعاية! هذه الأرباب الأرضية لا تملك لحظة أن تتخلص من أهوائها، ومن حرصها على ذواتها وبقائها، ومن الرغبة الملحة في استبقاء سلطانها وتقويته، وفي تدمير كل القوى والطاقات التي تهدد ذلك السلطان من قريب أو من بعيد؛ وفي تسخير تلك القوى والطاقات في تمجيدها والطبل حولها والزمر والنفخ فيها كي لا تذبل ولا تنفثئ نفختها الخادعة!
    والله الواحد القهار في غنى عن العالمين؛ فهو سبحانه لا يريد منهم إلا الايمان التقوى والعمل الصالح وفق منهجه فيعدّ لهم هذا كله عبادة.
    والعبادة التي يفرضها عليهم إنما يريد بها إصلاح قلوبهم وظواهرهم، وإصلاح حياتهم وواقعهم.. وإلا فما أغناه سبحانه عن عباده أجمعين! {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله، والله هو الغني الحميد}
    فالفرق بين الدينونة لله الواحد القهار والدينونة للأرباب المتفرقة بعيد بل شتان ثم شتان بين الشرك والايمان!
    ثم يخطو يوسف عليه السلام خطوة أخرى في تفنيد عقائد الجاهلية وأوهامها الواهية:
    {ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان}..
    إن هذه الأرباب التى يتخذونها ويعبدونها بالبغى والظلم والعدوان سواء كانت من البشر أم من غير البشر من الأرواح والشياطين والملائكة والقوى الكونية المسخرة بأمر الله ليست من الربوبية في شيء، وليس لها من حقيقة العبودية شيء. فالالوهية لا تكون إلا لله الواحد القهار؛ الذي يخلق ويقهر كل العباد.. ولكن البشر في الجاهليات المتعددة الأشكال والأوضاع يسمون من عند أنفسهم أسماء، ويخلعون عليها صفات، ويعطونها خصائص الربوبية والالوهية؛ وفي أول هذه الخصائص خاصية الحكم والسلطان.. والله لم يجعل لها سطاناً ولم ينزل بها من سلطان.. ولم يجعل لها شيئا من العبادة
    وهنا يضرب يوسف عليه السلام ضربته الأخيرة الحاسمة فيبين:
    لمن ينبغي أن يكون السلطان! لمن ينبغي أن يكون الحكم! لمن ينبغي أن تكون الطاعة.. ولمن ينبغى ان تكون العبادة !
    {إن الحكم إلا لله. أمر ألا تعبدوا إلا إياه. ذلك الدين القيم. ولكن أكثر الناس لا يعلمون}..
    إن الحكم لا يكون إلا لله. فهو مقصور عليه سبحانه بحكم ربوبيته. إذ الحكم من خصائص الربوبية.
    ومن ادعى الحق فيها فقد نازع الله سبحانهفى أولى خصائص ربوبيته؛ سواء ادعى هذا الحق فرد، أو طبقة، أو حزب. أو هيئة، أو أمة، أو الناس جميعاً في صورة منظمة عالمية. ومن نازع الله سبحانه فى أولى خصائص وادعاها وادعاها فقد كفر بالله كفراً بواحاً، فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا
    وادعاء هذا الحق لا يكون بصورة واحدة هي التي تخرج المدعي من دائرة الدين القيم، وتجعله منازعاً لله في أولى خصائص ربوبيته فليس من الضروري أن يقول: ما علمت لكم من إله غيري؛ أو يقول: أنا ربكم الأعلى، كما قالها فرعون جهرة.
