خطبة الصبر مفتاح الفرج
نحن في هذه الآونة في أشد الحاجة إلى الصبر الجميل، والعمل بما يحمله من معنىً جليل.
فلعلنا هنا في غزة نجد في هذا الصبرِ الجميلِ عزاءً وسَلوة، فالحزن قد ضرب الأطناب، على فقد الأحباب؛ من أهلٍ وإخوانٍ وأصحاب، واليأس قد تسلَّلَ إلى القلوب التي فارقَها الارتياح، والأفئدة تراقب المجهول خوفا من الاجتياح.
فلابد من كلمة تسلِّي المحزونين، وتطمئن الخائفين، وتغرسُ الأملَ والرجاءَ في القلوب، وتطردُ اليأسَ والقنوطَ من الصدور، قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. (آل عمران: 200)
ثم هبَّت علينا نفحةٌ من نسائم النصر، ورأينا نتيجةً من عَبَقِ الصبر، وبعد هذا الظلام الدامس هناك بارقةُ أَمَلٍ في سطوع نور الفجر، {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}. (سورة النصر)
وفي حالنا هذه ونحوِها من الأحوال، لا بدَّ من الالتجاء إلى الله وذِكْرِه ذِكرًا كثيرا، والثباتِ على ديننا وإيماننا وتوحيدنا، وعدمِ النكوصِ إلى اليأسِ والقنوطِ والخنوع، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. (الأنفال: 45)
ولابدَّ فرضًا لازمًا من طاعة الله سبحانه، وطاعةِ رسوله صلى الله عليه وسلم، وعدمِ التنازعِ والتفرُّق، وأن نكونَ يدًا واحدةً على من سوانا، ونصبرَ على ما ابتُلينا، فإن خالفْنا ذلك فالهزيمة والفشل، {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}. (الأنفال: 46)
وعلينا ألاَّ ندعيَ ما ليس لنا كذبا وزورا، أو نلهثَ باحثين عن السمعة والشهرة، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «المُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلاَبِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ». البخاري (5219) ومسلم (2129)
وعلينا ألاّ نتَّصف بالبَطَرِ والرِّياء، وألاّ نصدَّ عن سبيل الله من أراد النصحَ والخير {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}. (الأنفال: 47)
وعلينا أن نصبرَ صبرًا جميلا؛ لا تَبَرُّمَ فيه ولا ضجرَ من قضاء الله تعالى وقدره، [فإن الصبرَ من أعظمِ خصالِ الخير التي حثَّ اللهُ عليها في كتابه العظيم، وأمَرَ بها رسولُه الكريم صلى الله عليه وسلم في سنته المطهرة، وقد وردت مادة (صبر) في القرآن الكريم =أكثر من مائة مرة=...
فقد أمر الله نبيَّه =صلى الله عليه وسلم= بخلُق الصبر فقال: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ}. (النحل: 127)، وقال تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ}. (الأحقاف: 35)
وأمر الله به المؤمنين، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا}. (آل عمران: 200).
وأثنى على أهله، فقال تعالى: {وَالصَّابِرِين فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}. (البقرة: 177)
وأخبر بمحبته للصابرين، فقال تعالى: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}. (آل عمران: 146)
ومعيَّتِه لهم، فقال تعالى: {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}. (الأنفال: 46)
وأخبر أن الصبرَ خيرٌ لأصحابه، فقال تعالى: {وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ}. (النحل: 126)
ووعدهم أن يجزيَهم أعلى وأوفى وأحسنَ مما عملوه، فقال تعالى: {وَلَنَجْزِيَنّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. (النحل: 96)، وقال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}. (الزمر: 10)
وبشرهم فقال تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}. (البقرة: 155)
وأخبر أن جزاءَهم الجنةُ =والحريرُ= فقال تعالى: {وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً}. (الإنسان: 12)
وقد قرن الله الصبر بالقيم العليا في الإسلام، فقرنه باليقين، قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ}. (السجدة: 24)
وقرنه بالتوكل، قال تعالى: {نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}. (العنكبوت: 58، 59)
وقرنه بالصلاة في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}. (البقرة: 153)
وقرنه بالتقوى في عدة آيات منها: قولُه تعالى: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ}. (آل عمران: 186)، وفي قوله تعالى: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً}. (آل عمران: 120)، وقولِه تعالى في (سورة يوسف: 90): {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}.
