كـيـف عالــج الإسلام انتشار الأوبئة؟

أحمد بن عبدالله الحزيمي



خرجَ عمرُ بنُ الخطابِ - رضي الله عنه - إلى الشامِ حتى إذا قَربَ مِنَ الشامِ لقيَهُ أمراءُ الأجنادِ أبو عبيدةَ بنُ الجراحِ وأصحابُهُ، فأخبروهُ أنَّ الوباءَ قد وقَعَ بأرضِ الشامِ، قال ابنُ عباسٍ: فدعَا عمرُ الصحابةَ واستشارَهُم، وأخبرهُم أنَّ الوباءَ قد وقع بالشامِ، فاختلفُوا، فقال بعضُهُم: قد خرجتَ لأمرٍ ولا نرى أنْ ترجعَ عنهُ، وقال بعضُهُم: معكَ بقيةُ الناسِ وأصحابُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ولا نَرى أنْ تُقدِمَهُم على هذا الوباءِ، فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ: إِنِّي مُصَبِّحٌ عَلَى ظَهْرٍ فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ: أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ؟ نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ إِبِلٌ هَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ، إِحْدَاهُمَا خَصِبَةٌ، وَالأُخْرَى جَدْبَةٌ، أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الخَصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ، وَإِنْ رَعَيْتَ الجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ؟ قَالَ: فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ -وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ- فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي فِي هَذَا عِلْمًا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلاَ تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ» قَالَ: فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ ثُمَّ انْصَرَفَ. رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ.


جعلتِ الشريعةُ الحفاظَ على حياةِ الإنسانِ وصحته أحدَ الضرورياتِ الأساسيةِ التي أمرتِ الشريعةُ بالحفاظِ عليها وحمايتِهَا وتَنميتِهَا، فحذَّرتِ الشريعةُ الإسلاميةُ مِن إيقاعِ النفسِ في مواطنِ الهلاكِ؛ فقالَ -تعالى-: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (البقرة: 195).

فالإنسانُ في نَظرِ الإسلامِ أعظمُ وأكرمُ وأنبلُ وأرقَى وأشرفُ مخلوقٍ على وجهِ الأرضِ؛ فقال -تعَالى-: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} (التين: 4)، وهو عَجيبٌ في تكوينِهِ الجُسمانيِّ، وغريبٌ في تكوينِهِ الروحانيِّ، وفيه مِنَ الأسرارِ العظيمةِ ما لا يعدُّ ولا يحصَى.

فيروسٌ مزعجٌ

كورُونَا فيروسٌ مزعجٌ، بدأَ في الانتشارِ في شَرقِ آسيَا، وأصبحَ حَديثَ الإعلامِ والتواصلِ الاجتماعيِّ هذه الأيامِ، ولا شكَّ أنه مرضٌ كغيرِهِ مِنَ الأمراضِ يُقدرُهُ اللهُ -جلَّ وعلا- على عبادِهِ متى شاءَ وكيفَ شاءَ، ومَوقفُ الإسلامِ مِن الأمراضِ المعديةِ واضح؛ فيجِبُ علَى المريضِ أَن يسعَى جَاهداً للعلاجِ إنْ كانَ ذلكَ ممكناً، ويكونُ آثماً إذا ترَكَه، وعليهِ كذلكَ أن يبذُلُ كلَّ جُهدِهِ لعدمِ انتشارِ مَرضِهِ وتَعدِّيهِ إلى غيرِهِ، مِن خلالِ عدمِ الاختلاطِ، وعدمِ الخروجِ إلاّ للضرورةِ؛ وذلكَ لأنَّ إيذاءَهُ للآخرِ محرمٌ وإضرارَهُ بالآخرِ -بأيِّ طريقٍ كانَ- ممنوعٌ شَرعاً، وأمَّا غيرُ المريضِ فيجبُ عليه أيضاً ألاَّ يقترِبَ مِنَ المريضِ المصابِ بمرضٍ مُعدٍ، ولكن بلطفٍ ولَباقةٍ دونَ إيذاءٍ لمشاعرِهِ.

صلاة الجماعة

نَصَّ الفقهاءُ على أنه لا ينبغي لمن بهِ مرضٌ مُعدٍ أنْ يُصليَ مع جماعةِ المسلمينَ، وأنَّ مِنَ الأعذارِ التي تُبيحُ التخلفَ عن صلاةِ الجماعةِ كلُّ مَرضٍ يمنعُ صَاحبَهُ مِنَ التمكُّنِ مِن حضورِهَا، أو يتسببُ بتنفيرِ الآخرينَ مِنَ المصلينَ منهُ، وغيرُها مِنَ الأمراضِ القابلةِ للنقلِ للآخرينَ.

