تشكيل عقول الأطفال يبدأ بالألعاب



تولي بعض الدول اهتماماً كبيراً بصناعة لعب الأطفال وإنتاج برامج للأطفال؛ وذلك لما تؤديه تلك البرامج والألعاب من دور كبير من دعم القيم المراد غرسها في نفوس الأطفال في شتّى المجالات الإيمانية والعقلية والجسمية وغيرها. مما يدل على تأثير تلك البرامج والألعاب أن أولادنا أصبحوا يعرفون كل شيء عن الأفلام الكرتونية مثل: البوكيمون، والكابتن ماجد، وغيرهما، فضلاً عن أنهم يحفظون الكثير من الأغاني وقصص المسلسلات والأفلام.

ومما يدل على عمق المعضلة التي يعيشــها أطفالنا وجود إحصائيـــة تبين أن (68%) من الأطفال العرب الذي تقل أعمارهم عن (10 سنوات) لا يعرفون صحابياً جليلاً اسمه (خالد بن الوليد) أعلى شأن الإسلام ببسالته وإخلاصه وجهاده، وهذا ما جعل الجامعة العربية تحذِّر من أنَّ الأطفال العرب مستهدفون من جانب دول كثيرة أجنبية بسبب إنتاج هذه الدول للعب أطفال وعرائس تنقل قيم ومفاهيم غريبة عن الواقع والأخلاق الإسلامية.
حذَّرت إحدى الدراسات التي أعدَّتها الإدارة العامة للشؤون الاجتماعية والثقافية بالجامعة العربية من أنَّ الدولة الصهيونية، بالرغم من أنَّ تعداد سكانها ضئيل بالنسبة للدول العربية، إلاّ أنَّها تبدي اهتماماً كبيراً بصناعة لعب الأطفال وتسعى للسيطرة على هذه السوق وتصدير إنتاجها للدول العربية التي تعدُّ من أكبر الأسواق استهلاكاً للعب الأطفال. وأنَّ اليهود يستهدفون من وراء ذلك عقول أطفال العرب وأفئدتهم، ونقل القيم والمفاهيم التي يتناقض الكثير منها مع ما هو سائد في مجتمعنا الإسلامي، الأمر الذي يؤدِّي إلى غرس نزعات العنف والعدوان ومشاعر النقص والدونية في نفوس أطفالنا، بدلاً من أن تكون هذه اللعب والأفلام عوناً في تنمية حواس الطفل المسلم وذكائه وزيادة قدراته الإبداعية واعتزازه بدينه وقيمه.. وقد تأكَّد لدى علماء النفس أنَّ الإسراف في مشاهدة هذه البرامج والأفلام يؤدِّي إلى القلق والميل إلى الانتقام والتشبُّع بالقيم المنحرفة.
إضافة إلى تخدير الأطفال وصرفهم عن الحقائق الواقعية؛ إذ يؤكِّد علماء الإعلام أنَّ ما يُعرض من أفلام كرتونية يقوم بمهمة تربوية سلبية جوهرها التخدير، وصرف انتباه الأطفال عن الحقائق الواقعية ودفعهم إلى عالم خيالي مريض. ويروى أن أحد الأطفال عندما سئل: من يعرف شخصية تاريخية كانت مثالاً للبطولة والشجاعة؟ أجاب: إنَّه جراندايزر!!
وتقول إحدى الأمهات إنها طلبت من ابنها ذي الخمس سنوات التوقف عن لعبة (بلاي ستيشن) والاهتمام بدروسه، فما كان منه إلا أن ألحّ بالاستمرار متعهداً ألاّ يذهب إلى الكنيسة، ووسط ذهول الأم، شرح لها ابنها الأكبر أنَّ أحد محطَّات السباق تقتضي توقف المتسابق في كنيسة كبيرة!!
وبينما تحضُّ المدارس والأُسر على ضرورة بذل الجهد وإعمال الفكر؛ نجد أنَّ البرامج تبرز جوانب الحياة الرخوة وضربات الحظ والخبطات العشوائية الكامنة في مصباح علاء الدين..
وقصارى القول: إنَّ الأفلام المدبلجة والكرتونية تنقش في عقول أطفالنا قيماً تجارية وافدة، تؤدِّي في النهاية إلى تعطيل الذهن وشلل الفكر وعرقلة مسار العقل وإطلاق العنان للأخيلة المريضة والأشباح الهزيلة. بل إنَّ بعض محطاتنا الفضائية تقدِّم برامج للمسابقات للناشئة نكتشف معها أنَّ أبناءنا يعرفون كلّ فيلم أنتجته هوليود وأسماء أبطاله، ومخرجه ومنتجه، وعمَّال المكياج والديكور والإضاءة فيه، وبشكل يكاد يرقى إلى مستوى المعلومات الموسوعية..
واقعنا اليوم يشهد بأن الكثير من أبنائنا أصبحوا يعرفون ما لدى الآخرين أكثر ممَّا يعرفون عن أمتهم وتراثهم وهويتهم الإسلامية..
ويرى التربويون وعلماء النفس إن ما يقدّم للطفل من برامج وألعاب كرتونية يسهم إلى حد كبير في تشكيل فكره ورؤيته للعالم من حوله، بغضّ النظر عن مدى صحّة هذه الرؤية أو خطئها، وبغضّ النظر عن مدى ملاءمتها للمجتمع الذي ينتمي له الطفل.
وإذا تأمّلنا محتوى كثير من البرامج والألعاب - لا سيما الألعاب الإلكترونية - سنجدها انطلقت من ثقافات غربية أو شرقية، لا تختلف عنَّا في اللغة فحسب، بل في العقيدة والمعايير الخلقية والنظرة إلى الحياة.. ومن هنا فإنَّ تلك البرامج لابدَّ أن تعكس تلك الثقافات والرؤى، وهنا مكمن الخطورة؛ لأنَّها تنقل تلك الثقافات وتغرس تلك المعايير في عقل الطفل بصورة سلسة غير مباشرة لا يظهر أثرها بشكل واضح وسريع، ممَّا يؤكِّد أهمية إنتاج برامج خاصّة بمجتمعاتنا الإسلامية.. وحتى تنجح هذه البرامج وتصبح البديل للبرامج الغربية تحتاج لمتطلبات عديدة يأتي في مقدِّمتها ما يلي:
* القناعة التامّة بأهمية مثل هذه البرامج للأطفال.
* وجود كادر كافٍ من المتخصصين والفنيين في مجالات متنوعة، من أهمها: المتخصصون في مجال الطفولة والإعلام والإنتاج الفني وغيرهم.
* ميزانية كافية، ولا ينبغي أن تستكثر الأموال في ذلك، فمهما صرف في هذا الأمر فهو في مكانه؛ لأنَّ الأمر يتعلَّق بتربية أجيال، بل يُعدُّ أمناً للمجتمع الإسلامي.
وأخيرا تجدر الإشارة إلى أنَّ قيام مثل تلك البرامج لابدَّ وأن يواجه عقبات، يأتي في مقدِّمتها توفير تلك المتطلبات، والمنافسة الحادَّة التي تواجهها تلك البرامج في حال قيامها من قبل المنتجات القائمة المستوردة، لكن الاستمرار في بذل الجهود، والتهيئة الإعلامية الكافية للنَّاس بضرورة هذه البرامج وأهميتها، وعدم التعجُّل في قطف النتائج، يذلل ـ بإذن الله تعالى ـ تلك العقبات.
منقول