وقرن الله تبارك وتعالى الصبرَ بالعمل، فقال: {إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}. (هود: 11)
وقرنه بالجهاد، في قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}. (النحل: 110)، وفي قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنّ كُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِين}. (محمد: 31)
وقرنه بالاستغفار: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ}. (غافر: 55)
وقرنه بالتسبيح، في قوله تعالى: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ}. (الطور: 48)، وفي قوله تعالى في سورة طه: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى}. (طه: 130)
وقرن الصبر في القرآن الكريم بالحق، في قوله تعالى: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الإنسانَ لَفِي خُسْرٍ إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}. (العصر: 1-3)
وقرنه بالرحمة، قال تعالى: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ }. (البلد: 17)
وقرنه بالشكر في عدة آيات، قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}. (إبراهيم: 5)]. من مقدمة المحقق لكتاب (قاعدة في الصبر لابن تيمية)
قال ابن عثيمين: و[الصبر ..حبس النفس على أمور ثلاثة:
الأول: على طاعة الله.
الثاني: عن محارم الله.
الثالث: على أقدار الله المؤلمة. هذه أنواع الصبر التي ذكرها أهل العلم...
=وأقدارُ الله= المؤلمة: بحيث لا تلائمُ الإنسان تكون مؤلمة؛ فيُبْتلَى الإنسان في بدنه، ويبتلَى في ماله بفقده، ويبتلَي في أهله، ويبتلَى في مجتمعه، وأنواعُ البلايا كثيرة تحتاج إلي صبر ومعاناة، فيَصْبِرُ الإنسان نفسه عمَّا يَحرُم عليه من إظهار الجزع باللسان أو بالقلب أو بالجوارح؛ لأن الإنسان عند حلول المصيبة له أربع حالات:
الحالة الأولي: أن يتسخَّطَ =ويتضجَّر=.
والحالة الثانية: أن يصبرَ =ويحتسب=.
والحالة الثالثة: أن يرضي =ويستسلم=.
والحالة الرابعة: أن يشكرَ =اللهَ ويحمَدَه=. هذه أربع حالات تكون للإنسان عندما يصاب بالمصيبة.
ولهذا يُذكر عن بعض العابدات أنها أصيبت في أصبعِها، =جُرحَ أصبعُها= فحمدت الله على ذلك، فقالوا لها: (كيف تحمدين الله والأصبع قد أصابه ما أصابه؟!) قالت: (إن حلاوةَ أجرِها أنستني مرارةَ صبرِها).
فأمر الله المؤمنين بمقتضى إيمانهم، وبشرفِ إيمانهم بهذه الأوامر الأربعة: {اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. (آل عمران من الآية: 200)
فالصبرُ عن المعصية، والمصابرةُ على الطاعة، والمرابطةُ كثرةُ الخير وتتابعُ الخير، والتقوى تعمُّ ذلك كلَّه، {وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.
فاصبروا عن محارم الله: لا تفعلوها، تجنَّبوها ولا تقربوها....
فلهذا كان الصبر على الطاعة أفضل من الصبر عن المعصية؛ ولهذا قال الله تعالي: {وَصَابِرُوا}، كأنَّ أحدًا يصابرُك، كما يصابرُ الإنسانُ عدوَّه في القتال والجهاد.
وأما المرابطة؛ فهي كثرةُ الخير والاستمرارُ عليه، ولهذا جاء في الحديث عن رسول الله صلي الله عليه وسلم أنه قال: "إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطا إلي المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط". لأن فيه استمرارًا في الطاعة وكثرةً لفعلها.
وأما التقوى؛ فإنها تشملُ ذلك كلَّه، لأنَّ التقوى اتخاذُ ما يقي من عقاب الله، وهذا يكون بفعلِ الأوامرِ واجتناب النواهي.
