إن الإقرار بالخطأ والاعتراف بالحق «ليس فضيلة فحسب»، بل واجب وفريضة؛ فهو أول طريق التوبة وإصلاح النفس، وهو أول طريق أداء الحقوق إلى أصحابها -حقوق الله ثم حقوق العباد-، وتخليص النفس مِن آفاتها وأمراضها، والاعتراف بالذنب يولد الندم ويقود إلى التوبة، ويحث على الاستغفار، {قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ} (يوسف:97).
ولأن بداية استدراك ما فات، وإصلاح التقصير والأخطاء، هو الإقرار على النفس وعدم الكبر والاستعلاء، كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتضرع إلى الله -عز وجل- ويتوسل إلى ربه صباح مساء بقوله: «أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ» (رواه البخاري)، وكما في دعائه: «أعُوذُ بكَ من شَرِّ نَفْسي، ومن شَرِّ الشَّيْطانِ وَشِرْكهِ، *وَأنْ *أقْتَرِفَ *على نَفْسي سُوءًا، أوْ أجُرَّهُ إلى مُسْلمٍ» (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، فالمعترف المقر بذنوبه وأخطائه أقرب للتوبة ممن يزكي نفسه. من أسباب شقاء إبليس
وكان من أسباب شقاء إبليس أن أَبَى واستكبر، وتمادى في غروره وإعراضه عن التوبة والإنابة، فكان من الصاغرين المُبعَدين، {قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا *فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ} (الأعراف: 13)، فالجنة لا يصلح أن يسكنها وأن يكون من أهلها إلا نفس مسلمة مؤمنة، مستسلمة خاضعة لخالقها وبارئها -تبارك وتعالى. من أسباب سعادة آدم وحواء -عليهما السلام
وكان من أسباب سعادة الأبوين آدم وحواء -عليهما السلام- الاعتراف بالخطأ، فوفقهما الله -تعالى- إلى التوبة والإنابة، {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (الأعراف:23)، وقد قال الله -عزوجل- مبينًا فضيلة الاعتراف بالذنوب، وأن ذلك يُرجى معه أن يوفق العبد إلى التوبة والمغفرة: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (التوبة:102)، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبٍ ثُمَّ تَابَ، تَابَ اللهُ عَلَيْهِ» (رواه مسلم). ذكر الله أمنة من الإصرار على الذنوب والاستكبار
إن ذكر الله -عزوجل- الصادق بالقلب واللسان، والعمل بطاعته، يؤدي إلى توبة الإنسان الدائمة، ورجوعه المستمر إلى الله، ويجعل المسلم حريصًا على محاسبة نفسه ومراجعتها في الفواحش، وفي ظلمها لنفسها بارتكاب ما حرم الله، وهو أمنة للعبد من الإصرار على المعاصي والسيئات أو الاستكبار على أمر الله، قال الله -تعالى في صفات المتقين والمحسنين-: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ *وَلَمْ *يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (آل عمران: 133-135). قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: «إن الهداية التامة إلى الصراط المستقيم لا تكون مع الجهل بالذنوب، ولا مع الإصرار عليها، فإن الأول جهل ينافي معرفة الهدى، والثاني: غي ينافي قصده وإرادته؛ فلذلك لا تصح التوبة إلا مِن بعد معرفة الذنب والاعتراف به، وطلب التخلص مِن سوء عاقبته أولًا وآخرًا» (مدارج السالكين). مما يعين على الاعتراف بالخطأ والتقصير