عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال -صلى الله عليه وسلم- ( من استغفر للمؤمنين وللمؤمنات، كتب الله له بكل مؤمن و مؤمنة حسنة ) [1]

( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) [2] (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ) [3] (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) [4] ... بهذه المبادئ السامية كان يعيش النبي -صلى الله عليه وسلم- بين أصحابة هاديا ومعلما ومرشدا ومؤسسا لأعظم وأطهر حضارة في التاريخ.
إنه الإسلام الذي ربط الموحدين في شتى البقاع والعصور بسياج من التكافل والتآزر والمحبة حتى صاروا على اختلاف لغاتهم وألوانهم وطبقاتهم كيان واحد يجمع الحب كل ذرة من ذراته، وحتى صار لا صلاح للمؤمن إلا بصلاح إخوانه ولا نجاة له إلا بنجاتهم، فصاروا من هذا المنطلق كنفس واحدة يحنو بعضهم على بعض ويستغفر بعضهم لبعض.
قال تعالى‏: {واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات‏}[محمد‏:‏19]‏. وقال تعالى: {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِي نَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ}[إبراهيم:41]. وقال تعالى: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِي نَ وَالْمُؤْمِنَات ِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا} [نوح:28]
ودعاء نوح -صلى الله عليه وسلم- لوالديه هو بر النبوة بالوالدين المؤمنين ــ كما نفهم من هذا الدعاء ــ ولو لم يكونا مؤمنين لروجع فيهما كما روجع في شأن ولده الكافر الذي أغرق مع المغرقين، ودعاؤه الخاص لمن دخل بيته مؤمنا هو بر المؤمن بالمؤمن، وحب الخير لأخيه كما يحبه لنفسه، وتخصيص الذي يدخل بيته مؤمنا لأن هذه كانت علامة النجاة، وحصر المؤمنين الذين سيصحبهم معه في السفينة، ودعاؤه العام بعد ذلك للمؤمنين والمؤمنات هو بر المؤمن بالمؤمنين كافة في كل زمان ومكان. وشعوره بآصرة القربى على مدار الزمن واختلاف السكن. وهو السر العجيب في هذه العقيدة التي تربط بين أصحابها برباط الحب الوثيق، والشوق العميق، على تباعد الزمان والمكان. السر الذي أودعه الله في هذه العقيدة وأودعه هذه القلوب المربوطة برباط العقيدة [5]
قال المناوي: (من استغفر) اللّه (للمؤمنين والمؤمنات) بأي صفة كانت، وورد في ذلك صيغ بألفاظ متقاربة (كتب اللّه له) أي أمر اللّه الحفظة أن تكتب له في صحيفته (بكل مؤمن ومؤمنة حسنة)، قال علي -كرم اللّه وجهه-: العجب ممن يهلك ومعه النجاة، قيل: وما هي؟ قال: الاستغفار.
وقال بعضهم: العبد بين ذنب ونعمة لا يصلحهما إلا الاستغفار.
وقال بعض العارفين لآخر: أوصني. قال: ما أدري ما أقول، غير أنك لا تفتر عن الحمد والاستغفار، فإن ابن آدم بين نعمة وذنب ولا تصلح النعمة إلا بالحمد والشكر، ولا الذنب إلا بالتوبة والاستغفار [6]
ولا تعجب من بساطة العمل وعظم الأجر وتظن أن هذا من المبالغات! فأنت تتعامل مع ملك الملوك -سبحانه وتعالى- الكريم الجواد الوهاب الذي يعطي من يشاء بغير حساب، ولكن أعجب من غفلة الناس عن مثل هذه الأجور العظيمة.
وهذا الحديث يعطينا دروسا كثيرة وعظيمة أهمها:
( أولا ): عمق رابطة الأخوة الإيمانية بين المسلمين. فالإسلام يحث كل المسلمين أن يدعو بعضهم لبعض في ظهر الغيب، الأمر الذي قد لا نجده في دين آخر، ومتى استشعر المسلم ذلك، زالت الأحقاد التي يثيرها الشيطان في النفوس بين آونة وأخرى.
( ثانيا ): إن الذي يحتجز الدعاء لنفسه ولا يذكر إلا ذاته ويتناسى إخوانه المسلمين إنسانا أنانيا قد حرم نفسه من كثير من الخير والحسنات.
( ثالثا ): من دعا لأخيه بظهر الغيب، ضمن الإجابة من الله تعال بإذن الله لما رواه صفوان -رضي الله عنه- قال: قدمت الشام فأتيت أبا الدرداء في منزله فلم أجده ووجدت أم الدرداء فقالت: أتريد الحج العام؟ فقلت: نعم. قالت فادع الله لنا بخير فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول: «دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثل» [رواه مسلم]
وعن أم الدرداء -رضي الله عنها- قالت: كان لأبي الدرداء ستون وثلاثمائة خليل في الله يدعو لهم في الصلاة فقلت له في ذلك، فقال: إنه ليس رجل يدعو لأخيه في الغيب إلا وكل الله به ملكين يقولان: ولك بمثل.
وروت أيضا أنها قالت: بات أبو الدرداء ليلة يصلي فجعل يبكي ويقول: اللهم أحسنت خَلْقي فأحسن خُلُقي حتى أصبح. فقلت يا أبا الدرداء ما كان دعاؤك منذ الليلة إلا في حسن الخلق؟ قال: يا أم الدرداء إن العبد المسلم يحسن خلقه حتى يدخله حسن خلقه الجنة، ويسوء خلقه حتى يدخله سوء خلقه النار، وإن العبد المسلم ليغفر له وهو نائم، قلت: وكيف ذاك يا أبا الدرداء؟ قال: يقوم أخوه من الليل فيتهجد فيدعو الله فيستجيب له ويدعو لأخيه فيستجيب له.
وكان لحمدون الدلال صحيفة مكتوب فيها ثلاثمائة من أصدقائهن وكان يدعو لهم كل ليلة. فتركهم ليلة فنام، فقيل له في نومه: يا أبا حمدون لم تسرج مصابيحك الليلة؟ فقعد وأسرج وأخذ الصحيفة فدعا لواحد واحد حتى فرغ.
والاستغفار للمؤمنين والمؤمنات سنة ملائكية، والتشبه بأهل الفضل فلاح، قال تعالى:‏ { تكاد السموات يتفطرن من فوقهن‏,‏ والملائكة يسبحون بحمد ربهم‏,‏ ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم }‏ [الشورى:‏5].‏ ‏
أي‏:‏ والملائكة ينزهون خالقهم عن كل ما لا يليق بجلاله وبكماله‏,‏ ويطلبون للمؤمنين من أهل الأرض‏,‏ عفوه ورحمته بهم‏,‏ لأنه وحده هو الواسع المغفرة والرحمة لمن يشاء من عباده‏.
وقال تعالى: {الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به‏,‏ ويستغفرون للذين آمنوا‏,‏ ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما‏,‏ فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم‏,‏ ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم‏,‏ ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم‏,‏ إنك أنت العزيز الحكيم‏,‏ وقهم السيئات‏,‏ ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته‏,‏ وذلك هو الفوز العظيم ‏} [‏ غافر‏7‏-‏9]

الهوامش
[1] رواه الهيثمي في مجمع الزوائد 10/210بإسناده جيد، ورواه الطبراني (حسن) انظر حديث رقم: 6026 في صحيح الجامع. للسيوطي بتحقيق الألباني * [2] رواه أحمد والترمذي عن أنس( صحيح ) حديث رقم: 7583 في صحيح الجامع [3] رواه الترمذي عن أبي موسى (صحيح) حديث رقم: 6654 في صحيح الجامع. [4] رواه مسلم عن النعمان بن بشير [[6] فيض القدير للمناوي 2/52
د/ خالد سعد النجار

alnaggar66@hotmail.com