سموّ الأمير سفيان || علي الفيفي


التاريخ لا يحفظ إلا أسماء العظماء ، والتاريخ لا يحفل إلا بحياة الشرفاء ، والتاريخ لا يدوّن إلا سير أعلام النبلاء ..
وهذا شريف من الشرفاء ، شرفت به الدنيا ، وأصبح لها بعد مروره من عليها شيء لم يكن لها قبل ذلك ..
لا شك أن عظيماً ما ولد يوم ولادته ، وأن بطلاً ما قد مات يوم موته ، إنّه سفيان الثوري ، إنه فتى باهلة الأعظم ، الذي لولاه لما عُرفت باهلة .. قال المؤرّخون : لولا رجلان لما عُرفت باهلة : قتيبة بن مسلم ، وسفيان الثوري ..
سفيان رجل له فلسفة خاصة للحياة ، فلم يكن يعامل الحياة بموت ! لم يكن تعني له الحياة وهو العالم الورع أن يعطيها ظهره ويمضي إلى آخرته في صمت ، وإنما تعني له الحياة الحركة ، والعطاء ، وحتى الضحك هو شيء من حياة سفيان لا يكاد ينفك عنه ! ففي سيرته أنه يضحك بين الناس حتى إنه ليكاد يسقط من شدّة الضحك .. ثم إذا خلا بربّه ليلاً قالوا عنه : يكاد يسقط من شدّة بكائه ! وهذا شيء لا يفهمه الرهبان ، إنه التعامل مع النفس البشرية على أنها نفس بشرية ، خلقها الله لتكون نفساً بشرية لا أكثر " وأنه هو أضحك وأبكى " .. فلا حاجة إذن لتمثل دور الملك الكريم .. بما أن الإنسان العاديّ داخلك يريد أن يضحك ، وأن يسير في الشارع ، وأن يتحدث مع الناس ..
يقول لأولئك الذين يظنون أنه خلق من معدن آخر ، أولئك الذين يمشون عادة وراء المشهورين فيزيدونهم فتنة ويكتسبون ذلاً : إني لأخرج من بيتي وما بي إلا أن أسلم على الناس ويسلموا عليَ . وكأن ملامح سفيان أضافت لأولئك الذين لم يصدقوا ما قاله: فقط لا غير ..
ولكن العظمة دائما تخرج من تحت رداء العاديّة ، ليس في وجوه العظماء ميزة إلا أنها متربة بغبار الإنسان ، ذلك الذي يحمل زوّادته ويسير ببساطة في سكك الحياة ، فإذا أدركته الصلاة توضأ وتلقى القبلة بوجهه ، وصلى ..
سأله أحد المريدين : ما هو عمل الأبطال ؟ فأجابه إجابة بحجم البطولة ذاتها : عمل الأبطال الكسب من الحلال ، والإنفاق على العيال ..
يعلم سفيان جيداً أنه ليس من مهمّاته أن يبهر الآخر ، أو أن يأتي بإجابة تحمل ظلالاً فلسفية ، أو تسجل كحكمة .. إنه يؤمن أن الصدق هو أقصر الطرق لتحويل شيء ما إلى شيء عظيم ، بل إن من شروط العظمة عدم التفكير فيها أصلا .. فلا داعي إذن لزخرفة الكلام ، أو أن يتحدث عن أبطال خرافيين يحملون الكرة الأرضية ويطيرون بها ! البطل هو الإنسان العادي معروق الجبين ، الذي يكد في الصباح ليطعم أهله في المساء .. هذا هو السهل الممتنع .. الذي يجعل جميع الأسئلة المماثلة تتلاشى ، لتبقى بساطة العالم تحوي العالم بين برديها ..