    ولكنه يدعي هذا الحق وينازع الله فيه بمجرد أن ينحي شريعة الله عن الحاكمية؛ ويستمد القوانين من مصدر آخر. وبمجرد أن يقرر أن الجهة التي تملك الحاكمية، أي التي تكون هي مصدر السلطات، جهة أخرى غير الله سبحانه.. ولو كان هو مجموع الأمة أو مجموع البشرية. والأمة في النظام الإسلامي هي التي تختار الحاكم فتعطيه شرعية مزاولة الحكم بشريعة الله؛ ولكنها ليست هي مصدر الحاكمية التي تعطي القانون شرعيته. إنما مصدر الحاكمية هو الله. وكثيرون حتى من الباحثين المسلمين يخلطون بين مزاولة السلطة وبين مصدر السلطة. فالناس بجملتهم لا يملكون حق الحاكمية إنما يملكه الله وحده. والناس إنما يزاولون تطبيق ما شرعه الله بسلطانه، أما ما لم يشرعه الله فلا سلطان له ولا شرعية، وما أنزل الله به من سلطان..
    ويوسف عليه السلام يعلل القول بأن الحكم لله وحده. فيقول:
    {أمر ألا تعبدوا إلا إياه}.
    ولا نفهم هذا التعليل كما كان يفهمه الرجل العربي إلا حين ندرك معنى {العبادة} التي يخص بها الله وحده..
    المقصود بالعبادة هى طاعة الله بامثال ما امر به على السنة رسله، والخضوع له وحده مع المحبة والتعظيم ، واتباع أمره وحده. سواء تعلق هذا الأمر بشعيرة تعبدية، أو تعلق بتوجيه أخلاقي، أو تعلق بشريعة قانونية. فالدينونة لله وحده في هذا كله هي مدلول العبادة التي خص الله سبحانه بها نفسه؛ ولم يجعلها لأحد من خلقه..
    وحين نفهم معنى العبادة على هذا النحو نفهم لماذا جعل يوسف عليه السلام اختصاص الله بالعبادة تعليلاً لاختصاصه بالحكم. فالعبادة أي الدينونة لا تقوم إذا كان الحكم لغيره.. وسواء في هذا حكمه القدري القهري في حياة الناس وفي نظام الوجود، وحكمه الشرعي الإرادي في حياة الناس خاصة. فكله حكم تتحقق به الدينونة.
    ومرة أخرى نجد أن منازعة الله الحكم تخرج المنازع من دين الله و تخرجه من عبادة الله وحده.. وهذا هو الشرك الذي يخرج أصحابه من دين الله قطعاً. وكذلك الذين يقرون المنازع على ادعائه، ويدينون له بالطاعة وقلوبهم غير منكرة لاغتصابه سلطان الله وخصائصه.. فكلهم سواء في ميزان الله.
    ويقرر يوسف عليه السلام أن اختصاص الله سبحانه بالحكم تحقيقاً لاختصاصه بالعبادة هو وحده الدين القيم:ان الحكم الا لله امر الا تعبدوا الا اياه-
    {ذلك الدين القيم}..
    وهو تعبير يفيد القصر.
    فلا دين قيماً سوى هذا الدين، الذي يتحقق فيه اختصاص الله بالحكم الكونى والشرعى، تحقيقاً لاختصاصه بالعبادة.
    {ولكن أكثر الناس لا يعلمون}..
    وكونهم {لا يعلمون} لا يجعلهم على دين الله القيم. فالذي لا يعلم شيئاً لا يملك الاعتقاد فيه ولا تحقيقه.. فإذا وجد ناس لا يعلمون حقيقة الدين، لم يعد من الممكن عقلاً وواقعاً وصفهم بأنهم على هذا الدين! ولم يقم جهلهم عذراً لهم يسبغ عليهم صفة الإسلام. ذلك أن الجهل مانع للصفة ابتداء. فاعتقاد شيء فرع عن العلم به.. وهذا منطق العقل والواقع.. بل منطق البداهة الواضح.
    لقد رسم يوسف عليه السلام بهذه الكلمات القليلة الناصعة الحاسمة المنيرة كل معالم هذا الدين، وكل مقومات هذه العقيدة؛ كما هز بها كل قوائم الشرك والطاغوت والجاهلية هزاً شديداً..
    إن الطاغوت لا يقوم في الأرض إلا مدعياً أخص خصائص الربوبية والألوهية، و.
