أقسام المنسوبين إلى البدعة :
لا يخلو المنسوب إلى البدعة أن يكون: مجتهدا فيها، أو مقلدا.
والمقلد: إما مقلد مع الإقرار بالدليل الذي زعمه المجتهد دليلا والأخذ فيه بالنظر، وإما مقلد له فيه من غير نظر، كالعامي الصرف.
فهذه ثلاثة أقسام:
فالقسم الأول على ضربين:
أحدهما: أن يصح كونه مجتهدا، فالابتداع منه لا يقع إلا فلتة وبالعرض لا بالذات، وإنما تسمى غلطة أو زلة; لأن صاحبها لم يقصد اتباع المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويل الكتاب; أي: لم يتبع هواه، ولا جعله عمدة، والدليل عليه أنه إذا ظهر له الحق; أذعن له وأقر به.
ومثاله ما يذكر عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أنه كان يقول بالإرجاء، ثم رجع عنه، وقال: " وأول ما أفارق غير شاك أفارق ما يقول المرجئون ".
القسم الثاني: يتنوع أيضا:
وهو الذي لم يستنبط بنفسه، وإنما اتبع غيره من المستنبطين، لكن بحيث أقر بالشبهة واستصوبها، وقام بالدعوة بها مقام متبوعه; لانقداحها في قلبه، فهو مثل الأول، وإن لم يصر إلى تلك الحال، ولكنه تمكن حب المذهب من قلبه حتى عادى عليه ووالى.
وصاحب هذا القسم لا يخلو من استدلال، ولو على أعم ما يكون، فقد يلحق بمن نظر في الشبهة وإن كان عاميا، لأنه عرض للاستدلال وهو عالم أنه لا يعرف النظر ولا ما ينظر فيه،
ومع ذلك; فلا يبلغ من استدل بالدليل الجملي مبلغ من استدل على التفصيل وفرق بينهما في التمثيل.
إن الأول: أخذ شبهات مبتدعة، فوقف وراءها، حتى إذا طولب فيها بالجريان على مقتضى العلم، تبلد وانقطع، أو خرج إلى ما لا يعقل.
وأما الثاني: فحسن الظن بصاحب البدعة، فتبعه، ولم يكن له دليل على التفصيل يتعلق به، إلا تحسين الظن بالمبتدع خاصة، وهذا القسم في العوام كثير.
القسم الثالث: يتنوع أيضا، وهو الذي قلد غيره على البراءة الأصلية،
فلا يخلو:
أن يكون ثم من هو أولى بالتقليد منه، بناء على التسامع الجاري بين الخلق بالنسبة إلى الجم الغفير إليه في أمور دينهم من عالم وغيره، وتعظيمهم له بخلاف الغير.
أو لا يكون ثم من هو أولى منه، لكن ليس في إقبال الخلق عليه وتعظيمهم له ما يبلغ تلك الرتبة.
فإن كان هناك منتصبون، فتركهم هذا المقلد وقلد غيرهم; فهو آثم إذ لم يرجع إلى من أمر بالرجوع إليه، بل تركه ورضي لنفسه بأخسر الصفقتين، فهو غير معذور، إذ قلد في دينه من ليس بعارف بالدين في حكم الظاهر، فعمل بالبدعة وهو يظن أنه على الصراط المستقيم.
وهذا حال من بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنهم تركوا دينهم الحق ورجعوا إلى باطل آبائهم، ولم ينظروا نظر المستبصر حتى لم يفرقوا بين الطريقين، وغطى الهوى على عقولهم دون أن يبصروا الطريق، فكذلك أهل هذا النوع.
وقلما تجد من هذه صفته; إلا وهو يوالي فيما ارتكب ويعادي بمجرد التقليد
{وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15].
وقسم لابس ما عليه أهل عصره من عبادة غير الله، والتحريم والتحليل بالرأي ووافقوهم في اعتقاد ما اعتقدوا من الباطل، فهؤلاء نص العلماء على أنهم غير معذورين، مشاركون لأهل عصرهم في المؤاخذة، لأنهم وافقوهم في العمل والموالاة والمعاداة على تلك الشرعة، فصار [وا] من أهلها. فكذلك ما نحن في الكلام عليه، إذ لا فرق بينهما.
ومن العلماء من يطلق العبارة ويقول: كيفما كان؛ لا يعذب أحد إلا بعد الرسل وعدم القبول منهم.
وهذا إن ثبت قولا هكذا، فنظيره في مسألتنا أن يأتي عالم أعلم من ذلك المنتصب يبين السنة من البدعة، فإن راجعه هذا المقلد في أحكام دينه ولم يقتصر على الأول، فقد أخذ بالاحتياط الذي هو شأن العقلاء ورجاء السلامة،
وإن اقتصر على الأول ظه ر عناده، لأنه مع هذا الفرض لم يرض بهذا الطارئ، وإذا لم يرضه; كان ذلك لهوى داخله، وتعصب جرى في قلبه مجرى الكلب في صاحبه، وهو إذا بلغ هذا المبلغ; لم يبعد أن ينتصر لمذهب صاحبه، ويحسنه، ويستدل عليه بأقصى ما يقدر عليه في عموميته، وحكمه قد تقدم في القسم قبله.


الاعتصام للشاطبي ت الهلالي (1/ 193)