على أعتاب عام هجري



مر عام بدقائقه وساعاته من عمرنا، عشنا لحظات فيها فرح وحزن وصحة وسقم وزلة وذنب وطاعة ومعصية.. كم فوتنا من صلاة جماعة وعمرة وحج والمشاركة في أعمال الخير والبر..؟! عام مضى في ذكريات إما حسنة وإما سيئة، وبين حرب وسلم وتفجيرات وانقلابات وإراقة دماء، وبين فقدان صديق بسبب حادث مروري أو موت الفجأة أو غيرها..
كم مرت علينا لحظات عشنا في غفلة وابتعدنا عن الذكر وقراءة القرآن وانشغلنا بالقنوات ومواقع التواصل الاجتماعي الحديث.
كم يحسب لنا وكم يحسب علينا.. قال تعالى: {يوْمئِذٍ تُعْرضُون لا تخْفى مِنْكُمْ خافِيةٌ}(الحاقة: 18). وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، فإن أهون عليكم في الحساب غداً أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية».
أما آن لنا أن نتغير للأفضل وللأحسن، ونزيد في وزن الطاعات والقربات لله عز وجل، ونكون مفاتيح للخير مغاليق للشر؟ نعمل بالفضائل ونترك الرذائل، نصنع المعروف ليكون سببا في أن يقينا مصارع السوء.. نعمل للدار الآخرة التي هي دائمة، نعلم الناس الخير ونتعلم.. يقول الحسن البصري رحمه الله: «آية المؤمن والله لا نراه إلا هو يلوم نفسه ما أردت بكلمتي؟ ما أردت بأكلتي؟ ما أردت بحديث نفسي؟ أما الفاجر فيمضي قدما قدما لا يعاتب نفسه».
ها هو ذا عامنا الهجري الرابع والثلاثون بعد الأربعمائة وألف يجمع أطرافه، ويلملم أوراقه، ويربط أحزمته، ثم يودعنا راحلا بما حوى بين جنباته من أفراح وأتراح وآلام وآمال، فكم سعد فيه أناس، وكم شقي فيه آخرون، كم من دمعات انحدرت فرحا باللقاء، وكم من عبرات سكبت من لوعة الفراق؟!.
قال الفضيل بن عياش لرجل: كم أتى عليك؟ قال ستون سنة.
قال: فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك يوشك أن تبلغ.
فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون.
قال الفضيل: أتعرف تفسير قول: «إنا لله وإنا إليه راجعون؟».
فمن علم أنه لله عبد، وأنه إليه راجع فليعلم أنه موقوف، ومن علم أنه موقوف فليعلم أنه مسؤول، فليعد للسؤال جوابا.
فقال الرجل: فما الحيلة؟
قال: يسيرة. قال: ما هي؟
قال: تحسن فيما بقي يغفر لك ما مضى، فإنك إن أسأت فيما بقي، أخذت بما مضى وما بقي والأعمال بالخواتيم.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «ارتحلت الدنيا مدبرة وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل واحدة منها بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل» أخرجه البخاري.
كيف أنت مع ربك يا عبدالله؟
كيف أنت مع نفسك يا عبدالله؟
كيف أنت مع والديك وأقاربك ومن له حق عليك؟
كيف أنت مع المسلمين وغير المسلمين؟
فرصة عظيمة سانحة لكي تعدل خطتك هذا العام، وتجود في صحيفتك، وكلما فترت همتك وأثقلتك الأعباء فأمتثل قول ربك: {ليبلوكم أيكم أحسن عملا}(تبارك: 2).
وحافظ على أعمالك الصالحة واستزد منها وتعاهدها، ولا تدع الشيطان يفسدها.
تب إلى الله -عز وجل- وادعوه أن يتقبل منك، وأكثر من الذكر والاستغفار واحمد ربك على النعم التي لا تعد ولا تحصى.
ويتساءل الكثيرون لماذا نزعت البركة من أعمارنا وأوقاتنا وأعمالنا وأموالنا وأولادنا في هذه السنوات؟
نزُعت لقلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولقلة الاهتمام بالدعوة وطلب العلم وقلة العبادة؛ لأننا تركنا التنافس على الخير والمسارعة والسباق إلى الطاعة: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ}(طه: 84).
نزُعت لكثرة المعاصي والحسد وآفات اللسان؛ ولأننا انشغلنا بالدنيا وتركنا الآخرة، قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ}(الأ عراف: 96).
ويحثنا ابن القيم -رحمه الله- على حسن التخطيط: «أعظم الربح في الدنيا أن تشغل نفسك كل وقت بما هو أولى بها وأنفع لها في معادها».



اعداد: د.بسام خضر الشطي