    أي حق تعبيد الناس لأمره وشرعه، ودينونتهم لفكره وقانونه. وهو إذ يزاول هذا في عالم الواقع يدعيه- ولو لم يقله بلسانه- فالعمل دليل أقوى من القول.
    إن الطاغوت لا يقوم إلا في غيبة الدين القيم والعقيدة الخالصة عن قلوب الناس. فما يمكن أن يقوم وقد استقر في اعتقاد الناس فعلاً أن الحكم لله وحده، لأن العبادة لا تكون إلا لله وحده، والخضوع للحكم عبادة. بل هي مدلول العبادة.
    وإلى هنا يبلغ يوسف أقصى الغاية من الدرس الذي ألقاه، مرتبطاً في مطلعه بالأمر الذي يشغل بال صاحبيه في السجن. ومن ثم فهو يؤول لهما الرؤيا في نهاية الدرس، ليزيدهما ثقة في قوله كله وتعلقاً به:
    {يا صاحبي السجن، أما أحدكما فيسقي ربه خمراً، وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه}..
    ولم يعين من هو صاحب البشرى ومن هو صاحب المصير السيئ تلطفاً وتحرجاً من المواجهة بالشر والسوء. ولكنه أكد لهما الأمر واثقاً من العلم الذي وهبه الله له:
    {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان}..
    وانتهى فهو كائن كما قضاه الله.
    وأحب يوسف السجين البريء، الذي أمر الملك بسجنه دون تحر ودون بحث، إلا ما نقله إليه بعض حاشية من وشاية لعلهم صوروا له فيها حادث امرأة العزيز وحادث النسوة تصويراً مقلوباً، كما يقع عادة في مثل هذه الأوساط.. أحب يوسف أن يبلغ أمره إلى الملك ليفحص عن الأمر:
    {وقال للذي ظن أنه ناج منهما: اذكرني عند ربك}..
    اذكر حالي ووضعي وحقيقتي عند سيدك وحاكمك الذي تدين وتخضع لحكمه، فهو بهذا ربك. فالرب هو السيد والحاكم والقاهر والمشرع.. وفي هذا توكيد لمعنى الربوبية في المصطلح الإسلامي. ومما يلاحظ أن ملوك الرعاة لم يكونوا يدعون الربوبية قولاً كالفراعنة، ولم يكونوا ينتسبون إلى الإله أو الآلهة كالفراعنة. ولم يكن لهم من مظاهر الربوبية إلا الحاكمية وهي نص في معنى الربوبية.
    وهنا يسقط السياق أن التأويل قد تحقق، وأن الأمر قد قضي على ما أوله يوسف. ويترك هنا فجوة، نعرف منها أن هذا كله قد كان. ولكن الذي ظن يوسف أنه ناج فنجا فعلاً لم ينفذ الوصية، ذلك أنه نسي الدرس الذي لقنه له يوسف، ونسي ذكر ربه في زحمة حياة القصر وملهياتها وقد عاد إليها، فنسي يوسف وأمره كله..
    {فأنساه الشيطان ذكر ربه}..
    {فلبث في السجن بضع سنين}..
    والضمير الأخير في لبث عائد على يوسف. وقد شاء ربه أن يعلمه كيف يقطع الأسباب كلها ويستمسك بسببه وحده، فلم يجعل قضاء حاجته على يد عبد ولا سبب يرتبط بعبد. وكان هذا من اصطفائه وإكرامه.
    إن عباد الله المخلصين ينبغي أن يخلصوا له سبحانه، وأن يدعوا له وحده قيادهم، ويدعوا له سبحانه تنقيل خطاهم. وحين يعجزون بضعفهم البشري في أول الأمر عن اختيار هذا السلوك، يتفضل الله سبحانه فيقهرهم عليه حتى يعرفوه ويتذوقوه ويلتزموه بعد ذلك طاعة ورضى وحباً وشوقاً.. فيتم عليهم فضله بهذا كله..