مثلنا تماما كان سفيان ، يسير في الطرقات ، وينظر إلى الناس ، يسلم عليهم ، ويسلمون عليه ، ويرى في طريقه ذلك كل ما يمكن أن تراه عين الماشي في طريق الناس ، ومن ذلك بعض المنكرات ! ينكر بعضها ، بحسب قوّته ، ويسكت عن بعضها بحسب ضعفه .. لا وجود للرجل الخارق في التاريخ ، حتى الأنبياء كانوا يخافون " ففررت منكم لما خفتكم " .. فلا داعي لإنشاء قصص عن عدم خوف فلان إلا من الله تعالى .. وقد كان سفيان من هؤلاء البشر العاديين ، علماء وعظماء ، ولكنّ العادية تقطر من جباههم .. يمر ببعض المنكرات فلا ينكرها .. لضعفه .. لضعفه وكفى ..
فيعود إلى بيته ، وهو يتراءى ملك الملوك ، عظيمة المكانة التي فرغها في قلبه لله رب العالمين .. تلك المكانة التي تجعله يذهل عن كل شيء إلا ذلك المنكر ..
وسؤال يرن في خلد سفيان : كيف يعصى الله ؟ كيف تراجع الإيمان لدى البعض حتى يعصون ربهم جهارا نهارا ؟
وما تزال تلك الحرقة بسفيان حتى يرى الدم في بوله من شدّة ما يجد من ألم ممض ..
وفي أزقة العراق الخافتة يرمقه عطاء الخفاف وهو ينثر عبراته ، يتكرر المشهد فتتكرر التساؤلات ، يقول عطاء : ما لقيت سفيان الثورى إلا باكيا فقلت: ما شأنك؟ قال: أخاف أن أكون في أم الكتاب شقيا .
هنا تضع الدنيا نقطة .. ليبدأ التاريخ كتابة الورع من بداية السطر !
أي خوف من الله في قلبك يا سفيان ؟
وهذا الورع والخوف هو الماء الذي يُسقى به العلم ، وبدونه تنبت أغصان العلم ذابلة .." واتقوا الله ويعلمكم الله " ..
أصبح فؤاد سفيان فارغاً للعلم ما يكتب فيه شيئا ويحتاج إلى مراجعته ، قال عبد الرازق وغيره عن سفيان قال:مااستودعت قلبي شيئا قط فخانني.
لقد اصطنعه الله وليّاً .. فأنشأه نشأة تليق بالأولياء الأتقياء الأذكياء .
الميزة التي لم تقع عيني على سيرة عظيم إلا ووجدتها كالوشم فيها ، ميزة الصدق مع النفس ، وعدم وضع هذه النفس في مكانة لم تخلق لها .. وها هو سفيان بكل صدق يقول ، بل يصرخ في وجوه أولئك الذين يشعرونك منذ الوهلة الأولى لطلبهم العلم أن الزهد قد أحرق أفئدتهم ، وأن الإخلاص قد محا الدنيا من أعينهم ، فيقول سفيان وكأنه يضع مرآة كبيرة أمام حشود من طلبة العلم تتصنع السكينة وليست لها بخلق : طلبنا العلم لغير لله ، فأبى العلم إلا أن يكون لله ..
لقد طلبنا العلم للجاه ، للمنصب ، للوظيفة .. ثم لما ذقنا حلاوة العلم ، وتشربته قلوبنا ، ووعته أفئدتنا تصححت عند ذلك نوايانا ..
ويقول في قريب من المعنى الأول : طلبت العلم ولم تكن لي نية ، ثم رزقني الله النية ..
ولا يجب علينا أن نفهم النيّة التي يعنيها سفيان بفهمنا نحن للنية ، فلم يحتفل السلف بشيء احتفالهم بشأن النية ، يقول الإمام أحمد : وددت لو أن لي في كل عمل أعمله نية .. فلا نغتر نحن بنوايانا ، ونظن أننا قد نوينا شيئا حسنا بطلبنا للعلم ، فنوايانا التي نعدها حسنة كانت مما تخطر على قلوبهم فيستعيذون بالله من شرها .. النية تعني عندهم أمراً مهولا .. تعني ألا تريد بالعمل إلا وجه الله .. كف عن هرائك أيها الطويلب فلا أنا ولا أنت ولا أخال كثيرا ممن رأيناهم قد تدبروا معنى إرادة وجه الله بالعمل .. إنه معنى ضخم لا تحيط به أنفس قد تشربت حب الدنيا .. فعدّ عن هذا واشتغل بما ينفعك الآن ..
