بسم الله الرحمن الرحيم
موجزٌ توضيحيٌّ في أدب المسلم مع القضاء بالمصائب
وذلك في أربعة أحاديث شريفة:
الحديث الأول:
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ، فَأَتَى رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَجَدَهُ فِي غَشِيَّةٍ، فَقَالَ: «أَقَدْ قَضَى؟ [أي: مات]» قَالُوا: لَا، يَا رَسُولَ اللهِ!. فَبَكَى رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بَكَوْا، فَقَالَ: «أَلَا تَسْمَعُونَ؟ إِنَّ اللهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا -وَأَشَارَ إِلَى (لِسَانِهِ)- أَوْ يَرْحَمُ». البخاري: 1304، ومسلم: 924. الغَشِيَّة، والغَشْيَة: الإغماءة.
الحديث الثاني:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، قَالَ في وفاة ابن النبي –صلى الله عليه وسلم- إبراهيم الرضيع، قال: "... وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تَذْرِفَانِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟! فَقَالَ: «يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ!»، ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى، فَقَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلاَ (نَقُولُ) إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» . البخاري: 1303.
الحديث الثالث:
عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «إِنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلاَءِ، وَإِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاَهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ (سَخِطَ) فَلَهُ السَّخَطُ». الترمذي: 2396، حسن.
الحديث الرابع:
عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ، أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ. وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ، كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ» قَالَتْ عَائِشَةُ أَوْ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ: إِنَّا (لَنَكْرَهُ) المَوْتَ، قَالَ: «لَيْسَ ذَاكِ، وَلَكِنَّ المُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ المَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللهِ وَكَرَامَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ، فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ، وَأَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الكَافِرَ إِذَا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذَابِ اللهِ وَعُقُوبَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ، كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ، وَكَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ». البخاري: 6507.
***
فالحديثان الأول والثاني يتعلقان بموقف اللسان حين نزول المصيبة، كما جاء في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا -وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ- أَوْ يَرْحَمُ». أي: إن الجزاء – ثوابًا أو إثمًا – موكولٌ بقول اللسان.
ومن الأقوال التي يثاب عليها المسلم عند المصيبة: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}[البقرة: 156]. ومما يأثم به قوله حينئذٍ: لو فعلتُ كذا، لكان كذا، أو: لو لم أفعل كذا، لكان كذا!. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «... وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ، كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ». مسلم: 2664.
أما الحديثان الثالث والرابع فإنهما يتعلقان بموقف القلب من المصيبة عند وقوعها وقبل وقوعها، وهو على أقسام أربعة: ثلاثة منها تتعلق بموقفه منها عند وقوعها، أما الرابع فموقفه منها قبل وقوعها، كما في التفصيل الآتي:
الأول: (قلبٌ راضٍ): رضاهُ بالمصيبة كرضاه بالنعمة والعافية؛ لاعتقاده بأن كِلا الأمرين من عند الله {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ}[النساء: 78]. وصاحب هذا القلب في أعلى الدرجات عند الله، عز وجل، وفي أصحاب هذا القلب يقول الله تعالى: {رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ}[المائدة: 119].
الثاني: (قلبٌ صابر)، وصاحبه يجد للمصيبة حين وقوعها مرارةً، لكنه يصبر ويحتسب، وهو بذلك مأجور، قال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}[الزمر: 10].
الثالث: (قلبٌ ساخِط)، وصاحبه حينما ينزل به بلاءٌ يظن بالله ظنًّا سيِّئًا؛ كأن يكره حُكم الله فيه، أو تُساوره الشكوك بعدل الله سبحانه، وهو بذلك في إثمٍ عظيم؛ ودليله ما جاء في الحديث الثالث: «وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ» أي: إثم السخط.
الرابع: (قلبٌ كاره) وصاحبه يتصور مصيبةً ما، فيكره أن تقع به، وهو كُرْهُ طبعٍ لا كُره اعتقاد أو اعتراض على القضاء، فهذا لا مؤاخذة عليه، كقول عائشة –رضي الله عنه- في الحديث الرابع: (إِنَّا لَنَكْرَهُ المَوْتَ)، وقول النبي –صلى الله عليه وسلم- لها: «لَيْسَ ذَاكِ». وكما جاء في الحديث القدسي: «وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ». البخاري: 6502.
والله تعالى أعلم.
أخوكم: كمال الدين جمعة بكرو.