السّنةُ النبويةُ الطاهرةُ

ولقدْ جاءتِ السّنةُ النبويةُ الطاهرةُ بأحاديثَ هي بمثابةِ الإعجازِ في زمنٍ لم يكُنِ الطبُّ ولا علماءُ الغربِ يُدركونَ أبسطَ المعاني فيما يتعلقُ بمعنَى العدوَى، ولم يكن عِندهُم أدنَى المعلوماتِ عن الأمراضِ المُعديةِ، ولم يَعرفْ مبدأَ العَزلِ الصحيِّ ومبدأَ الحَجرِ الصحيِّ إلاَّ في السنواتِ الماضيةِ، نعَم لقد وَضعَ الإسلامُ قواعدَ الحجرِ الصحيِّ من نحوِ ألفٍ وأَربعمائةِ سَنَة، قالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ هَذَا الْوَجَعَ -أي الطاعونَ- رِجْزٌ أَوْ عَذَابٌ أَوْ بَقِيَّةُ عَذَابٍ عُذِّبَ بِهِ أُنَاسٌ مِنْ قَبْلِكُمْ، فَإِذَا كَانَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا وَإِذَا بَلَغَكُمْ أَنَّهُ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوهَا» أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «الطَّاعُونُ غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْبَعِيرِ، الْمُقِيمُ بِهَا كَالشَّهِيدِ، وَالْفَارُّ مِنْهَا كَالْفَارِّ مِنَ الزَّحْفِ» أخرجهُ أحمدُ بإسنادٍ جيدٍ. وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لاَ يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ» أخرجه الشيخانِ، ويَأمرُ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - الأصحاءَ بعدمِ مخالطةِ المرضَى بمرضٍ مُعدٍ؛ فإنَّه لما وَفَدَ وَفْدُ ثَقيفٍ كان مِن ضِمنِهم رجلٌ مجذوم فأرسلَ اليه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ فَارْجِعْ» رواه مسلمٌ.

الالتزامِ بالحَجرِ الصحيِّ

وثَمةَ أمرٌ يَتميَّزُ به المسلمُ عن غَيرِه في هذا الأمرِ، وهوَ أنه مأمورٌ شَرعاً بالالتزامِ بالحَجرِ الصحيِّ؛ فإنَّ الإسلامَ جعلَ المسلمِ مُحاسِباً ورقيباً على نفسِه، وأرادَ منه أن يتَّبِعَ الأَمرَ ولا يَعصِي، ومنحَ الإسلامُ ثوابَ ذلك لمنِ التزمَ الحَجرِ الصِّحيِّ ثوابَ الشّهادةِ إنْ ماتَ متُمسِّكاً بتعاليمِ الإِسلامِ الصّحيةِ، وجعلَ عقوبةَ المتُهرِّبِ منها كعقوبةِ الفارِّ مِنَ الزحفِ، كما في الحديث السابق: «الْمُقِيمُ بِهَا كَالشَّهِيدِ، وَالْفَارُّ مِنْهَا كَالْفَارِّ مِنَ الزَّحْفِ». والطاعونُ اسمٌ لكُلِّ وَباءٍ عامٍّ يَنتَشِرُ بِسُرعةٍ.

أسبابِ الوقايةِ

وعلى المسلمِ أَنْ يأخذَ أسبابِ الوقايةِ مِنَ الأمراضِ، ولاسيما إذا كَثُرتْ وانتشرتْ، ومِن ذلكَ قولُه - صلى الله عليه وسلم -: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ: بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لاَ يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَيَضُرُّهُ شَيْءٌ» رواه ابنُ ماجه بإسنادٍ صحيح، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «مَنِ اصْطَبَحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ عَجْوَةٍ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سُمٌّ وَلاَ سِحْرٌ» رواه البخاريّ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي بَدَنِي، اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي سَمْعِي، اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي بَصَرِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» رواهُ أبو داودَ، وحسنه الألبانيُّ. وقال - صلى الله عليه وسلم -: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبَرَصِ، وَالْجُنُونِ، وَالْجُذَامِ، وَمِنْ سَيِّئِ الْأَسْقَامِ» رواه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ وصححه الألبانيُّ.

طلب التّداوِي

وإذا قدَّر اللهُ -تعالى- له المرضَ فعليهِ بطلبِ التّداوِي، والأخذِ بأسبابِ الاستشفاءِ، التي بيَّنَها أهلُ الطبِّ في مجالِهِم، وهذا مِن حُسنِ التّوكّلِ على اللهِ -سبحانه وتعالى.

نشر السكينة والطمأنينة

ومما ينبغي التأكيدُ عليه أنه يجبُ على كلِّ مسلمٍ أن يتجنَّبَ نَشرَ ما يُسبِّبُ الخوفَ والهلَعَ لإخوانِه المسلمينَ تجاهَ هذا المرضِ، وأن يحذرَ مِنَ الشائعاتِ التي تُطلَقُ وتروَّجُ للتهويلِ مِن خطورتِهِ، فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» رواه مسلمٌ، قال -تعالى-: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} (الحديد: 22، 23).

مصدر للقلق

ولننظر إلى هذا الفَيروس الذي يُصيبُ المرءَ ولا يُرى بالعينِ المجردةِ صارَ مصدراً للقلق؛ فَلْنتعلَّمْ من هذهِ المَواقفِ مدى ضَعفنَا وضَعف عِلمِنَا وعَجز أَجهزتِنَا، فمَهمَا أُوتِينا مِن تَقدُّمٍ في الطبِّ ودِقةٍ في الفحصِ وسرعةٍ في الكشفِ تأتي مثلُ هذِه الأوبئةِ لتذكرنا بقوله -تعالى-: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} (الإسراء: 85) وقوله: {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} (الفتح: 7) ولِتُعلِّمَنَا: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ} (المدثر: 31).