ألمحه وهو ينظر لأولئك المدسّمين لحاهم بالدنيا .. أصحاب الاعتدال المزعوم والسماحة الموشومة ، من تسمنت دنياهم بهزال دينهم فيقول وهو يضرب شماله بيمينه حسرة عليهم : لأن أطلب الدنيا بطبل أحب إلي من أن أطلبها بالدين ..
تتحول تلك الشخصيّة الهادئة إلى شخصية لها ملامح أخرى إذا ما تعلّق الأمر بتشويه وجه الدين بأي اسم ، فلا يرضى هذا الإمام أن يمس الدين باسم جمالياته أو سماحته .. فالاجتهاد المبني على أساس علمي والذي تحوطه التقوى ويكفّه عن تعدي حدوده الوَرع شيء .. والتعدي على محكمات الدين لأجل " دنيا " بأي مظهر تجلّت هذه الدنيا شيء آخر ..
يهتف بأعلى صوته ليسمع أولئك المدلّسين : لو هم رجل أن يكذب في الحديث وهو في جوف بيته لأظهر الله عليه ..
فإذا ما رأيت أولئك الذين تقطر الدنيا من أوجههم ، يتعاطون العلم للدنيا ، يحفظون الأحاديث يهذونها هذّاً وما دروا ما وراءها من العلم والتقوى فارمهم بقول سفيان : ما بلغنى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث قط إلا عملت به ولو مرة .. هنا تعلم سر عظمة هذا الإمام !
يحاول حكام ذلك الزمن استجلاب سفيان كغطاء شرعي لمخالفاتهم ، فيأبى سفيان أن يكون جسرهم إلى جهنّم : عن عطاء بن مسلم قال: لما استخلف المهدى بعث إلى سفيان فلما دخل خلع خاتمه ورمى به إليه فقال: يا أبا عبد الله هذا خاتمي فاعمل في هذه الأمة بالكتاب والسنة فأخذ الخاتم بيده وقال: تأذن في الكلام يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم قال: لا تبعث إلى حتى آتيك ولا تعطني شيئا حتى أسألك .. ثم يخرج تاركاً وراءه كميّة لا بأس بها من الشيكات التي تنتظر ابتسامة موافقة منه حتى يوقعها الخليفة .. ولكن هيهات : إنه سفيان الثوري
ولما أتت الفتاوى التي تبيح انتفاع العالم بمال السياسي ليقيم أوده ، ابتسم ساخراً منهم ورمى بتلك الفتاوى الركيكة وقال بشموخ : المال داء هذه الأمة والعالم طبيب هذه الأمة فإذا جر العالم الداء إلى نفسه فمتى يبرئ الناس.
هذا الورع والخوف والحذر من أن يتخذ دين الله ألعوبة هو ما حدا بقتيبة أن يعلنها ليلة وفاة هذا الإمام : مات سفيان فمات الورع !
وكأن الدنيا بكل زخارفها اجتمعت تنظر إلى دنيا أخرى تهم بتوديع وجودها ، وتستمع لآخر كلمات ذلك الكون الآخر ، فإذا بأحرف سفيان هامسة ترتق ثقوب الوجود : ما عالجت شيئا أشد عليّ من نفسي : مرّة عليّ ومرّة لي ..
قال يزيد بن إبراهيم صبيحة الليلة التي مات فيها سفيان قيل لي في منامي : مات أمير المؤمنين ، فقلت لذلك الصوت : مات سفيان الثوري ؟ فقال : نعم !
مات سموّ أمير العلم والتقوى والورع .. مات سموّ أمير الخشية ونبذ الكذب والهلع ..
إنه سفيان ، لم يكن يظهر للناس بمظهر الرجل السوبرمان .. بل كان يحب أن يراه الناس كما هو ، ومع ذلك فهو الذي كان إذا انتهكت محارم الله لم يستطع النوم ، وإذا ما كذب عبّاد الدرهم على محكمات الشريعة يزأر في وجوههم ، وإذا ما فاوضه سموّ الأمير يتركهه على كرسيه ويخرج ليبحث عن سموّه هو .. وعظمته هو .. وخوفه من الله .