    والآن نحن في مجلس الملك، وقد رأى رؤيا أهمته، فهو يطلب تأويلها من رجال الحاشية ومن الكهنة والمتصلين بالغيبيات:
    {وقال الملك: إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات. يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي، إن كنتم للرؤيا تعبرون. قالوا: أضغاث أحلام، وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين}..
    طلب الملك تأويل رؤياه. فعجز الملأ من حاشيته ومن الكهنة عن تأويلها، أو أحسوا أنها تشير إلى سوء لم يريدوا أن يواجهوا به الملك على طريقة رجال الحاشية في إظهار كل ما يسر الحكام وإخفاء ما يزعجهم. وصرف الحديث عنه! فقالوا: إنها {أضغاث أحلام} أي أخلاط أحلام مضطربة وليست رؤيا كاملة تحتمل التأويل. {وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين}.. إذا كانت أضغاثاً مختلطة لا تشير إلى شيء!
    والآن لقد مرت بنا رؤى ثلاث: رؤيا يوسف، ورؤيا صاحبي السجن، ورؤيا الملك. وطلب تأويلها في كل مرة، والاهتمام بها يعطينا صورة من جو العصر كله في مصر وخارج مصر كما أسلفنا وأن الهبة اللدنية التي وهبها يوسف كانت من روح العصر وجوه، على ما نعهد في معجزات الأنبياء، فهل كانت هذه هي معجزة يوسف؟ ولكن هذا بحث ليس مكانه هذه الظلال. فنكمل حديث رؤيا الملك الآن!
    هنا تذكر أحد صاحبيه في السجن، الذي نجا منهما وأنساه الشيطان ذكر ربه، وذكر يوسف في دوامة القصر والحاشية والعصر والخمر والشراب.. هنا تذكر الرجل الذي أوّلَ له رؤياه ورؤيا صاحبه، فتحقق التأويل:
    {وقال الذي نجا منها وادكّر بعد أمة: أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون}!
    أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون.. ويسدل الستار هنا، ليرفع في السجن على يوسف وصاحبه هذا يستفتيه:
    {يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات، لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون}.
    والساقي يلقب يوسف بالصدّيق، أي الصادق الكثير الصدق. وهذا ما جربه في شأنه من قبل..
    {أفتنا في سبع بقرات سمان...}..
    ونقل الفاظ الملك التي قالها كاملة، لأنه يطلب تأويلها، فكان دقيقاً في نقلها، وأثبتها السياق مرة أخرى ليبين هذه الدقة أولاً، وليجيء تأويلها ملاصقاً في السياق لذكرها.
    ولكن كلام يوسف هنا ليس هو التأويل المباشر المجرد، إنما هو التأويل والنصح بمواجهة عواقبه. وهذا أكمل:
    {قال: تزرعون سبع سنين دأباً}..
    أي: متوالية متتابعة. وهي السنوات السبع المخصبة المرموز لها بالبقرات السمان.
    {فما حصدتم فذروه في سنبله}..
    أي فاتركوه في سنابله لأن هذا يحفظه من السوس والمؤثرات الجوية.
    {إلا قليلاً مما تأكلون}..
    فجردوه من سنابله، واحتفظوا بالبقية للسنوات الأخرى المجدبة المرموز لها بالبقرات العجاف.
    {ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد}..
    لا زرع فيهن.
    {يأكلن ما قدمتم لهن}..
    وكأن هذه السنوات هي التي تأكل بذاتها كل ما يقدم لها لشدة نهمها وجوعها!
    {إلا قليلاً مما تحصنون}..
    أي إلا قليلاً مما تحفظونه وتصونونه من التهامها!
    {ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون}..
    أي ثم تنقضي هذه السنوات الشداد العجاف المجدبة، التي تأتي على ما خزنتم وادخرتم من سنوات الخصب. تنقضي ويعقبها عام رخاء، يغاث الناس فيه بالزرع والماء، وتنمو كرومهم فيعصرونها خمراً، وسمسمهم وخسهم وزيتونهم فيعصرونه زيتاً..
