قال مؤلف متن الورقات - رحمه الله -:
وأما النسخ فمعناه لغة: الإزالة (1)، وقيل: معناه: النقل من قولهم: نسخت ما في هذا الكتاب أي نقلته(2).
وحده: هو الخطاب الدال على رفع الحكم(3) الثابت بالخطاب المتقدم(4) على وجهٍ لولاه لكان ثابتاً مع تراخيه عنه(5).
1) ومنه قولهم: نسخَت الشمسُ الظلَّ؛ أي: أزالتْه، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [الحج: 52].
2) ومنه قوله تعالى: ﴿ هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الجاثية: 29].
3) ومعنى رفع الحكم تغييره، من تحريم إلى إباحة، أو غير ذلك، وهذا نسخ برفع الحكم، وهناك نسخ برفع اللفظ، واقتُصر على الأول؛ لأنه الأكثر، وستأتي الأمثلة على ذلك.
4) فمن شروط النسخ: أن يكون المنسوخ حكمًا شرعيًّا (عمليًّا) ثابتًا بدليل.
5) ومن شروط النسخ ألا يكون الخطاب الناسخ متصلًا بالخطاب المنسوخ.
فالنسخ: رفع الحكم الثابت (أو دليله) بخطاب متقدم، بخطاب متأخرٍ عنه.
فائدة:
الخطاب الثاني يجب أن يكون كتابًا أو سنة، فلا نسخ إلا بهما، فالإجماع لا ينسخ؛ لأنه إنما انعقد بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وقد فات التشريع، والقياس من باب أَولى؛ لأنه لا يصار إليه إلا عند عدم النص.
فائدة:
لا نسخ في العقائد والأخلاق وسائر الأخبار، لا نسخ إلا في الأحكام الشرعية العملية.
فائدة:
من حِكم وقوع النسخ:
• التدرج في التشريع كما هو الشأن في تحريم الخمر.
• اختبار أهل الإيمان ليُعلم الراسخ في العلم من المرتاب.
• إظهار المنة على العباد بالتخفيف عنهم.
ويجوز نسخ الرسم (1) وبقاء الحكم (2)، ونسخ الحكم وبقاء الرسم(3)، والنسخ إلى بدل(4) أو إلى غير بدل(5)، وإلى ما هو أغلظ(6) وإلى ما هو أخف(7).
1) أي التلاوة.
2) مثاله: ما رواه الشيخان من حديث عمر بن الخطاب أنه قال: "كَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَرَأْنَاهَا، وَعَقَلْنَاهَا، وَوَعَيْنَاهَا، فَلِذا رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: وَاللَّهِ مَا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ..."؛ [متفق عليه]. وحكمة النسخ هنا واضحة، وهي امتحان العباد واختبار امتثالهم لطاعة الله تعالى.
3) مثاله: قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [البقرة: 240]. فقد نُسخ الحكم في هذه الآية مع بقائها بقول الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [البقرة: 234]، وحكمة النسخ هنا واضحة كذلك، وهي بيان التخفيف على الأمة.
فائدة:
وقد يُنسخ الحكم والتلاوة معًا؛ كما في حديث عائشة قالت: «كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُنَّ مِمَّا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ»؛ [رواه مسلم].
4) كما في نسخ التوجه إلى بيت المقدس في الصلاة إلى التوجه إلى بيت الله الحرام في قوله تعالى: ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ... ﴾ [البقرة: 144].
5) كما في نسخ وجوب تقديم الصدقة بين يدي نجوى الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [المجادلة: 12].
6) كما في التدرج الثلاثي في تحريم الخمر، فكانت مباحة ثم حُرِّمت عند الصلاة ثم حُرمت مطلقًا.
7) كنسخ عدة المتوفي عنها زوجُها من عام بغير خروج إلى أربعة أشهر وعشرًا.
ويجوز نسخ الكتاب بالكتاب(1) ونسخ السنة بالكتاب(2) ونسخ السنة بالسنة(3).
1) كما في آيتي عدة المتوفي عنها زوجها المتقدمتين.
2) كما في نسخ استقبال بيت المقدس الثابت بالسنة الفعلية بقوله تعالى: ﴿ فَلَنُوَلِّيَنّ َكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ... ﴾ [البقرة: 144].
3) ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا"؛ [رواه مسلم].
ويجوز نسخ المتواتر بالمتواتر(1)، ونسخ الآحاد بالآحاد(2)، ولا يجوز نسخ المتواتر بالآحاد(3).
1) مثل نسخ القرآن بالقرآن وقد مرَّ بيانه، ونسخ السنة المتواترة بالسنة المتواترة، وهذا مجمع عليه وإن كان لا يكاد يوجد كما ذكر ذلك صاحب شرح الكوكب المنير.
2) ومثاله: حديث "نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا"، وقد سبق.
3) وهو مذهب جمهور الأصوليين محتجين بأنه دونه في القوة، وذهب أحمد رحمه الله في رواية وابن حزم إلى جواز ذلك ووقوعه، ومثلوا لذلك بما رواه الشيخان من حديث ابن عمر قال: "بَيْنَمَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ قُرْآنٌ وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوه َا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ"؛ [متفق عليه].


والشاهد: قَبول خبر الواحد والعمل به.


رابط الموضوع: https://www.alukah.net/sharia/0/135209/#ixzz5tCIhss00