الاحتساب على زينة المرأة المحرمة
ناصر أحمد العاهمي


جاء ديننا الإسلامي الحنيف بتلبية الفطرة الأنثوية المتعلقة بحب المرأة للزينة منذ نعومة أظفارها، قال - تعالى -: (أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ) [الزخرف: 18]، فأباح لها من الزينة ما يشبع رغبتها وحرم عليها أنواعا من الزينة ونظراً لانتشار هذه المحرمات ينبغي أن يكون هناك من بني الجنس الأنثوي من تقوم بالاحتساب على من تقارف هذه المنكرات فمن المحرم في التزين المباح:
التبرج وهو: إظهار الزينة لغير من أبيح له النظر إليها و إبراز المرأة محاسنها للرجال.
فإذا رأت المرأة - التي عقد قلبها على خدمة دينها وإحياء شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ابتغاء مرضات الله - تعالى - متبرجة بينت لها الحكم الشرعي لهذا الفعل المتمثل في قوله - تعالى -: قال - تعالى -: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) [الأحزاب: 33]،
وتبرج الجاهلية الأولى المنهي عنه هو: ما كان يفعله النساء من التكسر، والتبختر، وإظهار الزينة من البدن، وما يلبس عليه، وفعل ما يدعو إلى استثارة الشهوة عند الرجال [2].
والتبرج بالزينة أمام الرجال الأجانب كما هو محرم شرعاً، فعلى المحتسبة أن تبين أن له مضاره النفسية والجسدية، وليس هو إلا اصطناع لجمال مزور تبرزه المرأة في غرور وكبرياء، بما ينبو عنه الذوق السليم.
أما الزينة المحرمة التي ينبغي للمحتسبة أن تنهى عنها فمنها: ما يتعلق بشعر المرأة كوصله سواء بشعر آخر أو بقماش وحكم هذا الفعل جاء في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لعن الله الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة) [3] فلتبين المحتسبة لمن ترتكب هذا المنكر أن معنى اللعن الطرد من رحمة الله التي تسعى لنيلها كل مسلمة ليكون هذا رادعاً عن ارتكاب المنكر.
ومما يؤكد لك أختي المحتسبة شدة حرمة هذا المنكر ما جاء عن سعيد بن المسيب قال: قدم معاوية رضي الله عنه المدينة فخطبنا وأخرج كبة من شعر فقال ما كنت أرى أن أحدا يفعله إلا اليهود إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلغه فسماه الزور [4].
وقد خطب معاوية - رضي الله عنه - لما قدم للحج بالمدينة، واستنكر على أهلها وعلى علمائها عدم إنكارهم وصل الشعر، وقال وهو رافع قصة من الشعر - أي مما يصلن به -: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن مثل هذه، ويقول: ((إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم)) [5].
فهل تريدين يا من تقعين في هذا المنكر أن تفعلي الزور وأن تتسببي في هلاك نفسكِ وتعريضها للوعيد؟!
والمقصود بالوصل: الزيادة في الشعر من غيره، سواء كان بشعر أو بغيره.
والواصلة هي: التي تقوم بعمل وصل الشعر، سواء كان لنفسها أو لغيرها.
والمستوصلة: التي تطلب فعل ذلك، ويفعل بها.
وقد ذهب جمهور العلماء إلى تحريم وصل الشعر بالشعر، أو بالخرق، أو بأي شيء آخر، ويؤيد قول الجمهور العموم في حديث جابر بن عبدالله - رضي الله عنه - قال: زجر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تصل المرأة برأسها شيئا [6]، وهذا نهي عام عن كل وصل سواء كان بشعر أو غيره.
والورع ترك ذلك كله، وتجنبه، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - الأنصارية أن تصل شعر رأس ابنتها مما يدل على أن وصل الشعر حرام، حتى مع حاجة المرأة إليه ففي حديث عائشة - رضي الله عنها -: أن جارية من الأنصار تزوجت، وأنها مرضت، فتمعط شعرها، فأرادوا أن يصلوها، فسألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (لعن الله الواصلة والمستوصلة) [7]، فزوجها كان يطلبها وشعرها قد ذهب منه الكثير، وتشوه بسبب المرض، ولو كان هناك رخصة لأذن لها أن تصله ولو بشيء من غير جنس الشعر لاسيما وذلك الوصل للزوج لا لغيره، لكن جاء الجواب قاطعاً بلعن الواصلة والمستوصلة.