    وهنا نلحظ أن هذا العام الرخاء لا يقابله رمز في رؤيا الملك؛ فهو إذن من العلم اللدني الذي علمه الله يوسف. فبشر به الساقي ليبشر الملك والناس، بالخلاص من الجدب والجوع بعام رخيّ رغيد.
    وهنا كذلك ينتقل السياق إلى المشهد التالي. تاركاً فجوة بين المشهدين يكمل التصور ما تم فيها من حركة. ويرفع الستار مرة أخرى على مجلس الملك. ويحذف السياق ما نقله الساقي من تأويل الرؤيا، وما تحدث به عن يوسف الذي أولها. وعن سجنه وأسبابه والحال التي هو فيها.. كل أولئك يحذفه السياق من المشهد، لنسمع نتيجته من رغبة الملك في رؤية يوسف، وأمره أن يأتوه به:
    {وقال الملك: ائتوني به}..
    ومرة ثالثة في المشهد يحذف السياق جزئيات تفصيلية في تنفيذ الأمر. ولكنا نجد يوسف يرد على رسول الملك الذي لا نعرف: إن كان هو الساقي الذي جاءه أول مرة. أو رسولاً تنفيذياً مكلفاً بمثل هذا الشأن. نجد يوسف السجين الذي طال عليه السجن لا يستعجل الخروج حتى تحقق قضيته، ويتبين الحق واضحاً في موقفه، وتعلن براءته على الأشهاد من الوشايات والدسائس والغمز في الظلام.
    لقد رباه ربه وأدبه. ولقد سكبت هذه التربية وهذا الأدب في قلبه السكينة والثقة والطمأنينة. فلم يعد معجلاً ولا عجولاً!
    إن أثر التربية الربانية شديد الوضوح في الفارق بين الموقفين: الموقف الذي يقول يوسف فيه للفتى: اذكرني عند ربك، والموقف الذي يقول له فيه: ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن، والفارق بين الموقفين بعيد..
    {قال: ارجع إلى ربك فاسأله: ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن؟ إن ربي بكيدهن عليم}
    لقد رد يوسف أمر الملك باستدعائه حتى يستوثق الملك من أمره، وحتى يتحقق من شأن النسوة اللاتي قطعن أيديهن.. بهذا القيد.. تذكيراً بالواقعة وملابساتها وكيد بعضهن لبعض فيها وكيدهن له بعدها.. وحتى يكون هذا التحقق في غيبته لتظهر الحقيقة خالصة، دون أن يتدخل هو في مناقشتها.. كل أولئك لأنه واثق من براءته، مطمئن إلى أن الحق لا يخفى طويلاً، ولا يخذل طويلاً...
    ورجع الرسول فأخبر الملك وأحضر الملك النسوة يستجوبهن والسياق يحذف هذا لنعلمه مما يليه:
    {قال: ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه؟}..
    والخطب: الأمر الجلل والمصاب. فكأن الملك كان قد استقصى فعلم أمرهن قبل أن يواجههن، وهو المعتاد في مثل هذه الأحوال، ليكون الملك على بينة من الأمر وظروفه قبل الخوض فيه. فهو يواجههن مقرراً الاتهام، ومشيراً إلى أمر لهن جلل أو شأن لهن خطير:
    {ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه؟}.
    ومن هذا نعلم شيئاً مما دار في حفل الاستقبال في بيت الوزير؛ ما قالته النسوة ليوسف وما لَمّحن به وأشرن إليه، من الإغراء الذي يبلغ درجة المراودة. ومن هذا نتخيل صورة لهذه الأوساط ونسائها حتى في ذلك العهد الموغل في التاريخ. فالجاهلية دائماً هي الجاهلية. إنه حيثما كان الترف، وكانت القصور والحاشية، كان التخلل والتميع والفجور الناعم الذي يرتدي ثياب الأرستقراطية!
    وفي مثل هذه المواجهة بالاتهام في حضرة الملك، يبدو أنه لم يكن هنالك مجال للإنكار:
    {قلن: حاش لله! ما علمنا عليه من سوء}!