ثم بين الله سبحانه وتعالى أن القيام بهذه الأوامر الأربعة سببٌ للفلاح فقال: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.
والفلاح كلمةٌ جامعةٌ تدور على شيئين: على حصولِ المطلوب، وعلى النجاةِ من المرهوب.
فمن اتقى الله عز وجل حصل له مطلوبُه، ونجا من مرهوبِه]. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين (1/172- 176) بتصرف
فالمصيبة في بداياتها قد تُغطِّي على العقل، وتذهِلُ الإنسانَ حتى تصدرَ منه مخالفاتٌ شرعية، فالصبرُ الحقيقيُّ عليها عند صدمتها الأولى، لقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى». البخاري (1283)، فالزمن كفيل بنسيان المصيبة، والصبر بعد فوات الأوان لا فائدة منه.
[... قَالَ عَليّ رضي الله عنه للأشعث بن قيس: إِنَّك إِن صبرت إِيمَانًا واحتسابا، وَإِلَّا سَلَوْتَ كَمَا تسلو الْبَهَائِم... =وَأَنْشَدَ ابْنُ مَسْرُوقٍ=:
إِذَا طَالَعَكَ الْكُرْهُ *** كُنْ بِالصَّبْرِ لَوَّاذَا
وَإِلاَّ ذَهَبَ الأَجْرُ *** فَلا هَذَا وَلا هَذَا].
كشف المشكل من حديث الصحيحين (3/ 250)
ما أجملَها من صوَرٍ ترسمُها لنا الصحابيةُ الجليلةُ أُمُّ الرُّبَيِّعِ بِنْتُ البَرَاءِ وَهِيَ أُمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ =حيث= أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: (يَا نَبِيَّ اللَّهِ! أَلاَ تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ)، -وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ-، (فَإِنْ كَانَ فِي الجَنَّةِ صَبَرْتُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ، اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي البُكَاءِ)، قَالَ: «يَا أُمَّ حَارِثَةَ إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الجَنَّةِ، وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الفِرْدَوْسَ الأَعْلَى». البخاري (2809)، تصبرُ إن علمت أنَّ نهايةَ ابنِها في الجنة، وتبكي إن كان غيرَ ذلك، فأعلَمَها أنه في الفردوس الأعلى، الله أكبر.
والصبر في الجهاد الذي فيه الرؤوس تُقطَع، والأيدي والأرجلُ تُبْتَر، والآذانُ تُصْلَم، والأنوفُ تُجدَع، والأعينُ تُفقأ، والأجسادُ تتمزَّق، والأشلاءُ تتفرَّق، والدماءُ تسيل وتنزف، ومن الجروح تتدفَّق، ويتعالى صُراخُ المتألمين، ويخفِتُ أنينُ الموجوعين، والمقاتلُ يرى ذلك بعينه، ويعاينه بنفسه، فالصبرُ هنا من أعلى المقامات، ولا يكابدُه إلا ذَوُو الهِمَمِ العليَّة، لذا لا يجوز تمنِّي الحربَ والقتال، خوفًا من عدمِ الصبرِ عند النزال، ولكنْ إن قُدِّرَ وصارت الحربُ فالصبرُ والمصابرة، والدعاءُ والذكر، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، وَسَلُوا اللَّهَ العَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلاَلِ السُّيُوفِ»، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الأَحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ». البخاري: (2965، 2966)، مسلم: (1742)