وقد استحدثت مصانع التجميل أنواعاً مختلفة حسب أذواق الناس من الشعور المستعارة، وهو ما يعرف بـ (الباروكة) الذي يوضع على كامل الرأس غالباً، وهو حرامٌ قطعاً، لأنه من الوصل، وأولى بالحكم منه؛ لما فيه من التدليس والتصابي، ومشابهة الكفار [8].
ومن الزينة المحرمة: الوشم وهاك أيتها المحتسبة مايدل على تحريمه لتستدلي به على من ترتكبه، فعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله، مالي لا ألعن من لعنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو في كتاب الله؟ ويريد بذلك قوله - تعالى -: (وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُوْلُ فَخُذُوْهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) [9]، فاللعن دليل التحريم إذ لا يلعن الشارع الحكيم إلا على فعل محرم.
والمقصود بالوشم: غرز الإبرة في البدن حتى يسيل الدم، ثم يحشى ذلك الموضع بكحل أو نورة، أو مادة تعرف بالنيلج، فيخضر المحل، ويبقى علامة ظاهرة [10].
ويفعل بالوجه أو اليد غالباً، وقد يفعلنه بالرِّجل. قال الحافظ ابن حجر بعد أن عرف الوشم: "وقد يفعل ذلك نقشاً، وقد يجعل دوائر، وقد يكتب اسم المحبوب، وتعاطيه حرام بدلالة اللعن، ويصير الموضع الموشوم نجساً، لأن الدم انحبس فيه، فتجب إزالته إن أمكنت ولو بالجرح، إلا إن خاف منه تلفاً أو شيناً أو فوات منفعة عضو، فيجوز إبقاؤه، وتكفي التوبة في سقوط الاثم، ويستوي في ذلك الرجل والمرأة "[11].
أما الواشمة فعرفها أبو داود بقوله: "هي التي تجعل الخيلان في وجهها بكحل أو مداد" [12].
والمستوشمة هي: التي تطلب أن يفعل بها الوشم [13].
ومن الزينة المحرمة: النمص وقد ذكر في حديث ابن مسعود السابق وهو نتف الشعر من الوجه كما ذكر ذلك ابن الأثير [14]، وجعله أبو داود أخص من ذلك فقال: (والنامصة التي تنقش الحاجب حتى ترقه) [15] وقال الحافظ ابن حجر:: والنماص: إزالة شعر الوجه بالمنقاش، ويسمى منماصاً لذلك" [16].
والنامصة: مزينة النساء بالنمص، والمتنمصة: المزيَّنة به، والنَّمَص - محركة -: رقة الشعر ودقته، حتى تراه كالزغب [17].
والمسألة مرجعها إلى اللغة فالذي يظهر: أن النمص نتف شعر الوجه كما ذكر ذلك الفراء [18].
فيكون النمص بهذا المعنى الذي اخترته حراما؛ لظاهر النص، فاللعن لا يكون إلا على محرم، وقد لعن الشارع فاعله وطالبه.
وقد خص بعض أهل العلم التحريم إذا كان من باب التدليس، أو إنه محمول على ذوات الريب وهن الفواجر، أما للزوج فيحمل النهي على التنزيه نقل ذلك الحافظ ابن حجر عن بعض الحنابلة [19].
والذي ظهر: أن النمص حرام، سواء كان لذات زوج أو لا، لعموم النص الذي لم يفرق بين ذات الزوج وغيرها.
وقد نقل الحافظ ابن حجر عن الطبري قوله: "لا يجوز للمرأة تغيير شيء من خلقتها التي خلقها الله عليها، بزيادة أو نقص التماس الحسن، لا للزوج ولا لغيره كمن تكون مقرونة الحاجبين فتزيل ما بينهما، توهم البلج، وعكسه" [20].
