التغاضي عن الأخطاء الصغيرة يؤدي إلى الجرائم الكبيرة
عمار بكار



"النوافذ المكسورة" هو اسم لنظرية كان لها تأثير واسع خلال السنوات العشر الأخيرة في كيفية إدارة المدن وترقية مستواها، وتقليل نسب الجرائم والمخالفات بأنواعها، وتحولت بعد ذلك لتصبح نظرية ذات تأثير عام في مختلف شؤون الإدارة المدنية والإدارة عموماً وحتى في تطوير برامج الكمبيوتر.
أصل النظرية بسيط جداً كما ظهر في مقال كتبه صاحبا النظرية "جورج كيلينج" و"جيمس ويلسون" في عام (1982م)، حيث قال: "بأن وجود نوافذ مكسورة في الحي يشجع الناس على كسر المزيد من النوافذ ثم الاعتداء على السيارات والسرقة، وأن وجود بعض الأوساخ في الشارع يشجع الناس على المزيد من الاستهتار بالنظافة العامة حتى يصبح الحي لا يطاق".
الحل حسب هذه النظرية هي: الاعتناء بالتفاصيل الصغيرة أولاً بأول، وإنهاء الأخطاء الصغيرة مهما كانت للقضاء على المشكلات الكبيرة، وهذا –طبعاً- كان خلاف النظرية السائدة وهي: التركيز على الجرائم والأخطاء الكبيرة كأولوية بدلاً من العناية بالمشكلات الصغيرة.
أول من قرر تطبيق هذه النظرية كانت إدارة المواصلات في نيويورك والتي عينت صاحب النظرية "جورج كيلينج" مستشاراً لها، وبدأت إدارة المواصلات الثمانينيات الميلادية محاولة تغيير نظام المترو في نيويورك والذي كان معروفاً بفوضيته واعتداء الجمهور على نظافته العامة، وبدأت الإدارة بتنظيف الجدران بشكل يومي من الكتابات التي عليه، وتنظيف القطارات بشكل يومي ومنع المخالفات مهما كانت صغيرة وإبعاد المتسولين، وبدأت بعد ذلك شرطة نيويورك بتطبيق النظرية بشكل تدريجي وبلدية بوسطن وشرطة لوس أنجلوس وذلك كله بإشراف "جورج كيلينج".
في التسعينيات الميلادية جاء عمدة نيويورك الشهير "رودي جولياني" ليطبق النظرية على أوسع أبوابها واستطاع بفضلها أن يغير وجه نيويورك من مدينة للفوضى والإجرام إلى مدينة آمنة منضبطة ونظيفة. كانت الفكرة هي (نسبة صفر من التسامح- zero tolerance), حيث بدأ "جولياني" يركز على منع الذين يمسحون نوافذ السيارات بدون إذن أصحابها على إشارات المرور للحصول على ربع دولار بنفس القدر الذي يلاحق فيه جرائم القتل، وكانت النتيجة مذهلة حيث بدأت نيويورك تتحول سريعاً، وأصبح "جولياني" بفضل ذلك نجماً شهيراً في السياسة الأمريكية.
لو تأملت النظرية فستجد أن الفكرة بسيطة: الخطأ بأنواعه هو وباء معد ينمو ويتكاثر ويتضخم بسرعة، والقضاء على الوباء يأتي مع القضاء على بذرة الخطأ. تأمل النظرية أيضاً يفرز نتيجة أخرى: الناس بطبعهم مستعدون للانضباط إذا دخلوا بيئة شعروا نفسياً أنها منضبطة، ومستعدون بسرعة للانفلات إذا دخلوا بيئة شعروا نفسياً بأنها منفلتة.
تصور أن تطبيقات النظرية وصلت لعالم الكمبيوتر إذ قررت "أبل ماكنتوش" أنها لن تتسامح مع أي ثغرة أمنية وستبذل كل الجهود لمنع أي ثغرة، وهذا ساهم عبر الزمن أن تكون كمبيوترات أبل بعيدة تماماً عن الفيروسات بأنواعها، بينما بقيت كمبيوترات ويندوز عرضة للفيروسات بشكل متنامي كل يوم.
في دبي -حيث أعيش- يتميز نظام المرور بالانضباط الشديد، بينما جارتها الشارقة لا تتميز بهذه الميزة، وبينما يعمل عشرات الآلاف من سكان الشارقة في دبي، تجد أن الشخص يقود بطريقة متهورة ومخالفة للنظام عندما يكون في الشارقة ثم يتغير أسلوب قيادته فوراً عندما يدخل إلى دبي. مثل هذا يحصل في الإدارات الحكومية والشركات حيث يتغير سلوك الإنسان عندما يشعر بالانضباط من حوله مباشرة، والأمثلة التي لدى كل قارئ من القراء على ذلك لا تعد ولا تحصى.
لاحظ أن الفكرة هي: التركيز على منع الأخطاء الصغيرة، ولكن هذا لا يعني إشاعة جو من الجبروت والعقاب الشديد؛ لأن لهذا أثره السلبي والعكسي حين يثير التحدي في نفوس الناس، ولكن الأصل هو منع الأخطاء فقط لإشاعة الجو النفسي بالانضباط، وهذا سيتكفل بامتناع الناس عن الأخطاء صغيرة وكبيرة دون الحاجة لأنظمة العقاب الشديدة التي يظن بعض المديرين أنها الحل الوحيد لمنع الأخطاء.
جوهر الفكرة هو: عدم التسامح مع الأخطاء مهما صغرت، والتركيز على أن يشعر الناس أنهم يعيشون ضمن إطار نظام لا يرحب بالفوضى والخطأ؛ لأن الناس في طبعها يحبون ذلك، وسيلتزمون بالنظام عندها