وعدمُ الصبرِ على ألمِ الجروحِ في الحروب قد يؤدِّي بالمقاتلِ إلى الخسران في الدنيا والآخرة، لما يلحقه من التضجُّرِ من الألم، وعدمِ تحمُّلِه فيَقتلُ نفسَه طلبا للراحة من الألم، فهذا في النار، وإن قاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لِرَجُلٍ مِمَّنْ يَدَّعِي الإِسْلاَمَ: «هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ»، فَلَمَّا حَضَرَ القِتَالُ، قَاتَلَ الرَّجُلُ قِتَالًا شَدِيدًا فَأَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ، فَقِيلَ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ! الَّذِي قُلْتَ لَهُ: إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَإِنَّهُ قَدْ قَاتَلَ اليَوْمَ قِتَالًا شَدِيدًا، وَقَدْ مَاتَ)، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِلَى النَّارِ»، قَالَ: فَكَادَ بَعْضُ النَّاسِ أَنْ يَرْتَابَ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ، إِذْ قِيلَ: (إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ، وَلَكِنَّ بِهِ جِرَاحًا شَدِيدًا)، فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْلِ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الجِرَاحِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ، فَقَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ! أَشْهَدُ أَنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ»، ثُمَّ أَمَرَ بِلاَلًا فَنَادَى بِالنَّاسِ: «إِنَّهُ لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاجِرِ». البخاري: (3062) ومسلم: (111)
لهذا؛ لا يجوز أن نشهدَ على أحدٍ أو نحكمَ على معيَّنٍ بأنه شهيدٌ أو من أهل الجنة أو من أهل النار، إلا من شهدَ له أو عليه القرآنُ أو صحيحُ السنة، ولكن نقول لمن نحسنُ الظنَّ به: «... أَحْسِبُ فُلاَنًا، وَاللَّهُ حَسِيبُهُ، وَلاَ أُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا أَحْسِبُهُ كَذَا وَكَذَا، إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ». البخاري: (2662)، مسلم: (3000)
[عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} شَقَّ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمِينَ، حِينَ فُرِضَ عَلَيْهِمْ أَنْ لاَ يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ، فَجَاءَ التَّخْفِيفُ، فَقَالَ: {الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضُعْفًا، فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ}. قَالَ: (فَلَمَّا خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنَ العِدَّةِ نَقَصَ مِنَ الصَّبْرِ بِقَدْرِ مَا خُفِّفَ عَنْهُمْ)]. البخاري (4653)، وهذا التخفيف في عهد الصحابة رضي الله تعال عنهم: واحدٌ لا يفرُّ من اثنين، فكيف بضعفنا في هذا الزمان؟
نجد الجماعةَ من المسلمين يفرُّون من واحدٍ من الأعداء يقودُ طائرته، أو يركب دبَّابته، أو يُسيِّر وهو على الأرض (زنَّانته) أي طائرته الاستطلاعية، ففرارنا والحال كذلك مغفور.
إن ما يُخْضِعُ لنا عدوَّنا ويذلُّه بين أيدينا، ويحفظُنا من البلايا والمحن، هو وحدتُنا وصبرُنا فيما بيننا على أنفسنا، والصفحُ والعفوُ عمن أساءَ منا، قال البخاري: [وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}. (المؤمنون: 96): (الصَّبْرُ عِنْدَ الغَضَبِ، وَالعَفْوُ عِنْدَ الإِسَاءَةِ، فَإِذَا فَعَلُوهُ عَصَمَهُمُ اللَّهُ، وَخَضَعَ لَهُمْ عَدُوُّهُمْ)].