وهاهنا مسألة تتعلق بالنمص: وهي ما يعرف بتشقير الحواجب، وهي استعمال طلاء بلون الوجه على جزء من الحاجب ليرى رقيقاً مزججاً.
والذي يظهر لي: أنه لا يكون من النمص إذ النمص نتف وهذا ليس بنتف فمن قاسه عليه يكون قياساً مع الفارق فلا يحرم استعماله [21].
ومن الزينة المحرمة: وشر الأسنان وتفليجها وهو من الهوس النسوي للبحث عن الابتسامة الساحرة وإيهام صغر السن، فالوشر: تحديد المرأة أسنانها وترقيقها طلباً للحسن، وتفعله المرأة الكبيرة لترى في سن المرأة الصغيرة، وهذا من التدليس.
وقد ورد في حديث أبي ريحانة - رضي الله عنه - أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - حرم الوشر، والوشم، والنتف[22] فهذا الحديث دال على تحريم مثل هذا الفعل.
أما الفَلَج - بالتحريك - فهو: تباعد ما بين الأسنان، والمتفلجة: التي تفعل الفلج في أسنانها، فتجعل فرجة بين الثنايا والرباعيات من الأسنان، بأن تبرد ما بين الأسنان طلباً للحسن [23].
وحكم الفلج قد ذكر في حديث ابن مسعود السابق وهو اللعن الدال على التحريم.
وهذا التحريم خاص بمن تفعله طالبة للحسن والجمال كما قيده الشارع بذلك، أو تدليساً، أما إذا كان السن مريضاً أو غير مستقيم، واحتاجت إلى البرد والتسوية وإعادته إلى الشكل الطبيعي المعتاد، فلا يدخل في النهي [24].
فكل ما سبق من المنكرات دليل تحريمها اللعن والذي أوقع فيه النساء هو الفهم الخاطئ للجمال والحسن والمسئولية ملقاة على عاتق من انبرت لإنكار المنكر على بنات جنسها وذلك لأن هذه المنكرات غالباً لا يطلع عليها الرجال وعليها أن تبين لهن معنى الجمال الحقيقي الذي لا ينبني على ما حرم الله - تعالى - من تغيير خلقه.
_______________
[2]: تفسير الطبري (20 / 260).
[3]: صحيح البخاري - كتاب اللباس ـ باب وصل الشعر ـ ح5933).
[4]: صحيح مسلم-كتاب اللباس والزينة باب تحريم فعل الواصلة رقم123).
[5]: صحيح البخاري كتاب اللباس - باب وصل الشعر - ح5932 و صحيح مسلم كتاب اللباس ـ باب تحريم فعل الواصلة - ح2127.
[6]: صحيح مسلم- كتاب اللباس والزينة - باب تحريم فعل الواصلة رقم121).
[7]: صحيح البخاري في كتاب اللباس ـ باب وصل الشعر ـ ح5934).
[8]: دليل المرأة المسلمة ص97).
[9]: صحيح البخاري باب المتفلجات للحسن رقم5587).
[10]: النهاية في غريب الحديث (5 / 189)، النووي شرح صحيح مسلم (12 / 106)،
[11]: فتح الباري (10/372).
[12]: سنن أبي داود (4/399).
[13]: النهاية في غريب الأثر - (5 / 416).
[14]: النهاية في غريب الحديث (5 / 119).
[15]: سنن أبي داود (4 / 399).
[16]: فتح الباري (10/377).
[17]: القاموس المحيط (1 / 817).
[18]: تاج العروس من جواهر القاموس (18 / 191).
[19]: فتح الباري (10 / 378).
[20]: المصدر السابق (10/377).
[21]: دليل المرأة المسلمة (6 / 99).
[22]: سنن النسائي كتاب الزينة ـ باب تحريم الوشر ح5110، ومسند أحمد (4/134) قال الأرنؤوط: صحيح لغيره.
[23]: النهاية في غريب الأثر - (3 / 912).
[24]: دليل المرأة المسلمة (6 / 100)