    وهي الحقيقة التي يصعب إنكارها. ولومن مثل هؤلاء النسوة. فقد كان أمر يوسف إذن من النصاعة والوضوح بحيث لا يقوم فيه جدال.
    وهنا تتقدم المرأة المحبة ليوسف، التي يئست منه، ولكنها لا تستطيع أن تخلص من تعلقها به.. تتقدم لتقول كل شيء في صراحة:
    {قالت امرأة العزيز: الآن حصحص الحق. أنا راودته عن نفسه. وإنه لمن الصادقين}..
    الآن حصحص الحق وظهر ظهوراً واضحاً لا يحتمل الخفاء:
    {أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين}.
    وزادت ما يكشف عن أن قلبها لم يخل من إيثاره ورجاء تقديره والتفاته بعد كل هذا الأمد؛ وما يشي كذلك بأن عقيدة يوسف قد أخذت طريقها إلى قلبها فآمن:
    {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب، وأن الله لا يهدي كيد الخائنين}.. وسواء كان هذا الكلام ليوسف او امرأة العزيز
    فهذا الاعتراف وما بعده يصوره السياق هنا بألفاظ موحية، تشي بما وراءها من انفعالات ومشاعر. كما يشي الستار الرقيق بما وراءه في ترفع وتجمل في التعبير:
    {أنا راودته عن نفسه، وإنه لمن الصادقين}.
    شهادة كاملة بنظافته وبراءته وصدقه. لا تبالي المرأة ما وراءها مما يلم بها هي ويلحق بأردانها.. فهل هو الحق وحده الذي يدفعها لهذا الإقرار الصريح في حضرة الملك والملأ؟
    يشي السياق بحافز آخر، هو حرصها على أن يحترمها الرجل المؤمن الذي لم يعبأ بفتنتها الجسدية. أن يحترمها تقديراً لإيمانها ولصدقها وأمانتها في حقه عند غيبته:
    {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب}..
    ثم تمضي في هذه المحاولة والعودة إلى الفضيلة التي يحبها يوسف ويقدرها:
    {وأن الله لا يهدي كيد الخائنين}..
    وتمضي خطوة أخرى في هذه المشاعر الطيبة:
    {وما أبرئ نفسي، إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، إن ربي غفور رحيم}..
    إنها امرأة أحبت. امرأة تكبر الرجل الذي تعلقت به في جاهليتها وإسلامها، فهي لا تملك إلا أن تظل معلقة بكلمة منه، أو خاطرة ارتياح تحس أنها صدرت عنه!
    وهكذا يتجلى العنصر الإنساني في القصة، التي لم تسق لمجرد الفن، إنما سيقت للعبرة والعظة. وسيقت لتعالج قضية العقيدة والدعوة. ويرسم التعبير الفني فيها خفقات المشاعر وانتفاضات الوجدان رسماً رشيقاً رفيقاً شفيفاً. في واقعة كاملة تتناسق فيها جميع المؤثرات وجميع الواقعيات في مثل هذه النفوس، في ظل بيئتها ومؤثرات هذه البيئة كذلك.
    وإلى هنا تنتهي محنة السجن ومحنة الاتهام، وتسير الحياة بيوسف رخاء، الاختبار فيه بالنعمة لا بالشدة. وإلى هنا نقف في هذا الجزء من الظلال،
    **********
    بتصرف شديد فى كلام لانه يفسر الالوهية بالربوبية كما وضح ذلك بعض الائمة المعاصرين فأخرجناه فى ثوب جديد
    قال الامام ابن باز- ما قرأت تفسير سيد قطب وإنما قرأت شيئا منه، والتفسير عظيم ومفيد ولكنه لا يخلو من أخطاء

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    7,880

    افتراضي رد: فائدة جليلة من قصة يوسف عليه السلام

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمدعبداللطيف مشاهدة المشاركة
    قال الشيخ صالح الفوزان
    يوسف عليه السلام لما دخل السجن ..و سألوه عن رؤيا رؤوها كما فى قوله تعالى (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)
    فلم يبادر بالإجابة حتى دعاهم على التوحيد
    فقال(إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ واتبعت مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ) ثم أجابهم: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ) إلى آخره،
    فلما رآهم بحاجة إلى التوحيد وهم يجهلون العقيدة الصحيحة هم ما سألوه العقيدة
    ولكن رآهم بحاجة إلى هذا والعقيدة هي الأساس فدعاهم إلى التوحيد أولًا، وبينه لهم , وانه ملة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ثم أجابهم على سؤالهم.