إن الفرج آتٍ لا محالة، {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}. (الشرح: 5، 6) [قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: (أَيْ مَعَ ذَلِكَ العُسْرِ يُسْرًا آخَرَ كَقَوْلِهِ: {هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الحُسْنَيَيْنِ}. (التوبة: 52): وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ)]. صحيح البخاري
عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا أَتَى أَبُو عُبَيْدَةَ الشَّامَ حَضَرَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَأَصَابَهُمْ جَهْدٌ شَدِيدٌ قَالَ: فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ, فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: سَلَامٌ, أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ لَمْ تَكُنْ شِدَّةٌ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَعْدَهَا مَخْرَجًا، وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ, وَكَتَبَ إِلَيْهِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. (آل عمران: 200). مصنف ابن أبي شيبة (4/ 222، رقم 19486)
عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ، قَالَ: أَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَلْقَى مِنَ الحَجَّاجِ، فَقَالَ: «اصْبِرُوا، فَإِنَّهُ لاَ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ، حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ»، سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. البخاري (7068)
وتوبوا إلى الله واستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

**الخطبة الآخرة**
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى من اهتدى بهداه، إلى يوم الدين وبعد؛
فنحن مأمورون بالصبر عند المصائب، وعند وقوع البلايا والمحن، وعند فقد الأهل والأولاد، قال سبحانه عن أيوب عليه السلام بعد أن افتقد ماله وأهله وصحته: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ}. (ص: 44)
وعَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمِّهِ صفية، قَالَتْ: لَمَّا صُلِبَ ابْنُ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا دَخَلَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا الْمَسْجِدَ، وَذَلِكَ حِينَ قُتِلَ =عبد الله= ابْنُ الزُّبَيْرِ =ابن أسماء= وَهُوَ مَصْلُوبٌ، فَقِيلَ لَهُ: (إِنَّ =أمَّه= أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ فَمَالَ إِلَيْهَا فَعَزَّاهَا)، وَقَالَ: (إِنَّ هَذِهِ الْجُثَثَ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ، وَإِنَّمَا الْأَرْوَاحُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، فَاتَّقِي اللهَ وَعَلَيْكِ بِالصَّبْرِ). فَقَالَتْ: (وَمَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَصْبِرَ وَقَدْ أُهْدِيَ رَأْسُ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا إِلَى بَغِيٍّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ). أخبار مكة للفاكهي (2/ 376، رقم 1677)
أيَّها الناس! إن الذي يريدُ من أهل المصيبة أن يطلقوا النارَ والرصاصَ فرَحا وابتهاجا بمصيبة الموت، ويحثَّهم على أن يضحكوا أو ويزغردوا، أو يَطبُلوا أو يَزمُروا ويفرحوا، ناقَضَ الفطرة، وخالفَ السنة، عزَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابنةً له عندما مات ابنها فقال: «إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ، وَلْتَحْتَسِبْ» ،.. =وبكى= وَفَاضَتْ عَيْنَاهُ،.. وَقَالَ: «هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ». البخاري (1284)
والبكاء والحزن لا ينافيان الصبر، لأنَّ الإنسان لا يملكُ قلبَه من الحزن، ولا عينَه من البكاء، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي سَيْفٍ القَيْنِ، وَكَانَ ظِئْرًا لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ =أي أباه من الرضاعة=، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِبْرَاهِيمَ، فَقَبَّلَهُ، وَشَمَّهُ، ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَذْرِفَانِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ّ) فَقَالَ: «يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ»، ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» . البخاري: (1303)
عاد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ في شَكْوَى لَهُ، مع جماعة من أصحابه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ فِي غَاشِيَةِ أَهْلِهِ، فَقَالَ: «قَدْ قَضَى» قَالُوا: (لاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ!) فَبَكَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا رَأَى القَوْمُ بُكَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَكَوْا، فَقَالَ: «أَلاَ تَسْمَعُونَ؛ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُعَذِّبُ بِدَمْعِ العَيْنِ، وَلاَ بِحُزْنِ القَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا -وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ- أَوْ يَرْحَمُ، وَإِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ». البخاري: (1304)، ومسلم: (924)
والمعنى محمول على من بكى بصراخ ونوحٍ وصياح، ودعوى الجاهلية، والمصيبة في الدين أن يُتقرَّبَ إلى الله بهذه البدعة وتُعتبرَ عبادة، مع قول النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتحذيرِه: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ» . البخاري: (1294)
إن الصبرَ والتصبُّرَ أفضلُ ما منحه الله للعبد، فقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «... وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ». البخاري: (1469)، ومسلم: (1053)
وهذا حال المؤمن وهذا شأنه؛ كلُّه له خير فـ«عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ». مسلم: (2999)
{قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}. (الزمر: 10)

كتب وخطب وألف بين الكلمات والجمل:
أبو المنذر فؤاد
الزعفران المغازي الوسطى غزة
تاسوعاء محرم 1434 هـلالية،
وفق: 23/ 11/ 2012 شمسية.
للتواصل مع الشيخ عبر البريد الالكتروني: zafran57@yahoo.com
أو زوروا الموقع الالكتروني الرسمي للشيخ: www.alzafran.com

[/CENTER]