    [للشيخ الفوزان بتصرف ]
    إني تركت ملة قوم يريد يوسف عليه السلام بذلك الإشارة والإيحاء للمخاطبين على أن الدين الذي أعتنقه ليس دين تقليد وإنما هو دين مبنى على الدليل والبرهان والاتباع وهو ملة آبائه من الانبياء وفي هذا إرشاد إلي أنه يجب على الإنسان العاقل أن لا يجعل مسألة التدين والاعتقاد مجرد عادة وتقليد ومحاكاة للآخرين وخاصة إذا كانوا منحرفين وإنما يجب عليه أن يستعمل عقله والبرهان الصحيح للوصول إلي الملة الحقة والعقيدة الصحيحة.
    إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله فيه استجلاب للمخاطب وتلطف به من أجل أن يتحول ويترك الملة المنحرفة التي هو عليها ويسهل عليه الانقياد للملة الصحيحة فان الترك يتبادر إلي الذهن أنه يكون بعد الملابسة, الترك في اللغة يتبادر للذهن أنه إنما يكون بعد الملابسة بعد فعل الشيء ويوسف عليه السلام لم يقع أصلاً في ملة الوثنية والشرك حتى يتركها ومع ذلك استخدم لفظة الترك إني تركت ملة قوم
    وفي هذا تلطف مع المخاطب لأنه عليه السلام وضع نفسه في صفه ليكون ذلك أدخل بحسب الظاهر إلي الاقتضاء به كأنه يوحي إليهما ويوجههما ويقول لهما يجب أن تتركا هذه الملة المنحرفة كما تركتها أنا.
    إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله هذه أول غمزة لطيفة خفيفة رقيقة للملة التي يدين بها ذلك المجتمع الوثني ويدين بها الفتيان اللذان ينتميان لهذا المجتمع, مع كون تلك الملة ملة شرك ووثنية فان الفتيين يدينان بها تبعاً لمجتمعهما وتقليداً لأسلافهما فكأنما يريد يوسف عليه السلام أن ينبه أذهانهما إلي أن هذه الملة المنحرفة لا تستحق إلا الترك لمخالفتها للدليل والبرهان ولعدم وجود مصوغ لاعتناقها.
    و المجتمع الذي تسوده الوثنية ويتفشى فيه الفساد الأخلاقي عادة ما تكون فيه الموازين مختلة وخاصة الموازين التي يتفاضل بها الناس, الموازين التي يفضل بها الإنسان على غيره فأراد يوسف عليه السلام بقوله: إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله بعد قوله: ذلكما مما علمني ربي أي يبين لهما أن ما أختصه الله به من علم رباني ومنَّة جليلة عظيمة لم يكن بسبب حسبه أو نسبه وإنما هو بسبب اعتقاده وعمله فالله تعالى لا ينظر إلي صور الناس وأشكالهم ولا يفضل بعضهم على بعض بأحسابهم وأنسابهم وإنما مقياس التفضيل عنده هو الاعتقاد الصحيح والعمل الصالح, هذه الآداب الرفيعة والأساليب البديعة ولغة الحوار والخطاب التي نستنبطها من هذه العبارة الوجيزة من الآية: إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله تبين ما يجب على المسلم عندما يدعو الآخرين إلي ملة التوحيد, تبين لنا أنه يجب أن نستخدم أحسن المناهج والطرق وألطف الوسائل والأساليب لاستجلاب الناس إلي الخير

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •