-
تذليل العقبات بإعراب الورقات
CENTER]بسم الله الرحمن الرحيم[/CENTER]إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.أما بعدفقد عزمت مستعينا بالله على البدء في إعراب متن الورقات لإمام الحرمين أبي المعالي الجويني – - والتحشية عليه بما تيسر، وهو كتاب قال فيه شارحوه: " كتاب صغر حجمه، وكثر علمه، وعظم نفعه، وظهرت بركته"[1] وكان هذا تلبية لرغبة بعض الإخوة في ذلك، وقد كنت قدَّرْتُ في نفسي أن أكتفي بإعراب المتن وأن أترك الشرح للشراح؛ حيث أن هذا هو المطلوب فكتبت شيئا على هذا التقدير، وفي أثناء ذلك كنت أرجع إلى الشروح والحواشي: لألتقط من فوائدها، وأغتنم من فرائدها؛ كما كنت أصنع من قبل ذلك حين صنعت النسخة المصححة من المتن؛ فرأيت أن أقيد شيئا من هذه الفوائد والدرر، وأنثرها بين ما أكتبه، وإن أدى ذلك إلى طول الشرح وخلط الأصول بالنحو.فإن قلت: الاختصار أفضل.قلت: الاختصار كثير والحصول عليه يسير، ولو كان كل من يكتب يكتب اختصارا، لكان تَكرارا، لا يختلف إلا بالسياق أو العباره، فدعني أصنع لك حاشية لا كالحواشي، أعيذها بالله من كل واشية وواشي.هذا، ومن منهجي في العمل:
1- أن أكتب الفقرة المراد شرحها من المتن باللون الأحمر الثقيل.2- ثم أبدأ بإعرابها كلمة كلمة، وأضع كلَّ كلمةٍ في أول السطر بين قوسين وأميزها بالخط الأحمر الثقيل وبوضع خط تحتها، ثم أعربها في أول مرة إعرابا تفصيليا حتي لو كان إعرابها واضحا، فأقول مثلا: (مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره)، وهكذا، فإذا تكرر مثل هذا قلت: (مبتدأ) ولا أزيد إلا أن يكون الإعراب تقديريا أو محليا أو فيه إشكال فأنص عليه.3- لا أعني بالإعراب التفصيلي ذكرَ كل وجوه الإعراب المحتملة، بل لا أعني بها إلا ما سبق وانظر التالي.4- قد تحتمل الكلمة وجهين أو أكثر من وجوه الإعراب فاعلم أنه ليس من شَرطي ذكرها كلها، بل لا أذكر إلا ما حضرني منها، فإن اتفق لك وجه لم أذكره فاعلم أني لم أذكره لإحدى ثلاث:الأولى- أني أجهله.الثانية- أني تركته عمدا لعدم تيقني منه.الثالثة- أني تركته مخافة التشويش على القارئ، إلا في البسملة؛ فإن العلماء قد كفَوْني أمرها؛ فأنا فيها تابع لا غير ويقتصر عملي على توضيح ما قالوه بما يناسب المقام.5- بعد الإعراب أذكر المعنى على وجه الاختصار.6- أشرع بعد ذلك في فقرة عنوانها: [قال صاحبي] وفيها أذكر: الفوائد المستخرجة، والزوائد المستنبطة، وأُورِدُ فيها من الإشكالات التي قد تعترض الطالب؛ فتسبب سوء الفهم أو عدمه، بطريق الحوار بيني وبين صاحبي حتي يزول الإشكال والإيراد، ويتضح المعنى المراد.واعلم أن الإشكال المذكور قد يكون على عبارة المصنف وقد يكون على ما يذكره المُحَشِّي، وقد يكون في النحو وقد يكون في الأصول، وقد أطيل في النحو عن الأصول لا سيما إذا كانت عبارة المتن مما لا تحتاج إلى بيان؛ لأن المتن قد خُدِمَ في جانب الأصول بما لا مزيد عليه ولا كذلك في باب الإعراب والنحو؛ فلهذا قد أترك بعض الفقرات دون الإطالة في بيانها من جهة الأصول، بل لا تكون الإطالة إلا من جهة النحو؛ فلا وجه لمعترض بعد ذلك أن يقول: المتن حَالِ[2] والشرح خالي. والله الموفق.وقبل الشروع في المقصود :حمل نسختين مصححتين من متن الورقات من هنا:http://majles.alukah.net/t125348/وهذا أوان الشروع في المقصود بعون الملك المعبود________________ _________ _______________[1] قرة العين شرح ورقات إمام الحرمين للحطاب المالكى 2 بهامش حاشية السوسي على قرة العين ط. المطبعة التونسية[2] حال: من الْحِلْيَةِ يقال: حليت المرأة وهي حال وحالية.
-
رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات
-
رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات
قال المصنف http://majles.alukah.net/imgcache/2014/10/256.jpghttp://majles.alukah.net/imgcache/2014/10/2.jpg:
(الباء):حرف جر مبنى على الكسر لا محل له من الإعراب.
(اسم): مجرور بالباء وعلامة جره الكسرة الظاهرة وهو (ظرف لغو) متعلق بمحذوف فعل مؤخر مناسب للمقام فعندما تريد أن تقرأ تقدِّر: باسم الله أقرأ، وعندما تريد أن تتوضأ تقدر: باسم الله أتوضأ، وعندما تريد أن تذبح تقدر: باسم الله أذبح[1]، وهكذا. و(اسم) مضاف
(الله): مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة
(الرحمن الرحيم): صفتان مشبهتان أو أن (الرحمن) عَلَمٌ و(الرحيم) صفة مشبهة، فعلى أن (الرحمن) صفة مشبهة يجوز فيهما تسعة أوجه هى:
1- جرهما على أنهما نعتان للفظ الجلالة.
2- رفعهما أى القطع إلى الرفع على الخبرية لمبتدإ محذوف والتقدير: هو الرحمن الرحيم، فـ(هو) مبتدأ و(الرحمن) خبر و(الرحيم) خبر ثان، أو هو الرحمن هو الرحيم، فـ (هو الرحمن) جملة من مبتدأ وخبر ومثلها (هو الرحيم) وجملة القطع (هو الرحمن الرحيم أو هو الرحمن هو الرحيم) لا محل لها من الإعراب استئنافية.
3- نصبهما أى القطع إلى النصب على المفعولية لفعل محذوف وجوبا والتقدير: أمدح الرحمنَ الرحيمَ أو أمدح الرحمنَ أمدح الرحيمَ، والجملة الفعلية استئنافية لا محل لها من الإعراب.
4- جر الأول (الرحمن) على التبعية - نعت لـ (الله) - مع رفع الثانى (الرحيم) أى القطع إلى الرفع والتقدير: هو الرحيمُ.
5- جر الأول (الرحمن) على التبعية - نعت لـ (الله) - مع نصب الثانى (الرحيم) أى القطع إلى النصب والتقدير: أمدح الرحيمَ.
6- رفع الأول (الرحمن) أى القطع إلى الرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف والتقدير (هو الرحمن) مع نصب الثانى (الرحيم) أى القطع إلى النصب على أنه مفعول به لفعل محذوف وجوبا والتقدير: (أمدح الرحيم)
7- نصب الأول (الرحمن) مع رفع الثانى (الرحيم) عكس الوجه السابق والتوجيه يعرف مما تقدم
8- رفع الأول (الرحمن) على القطع إلى الرفع على الخبرية كما تقدم مع جر الثانى (الرحيم) على التبعية أى على أنه نعت للفظ الجلالة.
9- نصب الأول (الرحمن) على القطع إلى النصب على المفعولية مع جر الثانى (الرحيم) على التبعية أى على أنه نعت للفظ الجلالة
وهذان الوجهان الأخيران ضعيفان لأن الإتباع بعد القطع لا يجوز إلا على قول ضعيف.
وأما الوجه الثانى وهو أن (الرحمن) اسمٌ عَلَمٌ، فلا يصح جعل (الرحمن) نعتا للفظ الجلالة لأن العَلَم يوصف لكن لا يوصف به أى لا يقع صفة لغيره، و(الرحمن) على هذا الوجه بدل من لفظ الجلالة أو عطف بيان ويجوز على هذا الوجه ما يأتى:
10- (الرحمن) بدل من لفظ الجلالة أو عطف بيان مجرور مثله و(الرحيم) نعت لـ (الرحمن) مجرور مثله ولا يجوز جعله نعتا للفظ الجلالة لئلا يتقدم البدل أو عطف البيان على النعت، والتوابع إذا اجتمعت تقدم النعت على غيره.
11- (الرحمن) بدل أو عطف بيان مجرور و(الرحيم) مرفوع على الخبرية أى القطع إلى الرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف والتقدير: هو الرحيم
12- (الرحمن) بدل أو عطف بيان مجرور و(الرحيم) منصوب أى القطع إلى النصب على أنه مفعول به لفعل محذوف وجوبا والتقدير: أمدح الرحيم
[قال صاحبي]
قال صاحبى: لماذا قدرت متعلَّق (بسم) فعلا[2] ؟
قلت: لأن الأصل فى العمل للأفعال.
قال: ولماذا قدرته مؤخرا مع أن الأصل أن يُقَدَّرَ مقدما كسائر العوامل مع معمولاتها كما قال ابن هشام[3].
قلت: الأصل فى المتعلَّق أن يقدر مقدما إذا كان اسما، أما إذا كان فعلا فيلزم تقديره مؤخرا لأن الخبر إذا كان فعلا لا يتقدم على المبتدإ.
قال: فما فائدة تقديره مؤخرا ؟
قلت: لفائدتين :
الأولى - التبرك بالبداءة باسم الله سبحانه وhttp://majles.alukah.net/imgcache/2014/10/2.jpg.
الثانية - إفادة الحصر؛ لأن تقديم المتعلق يفيد الحصر[4].
قال: ولِمَ جعلته خاصا مناسبا للمقام ولم تقدره كونا عاما ؟
قلت: لسببين :
الأول- أن تقديره كونا عاما إنما يناسب من جعل المتعلق اسما فيكون التقدير عنده: (ابتدائي كائن بسم الله الرحمن الرحيم)
الثاني- أن تقديره مناسبا للمقام أفضل من تقديره كونا عاما لأنه أدلُّ على المراد فلو قلت مثلا – عندما تريد أن تقرأ كتابا -: ابتدائي كائن بسم الله ما يُدرَى بماذا تبتدئ ؟ لكن بسم الله أقرأ يكون أدل على المراد الذى ابتُدِئ به.
قال: فقولك: "مؤخر" عن أى شئ تأخر ؟
قلت: الاحتمالات هنا أربعة: أن يكون مؤخرا عن (اسم) فقط، أو عن (بسم الله) فقط، أو عن (بسم الله الرحمن) فقط، أو عن (بسم الله الرحمن الرحيم) أى عن البسملة بتمامها
أما كونه مؤخرا عن (اسم) فقط فيقع بين لفظ (اسم) ولفظ الجلالة (الله) فيكون التقدير هكذا: (بسم أبتدئ الله الرحمن الرحيم)، فهذا ممنوع للزوم الفصل بين المتضايفين[5] بما لا يجوز به الفصل بينهما.
وأما كونه مؤخرا عن (بسم الله) فقط أو (بسم الله الرحمن) فقط فهذان وجهان مرجوحان للزوم الفصل عليهما بين التابع والمتبوع بأجنبى والراجح منعه.
قال: ما (التابع والمتبوع)؟
قلت: المتبوع هنا لفظ الجلالة (الله)، والتابع لفظ (الرحمن) ولفظ (الرحيم) لأنهما نعتان لاسم الجلالة، والنعت من التوابع كما تعلم، فيكون التقدير فى الأول: (بسم الله أبتدئُ الرحمنِ الرحيمِ)، وفى الثانى: (بسم الله الرحمن أبتدئ الرحيمِ).
ولم يبق إلا أنه مؤخر عن البسملة بتمامها وليس فيه شئ من هذه المحظورات فيكون التقدير: (بسم الله الرحمن الرحيم أبتدئ أو أقرأ الخ)[6].
قال: فجعْلُ المحذوف (فعلا) هنا هو تقدير البصريين، والجملة فعلية على هذا التقدير.
قلت: لا، نعم[7].
قال متعجبا: وما (لا، نعم) ؟
قلت: (لا) للأول، و(نعم) للثانى.
فسكتَ كأنه لم يفهم.
قلت: أما الأول فقولك: "جَعْلُ المحذوف فعلا هو تقدير البصريين" فأجبتك عليه بـ (لا) أى ليس هذا تقدير البصريين بل هو تقدير الكوفيين.
وأما الثانى فقولك: "الجملة فعلية على هذا التقدير" فأجبتك عليه بـ (نعم)
--------------------------------------------------------------------------------
[1] الشرح الممتع على زاد المستقنع لابن عثيمين 1/ 7 ط. دار ابن الجوزى.
[2] قال ابن هشام: "والحق عندى أنه لا يترجح تقديره اسما ولا فعلا بل بحسب المعنى كما سأبينه" ا.هـ مغنى اللبيب عن كتب الأعاريب مع حاشية الأمير 2/ 82 ط. دار إحياء الكتب العربية، ومغنى اللبيب تحقيق د. عبد اللطبف الخطيب 5/ 337. ثم بينه بيانا شافيا فاطلبه هناك.
[3] مغنى اللبيب 5/ 350 ت. د. عبد اللطيف الخطيب
[4] الشرح الممتع 1/ 7.
[5] المضاف لفظ (اسم) والمضاف إليه لفظ الجلالة.
[6] الرسالة الكبرى فى البسملة للصبان 55 ت. فواز أحمد زمرلى وحبيب يحي المير ط. دار الكتاب العربى بتصرف وتوضيح كثير
[7] سأتعمد فى بعض الأحيان خلط الجِدِّ ببعض الهزل تنشيطا للقارئ، وكسرًا لحِدَّة العِلْمَيْن وصعوبتهما – أعنى النحو والأصول – وترويحا للنفس وإذهابا للملل وإيصالا للمعلومة بطريق غريب وأسلوب مختلف فلعله أن يكون أمكن لها فى النفس.
-
رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات
قال: ذكرت أن (بسم) ظرف لغو فما معناه ؟
قلت: الجار والمجرور أو المجرور وحده لا بد له من متعلَّق هو العامل فيه فإن كان هذا العامل خاصا كالأكل والشرب والقراءة والكتابة الخ فهو (ظرفٌ لغوٌ)، وإن كان عاما كالاستقرار سُمِّىَ (ظرفا مُسْتَقَرَّا) بفتح القاف، فإن قدرت هنا: (بسم الله أكتب أو أؤلف) فالعامل[1] خاص فيسمى المجرور هنا (ظرفا لغوا) وإنما سُمِّىَ (لَغْوًا) لأنهم أَلْغَوْهُ حيث لم يجعلوه متحملا ضميرا.
وإن جعلته عامًّا كان التقدير: (ابتدائى كائنٌ بسم الله الرحمن الرحيم) فيكون (بسم) متعلق بـ (كائن) وهو عام فيسمى الظرف هنا (ظرفا مستقَرًّا) سمى بذلك لاستقرار الضمير فيه بعد حذف عامله فهو فى الأصل (مستقَر فيه) فحذفت صلته اختصارا، أو سمى بذلك لأن عامله (الاستقرار) المحذوف والتعليل الأول اختيار الدمامينى، والثانى اختيار الشمنى تبعا للرضى[2].
قال: قد جوَّزْتَ فى (الرحمن) كونه عطف بيان وهذا لا يصح لأن لفظ الجلالة (الله) أعرف المعارف فلا يحتاج إلى تبيين.
قلت: بهذا اعترض السهيلى فى (نتائج الفكر)[3] وجوابه: أن عطف البيان قد يكون لمجرد المدح كما ذكره الزمخشرى فى {الْبَيْتِ الْحَرَامِ} من قوله تعالى: {جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} [المائدة: 97][4].
قال: فهلا ذكرت لى شيئا مما يخص البسملة مما يتعلق بأصول الفقه
قلت: اعلم أن الأحكام التكليفية خمسة: الواجب والمندوب والمباح والمكروه والحرام والبسملة تعتريها هذه الأحكام الخمسة فتكون:
1- واجبة: فى الصلاة لأنها آية من الفاتحة عندنا (الشافعية).
2- مندوبة: فى كل أمر ذى بال أى: حال بحيث يُهْتَمُّ به شرعا.
3- مكروهة: تكره على المكروه لذاته كالنظر إلى فرج زوجته.
4- حرام: تَحْرُمُ على المحرم لذاته كشرب الخمر.
5- الإباحة: قيل: إنها تباح فى المباحات التى لا شرف فيها كنقل متاع من مكان لآخر[5].
قال: حسنا، فأخبرنى ألست ترى أن البداءة فى قولنا: (بسم الله) بلفظ: (باسم) لا بلفظ الجلالة: (الله) وكان ينبغى أن تكون البداءة به ؟
قلت: ليس الأمر على ما زعمت.
قال: وكيف ذلك ؟
قلت: اعلم أن كل حكم ورد على لفظ (اسم) فهو فى الحقيقة على مدلوله إلا بقرينة.
قال: لم أفهم شيئا.
قلت: إذا قلت: (ذكرت اسم زيد) فليس معناه أنك ذكرتَ لفظ (اسم) بل لفظ (زيد)؛ لأنه مدلول (اسم زيد)؛ إذ مدلوله اللفظ الدال عليه وهو لفظ (زيد)
قال: فلِمَ لا يقال: بالله أبتدئ أو أكتب الخ فتكون البداءة بلفظ الجلالة دون الوقوع في الإشكال السابق ؟
قلت: لا إشكال بعد الذى ذكرته لك
قال: نعم لا إشكال، ولكن ما ذكرته أمر خفى لا يعلمه الكثير فيظل الأمر عند من لا يعلمه على الإشكال السابق: وهو أن البدء ليس بلفظ الجلالة بل بلفظ اسم، أما لو قيل من أول الأمر: بالله أبتدئ أو ابتدائى لم يكن فيه هذا الإشكال.
قلت: بل فيه إشكال أكبر.
قال: وما هو ؟
قلت: لو قيل: (بالله ابتدائى أو أبتدئ) لم يُعْرَفْ هل يريد بقوله (بالله) القَسَم بالله على فعله الذى يبتدؤه؟ أو أنه يتلفظ بلفظ الجلالة متبركا به ومستعينا، فيوقع فى لَبْسٍ هل الباء فى قوله: (بالله) للقَسَم أو للاستعانة؟ فكان المجئ بلفظ (اسم) فيه حل هذا الإشكال مع ما ذكرته سابقا من أن كل حكم ورد على لفظ (اسم) يكون على مدلوله إلا بقرينة
قال: فالمجئ بلفظ (اسم) هنا للفرق بين اليمين والتَّيَمُّنِ.
قلت: نعم، أحسنت، وفيه نكتة أخرى.
قال: وما هى؟
قلت: جئ بلفظ (اسم) هنا ليدل على أن التبرك والاستعانة بجميع أسمائه تعالى.
قال: وكيف ذلك ؟
قلت: لفظ (اسم) مفرد مضاف فيعم جميع أسمائه تعالى.
قال: مِنْ أين لك أن المفرد المضاف يَعُمُّ ؟
قلت: أخذه العلماء من مثل قوله تعالى: {هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ} فـ {كِتَاب} لفظ مفرد وهو مضاف إلى الضمير {نَا} والمراد جميع الكتب التي أحصيت فيها أعمالهم.
ومنه قوله تعالى: {وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ} وفى قراءة {وكتابه} بالإفراد والشاهد فى قراءة الإفراد حيث أضاف (كِتَاب) وهو لفظ مفرد إلى ضمير الغائب (الهاء) فأفاد العموم فصار معناه: (وصدقت بجميع كتبه) بدليل القراءة الأخرى {وَكُتُبِهِ}.
قال: أنْظِرْنى ولا تعجلنى، ألست تعلم قوله صلى الله عليه وسلم : "صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا مَسْجِدَ الْكَعْبَةِ". ؟[صحيح رواه مسلم وغيره]
قلت: بلى
قال: فقوله: " مَسْجِدَ الْكَعْبَةِ " مفرد مضاف وهو لا يعم.
قلت: ولِمَ ؟
قال: لأن المراد بـ (مسجد الكعبة) المسجد الحرام فقط.
قلت: من أين لك أن المراد بـ (مسجد الكعبة) المسجد الحرام فقط ؟
قال: فهل الكعبة فى مسجد آخر غيره ؟!
قلت: هذا الذى قلتَه إنما جاءك بسبب سوء الفهم.
قال: وكيف ذلك ؟
قلت: اعلم أن (الكعبة) تطلق ويراد بها مكة كما قال تعالى: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95] فالمراد – والله أعلم بمراده – دخول منطقة الحرم لا أن الهَدْىَ يدخل المسجد الحرام حتى يبلغ الكعبة.
قال: سَلَّمْنَا أن (الكعبة) تطلق ويراد بها مكة فكان ماذا ؟
قلت: كان ما يأتى: وهو أن قوله صلى الله عليه وسلم :" مسجد الكعبة " صار معناه (مسجد مكة) فـ (مسجد) مفرد مضاف إلى كلمة (مكة) ولما كان المفرد المضاف يعم أخذ العلماء منه أن مساجد مكة كلها التى بداخل الحرم تكون الصلاة فيها بمائة ألف صلاة.
قال: فهذه فائدة أصولية أخرى وهى أن المفرد المضاف يعم
قلت: نعم.
[1] العامل هو: أكتب أو أؤلف
[2] إعراب الآجرومية للشيخ خالد الأزهرى المسمى (بشرى طلاب العربية بإعراب الآجرومية) 22 ت. عبد الرحمن بن عبد القادر ط. دار ابن حزم.
[3] نتائج الفكر للسهيلى 42 ت. عادل عبد الموجود وعلى معوض ط. دار الكتب العلمية
[4] الرسالة الكبرى فى البسملة للصبان 121.
[5] حاشية البيجورى على شرح ابن قاسم على متن أبى شجاع 1/ 6 ط. دار الطباعة العامرة ببولاق- مصر.
-
رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات
قال صاحبي: أرأيت قوله: "بسم الله الرحمن الرحيم هذه ورقات الخ" لماذا ترك الحمدلة والتَّصْلِيَةَ ؟
قلت: التصلية ؟!
قال: نعم، أعني: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .
قلت: أَوَ تعني التصليةُ ذلك ؟
قال: نعم.
قلت: وكيف ذلك ؟
قال: ألست تعلم أن (فَعَّل) المضعف العين المعتل اللام مصدره (تَفْعِلَة) مثل: زَكَّى تزكية، وروَّى تروية، وورَّى تورية وما لا يحصر ومثله: صَلَّى تصلية ؟
قلت: هذا جائز من حيث اللغة وإن منعه بعض أئمتها مثل الفيروزأبادي فى القاموس المحيط، والجوهري في الصحاح فإنهما قالا: "صلى صلاة ولا يقال صلى تصلية".
قال: قد رد ذلك صاحب تاج العروس فقال: "وذلك كله باطل يرده القياس والسماع".
قلت: قال الشيخ بكر أبو زيد – رحمه الله - :"مَنَعَهُ شرعاً: السعدُ في التلويح وأبو عبد الله الخطاب أول شرح المختصر، وبالغ عن الكتاني: أن استعماله يكون كفراً)) انتهى. وأبطل ذلك الزبيدي فيما ذكره أعلاه.
وفي ((الجاسوس)) : (قال ابن الإمام الخفاجي: قال في ((شفاء الغليل)) مانصه: في شرح الألفية للأبناسي: التصلية: الإحراق بالنار، ولا يكون من الصلاة على النبي (ص) كما توهم، وسئل علم الدِّين الكتاني المالكي: هل يُقال في الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -: تصلية؟ فقال: لم تَفُهْ به العربُ، ومن زعم ذلك فليس بمصيب، وصرح به في القاموس. ثم تعقَّبه بما ذكره الزبيدي) اهـ
قلت [بكرأبو زيد]: لم يكن هذا في حق النبي - صلى الله عليه وسلم - من هَدْيِ السلف، والتحوط في جانبه - صلى الله عليه وسلم -: أصون، ولاسيما في المشترك لمعنيين متضادين. والله أعلم
فطريق السلامة، والمحبة والأجر والتوقير والكرامة لنبي هذه الأُمة هو الصلاة والسلام عليه - صلى الله عليه وسلم - عند ذكره امتثالاً لأمر الله سبحانه، وهدي نبيه - صلى الله عليه وسلم"[1]
قال: فأخبرني لِمَ ترك الحمدلة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ؟
قلت: حاصل الجواب عن ذلك أحد أمور ثلاثة :
الأول – أنه حمد بلسانه.
الثاني – أن المراد بالحمد معناه لغة وهو الثناء وهو حاصل بالبسملة فهي تشتمل على الثناء لإفادتها الاستعانة بأسمائه تعالى على وجه الحصر، لا أن لفظ الحمد أو التشهد متعيَّن[2].
الثالث – أن المراد ذكر الله وهو حاصل بالبسملة[3].
قال: فهذا جوابك عن ترك الحمدلة فما جوابك عن البقية ؟
قلت: ليس جوابي بل جواب العلماء.
قال: لا بأس، فما جوابهم عن البقية ؟
قلت: هو ما سبق أي أنه أتى بها لفظا[4].
قال: أأأ
فبادرته قائلا: كفى ما سبق في البسملة لكي نبدأ في الكتاب.
قال: حسنا، لا بأس، كفى ما سبق.
[1] معجم المناهي اللفظية/ بكر أبو زيد/ 187- 188 / ط. دار العاصمة.
[2] في شرح ابن إمام الكاملية (لأن لفظ الحمد الخ) وهو تصحيف مفسد للمعنى
[3] حاشية السوسي على قرة العين 5 ط. التونسية، وشرح ابن إمام الكاملية 86 ت. عمر غني سعود العاني ط. دار عمار، وغاية المأمول في شرح ورقات الأصول للرملي 65 ت. عثمان يوسف حاجي أحمد ط. مؤسسة الرسالة
[4] الشرح الكبير على الورقات لابن قاسم العبادى 11 ت. محمد حسن محمد حسن إسماعيل ط. دار الكتب العلمية
-
رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات
قال المصنف رحمه الله تعالى :
" هَذِهِ وَرَقَاتٌ تَشْتَمِلُ عَلَى مَعْرِفَةِ فُصُولٍ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ."
(هذه): (هَا) حرف تنبيه مبنى على السكون لا محل له من الإعراب.
(ذِهِ) اسم إشارة مبنى على الكسر فى محل رفع مبتدأ.
والإشارة إلى ما فى الذهن إن كانت الخطبة قبل التأليف، أو إلى ما كتبه فعلا (فى الخارج) إن كانت بعد التأليف.
(وَرَقَاتٌ): خبر مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
(تَشْتَمِلُ): فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره هى يعود على (ورقات) أو (هذه) والجملة من الفعل والفاعل يجوز أن تكون :
- فى محل رفع صفة لـ (ورقات ) أى هذه ورقاتٌ مشتملةٌ؛ وعلى هذا فالضمير يعود إلى (ورقات) لربط الصفة بالموصوف.
- أو فى محل رفع خبر ثان أى هذه المشار إليها مشتملة؛ وعليه فالضمير يعود إلى (هذه) لربط المبتدإ بالخبر، واختار الحطاب المالكى هذا الوجه فى (قرة العين ص9) حيث شرح قوله: "هذه ورقات" ثم لما وصل إلى قوله: "تشتمل" أعاد المبتدأ فقال: "وهذه الورقات (تشتمل على فصول) ...". فعلق عليه الشيخ السوسي فى حاشيته بقوله: "كأنه إنما أعاد المبتدأ[1] ليفيد اختيار إعراب (تشتمل) خبرا ثانيا، لا صفة لـ (ورقات) وإلا لقال: والورقات[2]تشتمل الخ وكأن اختيار إعرابه خبرا لإفادته الحكم على المبتدإ (بالاشتمال) بطريق القصد لأهميته لا بطريق التبع، تأمل."[3]
وهو مقتضى صنيع ابن قاوان وابن إمام الكاملية أيضا حيث قالا: "(تشتمل) هذه الورقات (على...)"[4]؛ فأشارا إلى أن الفاعل المستتر يعود على اسم الإشارة (هذه) كما هو ظاهر، بل هذا تصريح وليس إشارة فقط فقولهم: "(تشتمل) هذه" معناه أنك لو أظهرت الفاعل المستتر لكان هو اسم الإشارة (هذه) أو ما يعود عليها، وهذا ظاهر جدا إن شاء الله تعالى.
- أوْ لا محل لها من الإعراب استئنافية، ذكره الدمياطى فى حاشيته على شرح المحلى[5]، والعبادى فى الشرح الكبير[6].
عَلَى: حرف جر مبنى على السكون لا محل له من الإعراب.
معرفة: اسم مجرور بـ (على) وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والجار والمجرور متعلق بـ (تشتمل)، و(معرفة) مضاف.
فصول: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
والفصول: جمع (فصل) وهو اسم لطائفة من المسائل. وسمى كل نوع فصلا لانفصاله عن غيره بمخالفته له.
والكتب تقسم –غالبا- إلى أبواب والأبواب إلى فصول والفصول إلى مسائل. وهذا أمر اصطلاحى أغلبى فربما وجدت الكتب والأبواب دون الفصول، أو الفصول دونهما، أو غير ذلك ولكن ما سبق هو الغالب.
مِنْ: حرف جر مبنى على السكون لا محل له من الإعراب.
أُصُولِ: اسم مجرور بـ (من) وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لـ (فصول) أى تشتمل على فصول كائنة من أصول الفقه، و(أصول) مضاف
الْفِقْهِ: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
المعنى: كل ما فى الأمر ورقات قليلة العدد كثيرة الفوائد تحتوى على عدة فصول من علم أصول الفقه.
[1] الذى هو اسم الإشارة (هذه)
[2] أى بدون اسم الإشارة (هذه)
[3] حاشية الشيخ محمد بن حسين الهدة السوسي على قرة العين شرح ورقات إمام الحرمين للحطاب المالكى: ص9، ط. المطبعة التونسية.
[4] التحقيقات فى شرح الورقات لابن قاوان ص86 ت. الشريف سعد بن عبد الله الشريف ط. دار النفائس، وشرح الورقات لابن إمام الكاملية ص86 ت. عمر غنى سعود العانى ط. دار عمار.
[5] حاشية الدمياطى على شرح الجلال المحلى على الورقات ص3، ط. المطبعة الميمنية.
[6] الشرح الكبير على الورقات لابن قاسم العبادى ص15/ ت. محمد حسن محمد حسن إسماعيل/ دار الكتب العلمية.
-
رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات
[قال صاحبي]
قال صاحبي: أليس يزعم النحاة أن (هذه) اسم إشارة للمفردة المؤنثة؟
قلت: بلى[1].
قال: أليست المطابقة لازمة بين المشار إليه واسم الإشارة؟
قلت: المطابقة لها أحوال.
قال: كيف أشار للجمع (ورقات) بـ (هذه) التى للمفردة المؤنثة؟ أليس الصواب أن يقول: هؤلاء ورقات ؟
قلت: المطابقة لها أحوال كما أخبرتك وقد جرى الاستعمال العربى على أن المشار إليه إذا كان جمعَ مؤنثٍ سالما لما لا يعقل فيجوز أن يشار إليه باسم الإشارة الذى للمفردة المؤنثة فتقول: (هذه ورقات، وهذه شجرات الخ)، كما يجوز أن يشار إليه باسم الإشارة الذى للجمع فتقول: (هؤلاء ورقات، وهؤلاء شجرات الخ) ولكن الأول أفضل إذا كان المشار إليه لا يعقل كما تقدم، وأما إذا كان المشارُ إليه جمعَ مؤنث سالما للعاقل فالعكس هو الصحيح أعنى أن الأفضل أن تأتى باسم الإشارة الذى للجمع فتقول: (هؤلاء الطالبات مجتهدات) فهذا أفضل من استعمال اسم الإشارة الذى للمفردة المؤنثة حيث تقول: (هذه الطالبات مجتهدات) مع صحته، وللمزيد راجع النحو الوافى (1/ 263) وما بعدها.
قال صاحبي: قد فهت ذلك، فحدثنى الآن عن قوله: (ورقات).
قلت: عن أى شيء تسأل ؟
قال: يقول الشراح: إن معنى قوله: "هذه ورقات"؛ أنها ورقات قليلة، والقلة مستفادة من قوله: "ورقات" لأنه جمعُ مؤنثٍ سالمٌ.
قلت: اعلم أن الاسم ينقسم إلى:
- مفرد: وهو ما دل على شئ واحد.
- ومثنى وهو ما دل على شيئين.
- وجَمْعٍ: وهو ما دل على ثلاثة فأكثر، وينقسم الجَمْعُ إلى قسمين:
أحدهما: جمع قلة: وهو ما دل على ثلاثة إلى عشرة، وهو جمع التكسير الذى يأتى على الأوزان الأربعة المعروفة المذكورة فى قول ابن مالك:
أَفْعِلَةٌ أَفْعُلٌ ثم فِعْلَة * * * ثُمَّتَ أَفْعَالٌ جموع قلة
ومنه جمعى السلامة (المذكر السالم والمؤنث السالم) بشرط ألا يقترنا بـ (أل) التى للاستغراق وألا يضافا إلى ما يدل على الكثرة وإلا انصرفا إلى الكثرة نحو: {إِنَّ الْمُسْلِمينَ وَالْمُسْلِمَات ِ}، وكون جمعى السلامة من جموع القلة هو مذهب الخليل وسيبويه[2] وابن السراج وغيرهم، وذهب بعضهم إلى أنهما من جموع الكثرة، وذهب بعضهم إلى أنهما من المشترك بين القلة والكثرة وإليه ذهب ابن خروف ورجحه الفيومى فى المصباح المنير[3].
ثانيهما: جمع كثرة: وهو ما دل على أحد عشر فصاعدا، وله أوزان كثيرة مذكورة فى كتب الصرف مفصلة.
واعلم أنهم يدخلون بعضها على بعض للتوسع كما يقول سيبويه[4]؛ فيعبرون عن الكثرة بجمع القلة وعن القلة بجمع الكثرة.
وعلى هذا فاستعمال جمعى السلامة فيما زاد على العشرة مجاز على مذهب سيبويه، وحقيقة على مذهب غيره.
قال صاحبي: فأراد المصنف – رحمه الله تعالى – بقوله: "ورقات" الإشارة إلى قلتها.
قلت: نعم، أراد ذلك.
قال: ولِمَ ؟
قلت: لفوائد ذكرها الشراح منها :
- أن فى الإشارة إلى قِلَّتِها تسهيلا على الطالب.
- وتنشيطا له لحفظها.
- وترغيبا فى طلبها.
قال: هذا يقتضى أن هذه الفوائد للطالب لم تحصل له إلا من التعبير عن الكتاب بما يفيد قِلَّتَهُ، وهذا لا يظهر إلا لو كان الكتاب كثيرا فى نفس الأمر، فإذا عبر عنه وهو كثير بما يفيد قلته أفاد ما ذُكِرَ ونشِط الطالب لتعاطيه، وأما هذا الكتاب فهو قليل فى نفس الأمر؛ فهو يفيد هذه الفوائد من ذاته.
قلت: وهل فى كلام المصنف ما يفيد حصر هذه الفوائد فى التعبير بما ذُكِر أعنى قوله: "ورقات" ؟
قال: لا.
قلت: فغاية ما فى الأمر أن التعبير بجمع القلة المفيدِ لما مَرَّ لا ينافى أن يكون غيرُه أيضا مفيدًا مثلَ هذه الفوائد: كما ذكرتَ أنت أنه يفيدها بذاته[5].
قال: حسنا.
ثم قال: قد ذكرتَ أن جمع السلامة من جموع القلة وأنه ربما استعمل فى الكثرة توسعا.
قلت: نعم.
قال: فهلا عبَّر بغيره مما هو نَصٌّ فى القلة
قلت: مثل ماذا ؟
قال: مثل أن يقول: (هذه مقدمة) أو (هذه رسالة) إذ المفهوم عرفا من هذا اللفظِ هو القلة.
قلت: قال العبادى: " لكن لا يفهم منه القلة المعتبرة فى جمع السلامة المرادة هنا وهى عدم مجاوزة العَشَرَةِ؛ لأن القلة المفهومةَ بما ذُكِرَ عرفيةٌ صادقة مع مجاوزة العشرة والعشرين"[6].
[1] (بلى): حرف جواب يثبت به ما بعد النفى تقول: (ما جاء زيد) فيقول المجيب: (بلى) أى قد جاء ولهذا يصح أن تأتى بالخبر المثبت بعد (بلى) فتقول: (بلى قد جاء) فإن قلت فى جواب النفى (نعم) كان اعترافا بالنفى وصح أن تأتى بالنفى بعده كقوله: (ما جاء زيد) فتقول: (نعم ما جاء) انظر حروف الجواب واستعمالاتها ص32/ د. على النابى/ دار الكتاب الحديث.
[2] الكتاب 3/ 490- 492/ هارون/ الخانجى.
[3] المصباح المنير فى غريب الشرح الكبير للفيومى 695/ ت. عبد العظيم الشناوى/ ط. دار المعارف.
[4] الكتاب 3/ 492/ هارون.
[5] حاشية السوسي على قرة العين ص7.
[6] الشرح الكبير ص15.
-
رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات
قال المصنف رحمه الله تعالى: "وَذَلِكَ مُؤَلَّفٌ مِنْ جُزْأَيْنِ مُفْرَدَيْنِ أّحَدُهُمَا الْأُصُولُ وَالْآخَرُ الْفِقْهُ."
(و): الواو للاستئناف البيانى: وهو الواقع فى جواب سؤال مقدر كأن قائلا قال له: قد ذكرتَ أن هذه الورقات تشتمل على أصول الفقه فما أصول الفقه ؟ فقال: وذلك مؤلف... الخ
(ذلك): (ذا) اسم إشارة مبنى على السكون عند البصريين لأن ألف (ذا) عندهم أصل، وعلى الفتح عند الكوفيين والسهيلى لأن ألف (ذا) عندهم زائدة، وعلى كلٍّ فهو فى محل رفع مبتدأ، و(اللام) حرف دال على بُعْدِ المشار إليه إما تحقيقا وإما تنزيلا مبنى على الكسر لا محل له من الإعراب، و(الكاف) حرف خطاب مبنى على الفتح لا محل له من الإعراب.
والإشارة إلى (لفظ أصول الفقه)
(مُؤَلَّفٌ): خبر مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
(مِنْ): حرف جر مبنى على السكون لا محل له من الإعراب.
(جُزْأَيْنِ): اسم مجرور بـ (مِنْ) وعلامة جره الياء لأنه مثنى، والجار والمجرور متعلق بـ "مؤلف".
(مُفْرَدَيْنِ): نعت لـ (جزأين) ونعت المجرور مجرور، وعلامة جره الياء لأنه مثنى.
والمراد بالمفرد هنا: المقابل للمركب، ليس المقابل للمثنى والجمع فتنبه
(أَحَدُهُمَا): (أحد) مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو مضاف و(الهاء) ضمير مبنى على الضم فى محل جر مضاف إليه و(الميم) حرف عماد مبنى على الفتح لا محل له من الإعراب و(الألف) علامة التثنية حرف مبنى على السكون لا محل له من الإعراب
(الأصول): خبر مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة
(وَ): حرف عطف
(الآخر): إما أن تجعله معطوفا على (أحد) من (أحدهما) فيكون من عطف المفردات أو تجعله مبتدأ وما بعده خبرا فيكون من عطف الجمل وهو على كلا التقديرين مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة
(الفقه): معطوف على (الأصول) إن جعلته من عطف المفردات، وخبر لـ (الآخر) إن جعلته من عطف الجمل وعلى كل فهو مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
المعنى: (أصول الفقه) باعتباره مركبا إضافيا مُكَوَّنٌ من كلمتين مفردتين غير مركبتين إحداهما مضافة للأخرى فالأُولى (الأصول) وهى المضاف والأخرى (الفقه) وهى المضاف إليه.
-
رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات
قال المصنف رحمه الله تعالى: "فَالْأَصْلُ: مَا يُبْنَي عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَالْفَرْعُ: مَا يُبْنَي عَلَى غَيْرِهِ."
(فالأصل): الفاء فاء الفصيحة، وضابطها: أن تقع فى جواب شرط مقدر فكأنه قال هنا: إذا أردت أن تعرف ما الأصل فالأصل ما يبنى الخ، و(الأصل) مبتدأ.
(ما): نكرة موصوفة بمعنى شئ والمراد شئ محسوس أو معقول، وهى اسم مبنى على السكون فى محل رفع خبر
(يُبْنَى): فعل مضارع مبنى للمجهول مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر
(عليه): جار ومجرور متعلقان بـ (يبنى)
(غيره): (غير) نائب فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة وهو مضاف و(الهاء) مضاف إليه ضمير مبنى على الضم فى محل جر.
والجملة من الفعل ونائب فاعله وما تعلق بهما فى محل رفع صفة لـ (ما)
(والفرْعُ ما يُبْنَى على غيره): يعرف إعرابه مما سبق.
المعنى: لما ذكر أن (أصول الفقه) مؤلف من جزأين هما (أصول) و(فقه) شرع فى بيان حقيقة كل جزء منهما لتعرف حقيقة المؤلَّفِ منهما التى هى المقصودة بالذات فعرَّف (الأصل) بأنه ما يبنى عليه غيره، ثم عرَّف الفرع استطرادا وإلا فإنه ليس مما هنا.
ونازع بعضهم فى أن تعريف الفرع هنا استطرادٌ بأن المقصود مدح هذا الفن (أي: أصول الفقه) بتفرع الفقه الذى هو من أشرف العلوم عليه بل غاية المدح حيث وصفه بأنه مَنْشَأٌ للأحكام الشرعية حتى كأنها تتولد عنه وهذا مناسب للمقصود فليس استطرادا[1]؛ إذ (الاستطراد): هو ذكر الشئ فى غير محله.
واعلم أن المصنف عَرَّفَ (الأصل) هنا لغة لا شرعا.
وأما شرعا فإنه - أي: الأصل - يطلق على عدة معانٍ منها:
- الدليل: كقولنا: الأصل فى هذه المسألة الكتاب والسنة
- القاعدة المستمرة: كقولنا: إباحة الميتة على خلاف الأصل
- المقيس عليه: وهذا فى باب القياس حيث إن الأصل أحد أركانه
- الراجح: يقال: الأصل فى الكلام الحقيقة
______________________________ ________________
[1] انظر حاشية السوسي على قرة العين ص13.
-
رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وَالْفِقْهُ: مَعْرِفَةُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي طَرِيقُهَا الِاجْتِهَادُ."
(و): الواو للاستئناف البيانى كما مر بيانه
(الفقه): مبتدأ
(معرفة): خبر، وهو مضاف
(الأحكام): مضاف إليه
(الشرعية): نعت لـ (الأحكام) ونعت المجرور مجرور
(التى): نعت لـ (معرفة) مبنى على السكون فى محل رفع، أى المعرفة التى طريقها الاجتهاد، أو نعت لـ (الأحكام) أى الأحكام التى طريقها الاجتهاد
(طريقها): (طريق) مبتدأ، وهو مضاف و(ها) ضمير مبنى على السكون فى محل جر مضاف إليه
(الاجتهاد): خبر، والجملة من المبتدإ والخبر وما تعلق بهما لا محل لها من الإعراب صلة الموصول
والاجتهاد: هو بذل الوسع فى بلوغ الغرض
المعنى: هذا تعريف (الفقه) الذى هو الجزء الثانى من (أصول الفقه) باعتباره مركبا إضافيا.
واعلم أن المصنف عَرَّفَ الفقه هنا شرعا لا لغة.
وأما لغة: فقيل: الفهم مطلقا، وقيل: لِمَا دَقَّ فلا يقال: فقهت أن السماء فوقنا.
ويقال: (فَقِهَ) كـ (فَهِمَ) وزنا ومعنى.
و(فَقَهَ) كـ (فَتَحَ): إذا سبق غيره فى الفقه.
و(فَقُهَ): إذا صار الفقه له سجية.
والمراد بـ (المعرفة) هنا العلم الذى هو بمعنى الظن وليس العلم اليقينى الذى هو الإدراك الجازم المطابق، وأطلقت (المعرفة) التى هى بمعنى العلم على الظن لأن المراد بذلك ظن المجتهد الذى هو لقوته قريب من العلم.
-
رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات
[قال صاحبي]
قال: قد ذكرت أن المشار إليه بـ (ذلك): (لفظ أصول الفقه)
قلت: نعم
قال: وذكرت أن (أصول الفقه) فى قوله: "فصول من أصول الفقه" المراد به (علم أصول الفقه)
قلت: نعم
قال: فهل بينهما فرق ؟ أو هما متساويان ؟ يعنى: هل (علم أصول الفقه) = (لفظ أصول الفقه) ولكنك أردت التنوع فى الأسلوب؟
قلت: بل بينهما فرق أراده المصنف.
قال: وما هو ؟
قلت: أراد بـ (أصول الفقه) فى قوله: "فصول من أصول الفقه" معناه الذي هو (العِلْم المخصوص)، وأراد بقوله: "وذلك" الإشارة إلى (لفظ أصول الفقه) الذى تقدم فى الكلام دون معناه المراد هناك.
قال: قد ذكرت ذلك سابقا فما الدليل عليه ؟
قلت: وجود القرينة
قال: وما هى ؟
قلت: أما فى الأول فالقرينة (مِنْ) التى للتبعيض، وأما فى الثانى فالإخبار عنه بـ (مؤلف)
قال: لم أفهم شيئا فهلا زدت الأمر توضيحا
قلت: قوله:"فصول مِنْ أصول الفقه" (مِنْ) فيه للتبعيض كما أخبرتك و(الفصول) إنما تكون بعضا من العلم لا بعضا من اللفظ؛ لأن اللفظ (أصول الفقه) ليس فيه لفظ (فصول) فتعين أن يكون المراد من قوله: "أصول الفقه" هنا معناه الذي هو (علم أصول الفقه).
قال: نعم، فهمت هذا.
قلت: وأما الثانى وهو أن الإشارة لِلَّفْظِ: (أصول الفقه) وليس لِلْمعنى: (علم أصول الفقه) فلأنه أخبر عنه بأنه (مؤلَّف) والتأليف – كالتركيب - من خواص الألفاظ ألا ترى أن المتكلم إنما يؤلف ألفاظا ويُرَكِّبُها تركيبا خاصا لتدل على المعانى التى يريدها.
قال: نعم، فهمت هذا أيضا، وعلى هذا يكون فى كلام المصنف (استخدام) لأنه ذكر (أصول الفقه) بمعنى الفن ثم أعاد اسم الإشارة عليه بمعنى اللفظ
قلت: نعم، أحسنت
قال: أنت قلت فيما سبق:"بل بينهما فرق أراده المصنف" وهذا يعنى أنك تزعم أن المصنف أراد هذا (الاستخدام)
قلت: نعم أراده
قال: فما الدليل على ذلك ؟
قلت: انظر إلى قوله: "فصول من أصول الفقه وذلك". المشار إليه هنا هو قوله: "أصول الفقه" أليس كذلك؟
قال: بلى
قلت: فهل هو قريب من قوله: "ذلك" أو بعيد ؟
قال: قريب بل هو أقرب مذكور
قلت: فلِمَ عَدَلَ المصنف – رحمه الله تعالى – عن استعمال اسم الإشارة الذى للقريب (هذا) واستعمل الذى للبعيد (ذلك)
قال: لا أدرى، وقد كنت أنوى السؤال عنه
قلت: إنما خالف الظاهر فى ذلك ليدل على بُعْدِ المشار إليه وهو (لفظ أصول الفقه) حيث أن المذكور القريب المراد منه معناه وهو (علم أصول الفقه) فكأن المشارَ إليه الذى أراده غيرُ مذكور مطلقا فكان بعيدا.
قال: يا لهذا المصنف من إمام ! رحمه الله رحمة واسعة.
قلت: آمين.
-
رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات
قال: فحدثنى عن فاء الفصيحة
قلت: قد أخبرتك بضابطها فيما سبق وهو أن تقع فى جواب شرط مقدر.
قال: زدني.
قلت: وقيل: هي ما أفصحت عن مقدر أعم من أن يكون شرطا أو غيره نحو: {فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ} أى فضرب فانفجرت.
قال: زدني.
قلت: ويقال لها فاء الفضيحة بالضاد المعجمة.
فنظر إلىَّ متعجبا
فقلت: ليس هذا قولى وإنما هو قول العلماء.
فقال: إيهِ(1).
قلت: كفاك هذا.
فأطرق محزونا، وتفكر قليلا ثم أراد أن يجابهنى بمثل ما جبهته به.
فقال: لقد أخطأتَ فى تقدير الشرط.
قلت: وكيف ذلك ؟!
قال: ألست قلت: " فكأنه قال هنا: إذا أردت أن تعرف ما الأصل فالأصل ما يبنى الخ ".
قلت: بلى
قال: ألا تعلم أن الذى يحذف مع فعله من أدوات الشرط هو (إِنْ) وليس (إذا) كما قدرته أنت ؟ فكان ينبغى لك أن تقول: (إن أردت أن تعرف الخ)
قلت: فى كلام الرضى ما يؤخذ منه صلاحية تقدير إذا وعليه يتخرج كلامى وكلام غيرى.
قال: فلِمَ عَدَلْتَ عن (إِنْ) وهى متفق عليها إلى (إذا) وفيها هذا الإشكال السابق؟
قلت: أنا فيه متبع لغيرى من العلماء
قال: فلِمَ عدلوا ؟
قلت: تقدير (إذا) أولى من تقدير (إِنْ) لأن (إذا) للتحقق والوقوع، و(إِنْ) للشك: وهو الموهوم؛ فلذا عبر فى جانب الحسنة بـ (إذا) فى قوله تعالى: {فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ} [الأعراف: 131]؛ فإن الحسنة محققة وواقعة، والسيئة لما كانت موهومة عبرفى جانبها بـ (إن) كما فى قوله تعالى: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ } [الأعراف: 131]
قال ابن عرفة: أتي في الحسنة بـ (إذا) وعرَّفها وجعل فعلها ماضيا بلفظ: {جَاءَ}، وأتى في السيئة بـ (إِنْ) وذكره ونكَّرها وجعل فعلها مستقبلا، فقال تعالى (وَإِنْ تُصِبْهُمْ) إشارة إلى أنهم لَا يعتبرون إلا الحسنة الثابتة المحققة وأنهم يتطيرون بأدنى سيئة وأقلها ولو لم تكن محققة.
فصمتَ.
فقلت له: لا تحزن، سأجيبك عن فاء الفضيحة.
فتبسم مسرورا.
فقلت: يقال لها: (فاء الفضيحة) لأنها فضحت وأظهرت ما كان مخفيا فى الكلام.
فقال: جزاك الله خيرا
قلت: وجزاك
______________________________
(1) (إيهِ): اسم فعل أمر مبني على الكسر لا محل له من الإعراب ومعناه زدني من هذا الحديث المُعَيَّنِ الذي تتحدث فيه، وأما (إيهٍ) بالتنوين فمعناه: زدني من أي حديث سواء هذا الذى تتحدث فيه أو غيره، وهذا التنوين الداخل عليه يسمى تنوين التنكير وفائدته بيان الفرق بين المعرفة والنكرة فى الأسماء المبنية فما دخله التنوين منها كان نكرة وما لم يدخله كان معرفة.
-
رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات
قال صاحبي: المصنفُ – رحمه الله - عرَّف (أصول الفقه) باعتباره مركبا إضافيا فعرف (الأصول) أولا ثم عرف (الفقه) ثانيا.
قلت: نعم
قال: هل لاحظت شيئا فى تعريفيه
قلت: لا
قال: ألا ترى أنه عرف الجزء الأول (أصول) من حيث اللغة، والجزء الثانى (الفقه) من حيث الاصطلاح ؟
قلت: بلى، قد فعل
قال: فهلا عرفهما جميعا من حيث اللغة أو الشرع
قلت: قد علمتَ أن المصنف من العلماء المعتبرين فى هذه العلوم وأنه لم يكن ليلقى بالكلام اعتباطا أو جزافا ولو كان كذلك لما اعتنى العلماء بهذه الورقات كل هذه العناية ما بين شارح ومُحَشّ وناظم ومنهم المسهب فى شرحه ومنهم المقتصر على فك العبارة ومنهم بين ذلك
قال: نعم، ولكن هذا لا يمنع من وجود عثرات وهفوات له ولغيره، فى هذا الكتاب وفى غيره، أبى الله أن يتم إلا كتابه
قلت: أخشى أن تكون كلمة حق أريد بها باطل
قال: وكيف ذلك ؟
قلت: إذا أحسنا الظن بأنفسنا وأسأناه بعلمائنا وكلما وقفنا على شئ لم نفهمه قلنا: أخطأ فلان، ونحن لا نقدس الأشخاص، وليس أحد فوق النقد ... وما إلى ذلك فلن يسلم لنا علم ولن ننتفع بعالم، والقصد من هذا أن أبين لك أن من الخطإ التعجلَ بتخطئة الأستاذ فإن خطأ شيخك أولى من صواب نفسك حتى يتم أمرُك ويشتد عودك وعندها افعل ما بدا لك.
قال: قد أكثرت علىّ فى هذا الأمر فأخبرنى عما سألتك عنه: ألم يكن الأَوْلَى والأحسن أن يسير المصنف على طريقة واحدة وهو يُعَرِّفُ جُزْأَىْ مُرَكَّبٍ واحدٍ بأن يُعَرِّفَهُما جميعا من حيث اللغة أو من حيث الشرع، لا أن يُعَرِّف أحدهما لغة والآخر شرعا ؟! وكأنك لا تعرف جوابا عن هذا فلهذا عَدَلْتَ عن الجواب إلى ما ذكرتَ.
قلت: إنك لجرئ، ولكنى سأخبرك بالسر فى ذلك، وهو أنه أراد المبالغة فى مدح هذا الفن.
قال: وكيف ذلك ؟
قلت: فِعْلُه هذا فيه تصريح بأن الفقه (بالمعنى الاصطلاحي) الذى هو من أفضل العلوم الشرعية (مبنيٌّ) على (علم أصول الفقه) فهذه مزية عظيمة لهذا الفن.
وزيادة فى الإيضاح أقول:
= لو حذفت (أصول) ووضعت مرادفه اللغوى (أساس)
= وحذفت (الفقه) ووضعت مرادفه الشرعى الذى أراده المصنف (علم الفقه) لكان معنى هذا المركب: (أساس علم الفقه) وهذا ما أراده المصنف بفعله.
أما لو فسرهما جميعا بالمعنى الشرعى:
= فحذفنا (الأصول) ووضعنا مرادفه الشرعى:(الدليل)
= وحذفنا (الفقه) ووضعنا مرادفه الشرعى:(علم الفقه)
لكان معنى هذا المركب:(دليل علم الفقه) وهذا غير مراد هنا(1) كما أنه يُفَوِّتُ التصريح بالبناء الذى هو المعنى اللغوى لـ(لأصل)، والذى فيه المبالغة فى مدح هذا الفن (أصول الفقه) فتأمل.
ولو فسرهما جميعا بالمعنى اللغوى:
= فحذفنا (الأصول) ووضعنا مرادفه اللغوى: (البناء)
= وحذفنا (الفقه) ووضعنا مرادفه اللغوى: (الفهم) صار معنى المركب:(أساس الفهم) فهذا يفيد البناء إلا أنه ليس بناء خصوص الفقه الاصطلاحى الذى هو من أشرف العلوم الشرعية فتأمل.
قال صاحبي: يا له من إمام ! لله دره!
ثم قال: قد ذكرت أنه يقال: "(فَقِهَ) كـ "(فَهِمَ)"
قلت: نعم
قال: فـ (فَهِمَ) مصدره (الفَهْم) بفتح الفاء وهو قياس مصدر الثلاثى المتعدى فكان ينبغى أن يكون مصدر (فَقِهَ) (الفَقْه) بفتح الفاء أيضا
قلت: نعم، ما ذكرتَه هو القياس فيكون (الفِقْهُ) بالكسر مصدرا سماعيا
_____________________
(1) قال ابن قاوان: " وليست (الأصول) بمعنى الأدلة وإلا لاحتجنا إلى نقله إلى معرفة القواعد المذكورة ثم احتجنا إلى التعريفين له أحدهما من جهة الإضافة والآخر من جهة العَلَمِيَّة. (التحقيقات فى شرح الورقات ص89/ ابن قاوان ت. الشريف سعد/ دار النفائس)
-
رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات
قال صاحبي: كأنى لم أفهم تعريفه للفقه جيدا فهلا زدته توضيحا
قلت: الكلام واضح فسل عما أشكل عليك.
قال: لا بأس، المصنف يقول: "والفقه معرفة الأحكام الشرعية" فما هى هذه الأحكام؟
قلت: الأحكام جمع حُكْم وهو فى اللغة: المنع وفى الاصطلاح: (خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع). ومراد المصنف بالأحكام هنا الأحكام السبعة التى سيذكرها بعد هذه الفقرة مباشرة وهى الواجب والمندوب الخ
قال: فلم قيدها بالشرعية؟
قلت: ليخرج ما سواها من الأحكام مثل:
- الأحكام النحوية: كقولهم: الفاعل مرفوع والمفعول منصوب ونحو ذلك
- والأحكام العقلية مثل: الواحد نصف الاثنين والكل أكبر من الجزء.
- والأحكام الحسية مثل: النار محرقة
- والأحكام العرفية أو العادية مثل قولنا: (وجود سيارة الأمير عند الباب تدل على وجود الأمير)، ومثل: معرفة نزول الطَّلِّ فى الليلة الشاتية إذا كان الجو صحوا، فهذا حكم عادى.
قال: فأنت جعلت قوله: "التى طريقها الاجتهاد" صفة لـ "معرفة" أو لـ "الأحكام" فهل ثمت فرق بينهما؟
قلت: يقال بينهما فرق وذلك أنك لو جعلتها صفة لـ "معرفة" صار المعنى: الفقه هو المعرفة التى طريقها الاجتهاد، فكل معرفة ليس طريقها الاجتهاد لاتسمى فقها: فمعرفة المقلد ليست فقها؛ لأنها ليست عن طريق الاجتهاد، وكذلك معرفة الأحكام القطعية: كوجوب الصلاة والصوم وكون الصوم فى شهر رمضان ونحو ذلك لا يسمى فقها، وكذلك معرفة الأحكام الاعتقادية التى طريقها النص كالعلم بصفات الله عز وجل، والعلم بيوم القيامة والبعث والجزاء والصراط وغير ذلك من الغيبيات التى لا تعرف إلا عن طريق النقل وليس الاجتهاد.
= وإن جعلت قوله: "التى طريقها الاجتهاد" صفة للأحكام كان المعنى: الأحكام التى طريقها الاجتهاد فتخرج الأحكام القطعية أيضا كما سبق لكن لا يخرج علم المقلد؛ لأن الحكم الشرعى هنا يحتاج فى الوصول إليه أولا إلى اجتهاد وهذا قد وقع من المجتهد فلما وصل إليه المجتهد وعَرَفه أخذه عنه المقلد دون اجتهاد فصار كل من المجتهد والمقلد عارفا بالحكم الذى يتطلب اجتهادا للوصول إليه لكن المجتهد عرفه عن طريق الاجتهاد وأما المقلد فعرفه تقليدا وهذه المعرفة غير مؤثرة فسواء عرفت الحكم اجتهادا أو تقليدا فهذا لا يؤثر فى إطلاق اسم الفقه على هذا الحكم فالنظر إنما هو للحكم هل يحتاج إلى اجتهاد فيسمى فقها أو لا يحتاج فلا يسمى بذلك
قال: ما نوع (أل) الداخلة على (الأحكام)؟
قلت: استغراقية
قال: لو كان هذا صحيحا لتعذر وجود فقيه واحد لأن المعنى يكون حينئذ: معرفة جميع الأحكام ولخرج مَنْ سُئِل عن مسألة فقال لا أدرى: كالإمام مالك الذى سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال فى اثنتين وثلاثين وقيل: فى ستة وثلاثين منها: "لا أدرى".
قلت: المراد بمعرفة جميع الأحكام وجود المَلَكة والتهيؤ لمعرفتها بمعاودة النظر فالفقيه إن كان عارفا بالمسألة فهو فقيه بالفعل وإن لم يكن عارفا بها فهو فقيه بالقوة القريبة أى بوجود الملكة والاستعداد والقوة على معرفتها
-
رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات
قال المصنف - رحمه الله تعالى - : "وَالْأَحْكَا ُ سَبْعَةٌ: الْوَاجِبُ، وَالْمَنْدُوبُ، وَالْمُبَاحُ، وَالْمَحْظُورُ، وَالْمَكْرُوهُ، وَالصَّحِيحُ، وَالْبَاطِلُ."
(و): الواو للاستئناف النحوى، ومعناه: وقوعه أول كلام بعد تقدم جملة مفيدة من غير ارتباطه بها لفظا سواء كان جوابا لسؤال مقدر أو لا.
وفائدته: تزيين اللفظ وتحسينه
(الأحكام): مبتدأ
(سبعة): خبر
(الواجب):
- بدل من (سبعة) بدل بعض من كل أو بدل مفصل من مجمل فإن قيل: بدل البعض يشترط اشتماله على ضمير يعود على المبدل منه فالجواب: أن محل ذلك إذا لم تستوف الأجزاء فإن استوفيت كما هنا فلا يحتاج إليه أو أن الضمير مقدر تقديره: (منها الواجب).
- أو خبر لمبتدإ محذوف والتقدير مثلا: (أحدها الواجب).
(وَالْمَنْدُوبُ وَالْمُبَاحُ، وَالْمَحْظُورُ، وَالْمَكْرُوهُ، وَالصَّحِيحُ، وَالْبَاطِلُ):
كلها معطوفة على (الواجب)
-
رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات
[قال صاحبي]
قال صاحبي: ما معنى الواو هنا؟
قلت: مطلق الجمع
قال: ما معنى الجمع المطلق هذا؟
قلت: أنا لم أقل "الجمع المطلق" وإنما قلت: " مطلق الجمع".
قال: فهل بينهما فرق؟
قلت: نعم
قال: وما هو؟
قلت: أما (مطلق الجمع) فالمراد به الجمع لا بقيد، يعنى غير مقيد بشئ، وأما (الجمع المطلق) ففيه إيهام تقييد الجمع بالإطلاق، والغرض نفى التقييد؛ ولهذا قال ابن هشام فى المغنى:"وقول بعضهم: (إن معناها: الجمع المطلق) غير سديد"[1]، وقال ابن الحاجب فى المختصر: "الواو للجمع المطلق". فعلق عليه التاج السبكى بقوله: "لو قال: مطلق الجمع لكان أَسَدَّ "[2].
قال صاحبي: تقول: إن المراد بـ (مطلق الجمع) الجمعُ لا بقيد.
قلت: نعم.
قال: فما مثال القيد؟
قلت: مثاله: التقييد بالمعية، والترتيبِ، وعكسه.
قال: فاضرب لى مثالا على هذا.
قلت: مثل قولك: (جاء زيد وعمرو) :
- فإن جعلت الواو للجمع بقيد المعية فالمعنى: اشترك زيد وعمرو فى المجئ وكان مجيئهما معا.
- وإن جعلت الواو للجمع بقيد الترتيب فالمعنى: اشترك زيد وعمرو فى المجئ وكان مجئ زيد قبل مجئ عمرو.
- وإن جعلت الواو للجمع بقيد عكس الترتيب فالمعنى: اشترك زيد وعمرو فى المجئ وكان مجئ زيد بعد مجئ عمرو.
قال: فقولهم: (الجمع المطلق) و(مطلق الجمع) كقول الفقهاء: (الماء المطلق) و(مطلق الماء)
قلت: نعم
قال: فهذا الكلام متفق عليه بين أهل اللغة؟
قلت: لا.
قال: فلعله الصوابُ في المسألة.
قلت: لا، بل الصواب خلافه – كما فى حواشى المغنى[3]- وهو أنه لا فرق بين قولهم – أعنى أهل اللغة -: (الجمع المطلق) و(مطلق الجمع) وأما تفرقة الفقهاء فاصطلاح خاص بهم.
قال: فهل يفيد هذا شيئا فيما نحن فيه؟
قلت: نعم، فاعلم:
أولا - أن المشهور من مذهب الشافعى أن الواو للترتيب[4]، ونُقِلَ هذا أيضا عن بعض أهل اللغة مثل: قُطْرُب، والرَّبَعى، والفراء، وثعلب، وأبى عمر الزاهد غلام ثعلب، وهشام الضرير، وأبى جعفر الدينورى[5]. وقيل: عن الإمام الشافعى أيضا وهو غير صحيح[6].
وذهبت الحنفية إلى أنها للمعية[7].
ولكن الصحيح المنقول عن أئمة اللغة: أنها لمطلق الجمع.
ثانيا – لو كانت الواو للترتيب فقلت: (جاء زيد وعمرو بعده) كان قولك: (بعده) تكريرا؛ للعلم بِالْبَعْدِيَّة َ من الواو.
ولو قلت: (جاء زيد وعمرو قبله) كان غير صحيح؛ للتناقض وذلك أن الواو – على هذا القول – تفيد الترتيب فتفيد تأخُّرَ مجئ عمرو، وقولك: (قبله) يفيد تقدمه فيتناقضا، ولكن لا تكرير ولا تناقض فلا ترتيب.
قال: قد استطردت فى هذه المسألة فهل لها فائدة ؟
قلت: لو قال لزوجته: (إن دخلتِ الدار وكلمتِ زيدا فأنت طالق) فلو كَلَّمَتْ زيدًا أولا ثم دخلت الدار ثانيا طُلِّقَتْ على مذهب من قال: إنها لمطلق الجمع، ولم تُطَلَّقْ على مذهب من قال بالترتيب لأن فعلها وقع على عكس الترتيب.
[1] مغنى اللبيب 4/ 353 ت. عبد اللطيف الخطيب
[2] رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب لتاج الدين السبكى 1/ 431 ت. على معوض وعادل عبد الموجود ط. عالم الكتب
[3] انظر مثلا حاشية الأمير على المغنى 2/31 ط. الحلبى، وحاشية الدسوقى على المغنى 2/ 22 ط. دار الطباعة، وحاشية الشمنى على المغنى 2/ 104 ط. المطبعة البهية بمصر
[4] انظر البرهان لإمام الحرمين (1/ 181 ت. عبد العظيم الديب).
[5] مغنى اللبيب 4/ 354، والجنى الدانى فى حروف المعانى للمرادى 158- 159 ت.قباوة وفاضل ط. دار الكتب العلمية
[6] ممن نسب هذا للإمام الشافعى ابنُ هشام فى المغني (4/ 354/ الخطيب)، وابن الخباز كما فى الجنى الدانى 159، وممن نفى هذه النسبة للشافعى التاج السبكى فى رفع الحاجب 1/ 438 قال فى مسألة من قال لغير المدخول بها: (أنت طالق وطالق وطالق): " وقد لاح بهذا أنه لا حجة لمن زعم أن الشافعى يقول: (الواو) للترتيب بهذه المسألة ... وتعلقوا أيضا بإيجاب الشافعى الترتيب فى الوضوء من آية الوضوء والشافعى لم يأخذ ذلك من الواو بل من جهة أن العبادة كلها مترتبة كالصلاة والحج، والوضوء منها، والواو لا تنفى الترتيب. وقال الأستاذ أبو منصور البغدادى: معاذ الله أن يصح عن الشافعى أنها للترتيب وإنما هى عنده لمطلق الجمع". ا.هـ
[7] البرهان لإمام الحرمين (1/ 181 / الديب)، والجنى الدانى 160، ومغني اللبيب (4/ 355 / الخطيب).
-
رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات
قال: ذكرتَ أن المعطوفات كلها فى قوله: "والمندوب والمباح الخ" معطوفة على الأول (الواجب)
قلت: نعم، إذا تعددت المعطوفات وكان العطف بالواو كانت كلها معطوفة على الأول لأصالته، ومن النحاة من قال: على القريب لقربه، ولم يذهب أحد منهم إلى العطف على المتوسط لذهاب العلتين المذكورتين.
قال: ذكرت أن الواو هنا لمطلق الجمع
قلت: نعم.
قال: أحب أن ألخص ما فهمته عنها.
قلت: هاتِ.
قال: الواو لمطلق الجمع من غير ترتيب:
= فتعطف الشئ على مُصاحِبه: كقوله تعالى: {فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ} [العنكبوت:15]، فالنجاة حصلت لنوح وأصحاب السفينة معا.
= وتعطف الشئَ على سابقه: كقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ} [الحديد: 26]، فعطفت (إبراهيم) على (نوح) وهو سابق متقدم فى الزمان عليه.
= وتعطف الشئ على لاحقه كقوله تعالى: {كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ} [الشورى: 3]، فعطفت {الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ} على ضمير المخاطب (الكاف) فى {إِلَيْكَ} والخطاب له صلى الله عليه وسلم وهو لاحق لهم متأخر عنهم.
وقد اجتمع هذان فى قوله تعالى: {وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} [الأحزاب: 7] فنوح ومَنْ بعده سابقون على النبى صلى الله عليه وسلم ومعطوفون عليه فهو من عطف الشئ على لاحقه، وإبراهيم ومَنْ بعده كل واحد منهم متأخر عن سابقه فهو من عطف الشئ على سابقه.
قلت: أحسنت
قال: ماذا لو قلنا: إنها خرجت هنا عن هذا المعنى (مطلق الجمع) واستعملت بمعنى (أو) للتقسيم؛ إذ المذكور فى قوله: "الواجب والمندوب والمباح الخ" أقسامٌ لقوله: "الأحكام سبعة".
قلت: ذهب صاحب القاموس المحيط إلى ما تقول فقال: "وقد تخرج الواو عن إفادة (مطلق الجمع)، وذلك على أوجُهٍ: أحدها: أن تكون بمعنى (أو)، وذلك على ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون بمعناها فى التقسيم، نحوُ: الكلمة: اسمٌ وفعلٌ وحرفٌ"[1].
قال: قد أسعدتنى بهذا النقل عن صاحب القاموس وبهذا يكون كلامى صوابا؛ فالواو فى قول المصنف: "الواجب والمندوب والمباح..." إلى قوله: "والباطل" هى الواو التى فى قولهم: "الكلمة: اسم وفعل وحرف".
قلت: نعم، مثلها.
قال: فالواو هنا للتقسيم وبمعنى (أو)
قلت: كونها للتقسيم صحيح، وأما كونها خرجت عن (مطلق الجمع) وصارت بمعنى (أو) فخطأ.
فتعجب، وقال: ألم تنقل هذا عن صاحب القاموس المحيط؟!
قلت: بلى، ولكنى نقلته هنا لأنقل رد العلماء عليه.
فلم يَنْبِسْ بِبِنْتِ شَفَة.
فاستطردت قائلا: أجاب العلماء على ذلك[2]، فمنهم:
- ابن أم قاسم المرادى قال: " وأجاز بعضهم أن تكون الواو فى قولهم: "الكلمة: اسم، وفعل، وحرف" بمعنى (أو) لأنه قد يقال: اسم أو فعل أو حرف. قلت: العكس أقرب؛ لأن استعمال الواو فى ذلك هو الأكثر. قال ابن مالك: " استعمال الواو فيما هو تقسيم أجود من استعمال (أو)"[3] ا.هـ
- وابن هشامفى المغنى قال: " والصواب أنها فى ذلك[4] على معناها الأصلى[5]؛ إذ الأنواع[6] مجتمعة فى الدخول تحت الجنس[7] ولو كانت (أو) هى الأصل فى التقسيم لكان استعمالها فيه أكثر من استعمال الواو"[8].
- وزيني زادهفى (الفوائد الشافية على إعراب الكافية) المشهور (بمعرب الكافية) فقد نقل كلام ابن هشام السابق واعتمده[9].
قال صاحبي: فإذا كانت الواو على معناها الأصلى (مطلق الجمع) لزم أن يكون الحكم هنا فى قوله: "الأحكام سبعة" هو مجموع ما ذكر من: الواجب والمندوب والمباح والمحظور والمكروه والصحيح والباطل.
قلت: هذا ليس بلازم وقد نقلت لك آنفا قول ابن مالك: "استعمال الواو فيما هو تقسيم أجود من استعمال (أو)"
قال: ألم تقل: (الواو هنا لمطلق الجمع) ؟
قلت: بلى
قال: وأنت الآن تقول: (الواو للتقسيم) فبأى قولَيْكَ آخذ.
قلت: كون الواو للتقسيم ولمطلق الجمع جائز فلا يتنافيان وسأوضح لك قولهم: (الواو لمطلق الجمع) وقولهم: (الواو للتقسيم) حتى يتبين لك الأمر جدا.
أما قولهم: (الواو لمطلق الجمع) فإنهم لم يريدوا بذلك أن المعطوف والمعطوف عليه يجتمعان فى حال واحدة فيكون الحكم هو اجتماع الواجب والمندوب الخ وإنما يريدون أن المعطوف والمعطوف عليه يجتمعان فى :
- كونهما محكوما عليهما نحو: جاء زيد وعمرو، فزيد وعمرو محكوم عليهما بالمجئ.
- أو كونهما حكمين على شئ واحد نحو: زيد قائم وقاعد، فقائم وقاعد حكمين على شئ واحد هو زيد.
- أو فى حصول مضمونهما نحو: قام زيد وقعد عمرو، فاشترك المتعاطفان فى حصول مضمونهما وهو حصول قيام زيد فى الأول وحصول قعود عمرو فى الثانى.
وأما قولهم: (الواو للتقسيم) فكما سبق من قول ابن مالك: "استعمال الواو فيما هو تقسيم أجود من استعمال (أو)".
_____________________________
[1] القاموس المحيط مع تاج العروس 40/ 519 ط. المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب- الكويت
[2] أعنى أنهم أجابوا على من قال: إن الواو بمعنى (أو) للتقسيم، لا أعنى أنهم أجابوا على صاحب القاموس المحيط وإلا فصاحب الجنى الدانى قد توفى سنة 749هـ وابن هشام توفى سنة 761هـ وأما الفيروزآبادى صاحب القاموس المحيط فقد ولد سنة 729هـ وتوفى سنة 817هـ فعمره يوم توفى ابن أم قاسم عشرون عاما ويوم توفى ابن هشام نحو الثلاثين فالظاهر أن جوابهم ليس عليه فتأمل
[3] الجنى الدانى 166- 167.
[4] أى فى قولهم: " الكلمة اسم وفعل وحرف ".
[5] وهو مطلق الجمع
[6] التى هى الاسم والفعل والحرف
[7] وهو الكلمة
[8] مغنى اللبيب 4/ 369 / الخطيب.
[9] معرب الكافية لزينى زاده ص14.
-
رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات
قال صاحبي: يقولون: إن قول المصنف:"الأحكام سبعة: الواجب، والمندوب الخ" من تقسيم الكلى إلى جزئياته لا إلى أجزائه فما معنى هذا؟
قلت: اعلم أن التقسيم إما أن يكون :
- تقسيم الكلى إلى أجزائه وذلك إذا كانت ماهية المقسوم لا توجد إلا بوجود جميع أجزائه، ولا يصح إطلاق اسم المقسوم على كل واحد من أقسامه: كما فى قولك: (الخبز: دقيق وماء)، فالمقسوم الكلى: الخبز، وأجزاؤه: الخبز والماء، فإذا لم يوجد الدقيق لم يوجد الخبز؛ لأن الباقى ماءٌ فقط، وإذا لم يوجد الماء لم يوجد الخبز؛ لأن الباقى دقيق فقط؛ فلابد لوجود الخبز من اجتماع أجزائه.
ولا يصح إطلاق اسم المقسوم على كل واحد من أجزائه فلا يقال: الدقيق خبز[1]، ولا الماء خبز، وهذا بخلاف التقسيم الآتى.
- تقسيم الكلى إلى جزئياته وذلك إذا كانت ماهية المقسوم قد توجد من جميع أجزائه وقد توجد من بعضها، ويصح إطلاق اسم المقسوم على كل واحد من أقسامه بأن يجعل كل قسم من الأقسام مبتدأ والمقسوم الكلى خبرا له كما فى قولك: (الحيوان: إنسان وفرس وبقر)، فماهية الحيوان توجد بوجود هذه الأنواع مجتمعة ومفترقة ويصح الإخبار بالمقسوم الكلى (الحيوان) عن كل واحد منها فيصح أن يقال: الإنسان حيوان، والفرس حيوان، والبقر حيوان.
إذا علمت ما سبق علمت أن قول المصنف:"الأحكام سبعة: الواجب، والمندوب الخ" من تقسيم الكلى إلى جزئياته لا إلى أجزائه ودليله أنه يصح الإخبار به عن كل واحد منها فيصح أن تقول: الواجبُ حكمٌ والباطلُ حكمٌ الخ فاندفع بهذا ما قيل: من أن العطف بواو الجمع يقتضى أن يكون الحكم مجموع السبعة.
[1] هكذا قلت وضربت هذا المثال من عندى للتقريب بدلا من قولهم: "السكنجبين خل وعسل وماء" فلما وصلت إلى قولى: "فلا يقال الدقيق خبز" ذكرتُ حديثَ تربة الجنة وفيه أنه يجوز التعبير عن الخبز بالدرمك وهو الدقيق الحوارى الخالص البياض، وسأذكر لفظ الحديث هنا ليُتَأَمَّل وهو:
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ نَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ لأُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ (ص) هَلْ يَعْلَمُ نَبِيُّكُمْ كَمْ عَدَدُ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ ؟ قَالُوا: لاَ نَدْرِى حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا. فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ (ص) فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ غُلِبَ أَصْحَابُكَ الْيَوْمَ. قَالَ: « وَبِمَ غُلِبُوا ؟ » قَالَ: سَأَلَهُمْ يَهُودُ هَلْ يَعْلَمُ نَبِيُّكُمْ كَمْ عَدَدُ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ قَالَ: « فَمَا قَالُوا ؟ » قَالَ: قَالُوا: لاَ نَدْرِى حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا. قَالَ: « أَفَغُلِبَ قَوْمٌ سُئِلُوا عَمَّا لاَ يَعْلَمُونَ فَقَالُوا: لاَ نَعْلَمُ حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا، لَكِنَّهُمْ قَدْ سَأَلُوا نَبِيَّهُمْ فَقَالُوا: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً. عَلَىَّ بِأَعْدَاءِ اللَّهِ إِنِّى سَائِلُهُمْ عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ وَهِىَ الدَّرْمَكُ[1] » فَلَمَّا جَاءُوا قَالُوا يَا أَبَا الْقَاسِمِ كَمْ عَدَدُ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ ؟ قَالَ: « هَكَذَا وَهَكَذَا » فِى مَرَّةٍ عَشْرَةٌ وَفِى مَرَّةٍ تِسْعٌ. قَالُوا نَعَمْ. قَالَ لَهُمُ النَّبِىُّ (ص): « مَا تُرْبَةُ الْجَنَّةِ ؟ » قَالَ: فَسَكَتُوا هُنَيْهَةً ثُمَّ قَالُوا: خُبْزَةٌ يَا أَبَا الْقَاسِمِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): « الْخُبْزُ مِنَ الدَّرْمَكِ ».
يحتمل التحسين: رواه الترمذى (3327) وقال: غريب إنما نعرفه من هذا الوجه من حديث مجالد، وأحمد (14889) والبزار فى مسنده كما ذكره ابن كثير فى التفسير: 8 / 150، ومجالد هذا هو ابن سعيد الهمدانى. قال فيه الحافظ فى التقريب ( 6478) ليس بالقوى وقد تغير فى آخر عمره كأبى أسامة وغيره فلا يعتد بحديثه وليس هذا الحديث كذلك فإنه من رواية سفيان عنه . وأيضاً فهذا الحديث من رواية مجالد عن الشعبى عن جابر وقد قال ابن عدى: " له عن الشعبى عن جابر أحاديث صالحة ". وانظر تهذيب التهذيب: 5 / 371 – 372 رقم (7545)
-
رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات
قال صاحبي: أليست (الأحكام) فى قوله :"الأحكام سبعة" هى التى فى قوله: "الفقه معرفة الأحكام" ؟
فسكتُّ.
قال: أليس المقام مقام إضمار فكان عليه أن يقول: (هى سبعة)
قلت: أظهر فى مقام الإضمار إيضاحا للمبتدئ المقصود بالكتاب.
وفيه نكتة أخرى: وهى أنه لم يذكر بحسب الظاهر نفس الأحكام بل متعلقاتها وذلك أن الأحكام التي تتعلق بخطاب الشرع هى: الإيجاب والندب والإباحة والحظر والكراهة والصحة والبطلان، وما ذكره متعلقات الأحكام بالنظر إلى فعل العبد: (الواجب والمندوب والمباح الخ).
فالحكم في الأول هو: (الإيجاب)، ومتعلق الحكم الذي هو فعل العبد هو: (الواجب)
والحكم في الثاني هو: (الندب)، ومتعلق الحكم الذي هو فعل العبد هو: (المندوب)
والحكم في الثالث: (الإباحة) ومتعلق الحكم: (المباح)
والحكم في الرابع: (الحظر) ومتعلق الحكم (المحظور)
والحكم في الخامس: (الكراهة) ومتعلق الحكم (المكروه)
والحكم في السادس: (الصحة) ومتعلق الحكم (الصحيح)
والحكم في السابع (البطلان) ومتعلق الحكم (الباطل)
إذا علمت ما سبق علمت أن المصنف لم يذكر نفس الأحكام بل متعلقاتها فمن دقائق المصنف –رحمه الله- أنه أتى هنا بالظاهر (الأحكام) المناسب لمغايرته فى الظاهر لما سبق بخلاف المضمر (هى).
يعني أنه لو أتى بالمضمر فقال: (هي سبعة) فإن مرجع الضمير (هي) سيكون هو (الأحكام) المذكورة في قوله: "الفقه معرفة الأحكام" وهذه الأحكام المتعلقة بخطاب الشارع وهي كما سبق (الإيجاب والندب والإباحة والحظر والكراهة والصحة والبطلان) ولكنه لم يذكر هذه الأحكام بل ذكر متعلقاتها بالنظر إلى فعل العبد (الواجب والمندوب والمباح والمحظور والمكروه والصحيح والباطل) فظهر بذلك أنه خالف في الظاهر بين (الأحكام) في قوله: "الفقه معرفة الأحكام" وبين (الأحكام) في قوله: "الأحكام سبعة" ولما كانت هذه المخالفة مما لا تخفى على مثل هذا الإمام وكان من الجائز أن يعترض بعضهم ممن هو دون هذا الإمام في العلم بكثير عليه فيقول: (إنه ذكر متعلق الأحكام لا نفس الأحكام فإعادة المصنف الضمير على نفس الأحكام فيه تَجَوُّزٌ منه) فلهذا أظهر في موضع الإضمار ليدفع مثل هذا الاعتراض
قال صاحبي: ياله من إمام لله دره.
ثم قال: يقولون: إذا أعيدت المعرفة بلفظها كانت نفس الأولى
قلت: هذه قاعدة أكثرية
قال: لهذه القاعدة بقية لا أذكرها فهلا أكملتها لى مع الأمثلة
قلت: القاعدة أن :
- النكرة إذا أعيدت معرفة كانت عين الأولى: كما فى قوله تعالى: { كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ} [المزمل: 15، 16]؛ فالرسول الثانى هو الأول.
- المعرفة إذا أعيدت معرفة كانت عين الأولى: كقولك: جاءنى الرجلُ فأكرمتُ الرجلَ، فالرجل الثانى هو عين الأول.
- النكرة إذا أعيدت نكرة كانت غير الأولى: مثل: جاءنى رجلٌ فأكرمتُ رجلا، فالرجل الثانى غير الأول.
- المعرفة إذا أعيدت نكرة كانت غير الأولى: مثل: جاءنى الرجل فأكرمت رجلا، يعنى رجلا آخر.
وكما ذكرت لك فهذه قاعدة أغلبية وإلا فقد أوردوا على إعادة النكرة نكرة قولَه تعالى: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف: 84] فإن كلمة (إله) نكرة أعيدت نكرة فيقتضى أن يكون الإله الثانى غير الأول فيلزم تعدد الإله، ويجاب بأن القاعدة أغلبية صادقة إذا لم يمنعها مانع كما هنا.
ويَرِدُ على إعادة النكرة معرفة قوله تعالى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النساء: 128] فمقتضى القاعدة أن الثانى عين الأول، مع أنه غيره؛ لأن الأول صلح بين الزوجين والثانى أعم، والجواب أن القاعدة أكثرية كما سبق[1].
___________________________
[1] انظر مغنى اللبيب (6/ 562- 570 / الخطيب)، وحاشية الشيخ عبد الله بن الشيخ العشماوى على الآجرومية/ 4/ ط. المكتبة التجارية
-
رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات
قلت لصاحبي: لماذا سألت عن هذه القاعدة (إعادة المعرفة بلفظها)؟
فاضطرب وكأنه نسي لماذا ذكرها
قلت له: سبحان الله! أتسأل سؤالا ثم لا تدري لماذا تسأله؟
قال متلجلجا: بَــ بَــ بل أعرف
قلت له: على رِسْلِكَ
قال: نعم تذكرتُ
قلت: هيه
فابتلع ريقه بصعوبة ثم قال: أردت أن أقول إن المصنف رحمه الله قال: "الفقه معرفة الأحكام ...الخ" ثم قال: "الأحكام سبعة" فقوله "الأحكام" معرفة أعادها بلفظها فكان مقتضى القاعدة أن تكون عين الأولى ولكنها ليست كذلك
قلت له: أحسنت، فهل علمت الجواب؟
قال: نعم، وهو أن القاعدة أكثرية صادقة إذا لم يمنعها مانع
قلت له: أحسنت
-
رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات
قال المصنف - رحمه الله تعالى - :
" فَالْوَاجِبُ: مَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ، وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ.
وَالْمَنْدُوبُ: مَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ، وَلَا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ.
وَالْمُبَاحُ: مَا لَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ، وَلَا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ.
وَالْمَحْظُورُ: مَا يُثَابُ عَلَى تَرْكِهِ، وَيُعَاقَبُ عَلَى فِعْلِهِ.
وَالْمَكْرُوهُ: مَا يُثَابُ عَلَى تَرْكِهِ، وَلَا يُعَاقَبُ عَلَى فِعْلِهِ.
وَالصَّحِيحُ: مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ النُّفُوذُ، وَيُعْتَدُّ بِهِ.
وَالْبَاطِلُ: مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ النُّفُوذُ، وَلَا يُعْتَدُّ بِهِ."
______________________________ ____
(فالواجب): الفاء فاء الفصيحة، (الواجب) مبتدأ
(ما): إما أن تكون:
- نكرة موصوفة بمعنى شئ، أيْ: شئ من قول أو فعل أو نية أو عزم أو اعتقاد أو غير ذلك؛ ضرورةَ تناول الواجب جميع ذلك.
- أو معرفة موصولة بمعنى الذى أى الفعل الشامل لجميع ما سبق من قول أو فعل أو نية الخ قال ابن قاسم: "وهو أنسب بقوله الآتى: (على فعله)"[1].
- وعلى كل فهى اسم مبنى على السكون فى محل رفع خبر
(يثاب): فعل مضارع مبنى للمجهول مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، ونائب الفاعل مستتر جوازا تقديره هو يعود على المكلف المفهوم من الكلام، والجملة من الفعل ونائب الفاعل وما تعلق بهما فى محل رفع صفة لـ (ما) إن جعلتها نكرة موصوفة، أو لا محل لها من الإعراب صلة الموصول (ما) إن جعلتها اسما موصولا.
(على): حرف جر مبنى على السكون لا محل له من الإعراب.
(فعله): (فعل) اسم مجرور بـ (على) وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والجار والمجرور متعلق بـ (يثاب)، و(فعل) مضاف و(الهاء) ضمير مبنى على الكسر فى محل جر مضاف إليه.
(و): حرف عطف
(يعاقب على تركه): مثل (يثاب على فعله) وهى معطوفة عليها ولذا فهى إما فى محل رفع أو لا محل لها.
(والمندوب): أصله (المندوب إليه) ثم تُوُسِّعَ بحذف حرف الجر (إلى) فاستكن الضمير (الهاء)[2]، وفى المصباح المنير: "والأصل (المندوب إليه) لكن حذفت الصلة منه لفهم المعنى"[3].
وقوله: "والمندوب ... إلى قوله: والباطل ما لا يتعلق به النفوذ ولا يعتد به." إعرابه كله مثل إعراب (الواجب ما يثاب الخ) غير أن فى بعضها زيادة (لا) النافية، وقوله: "يَتَعَلَّقُ" فعل مضارع مبنى للفاعل وليس للمجهول كالباقى.
______________________________ _
[1] الشرح الكبير لابن قاسم العبادي: 44.
[2] انظر الشرح الكبير لابن قاسم العبادي 53، وحاشية الدمياطى على شرح المحلى على الورقات/ 4 / ط. المطبعة الميمنية، ونهاية السول فى شرح منهاج الأصول للإسنوى 1/ 77 ت. محمد بخيت المطيعى ط. عالم الكتب، وأصول الفقه للعلامة محمد أبو النور زهير 1/ 50 ط. المكتبة الأزهرية
[3] المصباح المنير فى غريب الشرح الكبير 2/ 597 ت. عبد العظيم الشناوى ط. دار المعارف، والتحبير شرح التحرير لعلاء الدين المرداوى 2/ 978 ت. عبد الرحمن بن عبد الله الجبرين ط. مكتبة الرشد بالرياض
-
رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات
[قال صاحبي]
قال صاحبي: أين نائب الفاعل فى قوله: "يُعْتَدُّ بِهِ".
قلت: أجب أنت
قال: (بِهِ)
قلت: تعنى أن النائب عن الفاعل هو الجار والمجرور معا فيكونان فى موضع رفع.
قال: نعم، هو ذا.
قلت: لم يذهب أحدإلى هذا.
قال: بل ذهب إليه بعضهم.
فصمتُّ ونظرتُ إليه متشوفًا متشوقًا.
قال: أمَا وقد نظرتَ إلىَّ مُشْرَئِبًّا فاعلم أن فحول العلماء قد ذهبوا إليه منهم ابن مالك فى التسهيل[1] وابن هشام فى القطر حيث قال:"فإن لم يكن فى الكلام مفعول به ناب الظرف، أو الجار والمجرور، أو المصدر الخ"[2]، وفى الشذور حيث قال فى قوله تعالى:{وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا} [الأنعام: 70] :"{يُؤْخَذْ} فعل مضارع مبنى لما لم يُسَمَّ فاعله وهو خالٍ من ضمير مستتر فيه، و{مِنْهَا} جار ومجرور فى موضع رفع: أى لا يكن أخذٌ منها ولو قُدِّر ما هو المتبادر من أن فى يؤخذ ضميرا مستترا هو القائم مقام الفاعل، و{مِنْهَا} فى موضع نصب لم يستقم..."[3].
قلت: فلماذا تنقل شيئا وتترك آخر؟
قال: وما ذاك ؟
قلت: نقلت ما نقلت عن ابن هشام فى شرح القطر وغفلت أو تغافلت عن قوله فى المتن:"فإن لم يوجد (أى المفعول به) فما اخْتَصَّ وتصرف من ظرفٍ أو مجرور أو مصدر"[4]، فصريح كلامه أن النائب هو المجرور وحده وِفاقا للجمهور؛ ولهذا قال الفاكهى:"ظاهر كلامه أن النائب هو المجرور فقط"[5].
وأما فى الشذور فقال فى المتن:"وإن فُقِد (أى المفعول به) فالمصدر نحو...أو الظرف نحو... أو المجرور نحو:{غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} ومنه:{لَا يُؤْخَذ مِنْهَا}"[6]، ثم قال فى الشرح:"والمجرور كقوله تعالى: {وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا} [الأنعام: 70]"[7].
وأما ابن مالك فقال فى متن التسهيل:"فينوب عنه جاريا مجراه فى كل ما له: مفعول به، أو جار ومجرور، أومصدر الخ"[8].فاعتذر عنه ناظر الجيش قائلا:"الحق أن النائب عن الفاعل فى نحو: (مُرَّ بِزَيْدٍ) إنما هو المجرور، والحرف وصَّل معنى الفعل الذى هو المرور إليه، كما تقول فى نحو: (مررت بزيد) أن الذى فى محل النصب إنما هو المجرور والباء موصلة العامل إليه، ولكن المصنف تجوز فجعل النيابة للجار والمجرور معا، ولا شك أنهما فى الصورة هما القائمان مقام الفاعل فكان ذلك هو الحامل له على التجوز، وليس هذا الأمر مما يخفى على أضعف الناظرين فى كلام النحاة فما ظنك بالمصنف صاحب النظر العالى رحمه الله تعالى"[9].
قال: فنائب الفاعل هنا ضمير مستتر.
قلت: فما تقديره
قال: هو
قلت: على أى شئ يعود
فصمتَ ثم قال: لا أدرى.
قلت: ذهب ابن دُرُستويه والسهيلى وتلميذه أبو على الرُّندى إلى أن النائب ضمير عائد على المصدر المفهوم من الفعل[10] والتقدير: (يُعْتَدُّ هُوَ) أى الاعتداد، وهذا المذهب مردود بأن العرب تصرح فى مثل هذا المثال بالمصدر المنصوب نحو: (سِيرَ بزيدٍ سَيْرًا) و(يُعْتَدُّ بالخلاف اعْتِدَادًا) فلو كان النائب هو الضمير العائد على المصدر المفهوم من الفعل لجعلوا المصدر نائبا فى حالة تصريحهم به فكانوا يقولون: (سِيرَ بزيْدٍ سَيْرٌ) و(يُعْتَدُّ بِالْخِلَافِ اعْتِدَادٌ) ولكنهم لم يفعلوا فدلَّ على أنهم لا يجعلون المصدر وبالتالى الضمير العائد عليه نائبا.
قال: فما تقول أنت ؟
قلت: أقول بقول الجمهور
قال: وما هو ؟
قلت: قالوا: النائب عن الفاعل هنا المجرورُ وحده.
قال: قد أكثرت علىَّ فلخص لى ما سبق.
قلت: قول المصنف: "يُعْتَدُّ بِهِ" (يُعْتَدُّ) فعل مضارع مبنى للمجهول ونائب الفاعل فيه مذاهب:
- مذهب الجمهور أنه المجرور وحده (الهاء فى قوله : "بِهِ")
- مذهب الفراء أنه حرف الجر وحده
- مذهب السهيلى ومن معه أن النائب ضمير عائد على المصدر المفهوم من الفعل
______________________________ ____
[1] شرح التسهيل لابن مالك 2/ 126 ت. عبد الرحمن السيد ومحمد بدوى المختون ط. هجر
[2] شرح قطر الندى لابن هشام 189- 190 ت. محمد محى الدين عبد الحميد ط. المكتبة التجارية
[3] شرح شذور الذهب لابن هشام 194 ت. محمد محى الدين عبد الحميد ط. دار الطلائع.
[4] شرح قطر الندى 187.
[5] مجيب الندا إلى قطر الندى للفاكهى بهامش حاشية يس 2/ 80 ط. المطبعة الوهبية بمصر
[6] شرح شذور الذهب 190- 191.
[7] شرح شذور الذهب 194.
[8] شرح التسهيل لابن مالك 2/ 124.
[9] تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد لناظر الجيش 4/ 1620 ت. على محمد فاخر وآخرون ط. دار السلام.
[10] انظر همع الهوامع للسيوطى 2/268 ت. عبد العال سالم مَكرَم ط. مؤسسة الرسالة، والتصريح بمضمون التوضيح للشيخ خالد الأزهرى 1/422- 423 ت. محمد باسل عيون السود ط. دار الكتب العلمية
-
رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات
قال صاحبي
قال: أليست الأحكام خمسة ؟
قلت: الأحكام التكليفية خمسة هي: الواجب والمندوب والمباح والمحظور والمكروه.
قال: فلم زاد الصحيح والباطل؟
قلت: الصحيح والباطل من الأحكام الوضعية ومنها: كون الشئ سببا فى كذا أو شرطا له أو مانعا منه.
قال: أأأ، ثم حُصِرَ فلم يستطع التكلم، وكأنه أراد أن يسأل سؤالا عن قول المصنف:"الأحكام سبعة" ثم لم يحسن التعبير عنه.
فقلت: المصنف أراد الأحكام الشرعية وهى تشمل التكليفية والوضعية، وقال بعضهم: الأحكام تسعة فزاد الرخصة والعزيمة، ولكن المصنف لم يتعرض لهما لأنهما مندرجتان فيما سبق: فالرخصة[1] قد تكون من قسم الواجب مثل: أكل الميتة فى المخمصة[2]، وفد تكون من قسم المندوب مثل: قصر الصلاة الرباعية فى السفر، وقد تكون من قسم المباح: كالمسح على الخفين. وأما العزيمة (وهى الحكم الذى شُرِعَ ابتداءًا) فتتنوع إلى أنواع الحكم التكليفى: من وجوب وندب وحظر وكراهة وإباحة، ولا تطلق عند المحققين إلا إذا قابلتها رخصة؛ فلهذا لم يتعرض لهما فى هذا الكتاب[3].
قال: فالأحكام على كل حال أكثر من سبعة وقد ذكرت أنت السبب والشرط والمانع فلماذا تركها المصنف.
قلت: لعله تركها تخفيفا على المبتدئ فإنه يمكنه أن يتصور حقيقة الواجب والمندوب إلى آخر الأحكام السبعة ولكن ربما شق عليه تصورُ ما تركه من السبب والشرط والمانع.
قال: ربما، ولكن هل يشق عليه ما ذكرتَ ويسهل عليه تصور القياس والاستصحاب والنص والظاهر والمؤول الخ
قلت: هذه أبواب يتكون من مجموعها أصول الفقه فلو تركها لترك هذا الفن جملة، وأى شئ يكتبه فى هذا الفن إذا ترك ما ذكرتَ ! أما ما تركه من الأحكام فالظاهر أنه اقتصر على جملة من الأحكام بحيث إذا تصورها المبتدئ استطاع أن يتدرج إلى ما فوقها وسهلت عليه لأنها من جنس ما ذكره، أما لو ترك مباحث الألفاظ أو القياس أو الاستصحاب فكيف يترقى الطالب لهذا العلم فى هذه الأبواب؟ فلابد إذن من ذكر جملة صالحة من هذه الأبواب يتعرف بها الطالب على ما فى هذه الأبواب من حيث الجملة فيعرف أسماءها ومعناها وشيئا مما يخصها، فإذا فعل ذلك وأراد الترقى بعد ذلك تمكن من استكمال ما فاته من هذه الأبواب حتى يصل إلى دقائقها.
قال: فلم آثر هذه السبعة ؟
قلت: آثرها لشهرتها.
قال: ربما.
قلت: ويمكن أيضا تأويل كلامه بأن مراده أن هذه السبعة من جملة الأحكام، لكن قال ابن قاسم: "ثم رأيت كلامه فى البرهان ظاهرا فى منافاة هذا التأويل دالا على إرادة الحصر فى هذه السبعة؛ لأنه قال ما نصه: (فإن قيل: فما الفقه ؟ قلنا هو فى اصطلاح علماء الشريعة: العلم بأحكام التكاليف[4]) انتهى"[5].
قال: هل كلام إمام الحرمين يدل على إرادة الحصر فى هذه السبعة كما قال ابن قاسم العبادي؟
قلت: الله أعلم.
قال: لا يظهر لى ذلك.
قلت: ولِمَ ؟
قال: لأنه لم يذكر فى (البرهان) إلا الأحكام التكليفية الخمسة: الواجب والمندوب والمباح والمكروه والمحظور.
قلت: إذا كان كلامُك صحيحا فمعناه أنه (أي إمام الحرمين) يرى أن الأحكام الوضعية ترجع إلى الأحكام التكليفية.
قال: نعم، أظن ذلك.
____________________
[1] الرخصة فى اللغة التيسير والتسهيل، واصطلاحا: الحكم الثابت بدليل، على خلاف دليل آخر، لعذر.
[2] للشيخ محمد بخيت المطيعى إفادات حسنة جدا فى هذا الأمر فاطلبه فى حاشيته المسماة (سلم الوصول لشرح نهاية السول) أى نهاية السول للإسنوى شرح منهاج الوصول للبيضاوى 1/ 121.
[3] قال الشيخ محمد أبو زهرة – فى باب الرخصة والعزيمة-: "هذا باب يتبع الحكم التكليفى لأن من مقتضاه أن ينتقل ما هو موضع النهى إلى مباح، أو ما هو مطلوب على وجه الحتم واللزوم إلى جائز الترك فى أمد معلوم، فهو باب بين الانتقال من حكم تكليفى إلى آخر". أصول الفقه/ أبو زهرة 50 ط. دار الفكر العربى.وقال الدكتور عبد الكريم زيدان: "العزيمة والرخصة من أقسام الحكم التكليفى؛ لأن الأول اسم لما طلبه الشارع أو أباحه على وجه العموم، والرخصة: اسم لما أباحه الشارع عند الضرورة تخفيفا عن المكلفين ودفعا للحرج عنهم، والطلب والإباحة من أقسام الحكم التكليفى، وذهب البعض إلى أن العزيمة والرخصة من أقسام الحكم الوضعى ... ولكن ما ذهب إليه الأولون هو الأظهر وهذا ما جرينا عليه" ا.هـ بتصرف الوجيز فى أصول الفقه/ د. عبد الكريم زيدان 50 ط. مؤسسة قرطبة.
[4] هكذا فى الشرح الكبير 37، والذى فى البرهان 1/ 85: (التكليف) بالإفراد.
[5] الشرح الكبير لابن قاسم العبادي 37.
-
رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات
فاستطردت قائلا: الأحكام الشرعية تنقسم إلى:
- أحكام تكليفية وهى الخمسة السابقة: الإيجاب والندب الخ.
- وأحكام وضعية والمراد بها: جعل الشئ سببا أو شرطا أو مانعا أو وصفُهُ بالصحة أو الفساد أو البطلان.
قال فى قرة العين: "الأحكام الشرعية خمسة: هى الإيجاب والندب والإباحة والكراهة والتحريم" فعلق عليه الشيخ السوسي فى حاشيته بقوله: "كان عليه أن يقول الأحكام التكليفية خمسة؛ لأن الأحكام الوضعية شرعية قطعا وهى زائدة على الخمسة هكذا ظهر لى أولا، ثم رأيت أن الحصر فى الخمسة صحيح ولا ترد الأحكام الوضعية؛ لرجوعها إليها بناءًا على رد خطاب الوضع إلى خطاب التكليف... كما هو طريقة[1] لبعضهم"[2].
إذا عرفت هذا، فينبغى أن تعرف شيئا عن هذه الأحكام الوضعية
قال: هات.
قلت: اعلم أن:
- السبب: هو ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته، مثل: دلوك الشمس سبب لوجوب صلاة الظهر، ودخول رمضان سبب لوجوب الصيام، والسفر سبب لإباحة الفطر، والقتل العمد سبب لوجوب القصاص، وغير ذلك.
= فإن ظهرت مناسبة السبب لشرعية الحكم فهو (العلة والسبب) وبعضهم يقول: (العلة) فقط: كعقد البيع الدال على الرضا بنقل الملكية.
= وإن لم تظهر مناسبته للحكم كدلوك الشمس لصلاة الظهر فهو (السبب) فقط.
- والشرط: ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته. مثل: الطهارة شرط لصحة الصلاة؛ فيلزم من عدم الطهارة عدم صحة الصلاة، لكن لا يلزم من وجود الطهارة وجود الصلاة أو عدمها أو صحتها؛ فقد تفسد الصلاة لفقد شرط آخر.
- والمانع: ما يلزم من وجوده العدم ولا يلزم من عدمه عدم ولا وجود لذاته. مثل: الأُبُوَّةُ مانعةٌ من القصاص فى القتل العمد إذا كان القاتل أبا للمقتول، وكالعِدَّةِ فإنها مانعة من صحة نكاح المرأة إذا وقع العقد أثناءها.
- والصحيح: عرفه المصنف.
- والباطل: عرفه المصنف أيضا.
قال: فما معنى النفوذ والاعتداد ؟
قلت: النفوذ: هو البلوغ إلى المقصود نحو: حِلّ الانتفاع فى البيع الصحيح، وحِلّ الاستمتاع فى النكاح الصحيح.
و(يعتد به) أى: يُعْتَبَرُ شرعا بأن أتى بالشئ على الوجه المراد للشارع مستوفيا شروطه وأركانه خاليا عن الموانع، كقولك: هذه الصلاة صحيحة مُعْتَدٌّ بها شرعا.
قال: فهل قولنا: (نافذ) و(معتد به) معناهما واحد ؟
قلت: لا، فالنفوذ فى العقود والاعتداد فى العبادات، فمثلا يقال: هذه الصلاة مُعْتَدٌّ بها، ولا يقال: نافذة. ويقال: هذا العقد نافذ، ولا يقال: مُعْتَدٌّ به[3]، وقيل: هما بمعنى واحد[4].
قال: أفهم من هذا أن الفعل إذا كان من العبادات وقيل فيه: صحيح مُعْتَدٌّ به، فالمراد أن المكلف لا يطالَب بأداء الفعل مرة أخرى، وإذا كان الفعل من المعاملات وقيل فيه: صحيح نافذ، فالمراد أنه تترتب عليه آثاره.
قلت: نعم، هو ذا.
قال: والباطل عكس ذلك.
قلت: نعم.
قال: ولكنى لا أفهم جيدا معنى قولهم:" تترتب عليه آثاره"، فما هى هذه الآثار؟
قلت: أثر المعاملة: ما شُرِعَتْ له، فالبيع شُرِعَ لِنَقْلِ الملكية، فنَقْلُ الملكية أثره، والإجارة شرعت لاستيفاء المنفعة لأحد المتعاقدين واستحقاق الأجر للآخر، فهذا أثرها[5].
وأما فى العبادات: فتترتب الآثار من ثواب الله – عز وجل – وسقوط الطلب بها بحيث لا يؤمر بالعبادة مرة أخرى، وتبرأ ذمته بفعلها، فالصلاة المكتملة بشروطها وأركانهاوواجبات ها صحيحة[6].
__________________
[1] فى المطبوعة: (طريقهم) وهو تصحيف والصواب ما أثبته.
[2] حاشية الشيخ الهدة السوسي على قرة العين شرح ورقات إمام الحرمين للحطاب المالكى 18 ط. المطبعة التونسية.
[3] شرح نظم الورقات للعَمريطى لابن عثيمين 35 ط. دار ابن الجوزى
[4] قرة العين بشرح ورقات إمام الحرمين بهامش حاشية السوسي 19 ط. المطبعة التونسية. وفيه أيضا أن " العقد فى الاصطلاح يوصف بالنفوذ والاعتداد، والعبادة توصف بالاعتداد فقط " فتأمل
[5] أصول الفقه الإسلامى/ وهبة الزحيلى/ 104 / ط. دار الفكر
[6] شرح الورقات للشيخ عبد الكريم الخضير 2/ 20، 3/2 من الشاملة بتصرف.
-
رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات
قال صاحبي: فهل الباطل والفاسد معناهما واحد ؟
قلت: الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة) على أنهما مترادفان فيقولون: مبطلات الصلاة، ومفسدات الصوم، ونواقض الوضوء[1]، ولا يفرقون بينهما إلا فى مواضع قليلة[2].
وأما الحنفية والهادوية ففرقوا بينهما فقالوا:
- الباطل: ما لم يُشْرَعْ بأصله ولا بوصفه.
مثاله فى المعاملات:
= بيع الميتة بالدم فإنهما غير قابلين للبيع[3].
= وبيع الملاقيح[4] وهى: الأجنة فى بطون الأمهات، فإن هذا البيع غير مشروع باعتبار أصله لفقدان ركن من أركانه هو (المعقود عليه)[5]، قال الإسنوى: "بيع الحمل وحده غير مشروع ألبتة وليس امتناعه لأمر عارض"[6]، وكذا من حيث الوصف؛ لأن انتفاء الذات مستلزم لانتفاء الصفات، ولأن من شرائط صحة العقد: القدرة على التسليم والقبض، وهى منتفية فيه[7].
ومثال الباطل فى العبادات: صوم الحائض وصلاتها؛ فإن صومها وصلاتها غير مشروعين، ويوجبان الإثم[8].
- الفاسد: ما شُرِعَ بأصله دون وصفه.
مثاله فى المعاملات: بيع الدرهم بالدرهمين، فإن بيع الدراهم مشروع باعتبار ذاته ولكنه غير مشروع باعتبار ما اشتمل عليه من الوصف: وهو زيادة أحد العوضين على الآخر بلا مقابل.
ومثال الفاسد فى العبادات: صوم يوم النحر، فإن الصوم مشروع باعتبار أصله، ولكنه غير مشروع باعتبار كونه يوم النحر.
قال: فما معنى (أصله) و (وصفه)
قلت: أأ
فقاطعنى قبل أن أنطق بشئ قائلا: اختصر من فضلك.
قلت: المراد من (الوصف): الشرائط، ومن (الأصل): الأركان[9].
______________________________ __________________
[1] شرح نظم الورقات لابن عثيمين 38 بتصرف.
[2] أشهر هذه المواضع موضعان:
أحدهما- فى الحج
والآخر- فى النكاح
فراجعهما فى شرح نظم الورقات لابن عثيمين 38.
وثمت مواضع أخرى ذكرها التاج السبكى فى رفع الحاجب 2/ 19 وما بعدها.
[3] رفع الحاجب 2/ 19.
[4] جمع (ملقوحة) من لُقِحَت الناقة – بالبناء للمجهول – إذا أحبلت بالولد.
[5] أصول الفقه/ أبو النور زهير/ 1/ 63- 64.
[6] نهاية السول فى شرح منهاج الأصول للإسنوى مع سلم الوصول للمطيعى 1/ 101 ط. عالم الكتب.
[7] السراج الوهاج فى شرح المنهاج للجاربردى 1/ 117 ت. أكرم بن محمد اوزيقان ط. دار المعراج الدولية.
[8] أصول الفقه/ أبو النور زهير/ 1/ 64.
[9] السراج الوهاج 1/ 117.
-
رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات
قال: بقيت مسألة هامة وهى قوله فى تعريف الواجب: "ويعاقب على تركه".فهذا معناه لزوم العقاب لكل من ترك واجبا ومن المعلوم أن هذا ليس بلازم، فيمكن أن يفعلَ العبدُ الكبيرةَ ويتركَ الواجبَ ثم يعفو الله عنه فلا يعاقبه.
قلت: نعم، وهذه المسألة تسمى – عند أهل السنة والجماعة – (مسألة الوعد والوعيد) ومَفَادُها: أن الله إِنْ وَعَدَ لا يُخلف وعدَه، وإِنْ أوعد فقد يخلف وعيده من باب فضله وكرمه[1].
قال: فكيف تُوَجِّهُ قولَه: "ويعاقب على تركه" ؟
قلت: حاصل ما أجاب به الشراح عن ذلك أن المراد من قوله: "ويعاقب على تركه" أن يوجد العقاب فى الجملة، لا أن المراد: أن كل تارك يعاقب على تركه[2]، فيُكْتَفَى فى صدق العقاب على الترك وجودُهُ لواحد من العصاة مع العفو عن غيره، أو يقال: المراد بقوله: "ويعاقب على تركه" أى: يترتب العقاب على تركه كما عبر بذلك غير واحد وذلك لا ينافى العفو عنه[3].
والأحسن فى التعريف أن يقال: (ما تُوُعِّدَ بالعقاب على تركه)
قال: ..
فقاطعته أيضا قبل أن يتكلم قائلا له: بقيت مسائل أخرى ومناقشات يمكنك أن تطلبها من مظانها، فلا يمكن أن نذكر هنا كل شئ، وإلا لَمَا انتهينا مما نحن فيه.
____________________________
[1] التحقيقات والتنقيحات السلفيات على متن الورقات/ مشهور حسن آل سلمان/ 53.
[2] حاشية السوسي على قرة العين 20.
[3] قرة العين فى شرح ورقات إمام الحرمين 20.
-
رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات
قال المصنف رحمه الله:
وَالْفِقْهُ أَخَصُّ مِنَ الْعِلْمِ.
وَالْعِلْمُ: مَعْرِفَةُ الْمَعْلُومِ عَلَى مَا هُوَ بِهِ فِي الْوَاقِعِ.
وَالْجَهْلُ: تَصَوُّرُ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ بِهِ فِي الْوَاقِعِ.
______________________________ ________
(و): الواو للاستئناف النحوى
(الفقه): مبتدأ.
والمراد به الفقه بالمعنى الاصطلاحى.
(أخص): خبر، وفيه ضمير مستتر يعود على الفقه
(من العلم): الجار والمجرور متعلق بـ (أخص)
(و): استئنافية، أو عاطفة
(العلم): مبتدأ
(معرفة): خبر، ومضاف
(المعلوم): مضاف إليه
(على): حرف جر مبني على السكون لامحل له من الإعراب
(ما): يجوز كونها :
= نكرة موصوفة أى: على وصف ووجه هو به.
= أو معرفة موصولة بمعنى الذى أى: على الوجه والوصف الذى هو به .
= وعلى كل فـ (ما) اسم مبنى على السكون فى محل جر بـ (على) والجار والمجرور متعلق بمحذوف حال من (المعلوم) أى معرفة المعلوم حالة كونه كائنا على ما هو به .
(هو): مبتدأ
(به): الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر، والتقدير: ملتبس به أى: بذلك الوجه.
(فى الواقع): الجار والمجرور متعلق بالمحذوف الذى تعلق به قوله: "به" السابق وتقدير الكلام: على الوجه الذى هو (أى ما من شأنه أن يعلم) ملتبس به (أى بذلك الوجه) فى الواقع .
والجملة من المبتدإ والخبر وما تعلق بهما فى محل جر صفة لـ (ما) إن جعلتها نكرة موصوفة، أو لا محل لها من الإعراب صلة لـ (ما) إن جعلتها معرفة موصولة.
(و): استئنافية أو عاطفة
(الجهل): مبتدأ
(تصور): خبر، ومضاف
(الشئ): مضاف إليه
(على خلاف): الجار والمجرور متعلق بمحذوف حال من (الشئ)؛ أي تصور الشيء حالة كونه كائنا على خلاف، و(خلاف) مضاف
(ما): اسم مبنى على السكون فى محل جر مضاف إليه وهى إما نكرة موصوفة أو معرفة موصولة كما تقدم
(هو به فى الواقع): إعرابه يعرف مما تقدم
-
رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات
[قال صاحبي]
قال صاحبي: قد عَرَّفْتَ الاستئناف النحوى فيما سبق بأن معناه: وقوعه أول كلام بعد تقدم جملة مفيدة من غير ارتباطه بها لفظا.
قلت: نعم
قال: أرأيت وقوعه أول كلام من غير أن يتقدم عليه شئ؟
فقلت له: أنى لكَ هذه الفصاحة ؟!
قال: أَجِبْنِي.
قلت: هذا شئ غير موجود فى كلام العرب، ولم يقع فى كلام أهل الأدب[1].
قال: ذكرتَ أن الواو فى قوله: "والعلم معرفة المعلوم" استئنافية أو عاطفة.
قلت: نعم.
قال: فما الجامع بين المعطوفين إن جعلتها عاطفة؟
قلت: الجامع بينهما البيان، أى: التعريف لبيان مفهوم الشئ.
قال: لا يجوز أن تكون الواو هنا للعطف.
قلت: ولِمَ ؟
قال: لأن العطف من التوابع.
قلت: وما ذاك ؟
قال: أليس التابع هو: الاسم المشارك لما قبله فى إعرابه مطلقا، أو : كل ثانٍ بإعراب سابقه من جهة واحدة ؟
قلت: بلى، وأى شئ فى هذا ؟
قال: فيه عدم صدق التابع على ما هنا لعدم الإعراب فى كِلا المعطوفين.
قلت: التعريف المذكور ليس لمطلق التوابع بل لتوابع الاسم، ولو سلمنا بأنه لمطلق التوابع فهو باعتبار الأصل الأغلب، وأجاب الشُّمُنِّى على هذا بأن المراد به التابع اللغوى لا الاصطلاحى الذى لا بد أن يكون لمتبوعه محل من الإعراب، أو أن إطلاق التابع عليه مجاز علاقته المشابهة.
قال: فما فائدة العطف فيما لا محل له من الإعراب؟
قلت: فائدته التشريك والجمع بين مضمونَىِ الجملتين فى التحقق بحسب نفس الأمر.
قال: لا نسلم بذلك؛ فإن اجتماعهما واشتراكهما فى ذلك التحقق معلوم بدون الواو؛ لدلالة الجملتين على تحقق مضمونيهما فى الواقع فيجتمعان فيه قطعا.
فسكتُّ.
قال: كأنك لم تفهم شيئا، فلو شئتَ أن أوضحَه لك بمثال فعلتُ.
قلت: قد شئتُ ذلك.
قال: لو قلت: (زيد قائم وعمرو قاعد)لم تكن الواو فيه عاطفة لأنك قد علمت تحقق مضمونَيِ الجملتين فى الواقع أي:(قيام زيد وقعود عمرو) بدون العطف فكان الصواب أن الواو هنا ليست للعطف بل للاستئناف أو زائدة لتزيين اللفظ.
قلت: كأنى بك تحسب أنك قد أتيتَ بالأَبْلَقِ العَقوقِ أو بَيْضِ الأنوق[2]، فاسمع جواب ما ذكرت.
قال: هاتِ.
قلت: ما ذكرتَه من دلالة الجملتين على تحقق مضمونيهما فى الواقع إنما هو بدلالة عقلية، وهى ربما لم تكن مقصودة، ولكن بالعطف تعين القصد إلى بيان الاجتماع بينهما.
قال: ولِمَ تعين ذلك بالعطف ؟
قلت: لأن العطف يدل على الجمع دلالة وضعية أى أنه موضوع لذلك، فبهذا تتقوى الدلالة العقلية التى ذكرتَها بالدلالة الوضعية للعطف، ويندفع أيضا توهم الإضراب عن الجملة الأولى بالثانية.
______________________________ ________
[1] معرب الكافية 13.
[2] الأبلق: الذَّكَرُ من الخيل، والعَقوق الأنثى الحَامِل؛ فلا يقال: الأبلق العقوق لأن الذَّكَرَ لا يكون حاملا، وهو مثل يضرب للشئ المحال، والعرب كانت تسمى الوفاء (الأبلق العقوق) لعزة وجوده، والأنوق: الرخمة وهى نوع من الطير تبيض فى أعالى الجبال فلا يوصل إلى بيضها، يضرب للشئ البعيد المنال. وزعموا أن رجلا أتى معاوية رضى الله عنه فقال له: زوجنى هندا (يعنى أم معاوية) فقال: لا أَرَبَ لها فى زوج، قال: فوَلِّني كذا، فأنشد معاوية:
طلب الأبلق العقوق فلما *** لم يَجِدْه أراد بيض الأنوق
يعنى: طلب أمرا محالا فلما أعجزه طلب أمرا بعيدا لا يناله.
-
رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات
قال صاحبى: دع هذا وأخبرنى لِمَ كان الفقه أخص من العلم كما ذكر المصنف؟
قلت: لأن الفقه هو: معرفة الأحكام الشرعية فقط، بخلاف العلم فإنه يطلق على العلم بالفقه والنحو والحديث وغيرها فكان الفقه نوعا منها ولهذا يقال: (كل فقه علم) ولا يقال: (كل علم فقه)[1].
قال: فقد عرَّف العِلْمَ هنا، لكن ذكر فى البرهان أنه لا يُحَدُّ نظرا لعسر حَدِّهِ وإنما يُعرف بالتقسيم والمثال[2].
قلت: اختلف العلماء فى العلم هل له حَدٌّ أو لا؟ فالأكثرون على أن له حدا، وبعضهم ذهب إلى أنه لا يُحَدُّ، فجرى المصنف هنا على رأى الأكثرين؛ لأن تعريف الشئ يجعله أقرب للتصور فى النفس وهذا يناسب المبتدئ المقصود بهذا الكتاب فهو يريد أن يبين له بعض التعريفات التى تدور فى اصطلاح الأصوليين حتى يستطيع تصورها فإذا ما شب عن الطوق أمكنه أن يناقش المسألة بعد تصورها، أما لو تجاوز مرحلة البداية من غير أن يتصور بعض هذه المسائل ثم أراد أن يناقش مسألة العلم مثلا هل له حد أو لا؟ فإنه لا يدرى ما هو العلم بل يشعر به شعورا مبهما لا يكاد يصل إلى درجة التصور، فكيف يقال له: العلم لا يُحَدُّ؟ فكان المناسب هنا وهو يخاطب المبتدئ أن يجرى على رأى الأكثرين فى تعريفه لِمَا سبق وأما فى البرهان فإنه يجرى على ما وقع عليه اختياره لأنه لا يلاحظ هناك (فى البرهان) ما يلاحظه هنا (فى الورقات) وهو مخاطبة المبتدئ الذى يريد أن يقرب له بعض المصطلحات فتأمل.
قال: فقد عرَّف العلم بأنه: "معرفة المعلوم على ما هو به فى الواقع" وهذا غير واضح معناه لى، فما هى المعرفة؟ وما هو المعلوم؟ وما قوله:"على ما هو به" ؟ وما هو (الواقع) ؟
قلت: المراد بالمعرفة: الإدراك
قال: وما الإدراك ؟
قلت: هو: وصول النفْس إلى المعنى بتمامه من نسبة أو غيرها.
قال: لماذا توضح الشئ بما هو أعقد منه فى كل مرة
قلت: ما ذكره الشيخ هنا يسمى مقدمة منطقية وما سيذكره بعدها من الحقيقة والمجاز وغيرهما من أبواب اللغة يسمى مقدمة لغوية فلا علينا لو تجاوزناهما سريعا فإنه لا يصلح التفصيل فيهما للمبتدئ
قال: قد كان يمكن هذا لو فعلته أولا، أمَا وقد عرَّفت المعرفة بما هو أعقد منها وهو الإدراك ثم عرَّفت الإدراك بما سبق ثم تريد أن تتركنى هاهنا من غير أن تبين لى معنى هذا الكلام فلا
قلت: فيكفيك توضيح ما سبق بمثال ثم نتجاوزه
قال: حتى أرى.
قلت: المراد من قوله:"العلم: معرفة المعلوم على ما هو به فى الواقع" أن تَعْرِفَ الشئ على حقيقته الصحيحة التى هو عليها فى الواقع وتتصوره على ما هو عليه، فلو تصورت الشئ على ما هو عليه فالذى حصَّلتَه يسمى علما، يعنى: إذا اعتقدت وعرفت أن صلاة الفجر مثلا ركعتان، فما تصورته علمٌ.
واعلم أن ها هنا إشكالات كثيرة ومباحث طويلة أكثرها يتعلق بالمنطق فلا نطيل بذكرها.
______________________________ ___
[1] الأنجم الزاهرات 97.
[2] البرهان 1/ 115- 123. وقد ذكر ص119 تعريف العلم كما ذكره هنا ونسبه للقاضى أبى بكر الباقلانى ورده كما رد غيره.
-
رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات
وأما الجهل فقد عرَّفه بقوله : "وَالْجَهْلُ: تَصَوُّرُ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ بِهِ فِي الْوَاقِعِ" كأن تعتقد أن صلاة الفجر ثلاث ركعات، وكأن تظن أن هذا الشخص رجلا وهو امرأة.
قال: أسمع كثيرا قولهم: هذا جهل مُرَكَّبٌ فما معناه ؟
قلت: قد كنت أنوى تركه لما سبق، أمَا وقد ذكرته فاعلم أن الجهل ينقسم إلى: بسيط ومركب، ولكن على تعريف المصنف يخرج الجهل البسيط، وأما المشهور فى هذا فهو أن الجهل ينقسم إلى قسمين:
1- جهل بسيط: وهو عدم الإدراك بالكلية
2- جهل مركب: وهو إدراك الشئ على خلاف ما هو عليه
مثال ذلك: لو سَأَلْنَا رجلا: متى كانت غزوة بدر ؟
فقال: لاأدرى
فهذا جهل بسيط
وسألنا آخر فقال: فى السنة العاشرة.
فهذا جهل مركب؛ لأنه أدرك الشئ على خلاف ما هو عليه؛ إذ إنها كانت فى السنة الثانية للهجرة
قال: فلماذا كان الأول بسيطا ؟
قلت: لأنه جهلُ واحدٍ لا يعلم شيئا
قال: ولماذا كان الآخر مركبا ؟
قلت: لأنه جهل بالواقع وجهل بالحال، فهذا المتكلم جاهل بحاله يحسب أنه على علم وليس على علم فلهذا كان مركبا من جهلين: لا يدرى، ولا يدرى أنه لا يدرى.
قال: وأيهما أقبح الجهل البسيط أم المركب ؟
قلت: المركب لا شك أنه أقبح.
قال: فهذا يذكرنى بقصة توما الحكيم
قلت: وما هى ؟
قال: يُذْكَرُ أن رجلا يُسَمَّى (توما) يزعم أنه حكيم يتعاطى الحكمة، لكنه يفتى بغير علم، من جملة ما يفتى به يقول: تصدقوا ببناتكم على مَنْ لم يتزوج يظن أن هذا خير، وفى هذا يقول الشاعر:
ومَنْ نال العلوم بغير شيخ ** يَضِلُّ عن الصراط المستقيمِ
وتلتبس العلومُ عليه حتى ** يكون أضلَّ من توما الحكيم
تصدق بالبنات على رجال ** يريد بذاك جناتِ النعيم
قلت: صدق الشاعر، ما كان أضل توما الحكيم.
قال: وكان له حمارٌ قيل فيه:
قال حمارُ الحكيمِ توما ** لو أنصفَ الدهرُ كنتُ أَرْكَبْ
لأننى جاهل بسيط ** وصاحبى جاهلٌ مُرَكَّب
(انظر شرح نظم الورقات لابن عثيمين 44- 45)
قلت له: أحسنت
قال: ما أحسن قول المصنف فى تعريف العلم: "معرفة" وفى تعريف الجهل: "تصور"؛ إذ الجهل ليس بمعرفة وإنما هو حصول شئ فى الذهن، والخطأ إنما هو فى حكم العقل فمثلا إذا رأى شبحا من بعيد فظنه إنسانا وحصل فى ذهنِهِ صورة إنسان وكان الواقع أنه فرس، فتلك الصورة التى حصلت فى ذهنه صورة إنسان وإدراك له، والخطأ ليس فيها إنما هو فى الحكم بأن هذه الصورة للشبح المرئى، فالصورة التى تصورها مطابقة (لذوي الصِّوَرِ) وعدم المطابقة فى أحكام العقل المقارنة لها. (انظر شرح الورقات لابن إمام الكاملية 99)
قلت: ما شاء الله، أحسنت.
-
رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات
قال المصنف رحمه الله تعالى:
وَالْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ: مَا لَمْ يَقَعْ عَنْ نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ: كَالْعِلْمِ الْوَاقِعِ بِإِحْدَى الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ الظَّاهِرَةِ، وَهِيَ: السَّمْعُ، وَالْبَصَرُ، وَالشَّمُّ، وَالذَّوْقُ، وَاللَّمْسُ؛ أَوْ بِالتَّوَاتُرِ.
وَأَمَّا الْعِلْمُ الْمُكْتَسَبُ: فَهُوَ الْمَوْقُوفُ عَلَى النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَا لِ.
______________________________ ______
(وَ): استئنافية أو عاطفة
(الْعِلْمُ): مبتدأ
(الضَّرُورِيُّ): صفة للعلم وصفة المرفوع مرفوعة.
(مَا): معرفة تامة خاصة بمعنى (العلم) أى: الضروريُّ عِلْمٌ لم يقع الخ وهى اسم مبنى على السكون فى محل رفع خبر.
(لَمْ): حرف نفى وجزم وقلب
(يَقَعْ): فعل مضارع مجزوم بـ (لم) والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على (ما) والجملة فى محل رفع نعت لـ (ما).
(عَنْ نَظَرٍ): الجار والمجرور متعلق بمحذوف حال من فاعل (يقع) والتقدير: (ما لم يقع ناشئا عن نظر)
(وَاسْتِدْلَالٍ) : معطوف على (نظر)
(كَالْعِلْمِ): الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف والتقدير: (وذلك كائن كالعلم) فـ (ذلك) مبتدأ و(كائن) خبر وهو الذى تعلق به (كالعلم)
(الْوَاقِعِ): نعت لـ (العلم) مجرور مثله.
(بِإِحْدَى): الباء حرف جر مبني على الكسر لا محل له من الإعراب و(إحدى) مجرور بالباء وعلامة جره كسرة مقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر، والظرف متعلق بمحذوف نعت لـ (العلم).
ولا يجوز أن يكون (ظرفًا لغوًا) متعلقا بـ (العلم) فإنه يكون هو المعلوم فى هذه الحالة كما صرح بذلك ابن قاسم العبادي والشيخ الهدة السوسي1.
ولم يشر أحد من الشراح إلى جواز كونه (ظرفا لغوا) متعلقا بـ (الواقع) والذى يظهر لى جوازه فتأمل والله أعلم.
و(إحدى) مضاف.
(الْحَوَاسِّ): مضاف إليه، وهى جمع (حاسَّة) بمعنى القوة الحساسة.
(الْخَمْسِ): نعت للحواس.
(الظَّاهِرَةِ): نعت ثان للحواس.
_________________________
1- الشرح الكبير لابن قاسم العبادي 86، وحاشية السوسي على قرة العين للحطاب 31.
-
رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات
(وَ): الواو للاستئناف البيانى فكأن قائلا قال له: وما الحواس الخمس الظاهرة فقال: وهى السمع الخ
(هِيَ): مبتدأ، ضمير مبنى على الفتح فى محل رفع
(السَّمْعُ): وما عطف عليه خبر
(وَالْبَصَرُ، وَالشَّمُّ، وَالذَّوْقُ، وَاللَّمْسُ):كل واحد منها معطوف على (السمع) والمعطوف على المرفوع مرفوع.
(أَوْ): حرف عطف
(بِالتَّوَاتُرِ): الجار والمجرور معطوف على (بإحدى) من قوله: "كالعلم الواقع بإحدى الحواس"
(وَ): عاطفة
(أَمَّا): حرف تفصيل وتوكيد فيه معنى الشرط، لكنه لم يُرِدْ به هنا شيئا من ذلك بل هو حرف زائد.
(الْعِلْمُ): مبتدأ
(الْمُكْتَسَبُ): نعت لـ (العلم)
(فَـ): واقعة فى جواب (أمَّا) وتسمى (فاء الجزاء)
(هُوَ): مبتدأ
(الْمَوْقُوفُ): خبر، والجملة من المبتدإ والخبر وما تعلق بهما فى محل رفع خبر (العلم)
(عَلَى النَّظَرِ): الجار والمجرور متعلق بـ (الموقوف)
(وَالِاسْتِدْلَ لِ): معطوف على (النظر)
-
رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات
اقتباس:
فَـ): واقعة فى جواب (أمَّا) وتسمى (فاء الجزاء)(هُوَ): مبتدأ(الْمَوْقُوفُ): خبر، والجملة من المبتدإ والخبر وما تعلق بهما فى محل رفع خبر (العلم)
لعل الأولى هنا أن نقول: الخبر محذوف للعلم به والتقدير: (وأما العلم المكتسب فنقول هو الموقوف ... الخ) (فالقول) المحذوف هو الخبر، وجملة (هو الموقوف ... الخ) في محل نصب مقول القول، وذلك لأن حذف القول من الكلام كثير مطردوالله أعلمالمعنى: العلم الحادث وهو علم المخلوق ينقسم إلى قسمين: علم ضروري وعلم مكتسب: فالعلم الضروري: ما لايمكن للإنسان دفعه عن نفسه ولا يمكنه إنكاره: كالعلم الحاصل بالسمع أو البصر وباقى الحواس الخمس الظاهرة مثال ذلك: = أن تكون مضطرا إلى التصديق بأن الذى أمامك فلان من الناس= ومنه أن تسمع صوت صهيل فرس فتعلم أنه صوته = أو تمس جسما فتعلم أنه ناعم أو خشن= أو تشم رائحة فتعلم أنها طيبة أو كريهة = أو تذوق طعاما فتعلم أنه حلو أو حامض وهكذا. ومن أمثلة العلم الضرورى: العلم المستفاد بالتواتر بمعنى إخبار جماعة كبيرة من الناس يستحيل تواطؤهم على الكذب وذلك مثل أن يعلم مَنْ لم يذهب إلى مصر أن هناك بلدا تسمى مصر وإن لم يرها. ومن العلوم الضرورية العلم الحاصل ببديهة العقل : كالعلم بأن الكل أعظم من الجزء وأن النفى والإثبات لا يجتمعان.وأما العلم المكتسب ويسمى (النظرى) أيضا: فهو الذى يحتاج إلى نظر وتأمل وإقامة دليل وذلك مثل: معرفة كثير من أحكام الفقه نحو: المذى نجس، وطواف الوداع واجب وغير ذلك. ومثل: الرياضيات والكيمياء والطب وغيرها من العلوم فمثلا معرفة أن مجموع زوايا المثلث مائة وثمانون درجة هذه حقيقة صحيحة لكنها غير معلومة لكل الناس ولا تحصل بالاضطرار بل لابد لمعرفتها إلى شئ من النظر.
-
رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو معاذ إبراهيم الشناوي
لعل الأولى هنا أن نقول: الخبر محذوف للعلم به والتقدير: (وأما العلم المكتسب فنقول هو الموقوف ... الخ) (فالقول) المحذوف هو الخبر، وجملة (هو الموقوف ... الخ) في محل نصب مقول القول، وذلك لأن حذف القول من الكلام كثير مطردوالله أعلم
سألني أحد الإخوة الكرام عن وجه الأولوية فيما سبق فلما أعدتُ النظر في هذا الاستدراك لم أجد وجها للأولوية المزعومة بل رأيتُ أن الأَوْلَى هو الإعراب الأول: وهو أن الجملة من المبتدإ والخبر في محل رفع خبر، وأما أن الخبر قولٌ محذوف والجملة مقول القول فهذا فيه تكلف في هذا الموضع ثم رجعت إلى ما كتبته في هذا الموضع وإلى سؤالات صاحبي فلم أجد هذا الاستدراك فيه بل محله في موضع آخر وذلك عند قوله :"فأما أقسام الكلام فأقل ما يتركب منه الكلام اسمان ...الخ". فالفاء في قوله :"فأقل" داخلة على قول محذوف كما صرح بذلك ابن قاسم العبادي في الشرح الكبير، ووجه ذلك أنك لو جعلت (أقسام الكلام) مبتدأ، و(أقل ما يتركب منه الكلام اسمان) خبر لم يكن شيئا فإن صورته هكذا: (أقسام الكلام أقل ما يتركب منه الكلام اسمان) فالخبر أجنبي عن المبتدإ فلهذا كان الخبرُ في هذا الموضع قولا محذوفا وجملة (أقل ما يتركب منه الكلام اسمان) مقول القولفهذا موضع قد اشتبه عليَّ فأعربته أولا على الجادة ثم استدركته خطأً ثم كان هذا الاستدراك الثاني ناسخا للاستدراك الأول ومُثَبِّتٌ للإعراب الأول فلزم التنبيه على ذلك إبراءً للذمةوالله ولي التوفيق
-
رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات
[قال صاحبى]
قال صاحبى: لماذا قلتَ: (السمعُ) وما عطف عليه خبر؟
قلت: لأن المبتدأ (هي) مصدوقه جمع لأنه يعود على (الحواس الخمس) وهي جمع، و(السمع) مفرد ولابد من التطابق بين المبتدإ والخبر فلهذا قلت: السمع وما عطف عليه خبر
قال: ذكرتَ: أن (ما) فى قوله: "ما لم يقع" معرفة تامة خاصة بمعنى (العِلْم).
قلت: نعم.
قال: ولم تذكر جواز كونها نكرة موصوفة فلعلك غفلت عن هذا
قلت: لا، لم أغفل عنه لكنْ لا يصح أن تكون (ما) هنا نكرة موصوفة كما ذكرتَ.
قال: ولِمَ ؟
قلت: لأنها حينئذ تقدر بكلمة (شئ) فيكون التقدير: (العلم الضروريُّ شئٌ لم يقع عن نظر واستدلال)
قال: وأي شئ فى ذلك ؟
قلت: فيه أن التعريف يكون غير مانع؛ لأنه يتناول الظن والتقليد فى الجملة ولا يسمى واحدا منهما علما مع أنه يَصْدُقُ على كل منهما: (شئ لم يقع عن نظر واستدلال)، فالصواب أن (ما) هنا معرفة تامة بمعنى (العلم).
قال: حسنا، ولكن لِمَ لَمْ تجعلها معرفة ناقصة؟
قلت: هذا ضعيف أيضا أن تكون (ما) هنا معرفة ناقصة موصولة بمعنى (الذى) لأنها حينئذ تكون نعتا لـ (الضرورى)
قال: وماذا في هذا أيضا؟
قلت: فيه أن التقدير يكون حينئذ: (العلم الضرورى: العلم الذى لم يقع الخ) فحذف المنعوت (العلم) وأقام النعت - (ما) بمعنى الذى - مقامه وهذا لا يجوز، أو ضعيف
قال: ولِمَ ؟
قلت: لأن (ما) بمعنى (الذى) لا تكون نعتا للمعارف بخلاف (الذى) فإنه يكون نعتا للمعارف كما نص على ذلك أبو حيان[1].
قال: لماذا قلت: إن (أَمَّا) فى قوله: "وأما العلم المكتسب الخ" حرف زائد، ولم ترض أن يكون حرف تفصيل وتوكيد وشرط؟
قلت: أما التفصيل فلم يُرِدْهُ هنا وإلا لذَكَرَهُ فى بداية الموضع الذى بدأ التفصيل فيه وهو قوله:"والعلم الضرورى ... الخ"، والتفصيل غالب حال (أما) كما فى المغنى، وليس بلازم لها كما فى الدسوقى[2].
وأما التأكيد فغير مراد أيضا لأنه فى مقام ذِكْرِ حَدٍّ وتعريفٍ لشئ ولا يستدعى هذا المقامُ تأكيدا، فتأمل.
وليس حرف شرط أيضا كما ذكر المحققون بل فيه معنى الشرط للزوم الفاء فى جوابه.
بقى أنه زائد وهو الظاهر
قال: فما سبب زيادته هنا ؟
قلت: سبب زيادته هنا نفى توهم عطف قوله:[color="#0000cd"] "والعلم المكتسب" [/color]على قوله:"العلم الواقع بإحدى الحواس" إذِ الصحيح أنه معطوف على قوله: "العلم الضرورى" لأنه قسَّمَ العلم إلى قسمين: ضرورى ومكتسب فلما ذَكَرَ العلم الضرورى وطال الفصل زاد (أمَّا) لبيان أنه بصدد الحديث عن القسم الثانى من أقسام العلم، فتأمل،
والله أعلم.
______________________________ _____
[1] البحر المحيط 4/ 80- 81 ت. عادل عبد الموجود وآخرون ط. دار الكتب العلمية، و (ما) فى القرآن الكريم دراسة نحوية /14/ عبد الجبار فتحى زيدان ط. مكتبة الجيل العربى
[2] حاشية الدسوقى على مغنى اللبيب 1/ 81 ط. دار الطباعة.
-
رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات
قال: أرأيت قولَه: "كالعلم الواقع بإحدى الحواس الخ" أليس قوله: "الواقع" حشوا؟
قلت: ولِمَ ؟
قال:: ألست قد ذكرتَ قبلُ أن بناء المتون على الاختصار ؟
قلت: بلى.
قال:: فلو قال هنا: "العلم الضرورى ما لم يقع عن نظر واستدلال كالعلم بإحدى الحواس الخمس" كان أوجز، أليس كذلك ؟
قلت: نعم، ليس كذلك.
قال:: ولِمَ ؟
قلت: : قد قَدَرْتَ على الجواب، فأخبرنى: لماذا حذفت قوله: "الظاهرة" فلم تقل: "الحواس الخمس الظاهرة" وقد ذكرتَ التعريفَ كله وكان يمكنك ذكر موضع السؤال فقط؟
قال:: وقد لاحظت ذلك ؟
قلت: : نعم، لاحظته.
قال:حذفتها لأنها حشو أيضا، ولا فائدة من الوصف بها؛ لأن المصنف بيَّن الحواس بقوله الآتى: "وهى السمع الخ" فلم يتناول كلامه الحواس الباطنة ليحتاج إلى إخراجها بهذا الوصف.
قلت: قد كنت أعلم أنك تظن ذلك فاسمع جواب ما ذكرت.
قال:هات.
قلت: : أما لفظ (الواقع) فإنه زاده لئلا يُتَوَهَّمَ أن المعلوم هو قوله: "بإحدى" فيكون قوله: "كالعلم بإحدى الحواس" محتملا أن يكون معناه: أن يكون عند الشخص علم ومعرفة بإحدى هذه الحواس، يعني أنه يعرف إحدى هذه الحواس ومقابل ذلك أنه يجهل هذه الحواس فلا يعرفها، وليس هذا المراد بل المراد أن هذه الحواس هي الآلة التي يحصل العلم بواسطتها.
وأما قوله: "الظاهرة" فقد احترز به عن الحواس الخمس الباطنة التى يثبتها الفلاسفة، ففائدة النص على (الظاهرة) التنبيه على أن ثمت حواس أخرى باطنة لمن لا يعرفها وأما من يعرفها فإنه يخبره أن هذه الحواس الباطنة ليست مما يشمله التعريف، فنبَّهَ واحترز بقوله: "الظاهرة" ومنع من الالتباس وسوء الفهم بقوله: "الواقع".
قال:: ياله من إمام ! لله درُّه ! ما كنت أحسبه بهذه الدقة فى هذا الكتاب من كثرة ما قرأت من تعقبات عليه
قلت: : رحمه الله.
قال:: فالحواس الخمس الظاهرة هى التى ذكرها بقوله: "وهى السمع والبصر الخ"
قلت: : نعم
قال:فما هى الحواس الخمس الأخرى الباطنة
قلت: هذا كلام يذكره الحكماء والفلاسفة ولا فائدة فيه
قال:فأخبرنى وأوجز فقد تشوفت إلى معرفتها.
قلت: لا بأس، الحواس الخمس الباطنة هى :
الأولى- الحس المشترك: وهى القوة التى ترتسم فيها صور الجزئيات المحسوسة بالحواس الخمس الظاهرة.
الثانية- الخيال: وهى القوة التى تحفظ الصور المرتسمة فى (الحس المشترك) فهى كالخزانة له.
الثالثة- الواهمة: وهى القوة التى تدرك بها المعانى الجزئية كالعداوة التى تدركها الشاة من الذئب والمحبة التى تدركها الشاة من أمها.
الرابعة – الحافظة: وهى القوة التى تدرِك المعانى التى يدركها الوهم كالخزانة لهم.
الخامسة – المُتَخَيِّلَة: وهى القوة المتصرفة فى الصور التى تأخذها من الحس المشترك والمعانى التى تأخذها من الوهم بالتركيب والتفريق، وتسمى المفكِّرة[1].
قال: أما أنت فجزاك الله خيرا، وأما أنا فلم أفهم شيئا.
فضحكتُ وقلت قد أخبرتك أنها لا فائدة لها
______________________________
[1] الشرح الكبير لابن قاسم العبادي 87، وحاشية السوسي على قرة العين 37- 38 وفي الأخير زيادة إيضاح.
-
قال صاحبي: لماذا مثل المصنف للعلم الضرورى بالعلم المدرك بالحواس وترك الذى ببديهة العقل ؟
قلت: لأن العلم الواقع بالحواس محل خلاف فأراد أن ينص عليه وأما الذى ببديهة العقل فمتفق عليه، وقد أشار بقوله: "كالعلم الواقع بإحدى الحواس الخمس" إلى أن العلم الضرورى غير منحصر فيما ذكره[1].
فأراد أن يتكلم فأشرت إليه أن اسكت.
ثم استطردت قائلا: ذهب الشيخ أبى الحسن الأشعرى إلى أن ما يدرك بالحواس يسمى علما، وذهب الجمهور إلى أن الإحساس غير العلم؛ لأنا إذا علمنا شيئا علما تاما ثم رأيناه وجدنا بين الحالتين فرقا ضروريا.
فأجاب الشيخ عنه: بأن هذا لا يمنع كونه نوعا من العلم مخالفا لسائر أنواعه[2].
قال: فلماذا انقسم العلم إلى ضرورى ومكتسب ؟
قلت: لأنه لو كان الكل ضروريا لما احتجنا إلى تحصيله، ولو كان كسبيا لدار وتسلسل[3].[4]
قال: يقولون: العلم ينقسم إلى تصور وتصديق.
قلت: نعم، وذلك أن إدراك الشئ إن خلا عن الحكم عليه بنفى أو إثبات فتصوُّر وإلا فتصديق[5].
قال: لو زدت الأمر بيانا
قلت: التصور: هو إدراك معنى المفرد من غير تعرض لإثبات شئ له ولا لنفيه عنه: كإدراك معنى اللذة والألم، ومعنى الإنسان ومعنى الكاتب ومعنى الشجر ونحو ذلك.
فإدراك كل مفرد مما ذكرنا ونحوِهِ – أى فهم المعنى المراد من ذلك المفرد – من غير تعرض لإثبات شئ له ولا لنفيه عنه يسمى (تصورا).
والتصديق: إثبات أمر لأمر بالفعل أو نفيه عنه بالفعل، وهو الإسناد الخبرى عند البلاغيين ، والجملة الاسمية أو الفعلية عند النحويين، نحو: (الكاتب إنسان) فإدراك معنى الإنسان فقط تصور ومعنى الكاتب فقط تصور، وإدراك كون الإنسان كاتبا بالفعل أو ليس كاتبا بالفعل تصديق[6].
______________________________ ______________
[1] غاية المأمول فى شرح ورقات الأصول 100 للشهاب الرملى ت. عثمان يوسف حاجى ط. مؤسسة الرسالة.
[2] شرح الورقات لابن إمام الكاملية 100، وغاية المأمول 99.
[3] الدور هو: توقف الشئ على ما يتوقف عليه وهو نوعان: الدور المصرح: وهو ما كان توقفه بمرتبة واحدة كأن يتوقف (أ) على (ب) وبالعكس، والدور المضمر: وهو ما كان توقفه بمراتب كأن يتوقف (أ) على (ب) و(ب) على (ج) وهكذا.
وأما التسلسل فهو ترتيب الأمور بطريقة غير متناهية، أو هو: أن يستند وجود الممكن إلى علة مؤثرة فيه، وتستند هذه العلة إلى علة مؤثرة فيها، وهى إلى علة ثالثة مؤثرة فيها وهكذا تسلسلا مع العلل دون نهاية.
[4] شرح الورقات لابن إمام الكاملية 101، وغاية المأمول 100.
[5] غاية المأمول 101.
[6] آداب البحث والمناظرة 1/ 11- 12 محمد الأمين الشنقيطى ت. سعود العريفى ط. دار عالم الفوائد، وشرح الفوزان على الورقات هامش رقم (1) ص27.
-
قال المصنف رحمه الله تعالى
وَالنَّظَرُ: هُوَ الْفِكْرُ فِي حَالِ الْمَنْظُورِ فِيهِ.
وَالِاسْتِدْلَا لُ: طَلَبُ الدَّلِيلِ.
وَالدَّلِيلُ: هُوَ الْمُرْشِدُ إِلَى الْمَطْلُوبِ.
وَالظَّنُّ: تَجْوِيزُ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَظْهَرُ مِنَ الْآخَرِ.
وَالشَّكُّ: تَجْوِيزُ أَمْرَيْنِ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ.
_________________
(وَ): للاستئناف البيانى فإنه لما عرَّف العلم المكتسبَ: بأنه الموقوف على النظر والاستدلال، فكأن قائلا قال له: وما النظر والاستدلال؟ فقال: والنظر كذا والاستدلال كذا.
(النَّظَرُ): مبتدأ
(هُوَ): ضمير فصل على الأصح لا محل له من الإعراب
(الْفِكْرُ): خبر
(فِي حَالِ): الجار والمجرور متعلق بـ الخبر (الفكر) أو بمحذوف حال منه أى: (النظر: هو الفكر حالة كونه كائنا فى حال الخ) وقوله: "حال" مضاف
(الْمَنْظُورِ): مضاف إليه
(فِيهِ): متعلق بـ (المنظور)
(وَ): عاطفة
(الِاسْتِدْلَال ): مبتدأ
(طَلَبُ): خبر، وهو مضاف
(الدَّلِيلِ): مضاف إليه
(وَ): للاستئناف البياني
(الدَّلِيلُ هُوَ الْمُرْشِدُ إِلَى الْمَطْلُوبِ): مثل (والنظر هو الفكر الخ)
(وَ): للاستئناف النحوى
(الظَّنُّ): مبتدأ
(تَجْوِيزُ): خبر، وهو مضاف
(أَمْرَيْنِ): مضاف إليه مجرور وعلامة جره الياء لأنه مثنى، وأصل الكلام على تقدير مضاف محذوف أى: (تجويز وقوع أمرين)، أو على تقدير مضافين وجارٍّ والتقدير: (تجويز وقوعِ كلٍّ من أمرين) وهذا الأخير هو الذى ذكره ابن قاسم فى الشرح الكبير[2] واقتصر عليه لشموله، فتأمل.
(أَحَدُهُمَا): (أحدُ): مبتدأ، وأصله مضاف إليه أى: (وقوع أحدِهما) كما قدره ابن قاسم[3] فحذف المضاف (وقوع) وأقام المضاف إليه (أحد) مقامه، وقضيته: أنه بدل من (أمرين) بدل بعض من كل لأن التقدير قبل الحذف (تجويز وقوع أمرين وقوع أحدهما الخ) فتأمل، و(أحد) مضاف والهاء ضمير مبنى على الضم فى محل جر مضاف إليه والميم حرف عماد والألف علامة التثنية
(أَظْهَرُ): خبر إن كان ما قبله (أحد) مبتدأ
أو نعت لـ (أحد) إن جعلته بدلا. وفيه ضمير مستتر وجوبا هو فاعله.
(مِنَ الْآخَرِ): متعلق بـ (أظهر)، وأصله أيضا (أظهر من وقوع الآخر) فحدث فيه ما سبق من حذف المضاف الخ، والجملة من المبتدإ والخبر وما تعلق بهما فى محل جر نعت لـ (أمرين)، إن جعلت (أحدهما أظهر) مبتدأ وخبرا) وإلا فهما تابعان كما سبق
(وَالشَّكُّ تَجْوِيزُ أَمْرَيْنِ): يعرف إعرابه مما سبق
(لَا): نافية للجنس
(مَزِيَّةَ): اسم (لا) مبنى على الفتح لا محل له من الإعراب والخبر محذوف والتقدير: لا مزية موجودة.
(لِأَحَدِهِمَا): الجار والمجرور متعلق بـ (مزية) و(أحد) مضاف والضمير مضاف إليه كما تقدم
(عَلَى الْآخَرِ): متعلق بالخبر أيضا
______________________________ ______________________________ ___
[1] الشرح الكبير 104.
[2] الشرح الكبير 104.
-
[قال صاحبى]
قال: ذكرتَ أن (هو) ضمير فصل على الأصح لا محل له من الإعراب، فما تفسير ذلك ؟
قلت: يقولون: (ضمير الفصل) حرف، وتسميته ضميرا مجاز نظرا للصورة.
وقيل: هو اسم وسمى به لأنه يفصل بين الخبر والتابع أى يميز بينهما؛ إذ لو قيل: (النظر الفكر) لتوهم أن (الفكر) تابع لا خبرا.
واعلم أنه يشترط:
فيما قبل ضمير الفصل:
1- أن يكون مبتدأ ولو فى الأصل نحو: كان زيد هو القائم فـ (زيد) مبتدأ في الأصل يعني قبل دخول الناسخ. و(النظر) في قول المصنف: "النظر هو الفكر" مبتدأ
2- وأن يكون معرفة كما فى هذا المثال فـ (زيد) معرفة لأنه علم، و(النظر) في قول المصنف معرفة لأنه محلى بـ (أل)
وأجاز بعضهم كونه نكرة نحو: كان رجل هو القائم،
ويشترط فيما بعده:
1- كونه خبرا ولو فى الأصل فـ (القائم) في المثال السابق (كان زيد هو القائم) خبر في الأصل قبل دخول الناسخ ثم صار خبرا له، و(الفكر) في كلام المصنف خبر
2- وكونه معرفة أو كالمعرفة فى أنه لا يقبل (أل) نحو: {تَجِدُوهُ عِندَ اللهَ هُوَ خَيْرًا}
ويشترط في ضمير الفصل نفسِه :
1- أن يكون بصيغة المرفوع فيمتنع: زيد إياه الفاضل، على أن يكون (إياه) ضميرَ فصل
2- وأن يطابق ما قبله فلا يجوز: كنتُ هو الفاضل، بل تقول: (زيد كان هو الفاضل)
قال: قولك : "على الأصح" ؟ وقولك: "لا محل له من الإعراب" ؟
قلت: أما قولى: "على الأصح" فمقابله أنه – أي ضمير الفصل - (مبتدأ، أو تأكيد) على القول الضعيف من جواز تأكيد الظاهر بالمضمر وإنما كان كونه فصلا أصح لإفادته تقوية النسبة.
وأما قولى: "لا محل له من الإعراب" فهذا باتفاق على القول بحرفيته.
وأما على القول باسميته فقيل:
1- لا محل له كأسماء الأفعال.
2- وقيل: له محل بحسب ما قبله.
3- وقيل: بحسب ما بعده.
ففى نحو: (زيد هو القائم) محله رفع باتفاقهما (لأن ما قبله (زيد) وما بعده (القائم) مرفوعان)
وفى نحو: (كان زيد هو القائم) محله رفع على أولهما (زيد اسم كان مرفوع) ونصب على ثانيهما (القائم خبر كان منصوب)
وفى نحو: (إن زيدا هو القائم) بالعكس فتأمل.
______________________________ ______________________________ ____
قال: أليس (النظر) طلبٌ (والاستدلال) كذلك ؟
قلت: بلى
قال: فلو اكتفى بأحد اللفظين كفَى.
قلت: لعله جمع بينهما زيادة فى الإيضاح،
على أن تعريفه لهما يشير إلى أن النظر أعم من الاستدلال
قال: وكيف ذلك ؟
قلت: النظر يكون فى التصور والتصديق، والاستدلال مخصوص بالتصديق. فلهذا عرَّفَ النظر بأنه: (الفكر فى حال المنظور فيه)
والفكر قد يكون فى حال الشئ مع الحكم عليه بأمر ما فهذا هو الاستدلال، كقولنا: (الربا حرام) و(المتعة حرام) فهذه عقود علم تحريمها بالفكر والاستدلال وحكم عليها.
وقد يكون الفكر من جهةِ تصوُّرٍ مَّا ولا يحكم عليه وذلك لعدم الاستدلال فكان الفكر أعم والاستدلال أخص لوجوده فى أحد الفكرين[1].
قال: بَيِّن لى هذه التعريفات السابقة ولو أوجزت كان أحسن.
قلت: سأحاول، ولكن الإيجاز مع الإيضاح صعب فاعلم :
أولا- أن النظر: على ضربين:
1- النظر بالعين: وهو إدراك المنظور بالبصر
2- والنظر بالقلب: وهو التفكير فى حال المنظور فيه
والفكر: هو حركة النفس فى المعقولات قصدا،
فإن كانت حركتها عن غير قصد واختيار سميت (حَدْسًا).
قال: فما هى المعقولات ؟
قلت: هى المقابلة للمحسوسات وقد علمت أن المحسوسات: كل ما يدرك هو وأجزاؤه بإحدى الحواس الخمس الظاهرة،
فالمعقولات: كل ما لا يدرك هو ولا أجزاؤه بإحدى الحواس الخمس.
قال: نعم، أكمل
قلت: حركة النفس فى المحسوسات تسمى تخييلا
والفكر إن كان لطلب علم أو ظن يسمى نظرا وإلا فلا.
قال: مثل ماذا ؟
قلت: كأكثر حديث النفس فإن أكثره لا يكون لطلب علم أو ظن ولهذا لا يسمى (نظرا)
ولا يحصل (العلم) عن طريق النظر إلا بثلاثة شروط:
1- أن يكون الناظر كامل الآلة (يعنى آلة الاجتهاد)
2- أن يكون نظره فى دليل لا فى شبهة
3- أن يستوفى الدليل لشروطه فيقدم ما يجب تقديمه ويؤخر ما يجب تأخيره وهكذا.
قوله: "الدليل: هو المرشد إلى المطلوب" اعلم أن المرشد فى اللغة له معنيان:
أحدهما- الناصب لما به الإرشاد (حقيقة)
ثانيهما- ما به الإرشاد (مجازا)
مثل العلامات التى يضعها الناس لمعرفة الطرق والاتجاهات فتجد مثلا علامة مكتوب عليها (طريق مكة) أو (المدينة) ونحو ذلك فهذه العلامة يطلق عليها (دليل) و(مرشد) لأنها تدل السائر فى الطريق وترشده إلى المطلوب إذا كان مطلوبه الذهاب إلى مكة أو المدينة مثلا، ولكن إطلاق (الدليل) و(المرشد) على ما به الإرشاد إطلاق مجازى، وأما الناصب لهذه العلامات فيطلق عليه (الدليل) و(المرشد) حقيقة.
قال: فأراد الحقيقة أو المجاز فى التعريف.
قلت: المجاز
قال: ولِمَ ؟
قلت: لتعليل الشراح قوله: "الدليل هو المرشد إلى المطلوب" بقولهم: "لأنه علامة عليه" [2].
قال: فهذا معناه أنه قد أدخل المجاز فى التعريف وهو لا يجوز.
قلت: أجاب الدمياطى: بأن تعريف الدليل بما ذُكِرَ عقب تعريف الاستدلال بطلب الدليل قرينة على إرادة معنى (المرشد) المجازى إذ هو المناسب لمعنى الاستدلال المذكور[3].
قال: قوله – فى تعريف الظن -: "أحدهما أظهر من الآخر" يفيد أن كلا منهما ظاهر لكن أحدهما أظهر.
قلت: نعم.
قال: فاضرب لى مثالا
قلت: إذا ترددت فى نزول المطر وعدمه ثم رجحت نزوله بقرينة أنك رأيت الرياح قد هبت وأن الجو قد صار غيما بعد أن كان صحوا فهذا التردد فى ثبوت نزول المطر ونفيه لا يسمى علما لأن العلم هو القطع بالشئ والجزم به على وفق ما هو عليه، لكنه قد يسمى (ظنا أو وهما أو شكا) فإن كان التردد مع رجحان الثبوت فهو (الظن) أى أن الطرف الراجح يسمى (ظنا) ومقابله وهو الطرف المرجوح يسمى (وهما)، فإن كان التردد فى النزول وعدمه على السواء فهو الشك.
قال: فما معنى قوله: "لا مزية لأحدهما على الآخر"
قلت: أى ليس مع أحدهما قرينة تميزه وتجعلك تقدمه على الاحتمال الآخر وإنما يتساوى الاحتمالان عندك.
______________________________ ____
[1] التحقيقات فى شرح الورقات لابن قاوان 137، والأنجم الزاهرات 102 بتصرف.
[2] انظر مثلا شرح الورقات للمحلى 84 ت. حسام الدين عفانة، وشرح ابن إمام الكاملية 102.
[3] حاشية الدمياطى على شرح الورقات للمحلى 6.
-
قال المصنف رحمه الله تعالى:
وَأُصُولُ الْفِقْهِ: طُرُقُهُ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ، وَكَيْفِيَّةُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا.
______________________________ _________________
(وَ): للاستئناف النحوى
(أُصُولُ): مبتدأ، ومضاف
(الْفِقْهِ): مضاف إليه
(طُرُقُهُ): خبر، و(طرق) مضاف والهاء ضمير مبنى على الضم فى محل جر مضاف إليه
(عَلَى سَبِيلِ): متعلق بمحذوف حال من (طرق) أي طرقه حالة كونها كائنة على سبيل الإجمال، و(سبيل) مضاف
(الْإِجْمَالِ): مضاف إليه
(وَ): عاطفة
(كَيْفِيَّةُ): معطوفة على (طرق) و(كيفية) مضاف
(الِاسْتِدْلَال ): مضاف إليه
(بِهَا): الجار والمجرور متعلق بـ (الاستدلال)
______________________________ _______________
المعنى:
عرَّف المصنف فيما سبق (أصول الفقه) باعتبار مفردَيْهِ فعرَّف (الأصل) وعرَّف (الفقه) ولم يذكر النسبة بينهما، ثم ذكرها هنا لما عرَّف (أصول الفقه) باعتباره لقبا لهذا الفن.
ومِثْلُ ذلك قولنا: (غلام زيد) فإذا تصورت (الغلام) فقط ثم تصورت (زيدا) فقط ثم علمت أن (زيدا) قد مَلَكَ (الغلامَ) فهذه نسبة تفيد إضافة (الغلام) إلى (زيد) فكذا من عَرَف (الأصل) فقط و(الفقه) فقط فلن يعلم معنى التركيب حتى يشرح له النسبة بينهما وهو ما ذكره المصنف هنا.
وقوله: "طُرُقُهُ" أى طرق الفقه وهى الجهات التى يمكن بها إدراكه، وهى الأدلة.
وإنما عبر بـ(الطرق) دون (الأدلة) ؛ لأن (الدليل) فى عرف بعض الأصوليين خاص بما يفيد العلم، فلا يطلقون اسم (الدليل) إلا على الطريق القطعى كالاستدلال (بالكتاب والسنة المتواترة والإجماع)، وأما الطريق الظنى كالاستدلال بالقياس وغيره فيسمونه (أمارة)، فلهذا عبر (بالطرق) لأنها صالحة لإفادة العلم أو الظن[1].
والمراد بـ (طرق الفقه الإجمالية) أدلته الإجمالية وهى القواعد العامة التى يحتاج إليها الفقيه مثل:
1- الأمر للوجوب
2- النهى للتحريم
3- الإجماع حجة
ونحو ذلك من المسائل الكلية التى تبحث فى أصول الفقه.
أما الأدلة التفصيلية فلا تذكر فى أصول الفقه إلا على سبيل التمثيل والإيضاح مثل قوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ}
وكالإجماع على أن بنت الابن تأخذ السدس مع بنت الصلب حيث لا معصب لهما[2] فهذه مسائل جزئية لا كلية تذكر فى الأصول للتوضيح والتمثيل فقط.
وقوله: "وكيفية الاستدلال بها" إشارة إلى حال المجتهد وهو أنه مع معرفة الطرق الكلية لابد له من معرفة كيفية الاستدلال بها كحمل المطلق على المقيد وتقديم الخاص على العام والناسخ على المنسوخ والمجمل على المبين ونحو ذلك[3].
______________________________ ______________________
[1] الشرح الوسيط على الورقات 32 عبد الحميد الجهنى ط. دار الصميعى، وتهذيب شرح الورقات 18 لعياض بن نامى السلمى، بتصرف.
[2] شرح الورقات لعبد الله الفوزان 30 بتصرف.
[3] الشرح الوسيط على الورقات 32.
-
قال المصنف رحمه الله تعالى:
وَأَبْوَابُ أُصُولِ الْفِقْهِ: أَقْسَامُ الْكَلَامِ، وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ، وَالْعَامُّ وَالْخَاصُّ، وَالْمُجْمَلُ وَالْمُبَيَّنُ، وَالظَّاهِرُ وَالْمُؤَوَّلُ، وَالْأَفْعَالُ، وَالنَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ، وَالْإِجْمَاعُ، وَالْأَخْبَارُ، وَالْقِيَاسُ، وَالْحَظْرُ وَالْإِبَاحَةُ، وَتَرْتِيبُ الْأَدِلَّةِ، وَصِفَةُ الْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِ ي، وَأَحْكَامُ الْمُجْتَهِدِين َ.
______________________________ ______________________
(وَ): للاستئناف النحوى
(أَبْوَابُ): مبتدأ، ومضاف
(أُصُولِ): مضاف إليه، وهو مضاف أيضا
(الْفِقْهِ): مضاف إليه
(أَقْسَامُ): خبر، ومضاف
(الْكَلَامِ): مضاف إليه
(وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ، وَالْعَامُّ وَالْخَاصُّ، وَالْمُجْمَلُ وَالْمُبَيَّنُ، وَالظَّاهِرُ وَالْمُؤَوَّلُ، وَالْأَفْعَالُ، وَالنَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ، وَالْإِجْمَاعُ، وَالْأَخْبَارُ، وَالْقِيَاسُ، وَالْحَظْرُ وَالْإِبَاحَةُ، وَتَرْتِيبُ الْأَدِلَّةِ، وَصِفَةُ الْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِ ي، وَأَحْكَامُ الْمُجْتَهِدِين َ): كل واحد منها معطوف على (أقسام الكلام)
-
(( أقسام الكلام من حيث التركيب ))
قال المصنف رحمه الله تعالى:
فَأَمَّا أَقْسَامُ الْكَلَامِ: فَأَقَلُّ مَا يَتَرَكَّبُ مِنْهُ الْكَلَامُ:
اسْمَانِ، أَوِ اسْمٌ وَفِعْلٌ، أَوْ فِعْلٌ وَحَرْفٌ، أَوِ اسْمٌ وَحَرْفٌ.
______________________________ ______
(فَـ): فاء الفصيحة
(أَمَّا): حرف تفصيل وتوكيد فيه معنى الشرط
(أَقْسَامُ): مبتدأ، وهو مضاف
(الْكَلَامِ): مضاف إليه
(فَـ): فاء الجزاء واقعة فى جواب (أما).
والخبر محذوف والتقدير: (فنقول: أقل ما يتركب الخ) وحذف القول من الكلام كثير مطرد، ولكن أين الرابط هنا بين المبتدأ والخبر على هذا التقدير؟ الظاهر أن الرابط هو إعادة المبتدإ بلفظه وذلك لفظ (الكلام) ففي المبتدإ (أقسام الكلام) وفي الخبر (يتركب منه الكلام) فليتأمل والله أعلم
(أَقَلُّ): مبتدأ، وهو مضاف
(مَا): مضاف إليه وهى معرفة تامة بمعنى (اللفظ)
(يَتَرَكَّبُ): فعل مضارع
(مِنْهُ): ظرف لغو متعلق بـ (يتركب)، والضمير (الهاء) يعود على (ما)
(الْكَلَامُ): فاعل، والجملة من الفعل والفاعل وما تعلق بهما فى محل جر صفة لـ (ما) والرابط الضمير (الهاء) في (مِنْهُ)
(اسْمَانِ): خبر المبتدإ (أقل) والجملة من المبتدإ والخبر وما تعلق بهما في محل نصب مقول القول المحذوف الذي هو الخبر
(أَوِ): عاطفة، تفيد التقسيم
(اسْمٌ): معطوف على (اسمان)
(وَفِعْلٌ): معطوف على (اسم)
(أَوْ): عاطفة، تفيد التقسيم
(فِعْلٌ): معطوف على (اسم)
(وَحَرْفٌ): معطوف على (فعل)
(أَوِ اسْمٌ وَحَرْفٌ): يعرف إعرابه مما سبق
-
المعنى: واضح وهو أن أقل ما يتألف منه الكلام- بحيث يكون مفيدا فائدة تامة يحسن السكوت عليها - ما يأتى:
أ- اسمان وصوره أربعة:
1- مبتدأ وخبر نحو: زيد كاتب
2- مبتدأ وفاعل سد مسد الخبر نحو: أقائم الزيدان
3- مبتدأ ونائب فاعل سد مسد الخبر نحو: أمضروب الزيدان
4- اسم فعل وفاعله نحو: هيهات العقيقُ.
ب- اسم وفعل وله صورتان:
1- فعل وفاعل نحو: كتب زيد.
2- فعل ونائب فاعل نحو: سُرِقَ المتاعُ.
ج- فعل وحرف مثل: (ما قام) من قولك: "زيد ما قام" وهذا أثبته بعضهم ولم يَعُــدَّ الضمير فى (قام) الراجع إلى (زيد) كلمةً لعدم ظهوره وتبعهم المصنف لقصد التسهيل على المبتدى فإن الملفوظات أقرب للفهم من المعقولات كما فى حاشية السوسي[1]، لكن الجمهور على عده كلمة.
ح- اسم وحرف وهذا فى النداء خاصة نحو: (يا زيد) وأكثر النحاة[2] قالوا: إنما كان (يا زيد) كلاما لأن تقديره: (أدعو زيدا أو أنادى) وكل ما فى الأمر أن حرف النداء ناب عن الفعل (أدعو أو أنادى).
----------------------------
[1] حاشية السوسي على قرة العين 54.
[2] بعض النحاة ذهب إلى ما ذهب إليه المصنف هنا وهو أن (يا زيد) مركب من اسم وحرف وممن ذهب إلى هذا الإمام عبد القاهر الجرجانى. انظر شرح الورقات لابن الفركاح 117، والأنجم الزاهرات 108.
-
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة د. ابراهيم المحمدى الشناوى
وصوره أربعة
الصواب: (وصوره أربعٌ) بإسقاط التاء كما نبه على ذلك أحد الإخوة جزاه الله خيرا
-
أقسام الكلام من حيث المدلول
قال المصنف رحمه الله تعالى
وَالْكَلَامُ يَنْقَسِمُ إِلَى: أَمْرٍ وَنَهْيٍ، وَخَبَرٍ وَاسْتِخْبَارٍ.
وَيَنْقَسِمُ أَيْضًا إِلَى: تَمَنٍّ، وَعَرْضٍ، وَقَسَمٍ.
______________________________ ____
(وَ): استئنافية (نحوى)
(الْكَلَامُ): مبتدأ
(يَنْقَسِمُ): فعل مضارع وفاعله مستتر فيه جوازا تقديره (هو) يعود على (الكلام) والجملة من الفعل والفاعل فى محل رفع خبر.
والجملة من المبتدإ والخبر وما تعلق بهما لا محل لها من الإعراب استئنافية
(إِلَى أَمْرٍ): ظرف لغو متعلق بـ (ينقسم)
(وَنَهْيٍ): معطوف على (أمر)
(وَخَبَرٍ): معطوف على (أمر)
(وَاسْتِخْبَارٍ): معطوف على (أمر)
(وَ): عاطفة
(يَنْقَسِمُ): فعل مضارع وفاعله يعود على (الكلام) والجملة من الفعل والفاعل في محل رفع معطوفة على جملة الخبر (ينقسم إلى أمر ...الخ)
(أَيْضًا): مصدر (آضَ أيضا): إذا رجع، أى رجع إلى تقسيم الكلام، فهو مفعول مطلق لفعل محذوف وجوبا تقديره (آض).
(إِلَى تَمَنٍّ): ظرف لغو متعلق بـ (ينقسم)
(وَعَرْضٍ، وَقَسَمٍ): معطوفان على (تمن)
-
المعنى: ينقسم الكلام إلى :
1- أمر: وهو ما يدل على طلب الفعل مثل: (قم)
2- ونهى: وهو ما يدل على طلب الترك مثل: (لا تقم)
3- وخبر: وهو ما يحتمل الصدق والكذب مثل: (جاء زيد)
4- واستخبار: وهو الاستفهام مثل: (هل جاء زيد؟) فيقال فى جوابه: نعم، أو لا.
5- وإلى تمن: وهو طلب ما لا طمع فيه مثل: (ليت الشباب يعود)، أو طلب ما فيه عسر كقول الفقير: (ليت لى مالًا فأحج)
6- وعَرْضٍ – بسكون الراء – : وهو الطلب برفق نحو: ألَا تنزل عندنا
7- وقَسَمٍ: وهو الحلف نحو: والله لأفعلن كذا
-
أقسام الكلام من حيث الاستعمال
قال المصنف رحمه الله تعالى:
"وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ يَنْقَسِمُ إِلَى: حَقِيقَةٍ، وَمَجَازٍ.
تعريف الحقيقة
فَالْحَقِيقَةُ: مَا بَقِيَ فِي الِاسْتِعْمَالِ عَلَى مَوْضُوعِهِ، وَقِيلَ: مَا اسْتُعْمِلَ فِيمَا اصْطُلِحَ عَلَيْهِ مِنَ المُخَاطَبَةَ.
تعريف المجاز
وَالْمَجَازُ: مَا تُجُوِّزَ بِهِ عَنْ مَوْضُوعِهِ.
______________________________ ___________
(وَ): عاطفة أو استئنافية ( استئناف نحوى).
(مِنْ وَجْهٍ): ظرف لغو متعلق بـ (ينقسم)
(آخَرَ): نعت لـ (وجه) مجرور وعلامة جره الفتحة لأنه ممنوع من الصرف للوصفية ووزن الفعل.
(يَنْقَسِمُ): فعل مضارع والفاعل مستتر جوازا تقديره هو يعود على الكلام، والجملة من الفعل والفاعل وما تعلق بهما لا محل لها من الإعراب إما معطوفة على قوله: "والكلام ينقسم إلى أمر ..." إن جعلت الواو عاطفة أو لا محل لها أيضا استئنافية إن جعلت الواو استئنافية
(إِلَى حَقِيقَةٍ): ظرف لغو متعلق بـ (ينقسم)
(وَمَجَازٍ): معطوف على (حقيقة)
(فَـ): فاء الفصيحة أى إذا أردت أن تعرف ماهى الحقيقة فالحقيقة
(الْحَقِيقَةُ): مبتدأ، وهى (فعيلة) من الحق الذى هو ضد الباطل، بمعنى (فاعل) من (حَقَّ الشئُ) إذا ثبت[1]، أو بمعنى (مفعول) من (حقَّقْتُ الشئَ) إذا أثبتُّهُ[2]، نُقِلَ إلى الكلمة الثابتة[3] أو المثبَتَة[4] فى مكانهاالأصلى[5]، والتاء فيها للنقل من الوصفية إلى الاسمية، وقيل للتأنيث[6].
(مَا): معرفة تامة بمعنى (لفظ) وهى اسم مبنى على السكون فى محل رفع خبر
(بَقِيَ): فعل ماض مبنى على الفتح لا محل له من الإعراب والفاعل مستتر جوازا يعود على (ما)
(فِي الِاسْتِعْمَالِ ): ظرف لغو متعلق بـ (بقى)، والكلام على حذف مضاف أى: (ما بقى فى حال الاستعمال)
(عَلَى مَوْضُوعِهِ): ظرف لغو أيضا متعلق بـ (بقى)، و(موضوع) مضاف و(الهاء) ضمير مبنى على الكسر فى محل جر مضاف إليه.
______________________________ _____________________
[1] فيكون فعله لازما، ومنه قوله تعالى: {حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ}
[2] فيكون فعله متعديا
[3] إذا جعلت (الحقيقة) فعيلة بمعنى فاعل
[4] إذا جعلت (الحقيقة) فعيلة بمعنى مفعول
[5] يريد بـ (مكانها الأصلى): معناها الأصلى.
[6] الإيضاح فى علوم البلاغة للخطيب القزوينى 275 ط. دار الكتب العلمية، والشرح الكبير لابن قاسم العبادي 132، وحاشية السوسي على قرة العين 57 وفيهما زيادة بسط وتفصيل، وغاية المرام فى شرح مقدمة الإمام لأبى العباس التلمسانى1/ 391- 392 ت. محند أوإدير مشنان ط. دار التراث ودار ابن حزم.
-
(وَ): عاطفة
(قِيلَ): فعل ماض مبنى للمجهول
(مَا): مبتدأ، وهى معرفة بمعنى (اللفظ)
(اسْتُعْمِلَ): فعل ماض مبنى للمجهول ونائب الفاعل ضمير مستتر جوازا يعود على (ما) والجملة من الفعل ونائب الفاعل فى محل رفع خبر (ما)، وجملة (ما استعمل) من المبتدإ والخبر فى محل رفع نائب فاعل لـ (قيل)، وجملة (قيل ما الخ) لا محل لها من الإعراب معطوفة على جملة (الحقيقة ما الخ) وفيه عطف الجملة الفعلية على الاسمية وهو جائز على الصحيح خلافا لمن منعه.
(فِيمَا): الجار والمجرور متعلق بـ (استُعمِل)، و(ما) بمعنى (معنى) أى (لفظ استُعْمِلَ فى معنى)
(اصْطُلِحَ): فعل ماض مبنى للمجهول
(عَلَيْهِ): نائب فاعل لـ (اصطلح) أى (لفظ استعمل فى معنى اصطلح عليه أي: اصطلح على أن المعنى لذلك اللفظ) والجملة من الفعل ونائب الفاعل فى محل جر صفة لـ (ما)
(مِنَ المُخَاطَبَةَ): متعلق بـ (اصطلح) أى اصطُلح عليه اصطلاحا صادرا من المخاطِبة – بكسر الطاء – أى الجماعة المخاطِبة بأن وَضَعَتْ هذا اللفظ إزاء هذا المعنى، أو بفتح الطاء (المخاطَبة) بمعنى التخاطب.
(وَ): عاطفة
(الْمَجَازُ): مبتدأ
(مَا): خبر وهى بمعنى (لفظ)
(تُجُوِّزَ): فعل ماض مبنى للمجهول ويجوز قراءته بالبناء للمعلوم أى تَجَوَّزَ المتجوِّز.
(بِهِ): ظرف لغو متعلق بـ (تَجَوَّز) إن جعلته مبنيا للفاعل، وإلا فنائب فاعل والجملة فى محل رفع صفة لـ (ما)
(عَنْ مَوْضُوعِهِ): متعلق بـ (تجوز) و(موضوع) مضاف والهاء مضاف إليه.
-
المعنى:
ينقسم الكلام أيضا إلى حقيقة ومجاز عرَّفَهما المصنف وذكر للحقيقة تعريفين :
الأول – ما بقى فى الاستعمال على موضوعه، وذلك مثل كلمة (أسد) الموضوعة للحيوان المفترس:
= فإذا قلت: رأيت أسدًا، تريد رأيت الحيوان المفترس المسمى بهذا الاسم فقد استعملت الكلمة (أسد) فيما وضعت له وهذه هى الحقيقة.
= أما إذا قلت: (رأيت أسدا) تريد به رجلا شجاعا فقد استعملت الكلمة (أسد) فى غير ما وضعت له فى اللغة أي: تجوزت وتعديت بها عن المعنى الذي وضعت له فى اللغة وهذا هو المجاز،
ويشترط فيه أن يكون التّعَدِّي صحيحا بأن يكون لعلاقة(1) مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلى(2).
و(الحقيقة) بالمعنى السابق لا تشمل إلا الحقيقة اللغوية فقط، وأما الحقيقة الشرعية والحقيقة العرفية فلا تشملهما مع أنه سيذكرهما بعدها مباشرة، وهذا هو اختياره أعنى: أن الحقيقة تنقسم إلى هذه الأقسام الثلاثة الآتية (اللغوية والشرعية والعرفية) ولهذا ذكر تعريفا آخر للحقيقة يشمل الأقسام الثلاثة وهو الآتي:
الثاني- أن الحقيقة: "ما استعمل فيما اصطلح عليه من المخاطبة" أى لفظ استعمل فى معنى اصطُلِحَ عليه من الجماعة المخاطِبة أو فى اصطلاح التخاطب، وذلك مثل: كلمة (الصلاة): فأهل اللغة يستعملونها بمعنى الدعاء، وأهل الشرع يستعملونها بمعنى الأقوال والأفعال المفتتحة بالتكبير والمختتمة بالتسليم،
فإذا استعمل أهل الشرع الصلاة بهذا المعنى المصطلح عليه بينهم فهو حقيقة شرعية
أما إن استعملوها بمعنى الدعاء فهو مجاز؛ لأنه غير مصطلح عليه بينهم
وأهل اللغة بالعكس من ذلك،
ومثال الحقيقة العرفية استعمال لفظ (دابة) فى الفرس أو فى ذوات الأربع وهو فى اللغة لكل ما يدب على الأرض.
______________________________ _________________
1- إن كانت العلاقة المشابهة سمى المجاز (استعارة) وإن كانت غير المشابهة سمى المجاز (مجازا مرسلا)، انظر التلخيص فى علوم البلاغة للخطيب القزوينى 295 شرح عبد الرحمن البرقوقى ط. دار الفكر العربى
2- حاشية السوسي على قرة العين 61.
-
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة د. ابراهيم المحمدى الشناوى
فَالْحَقِيقَةُ: مَا بَقِيَ فِي الِاسْتِعْمَالِ عَلَى مَوْضُوعِهِ، وَقِيلَ: مَا اسْتُعْمِلَ فِيمَا اصْطُلِحَ عَلَيْهِ مِنَ المُخَاطَبَةَ.
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة د. ابراهيم المحمدى الشناوى
(وَ): عاطفة
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة د. ابراهيم المحمدى الشناوى
(قِيلَ): فعل ماض مبنى للمجهول
(مَا): مبتدأ، وهى معرفة بمعنى (اللفظ)
(اسْتُعْمِلَ): فعل ماض مبنى للمجهول ونائب الفاعل ضمير مستتر جوازا يعود على (ما) والجملة من الفعل ونائب الفاعل فى محل رفع خبر (ما)، وجملة (ما استعمل) من المبتدإ والخبر فى محل رفع نائب فاعل لـ (قيل)، وجملة (قيل ما الخ) لا محل لها من الإعراب معطوفة على جملة (الحقيقة ما الخ) وفيه عطف الجملة الفعلية على الاسمية وهو جائز على الصحيح خلافا لمن منعه.
الصواب أن (ما) في قوله: "ما استُعْمِل" خبر لمبتدإ محذوف والتقدير: وقيل: هي (أي الحقيقة) ما استعمل ...الخ، وجملة (ما استعمل) في محل رفع نائب فاعل لـ (قيل) وبهذا تكون جملة (هي ما استعمل ...الخ) موافقة لجملة (الحقيقة ما بقي ...الخ) يعني أن الجملتين اسميتين ولا يلزم عليه عطف الفعلية على الاسمية كما في الإعراب الأول
وهذا قد نَبَّهَ عليه أحد الإخوة جزاه الله خيرا وهو الصواب إن شاء الله
والله أعلم
-
[قال صاحبى]
قال: ذكرتَ أن (عليه) نائب فاعل لـ (اصطُلِحَ)، و(به) نائب فاعل لـ (تُجُوِّزَ) فكيف ينوب المجرور عن الفاعل ؟
قلت: ينوب المجرور عن الفاعل بشرطين:
الأول – أن يكون المجرورُ مختصا وذلك بأن يكون معرفة كما هنا فالضمير فى (عليه) و(به) معرفة فتحقق الشرط الأول
الثانى – أن يكون حرفُ الجر غير ملازم لطريقة واحدة مثل: مذ ومنذ الملازمتين لجر الزمان، وحروف القسم الملازمتين لجر المقسم به، وما هنا (على) و(الباء) كذلك فتحقق الشرط الثانى مع عدم وجود مفعول به فى الكلام ينوب عن الفاعل.
قال: ذكر المصنف للحقيقة تعريفين فهلا اكتفى بأحدهما لاسيما الثانى لأنه أشملهما
قلت: الثانى أشملهما كما ذكرت وهو اختياره كما تقدم، لكن الأول يناسب المبتدئ لسهولته.
قال: وذكر للمجاز تعريف واحد وكان ينبغى أن يذكر له تعريفين كما ذكر لـ (الحقيقة) تعريفين؟
قلت: نعم ينبغى أن يكون للمجاز تعريفين مقابلين للتعريفين المذكورين للحقيقة هكذا:
أ*- الحقيقة: اللفظ المستعمل فيما وضع له
ب*- المجاز: اللفظ المستعمل فى غير ما وضع له
ت*- الحقيقة: اللفظ المستعمل فيما اصطُلِحَ عليه من المخاطِبَة
ث*- المجاز: اللفظ المستعمل فى غير ما اصطُلِحَ عليه من المخاطِبَة
قال: فلم اقتصر على أحد التعريفين للمجاز ؟
قلت: اقتصر على ذلك – كما قال الماردينى – اكتفاءا بما قَدَّمَ فى تعريف الحقيقة؛ لأن المجاز مقابل للحقيقة[1].
قال: ما معنى (المجاز) ؟ وما معنى:"تُجُوِّزَ به عن موضوعه" ؟
قلت: المجاز معناه الجواز والانتقال، مأخوذ من جاز المكانَ يجوزه، ثم نقل إلى (الكلمة الجائزة) أى التى تعدت مكانها الأصلى أى معناها الحقيقى أو (الكلمة المجوز بها) على معنى أنهما جازوا بها وعدوها مكانها الأصلى فـ (المجاز) مصدر بمعنى اسم الفاعل أو اسم المفعول[2]، واستظهر الخطيب القزوينى أنه فى الأصل اسم مكان نقل من اسم المكان إلى الكلمة من قولهم: (جعلت كذا مجازا لحاجتى) أي: طريقا لها؛ لأن الكلمة جُعِلَتْ طريقا لفهم معناها الذى نقلت إليه[3]؛ فمعنى (تُجُوِّزَ به): تُعُدِّيَ به، و(عن موضوعه) أي عن المعنى الذي وضع له هذا اللفظ فى اللغة.
قال: فما معنى الاصطلاح ؟
قلت: هو اتفاق طائفة من الناس على استعمال كلمة فى معنى معيَّنٍ خاص بهم كما سبق مثاله بكلمة (الصلاة) عند أهل اللغة وعند أهل الشرع
قال: فما هو الوضع فى قولهم: (تُجُوِّزَ به عن موضوعه) وقولهم: (وُضِعَ له) ونحوهما ؟
قلت:الوضع: جَعْلُ اللفظ بإزاء المعنى
قال: هل تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز عامّ ؟
قلت: ماذا تعنى بقولك :"عامٌّ " ؟
قال: أعنى هل كل كلمة لها معنى حقيقى وآخر مجازى ؟
قلت: لا
قال: فأيهما أكثر الحقيقة أم المجاز ؟
قلت:الحقيقة.
قال: فهل كل حقيقة لها مجاز ؟
قلت: لا
قال: فهل كل مجاز له حقيقة ؟
قلت: فيه خلاف، قيل: إن المجاز يستلزم سبق الحقيقة وقيل: لا[4].
وقال الإمام الغزالى: "واعلم أن كل مجاز فله حقيقة وليس من ضرورة كل حقيقة أن يكون لها مجاز"[5].
قال: فهل كل الأسماء صالحة لدخول المجاز فيها ؟
قلت: إلا ضربان من الأسماء فلا يدخلهما المجاز :
الأول – أسماء الأعلام نحو: زيد وعمرو لأنها أسماء وُضِعَتْ للفَرْقِ بين الذوات لا للفَرْقِ بين الصفات
الثانى – الأسماء التى لا أعم منها مثل: (المعلوم) و(المجهول) و(المدلول) و(المذكور)[6].
______________________________ ___________
[1] الأنجم الزاهرات للماردينى 111 ت. د. عبد الكريم النملة. ط. مكتبة الرشد بالرياض
[2] حاشية السوسي على قرة العين 61، وأسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجانى 351- 352 ت. أبو فهر محمود محمد شاكر ط. دار المدنى بجدة.
[3] الإيضاح فى علوم البلاغة للقزوينى 275- 276، وحاشية السوسي على قرة العين 61.
[4] رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب للتاج السبكى 1/ 382 وما بعدها ت. عادل عبد الموجود وعلى معوض ط. عالم الكتب
[5] المستصفى للإمام الغزالى 3/ 34 ت. د. حمزة بن زهير حافظ
[6] المستصفى 3/ 34- 35.
-
أقسام الحقيقة
وَالْحَقِيقَةُ: إِمَّا لُغَوِيَّةٌ، وَإِمَّا شَرْعِيَّةٌ، وَإِمَّا عُرْفِيَّةٌ.
______________________________ ____
(وَ): للاستئناف البيانى فكأن سائلا قال له: وما أقسام الحقيقة فقال: والحقيقة إما لغوية الخ
(الْحَقِيقَةُ): مبتدأ
(إِمَّا): حرف تفصيل، و(إما) الأولى هذه غير عاطفة باتفاق
(لُغَوِيَّةٌ):خبر
(وَإِمَّا): عاطفة، لكن هل العطف هنا بالواو أو (بإما) فيه خلاف بين العلماء فمنهم من ذهب إلى أن (إما) عاطفة وممن ذهب إلى هذا: سيبويه والمالقى فى رصف المبانى والصيمرى والجزولى والمرادى، ومنهم من ذهب إلى أنها غير عاطفة ومنهم: الفارسى وابن كيسان وابن بَرْهان وابن مالك والرمانى وابن درستويه وابن عصفور وابن السراج والجرجانى ويونس وهؤلاء ذهبوا إلى أن العطف بالواو[1].
والمختار أن العطف هنا بالواو وأن (إما) غير عاطفة وهى حرف تفصيل كالأولى
(شَرْعِيَّةٌ): معطوفة على (لغوية)
(وَإِمَّا عُرْفِيَّةٌ): مثل (وإما شرعية)
______________________________ __
[1] انظر مغنى اللبيب/ عبد اللطيف الخطيب 1/ 382- 383 هامش رقم4.
-
المعنى:
تنقسم الحقيقة إلى ثلاثة أقسام :
1- حقيقة لغوية: وهى اللفظ المستعمل فيما وضع له فى اللغة مثل: الصيام فهو فى اللغة الإمساك، والصلاة فهى فى اللغة الدعاء
2- حقيقة شرعية: وهى اللفظ المستعمل فيما وضع له فى الشرع كالصلاة فهى فى الشرع أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، وكالصيام فهو فى الشرع: إمساك عن المفطرات من طلوع الشمس إلى غروبها
3- حقيقة عرفية: وهى اللفظ المستعمل فيما وضع له فى العرف، وهى نوعان:
أ- عرفية عامة: وعرَّفوا (العرف العام) بأنه: لفظ لا يتعين ناقله أي: لا يكون ناقله جماعة مخصوصة كأهل النحو وأهل الفقه وأهل الطب ونحو ذلك ومثاله: لفظ (الدابة) فهى فى العرف العام تستعمل بمعنى ذات الأربع ولكنها فى وضع اللغة لكل ما يدب على الأرض
ب- عرفية خاصة: وعرفوا (العرف الخاص): بأنه لفظ يتعين ناقله أى أن يكون بين جماعة خاصة كأهل النحو ومثاله: لفظ (الفاعل) عند النحاة للاسم المرفوع بالفعل وهو فى اللغة لمن صدر منه الفعل
تنبيه: إذا أطلق العرف فالمراد به العرف العام
-
أقسام المجاز
قال المصنف رحمه الله تعالى:
وَالْمَجَازُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ: بِزِيَادَةٍ، أَوْ نُقْصَانٍ، أَوْ نَقْلٍ، أَوِ اسْتِعَارَةٍ.
______________________________ ________________
(وَ): للاستئناف البيانى أو عاطفة
(الْمَجَازُ): مبتدأ
(إِمَّا): حرف تفصيل
(أَنْ): حرف مصدرى ونصب
(يَكُونَ): فعل مضارع من كان التامة بمعنى (يوجد) منصوب بـ (أنْ) وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره (هو) يعود على (المجاز).
وجملة (يكون) من الفعل والفاعل لا محل لها من الإعراب صلة الموصول الحرفي (أَنْ).
و(أَنْ) وما دخلت عليه فى تأويل مصدر خبر للمبتدإ (المجاز).
والجملة من المبتدإ والخبر لا محل لها من الإعراب استئنافية إن جعلت الواو استئنافية أو معطوفة على جملة (والحقيقة إما لغوية الخ) إن جعلتها عاطفة
(بِزِيَادَةٍ): متعلق بـ (يكون)
(أَوْ): عاطفة وتفيد التقسيم
(نُقْصَانٍ): معطوف على (زيادة) والمعطوف على المجرور مجرور
(أَوْ نَقْلٍ): معطوف على (نقصان)
(أَوِ اسْتِعَارَةٍ): معطوف على (نقل)
-
قال المصنف رحمه الله تعالى :
فَالْمَجَازُ بِالزِّيَادَةِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشوري: 11]. وَالْمَجَازُ بِالنُّقْصَانِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82]. وَالْمَجَازُ بِالنَّقْلِ: كَالْغَائِطِ فِيمَا يَخْرُجُ مِنَ الْإِنْسَانِ. وَالْمَجَازُبِا لِاسْتِعَارَةِ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ} [الكهف: 77].
______________________________ ______________________________ _
(فَـ): فاء الفصيحة
(الْمَجَازُ): مبتدأ
(بِالزِّيَادَةِ) : متعلق بمحذوف صفة لـ (المجاز) والتقدير: فالمجاز الكائن بالزيادة مثل الخ ويصح أن يكون المتعلَّقُ حالا على رأي سيبويه خلافا للجمهور والتقدير: فالمجاز حالة كونه كائنا بالزيادة
(مِثْلُ): خبر، والجملة من المبتدإ والخبر وما تعلق بهما لا محل لها من الإعراب ابتداية، و(مثل) مضاف
(قَوْلِهِ): (قول) مضاف إليه، و (قول) مضاف أيضا و(الهاء) ضمير الغائب مبني على الكسر في محل جر مضاف إليه.
(تَعَالَى): فعل ماض مبنى على فتح مقدر على آخره (الألف) منع من ظهوره التعذر، والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره (هو)، أي تعالى الله عن النقائص.
والجملة من الفعل والفاعل لا محل لها من الإعراب استئنافية.
({لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}): (ليس): فعل ماض من أخوات كان، (كمثله): (الكاف) صلة – أي زائدة – و(مثل) خبر ليس مقدم منصوب وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد و(مثل) مضاف و(الهاء) ضمير مبني على الكسر في محل جر مضاف إليه، (شئ): اسم ليس مؤخر.
(وَالْمَجَازُ بِالنُّقْصَانِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى): يعرف إعرابه مما تقدم، والجملة لا محل لها من الإعراب معطوفة على جملة (المجاز بالزيادة الخ)
({وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ}): (الواو): عاطفة، (اسأل): فعل أمر مبني على السكون والفاعل مستتر وجوبا تقديره أنت، (القرية): مفعول به وقيل: الكلام على حذف مضاف والتقدير: أهل القرية، والجملة في محل نصب معطوفة على جملة {إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ} التي هي في محل نصب مقول القول في قوله:{فَقُولُواْ إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ}
(وَالْمَجَازُ بِالنَّقْلِ): مبتدأ، ونعت للمبتدإ أو حال منه كما تقدم.
(كَالْغَائِطِ): متعلق بمحذوف خبر والجملة لا محل لها من الإعراب معطوفة على جملة (المجازُ بالزيادة مثلُ ...) و(أل) فيه للعهد والمراد به الفضلة المخصوصة التى تخرج من دبر الإنسان.
(فِيمَا): الجار والمجرور متعلق بمحذوف حال من (الغائط) أى حالة كون لفظ الغائط مستعملا فيما يخرج الخ
(يَخْرُجُ): الجملة من الفعل والفاعل فى محل جر صفة لـ (ما)
(مِنَ الْإِنْسَانِ): متعلق بـ (يخرج) وأصل الكلام على تقدير مضاف أى (يخرج من دبر الإنسان) فإنه لا يطلق على ما يخرج من الإنسان مطلقا
(وَالْمَجَازُ بِالِاسْتِعَارَ ةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى): إعرابه كما تقدم
({جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ}): (جدارا): مفعول به فعله {فَوَجَدَا}، (يريد): فعل مضارع وفاعله مستتر جوازا تقديره هو يعود على (جدارا)، (أن): حرف مصدري ونصب، (ينقض): فعل مضارع منصوب بأن وفاعله مستتر يعود على (جدارا)
وجملة (ينقض) من الفعل والفاعل لا محل لها صلة (أن)
و(أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول به لـ (يريد)
وجملة (يريد أن ينقض) في محل نصب نعت لـ (جدارا)
-
المعنى: لما ذكر أنواع الحقيقة بعد تعريفها ذكر هنا أنواع المجاز بعد تعريفه وكلامه هنا عن المجاز غير محرر ومحل بحثه – على كل حال – في علم البيان لا الأصول، فذكر للمجاز أربعة أنواع :
الأول- مجاز بالزيادة: وهو أن تزاد لفظة في الكلام بحيث لو حذفت لصح الكلام بدونها مثل قوله تعالى:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فلو قيل في غير القرآن: (ليس مثلَه شئٌ) لصح الكلام بدونها، وجه الزيادة: أن الكاف لو لم تكن زائدة لكانت بمعنى (مثل) وهذا باطل لما يلزم عليه من إثبات المثل لله تعالى إذ يصير المعنى: (ليس مثلَ مثلِه شئٌ) فالمنفي هو مثل المثل فيكون المثل ثابتا وهو باطل لأنه لو ثبت لكان له مثل وهو الله تعالى؛ فلهذا قالوا: الكاف زائدة لتوكيد نفي المثل، وفي الآية كلام آخر.
الثاني- مجاز بالنقص: وهو أن تحذف لفظة من الكلام بحيث لو لم تُقَدَّرْ لَمَا صح الكلامُ بدونها مثل قوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} فالكلام على تقدير مضاف– كما قال العلماء – والتقدير: واسأل أهل القرية، ووجه المجاز في هذا النقص أنك لو أجريت الكلام على ظاهره لكان معناه اسأل القرية نفسها وهي لا تُسأَل فصار معناه: اسأل أهل القرية.
الثالث- المجاز بالنقل: وهو أن تنقل لفظة عن معناها الأصلي إلى معنى آخر، مثل: كلمة (الغائط): فهو فى اللغة يطلق على المكان المنخفض بين مرتفعين، وكان الذى يقضى حاجته يقصد ذلك كثيرا طلبا للستر ثم نقل إلى الخارج المذكور من دبر الإنسان.
الرابع- المجاز بالاستعارة: وهي استعمال اللفظ في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة بين المعنى المنقول عنه والمعنى المستعمل فيه مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي، مثل قوله تعالى: {جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ} شبه (مَيْلَ الجدار إلى السقوط) بـ (إرادة السقوط) التي هي من صفات الحي بجامع (القرب من الفعل في كل) ثم استعير اللفظ الدال على المشبه به (إرادة السقوط) للمشبه (ميله إلى السقوط) ثم اشتق منه (يريد) بمعنى (يميل) على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية[1].
______________________________ ______
[1] حاشية الدمياطي على شرح المحلي 9، وشرح الورقات للفوزان 38، وتفسير التحرير والتنوير 16/ 8 ط. الدار التونسية، وتلخيص البيان في مجازات القرآن للشريف الرضي 166- 167 ت. د. علي محمود مقلد ط. دار مكتبة الحياة
-
[قال صاحبي]
قال: قلتَ إنَّ (أَنْ) والفعل (يكون) فى قوله: "إما أن يكون بزيادة" في تأويل مصدر خبر، فما معنى (في تأويل مصدر) ؟
قلت: يعني أن كلمة (أَنْ) إذا دخلت على الفعل المضارع فإنه يُجْعل في تأويل المصدر باعتبار الأحكام اللفظية: كصحة دخول حرف الجر عليه وعطف المفرد عليه، لا أن يُجعل في تأويله باعتبار المعنى بأن يقصد به المعنى المصدري.
قال: وقلتَ: إن (جملة (يكون) من الفعل والفاعل لا محل لها من الإعراب صلة الموصول الحرفي (أَنْ). فهل (أَنْ) من الموصولات مثل (الذي) وتحتاج إلى صلة وعائد؟
قلت: الموصول نوعان: موصول اسمي: كـ (الذي) و(مَنْ) وهو الذي يحتاج إلى صلة وعائد، وموصول حرفي: وهو كل حرف يؤول مع صلته بمصدر وهذا يحتاج إلى صلة لكن لا يحتاج إلى عائد: مثل: (أَنْ)، وصلتُها هي الفعل المتصرف الذي تدخل عليه ماضيا كان أو مضارعا أو أمرا.
-
الأمـــــــــــ ـــــــــــر
قال المصنف رحمه الله
وَالْأَمْرُ: اسْتِدْعَاءُ الْفِعْلِ بِالْقَوْلِ مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ.
______________________________ ___________________
اعلم أن باب الأمر والنهي من الأبواب المهمة في أصول الفقه؛ لأن مدار التكليف على الأوامر والنواهي.
قال السرخسي: "فأحق ما يبدأ به في البيان الأمر والنهي لأن معظم الابتلاء بهما، وبمعرفتهما تتم معرفة الأحكام ويتميز الحلال من الحرام"[1].
(وَ): إما استئنافية، وإما عاطفة على (أقسام الكلام) في قوله: (فأما أقسام الكلام فأقل)؛ لأنه لما ذكر أبواب أصول الفقه إجمالا عطف (الأمر) وما بعده على (أقسام الكلام) فقال: "وأبواب أصول الفقه: أقسام الكلام والأمر والنهي الخ".
(الْأَمْرُ): مبتدأ
(اسْتِدْعَاءُ): خبر، وهو مضاف.
(الْفِعْلِ): مضاف إليه.
(بِالْقَوْلِ): متعلق بـ (استدعاء) أو بمحذوف حال منه والتقدير: (الأمر: استدعاء الفعل حال كون ذلك الاستدعاء كائنا بالقول أو مدلولا عليه بالقول)
(مِمَّنْ): مركبة من كلمتين الأولى (مِنْ) بكسر الميم وهي حرف جر مبني على السكون لا محل له من الإعراب، والثانية (مَنْ) بفتح الميم اسم موصول بمعنى الذي مبني على السكون في محل جر بـ (مِنْ) الأولى، ثم أدغمت (نون) الأولى في (ميم) الثانية فصارت (مِمَّن)، والجار والمجرور متعلق بما تعلق به قوله: "بالقول" أي بـ (استدعاء) أو بمحذوف حال منه.
(هُوَ): ضمير مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.
(دُونَهُ): (دون) ظرف مكان منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة وهو متعلق بمحذوف خبر المبتدأ (هو)، و(دون) مضاف و(الهاء) ضمير مبني على الضم في محل جر مضاف إليه، والجملة من المبتدإ والخبر لا محل لها من الإعراب صلة الموصول (مَنْ) وضمير الغائب في (دونه) هو العائد.
(عَلَى سَبِيلِ): متعلق بـ (استدعاء)، و(سبيل) مضاف
(الْوُجُوبِ): مضاف إليه
______________________________ __
[1] أصول السرخسي 1/ 11 ت. أبو الوفا الأفغاني ط. دار الكتب العلمية، وشرح الورقات لعبد الله الفوزان 40.
-
المعنى:
هذا تعريف الأمر عند المصنف،
قوله: "استدعاء الفعل" معناه طلب الفعل، خرج به النهي فإنه طلب الترك، وقوله: "بالقول" خرج به الطلب بغير القول كالطلب بالإشارة أو الكتابة وقوله: "ممن هو دونه" خرج به الطلب من المساوي فإنه يسمى (التماسا)، وطلب الأدنى من الأعلى فيسمى (دعاء)، وقوله: "على سبيل الوجوب" أي على سبيل الحتم خرج به ما لم يكن على سبيل الحتم والوجوب بأن جُوِّزَ التركُ فإنه ليس بأمر على ظاهر كلام المصنف فيكون المندوب على هذا ليس بأمر وإليه ذهب أبو بكر الرازي والكرخي، لكن المحققين على خلافه وهو أن المندوب مأمور به[1].
______________________________ ________
[1] حاشية الدمياطي على المحلي 9.
-
تنبيه
سأحاول سلوك طريق وسط إن شاء الله تعالى فيما سيأتي بحيث لا أذكر كل الفوائد المتعلقة بالباب أو الفقرة بل أذكر فائدة أو فائدتين أو ما لابد منه، على أن لا أُخِلَّ بشئ من مقصود المتن بقدر ما يُيَسِّرُهُ الله تعالى لي، وذلك حتى أستطيع أن أنتهي من هذا الشرح الذي أسأل الله تعالى أن ينفع به كما نفع بأصوله، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم وألا يكون لغيره فيه نصيب
[قال صاحبي]
قال: إذا كانت السين للطلب وطبقنا هذا على كلمة (استدعاء) في قوله: "الأمر استدعاء القول بالفعل الخ" لكان المعنى: (الأمر طلب دعاء الفعل بالقول) وهذا لا معنى له.
قلت: قد سبق في شرح التعريف أن (الاستدعاء) معناه الطلب.
قال: لا بأس، أليس (الوجوب): هو طلب الفعل طلبا جازما ؟
قلت: بلى
قال: فلو جعلت (استدعاء) بمعنى الطلب لكان تكرارا.
قلت: ولِمَ ؟
قال: لأنك لو حذفت (الوجوب) ووضعت مكانه معناه وهو: (طلب الفعل طلبا جازما) لصار المعنى: (الأمر طلب الفعل بالقول على سبيل طلب الفعل طلبا جازما)
قلت: السين هنا للتأكيد وليست للطلب كما قال العلماء[1]
أو أن المراد بـ (سبيل الوجوب) صفة الوجوب اللازمة له والثابتة له وهي (الجزم) فيكون المعنى: (الأمر: طلب الفعل على صفة الجزم) فتأمل.
______________________________ ____________________
[1] الشرح الكبير للعبادي 165، وحاشية السوسي على قرة العين 74.
-
قال المصنف رحمه الله تعالى:
وَصِيغَتُهُ: افْعَلْ.
وَهِيَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَالتَّجَرُّدِ عَنِ الْقَرِينَةِ تُحْمَلُ عَلَيْهِ، إلَّا مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ النَّدْبُ أَوِ الْإِبَاحَةُ- فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ.
______________________________ ______________________________ ________
(وَ): إما عاطفة على قوله: "والأمر استدعاء الخ" أو للاستئناف النحوي.
(صِيغَتُهُ): (صيغة) مبتدأ، ومضاف و(الهاء) ضمير الغائب العائد إلى الأمر مضاف إليه
(افْعَلْ): مقصود لفظها مبنية على الحكاية في محل رفع خبر.
(وَ): عاطفة على (صيغته).
(هِيَ): مبتدأ.
(عِنْدَ): ظرف مكان منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، وهو متعلق بقوله: "تُحْمَل" الآتي، و(عند) مضاف.
(الْإِطْلَاقِ): مضاف إليه.
(وَالتَّجَرُّدِ) : معطوف على (الإطلاق) وهو عطف تفسير[1] يعني: أنه فسر (الإطلاق) بـ (التجرد عن القرينة).
(عَنِ الْقَرِينَةِ): متعلق بمحذوف حال من (التجرد)
(تُحْمَلُ): فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، ونائب الفاعل مستتر جوازا تقديره (هي) يعود على (صيغته) والجملة من الفعل ونائب الفاعل في محل رفع خبر.
(عَلَيْهِ): متعلق بـ (تُحْمَل).
(إلَّا): أداة استثناء.
(مَا): معرفة ناقصة (أي اسم موصول) بمعنى (التي)، أو معرفة تامة بمعنى (الصيغة) وعلى كل فهي اسم مبني على السكون في محل نصب على الاستثناء
(دَلَّ): فعل ماض.
(الدَّلِيلُ): فاعل والجملة من الفعل والفاعل لا محل لها صلة (ما) إن جعلتها موصولة أو في محل نصب صفة لـ (ما) إن جعلتها معرفة تامة.
(عَلَى): حرف جر مبني على السكون لا محل له من الإعراب.
(أَنَّ): حرف توكيد ونصب
(الْمُرَادَ): اسم (أنَّ) منصوب
(مِنْهُ): متعلق بـ (المراد)
(النَّدْبُ): خبر (أنَّ) مرفوع، وجملة (أنَّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر مجرور بـ (على) والتقدير: (إلا ما دل الدليل على كون المراد منه الندب) والجار والمجرور (على كون) متعلق بـ (دلَّ).
(أَوِ): عاطفة
(الْإِبَاحَةُ): معطوف على (الندب) والمعطوف على المرفوعِ مرفوعٌ.
(فَيُحْمَلُ): (الفاء) للسببية، و(يحمل) فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والفاعل مستتر جوازا تقديره هو يعود على (ما) أي: فيحمل ما دل الدليل الخ.
(عَلَيْهِ): الجار والمجرور متعلق بـ (يحمل).
______________________________ ________
[1] وقيل من عطف الأخص وقيل من عطف الأعم ولا طائل تحت ذلك فيكفي فيه ما تقدم أعلاه.
-
المعنى:
صيغةُ الأمر .. (افعل)، ومثلها كل ما يدل على الأمر بصيغته
فإذا دلت الكلمة على الأمر بصيغتها :
ولم توجد قرينة صارفة عن ذلك .. فإن الكلمة تحمل على الأمر
أما إن وجدت قرينة صارفة عن إرادة الأمر .. فإن الصيغة الدالة على الأمر تحمل على غير الأمر كالندب أو الإباحة.
= مثال صيغة الأمر المطلقة المجردة عن القرينة: قوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ} فإن صيغة {أَقِيمُواْ} محمولة على الوجوب لإطلاقها وتجردها عن القرينة.
= ومثال صيغة الأمر المحمولة على الندب لوجود القرينة الدالة على إرادته منها: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور: 33] فكلمة {فَكَاتِبُوهُمْ} صيغة أمر ولكن ليس المراد بها الأمر، بل الندب؛ لوجود القرينة الصارفة عن الأمر وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُلزِم الصحابة بعتق مَنْ تحت أيديهم من الأرقاء، ولم يُلزِمهم بمكاتبتهم.
= ومثال صيغة الأمر المحمولة على الإباحة لوجود الدليل والقرينة الصارفة: قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُواْ} [المائدة: 2] يعني: إذا حللتم من إحرامكم فاصطادوا، فكلمة (اصطادوا) صيغة أمر ولم يقل أحد إن المراد بها هنا الأمر، بل قالوا: إنها للإباحة، والقرينة الصارفة عن الوجوب أنه أمر جاء بعد حظر، والقاعدة أن: (الأمر بعد الحظر يفيد الإباحة) لأنه بمثابة الإذن فكانوا ممنوعين من الصيد حال الإحرام ثم أذن لهم بعد ذلك فأفاد الإذن والإباحة لا الوجوب.
-
[قال صاحبي]
قال: لماذا اقتصر المصنف على صيغة (افعل) ؟
قلت: لأنها أشهر الصيغ الدالة على الأمر وأكثرها دورانا في الكلام.
قال: إذا كانت صيغة الأمر هي (افْعَلْ) وما كان على زِنَتِهَا لَمْ يشمل هذا نحو: (اضْرِبْ، وأَكْرِمْ، واستخرِجْ، و(وَلْيَطَّوَّف واْ)، و(لِيُنْفِقْ) ... الخ)
قلت: ليس المراد بـ (افْعَلْ) هذا اللفظ بخصوصه أو هذا الوزن بخصوصه بل المراد كون اللفظ دالا على الأمر بوضعه.
قال: نعم، فهمتُ هذا.
قلت: فهمتَ ماذا؟
قال: فهمتُ أن مراد المصنف بقوله: "وَصِيغَتُهُ افْعَلْ" كونُ اللفظ دالا على الأمر بهيئته وبِنْيَتِهِ وليس المراد خصوص لفظ (افعل) ولا وزنه، أليس كذلك؟
قلت: نعم، ليس كذلك.
قال: ولِمَ ؟
قلت: لأني لم أذكر في كلامي (هيئةً) ولا (بِنْيَةً).
قال: وإِنْ [1]، وماذا في هذا ؟ غاية ما فيه أني ذكرتُ كلامك بمعناه، أم تحسب أن كلامك لا يمكن التعبير عنه بمعناه؟!
قلت: بل يمكن التعبير عنه بأحسن منه لفظا ومعنى، ولكنك لم تفهم شرحي لكلام المصنف على وجهه الصحيح فعبرتَ عنه بغير معناه.
قال: تقول: (شرحي) ! وأنت تعلم أنه ليس شرحك بل شرح العلماء.
فسكتُّ لأن ما يقوله لا أستطيع أن أجحده.
فاستطرد قائلا: وهل هناك فرق بين ما ذكرتُه أنا وما ذكرتَه أنت ؟
قلت: نعم، بينهما فرق كبير.
قال: وما هو ؟
قلت: هل تعرف معنى (هيئة الكلمة) و(بِنْيَتِها) اللتين ذكرتهما؟
فسكتَ.
قلت: (الهيئة): هي الكيفية العارضة للكلمة باعتبار الحركات والسكنات وتقديم بعض الحروف على بعض، يعني أن المراد بالهيئة هو ما يسمى في مصطلح النحاة (أمرا) دون (المضارع المقرون باللام) فإن دلالته على الأمر باللام وليس بهيئته كما هو ظاهر.
وأما (بِنْيَةُ الكلمة): فهي مادتها يعني حروفها. وظاهرٌ أن الأمر لا يدل بها وإلا لدل الماضي والمضارع المجرد من اللام عليه لوجود المادة في ذلك [2].
قال: لماذا تحمل صيغة الأمر عند الإطلاق وعدم القرينة على الأمر دون الندب أو الإباحة؟
قلت: لأنها حقيقة في الأمر مجاز في غيره من الندب وغيره على الصحيح واللفظ إذا أطلق حمل على معناه الحقيقي نحو: {أَقِيمُواْ الصَّلَاةَ} فالصيغة فيه محمولة على الوجوب لإطلاقها وتجردها عن القرينة الصارفة عن الوجوب [3].
_________________________
[1] أي: وإن لم تذكره في كلامك فهو صحيح، فحذف ما يفهم من الكلام
[2] حاشية السوسي على قرة العين 77.
[3] السابق
-
قال صاحبي
قال: اذكر لي بعض الصيغ الدالة على الأمر فإن المصنف لم يذكر إلا واحدة.
قلت: الصيغ التي تدل على الأمر كثيرة يذكرها بعض العلماء في مبحث الأمر والنهي وبعضهم في مبحث الواجب لأنها الصيغ التي تدل على إفادة الوجوب وعلى كل فهي كثيرة أهمها ما يأتي:
1-صيغة (افْعَلْ) وفروعها (افْعَلِي، افْعَلَا، افْعَلُوا، افْعَلْنَ) وما كان على هذا الوزن نحو: اضْرِبْ، اقْرأْ، اذْهَبْ.
2- صيغ فِعْلِ الأمرِ الأخرى ومنها ما هو مبدوء بالهمزة ولكنها مضمومة نحو: (اُكْتُبْ)، ومنها ما هو مبدوء بالتاء نحو: (تَذَكَّرْ).
3- المضارعُ المجزومِ بلامِ الأمرِ
مثال: قوله تعالى: {فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} [النساء: 9]
4- اسمِ فعلِ الأمر
مثال: قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } [المائدة: 105]
5- المصدر النَّائب عن فعلِ الأمرِ
مثال:قوله تعالى: { فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ } [محمد:4].
6- صيغةُ (أَمَرَ) وما يتصرَّفُ عنها
أمثلة:قوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى } [النحل:90]
= وقوله: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا } [النساء: 58]
=وقوله صلى الله عليه وسلم: (( وأنا آمركمْ بخمسٍ اللهُ أمرني بهنَّ: السَّمعِ والطَّاعةِ، والجهادِ، والهجرةِ، والجماعةِ )) ، (جزءٌ من حديثٍ صحيحٍ أخرجه التِّرمذِيُّ وغيرهُ).
7- صيغة (كَتَبَ) و (كُتِبَ)
أمثلة: قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} [البقرة:216]
= وقوله صلى الله عليه وسلم : (( إنَّ الله كتبَ الإحسانَ على كلِّ شيءٍ، فإذا قتلتُمْ فأحسنُوا القِتْلَةَ، وإذا ذبحتُم فأحسنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أحدُكمْ شفْرَتَهُ فليُرِحْ ذبِيحتَهُ)) [أخرجه مسلمٌ من حديثِ شدَّاد بنِ أوسٍ].
8- صيغةُ (فَرَضَ) وما يتصرَّفُ عنها
أمثلة: قوله تعالى: { سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا } [النور:1] أي: أوجبنا العمل بها.
= وعن عبدالله بن عباسٍ رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمَّا بعثَ معاذً إلى اليمنِ قال: (( إنكَ تقدُمُ على قومٍ أهلِ كتابٍ، فليكُن أوَّل ما تدعوهمْ إليهِ عبادَةُ الله عزَّوجلَّ، فإذا عرفُوا الله فأخبرهم أنَّ الله فرض عليهمْ خمسَ صلواتٍ في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرْهُم أنَّ الله قد فرض عليهم زكاةً تُؤخذُ من أغنيائهم فترَدُّ على فُقرائهِم، فإن أطاعُوا بها فخذْ منهمْ وتوقَّ كرائمَ أموالهِم )) [متفق عليه].
9- صيغة (لهُ عليك فِعلُ كذا)
أمثلة: قوله تعالى:{ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا } [آل عمران:97]
= وقوله - صلى الله عليه وسلم - في حقِّ الرَّجل على امرأته: (( ولكم عليهنَّ أن لا يوطئنَ فُرشَكُمْ أحدًا تكرهُونهُ، فإنْ فعلنَ ذلكَ فاضْرِبُوهنَّ ضربًا غير مُبرِّحٍ )) [أخرجه مسلمٌ من حديث جابربن عبدِالله]
= ومنه قوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة:234]
10- صيغةُ الخبر الَّتي فيها تنزيل المطلوب منزلةَ التَّامِّ الحاصل تأكيدًا للأمر به
مثال: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234].
11- ما ورد فيه ترتيبُ المؤاخذة على تركِ الامتثالِ
أمثلة: قوله تعالى: { فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } [البقرة: 279]
= وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((من لا يرحمُ لا يُرحمُ )) [متفقٌ عليه من حديث جريرِ بن عبدالله وأبي هريرة].
12- وصفُ تركِ الامتثالِ بالمخالفةِ
أمثلة: حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (( شرُّ الطَّعامِ طعامُ الوليمةِ، يُدعى لها الأغنياءُ ويُتركُ الفقراءُ، ومن تركَ الدَّعوةَ فقد عصَى اللهَ ورسولَه)) [متفق عليه]
= وقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات:11]
13- ما رُتِّب على تركه عدمُ الاعتدادِ بالعملِ
أمثلة:قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا صلاةَ لمن لم يقرأْ بفاتحةِ الكتابِ)) [متفقٌ عليه من حديث عُبادة بنِ الصَّامت ]
= وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (( لا نكاحَ إلاَّ بوليٍّ )) [حديث صحيحٌ أخرجه أصحابُ السُّننِ وغيرهُمْ ].
-
قال: أشكل علىَّ قولُه: "إلا ما دلَّ الدليلُ".
قلت: أيُّ شئ أشكل عليك في قوله هذا ؟
قال: أين المستثنى وأين المستثنى منه ؟ وهل الاستثناء متصل أو منفصل ؟ لقد حاولت استخراج ذلك فلم أستطع.
قلت:الاستثناء هنا منقطع، وبيانُه: أنه استثنى (الصيغة المقرونة بالقرينة) من (الصيغة المجردة منها)، وظاهر أن (الصيغة المقرونة) ليست داخلة في (الصيغة المجردة) فالاستثناء على هذا منقطع، فهو كقولك: (قام القومُ إلا حمارا) فالحمار ليس من جنس القوم؛ فلهذا يقال له استثناء منقطع.
قال: ذكرتَ أن الأمر بعد الحظر يفيد الإباحة وليس هذا بصحيح
قلت:بل صحيح، وكأنك تعني أنه ليس شاملا.
قال: نعم.
قلت: الصحيح أن الأمر بعد الحظر يُرَدُّ إلى ما كان عليه قبل النهي؛ فإن كان واجبا رَدَّهُ واجبا وإن كان مستحبا فمستحب أو مباحا فمباح، وفي الآية الأمر بالاصطياد بعد النهي عنه حال الإحرام وقد كان مباحا قبل النهي فلهذا رجع بعد الحظر إلى الإباحة.
قال: فما مثال الأمر الذي رجع إلى الوجوب بعد الحظر ؟
قلت: مثاله: حديثُ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلاَ أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلاَةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلاَةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي» قَالَ: وَقَالَ أَبِي: «ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلاَةٍ، حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الوَقْتُ»1.
فهنا حظر وهو ترك الصلاة وقت الحيضة وأمر بالصلاة بعد إدبارها والصلاة قبل امتناعها بالحيض كانت واجبة فبعد زوال الحظر رجع الأمر إلى الوجوب لا إلى الإباحة، والله أعلم.
______________________________ ________
1- صحيح متفق عليه من حديث عائشة: رواه البخاري (228، 306، 320، 325، 331) ومسلم (333)
-
من مسائل الأمر
قال المصنف رحمه الله تعالى:
وَلَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ عَلَى الصَّحِيحِ، إِلَّا إِذَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى قَصْدِ التَّكْرَارِ، وَلَا يَقْتَضِي الْفَوْرَ.
______________________________ ____________________________
(وَ): عاطفة على (الأمر) أي: الأمر كذا وصيغته كذا ولا يقتضي كذا. ويجوز أن تكون استئنافية.
(لَا): نافية
(يَقْتَضِي): فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها الثقل، والفاعل مستتر جوازا تقديره (هو) يعود على (الأمر)
(التَّكْرَارَ): مفعول به
(عَلَى الصَّحِيحِ): متعلق بـ (يقتضي)، وأصل الكلام على حذف مضاف والتقدير: (على القول الصحيح).
والجملة من الفعل والفاعل والمفعول وما تعلق بها معطوفة على جملة (الأمر استدعاء) إن جعلت الواو استئنافية، وفيه عطف الفعلية على الاسمية وهو جائز. أو استئنافية إن جعلت الواو استئنافية.
(إِلَّا): أداة استثناء
(إِذَا): ظرف لما يستقبل من الزمان متضمن معنى الشرط
(دَلَّ): فعل ماض مبني على الفتح لا محل له من الإعراب.
(الدَّلِيلُ): فاعل، والجملة في محل جر بإضافة (إذا) إليها.
(عَلَى قَصْدِ): متعلق بـ (دَلَّ)، و(قصد) مضاف.
(التَّكْرَارِ): مضاف إليه.
(وَلَا يَقْتَضِي الْفَوْرَ): يعرف إعرابه مما تقدم
ٍ
-
المعنى:
ذكر المصنف هنا مسألتين من مسائل الأمر :
المسألة الأولى – أن الأمر المطلق (غير المقيد) لا يقتضي (التكرار) يعني: لا يقتضي أن تَفْعَلَهُ مَرَّةً بعد أخرى، وفي بعض النسخ (ولا المَرَّةَ) يعني: ولا يقتضي فعلَ المأمور به مرة واحدة، إلا إذا دل الدليل على قصد التكرار على القول الصحيح.
وقوله: "على الصحيح"، مُقَابِلُهُ أن من العلماء من قال: (إن الأمر المطلق يقتضي التكرار) وهو قول مرجوح عند المصنف.
مثال هذه المسألة: قراءة الفاتحة في الصلاة مأمور بها فلو كنت في صلاة سرية وأنت مأموم وقرأت الفاتحة وبقي عندك وقت هل تكرر قراءة الفاتحة؟ الجواب: لا؛ لأن الأمر لا يقتضي التكرار.
أما إذا دل الدليل على قصد التكرار فإنا نحمله عليه للدليل وليس للأمر.
أمثلة على ذلك:
1- الأمر بالإيمان بالله
2- الأمر بتقوى الله، فالإنسان مطالب بهذه الاعتقادات دائما كلما كان مدركا، والقرينة: أن هذه الاعتقادات لو خلا منها القلب لحل مكانها نقيضها؛ فلو خلا القلب من الإيمان لحل مكانه الكفر، فالإنسان مطالب بأن يبقى على إيمانه وعلى تقواه وعلى مراقبته لله عز وجل ما دام ذاكرا مدرِكًا.
3- الصلوات الخمس: فهي تتكرر كل يوم، والقرينة النصوصُ التي وردت في وجوب تكرارها: كما في قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة"
4- تعليق الأمر على سبب فإذا تكرر السبب تكرر الوجوب: كالزنى سبب لوجوب الحد فمن زنى مرة فإنه يُحَدُّ، فإن زنى مرة ثانية فإنه يُحَدُّ مرة ثانية، وإن ثالثة فثالثة وهكذا.
المسألة الثانية – أن الأمر المطلق لا يقتضي الفور، أي: المبادرة إلى الفعل في أول وقت يتمكن فيه من الفعل.
واعلم أن بعض الأوامر تحتاج إلى وقت واستعداد حتى يتمكن الإنسان من فعلها: كالحج مثلا، فإذا بلغ الإنسان وعلم بوجوب الحج عليه وأراد أن يُؤَدِّيَهُ فلم يتمكن من ذلك فلا شئ عليه لأن الحج على المستطيع، وأما إن كان متمكنا من الفعل فأخره بدون عذر فهل يأثم بالتأخير أو لا؟ اختلف العلماء في ذلك لاختلافهم في مسألة الأمر المطلق هل يقتضي الفور أو لا؟
فمَنْ ذهب إلى أنه يقتضي الفور قال: يأثم بالتأخير.
ومَنْ ذهب إلى أنه لا يقتضي الفور كالمصنف وأكثر الشافعية قال: لا يأثم بالتأخير لكن لو مات قبل أن يحج مع استطاعته فإنه يأثم.
مثال آخر: الكفارات والنذور: فإذا وجبت كفارةٌ على إنسان، أو نذر أن يفعل شيئا (ولم يقيدْهُ بوقت ولا مكان) كأن ينذر أن يصليَ مائةَ ركعةٍ لله (دون أن يقيدها بأن تكون في شهر كذا أو ليلا أو نهارا أو في مكان كذا ...الخ)هل يلزمه المبادرة ويأثم بالتأخير أو لا؟ هذا أيضا مبني على مسألة اقتضاء الأمر للفور: فمَنْ ذهب إلى أن الأمر يقتضي الفور قال: يأثم بالتأخير، ومن ذهب إلى أنه لا يقتضي الفور قال: لا يأثم.
والله أعلم
-
[قال صاحبي]
قال: بيِّن لي الاستثناء في قوله: "إلا إذا دل الدليل" هل هو متصل أو منقطع ؟
قلت: أرى أن الاستثناء يصعب عليك كثيرا وهو باب صعب يحتاج إلى دربة فسأبينه لك؛ فاعلم أنه استثنى (التكرار حيث دل الدليل على قصده) من (الأمر المطلق الذي لا يقتضي التكرار) وظاهر أن (التكرار) ليس من جنس (الأمر) فالاستثناء هنا ...
فبادرني قائلا: الاستثناء هنا منقطع لأن المستثنى ليس من جنس المستثنى منه
فضحكت وقلت له: أحسنت.
قال: أين الدليلُ على أن الأمر يقتضي الوجوب ؟ فأنا أحسب أن في هذا تعسفا.
قلت: ولِمَ ؟
قال: لأني أجد كثيرا من الأوامر الشرعية لا تقتضي الوجوب.
قلت: أنا لم أقل: إن الأمر يقتضي الوجوب.
قال: الآن ترجع عما قلتَ، بل قلتَه وكتبتَه، ورجوعُكَ هذا دليل على ما ظهر لي وهو أن الأمر لا يقتضي الوجوب، و...
قلت: حسبك، أنَّى يُذْهَبُ بك؟ لقد قلتُ لك: إني لم أقل: إن الأمر يقتضي الوجوب.
قال: فما قلتَ ؟
قلت: ما قلتُه هو: أن الأمر المطلق يقتضي الوجوب، وفَرْقٌ بيْن (الأمر) و(الأمر المطلق): فالأول يشمل:
(1)- الأمر المطلق الذي يفيد الوجوب
(2)- والأمر المقيد المقترن بقرينة تصرفه عن الوجوب
فتدبر ولا تعجل.
قال: فقد قلتَ: الأمر لا يقتضي التكرار ولا المرة، فكيف ذلك؟! هذا معناه أنه لا يقتضي شيئا!
قلت: ليس الأمر على ما فهمتَ بل المراد أن الأمر لا يدل على خصوص واحد منهما فلا يحمل على التكرار ولا على المرة، وإنما هو لطلب الماهية، ولكن المرة ضرورية؛ إذ لا يوجد تحصيلُ (المأمورِ به) بأقل منها؛ فتجب المَرَّة والأصل براءة الذمة مما زاد عليها.
-
ما لا يتم الواجب إلا به
وَالْأَمْرُ بِإِيجَادِ الْفِعْلِ أَمْرٌ بِهِ، وَبِمَا لَا يَتِمُّ الْفِعْلُ إلَّا بِهِ: كَالْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ أَمْرٌ بِالطَّهَارَةِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَيهَا. وَإِذَا فُعِلَ يَخْرُجُ الْمَأْمُورُ عَنِ الْعُهْدَةِ.
______________________________ ___________
(وَ): استئنافية
(الْأَمْرُ): مبتدأ
(بِإِيجَادِ): متعلق بـ (الأمر) أو بمحذوف صفة له أي (الأمر الكائن بإيجاد الفعل) أو حال منه أي: (الأمر في حال كونه ثابتا بإيجاد الفعل).
و(إيجاد) مضاف
(الْفِعْلِ): مضاف إليه.
(أَمْرٌ): خبر
(بِهِ): متعلق بالخبر (أمر)
(وَ): عاطفة
(بِمَا): معطوف على (به)، و(ما) هنا موصولة بمعنى الذي.
(لَا): نافية
(يَتِمُّ): فعل مضارع مرفوع
(الْفِعْلُ): فاعل
(إلَّا): أداة حصر
(بِهِ): متعلق بـ (يَتِمّ) والجملة من الفعل والفاعل وما تعلق بهما لا محل لها من الإعراب صلة الموصول والعائد هو الضمير في (به).
(كَالْأَمْرِ): متعلق بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف والتقدير: (وذلك كائن كالأمر) فـ (ذلك) مبتدأ و(كائن) خبر و(كالأمر) متعلق بالخبر
ويصح أن تكون الكافُ اسما بمعنى (مِثْل) وتكون في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف أي: (وذلك مثلُ) وهي (أي الكاف) مضاف والجملة بعدها مضاف إليه، وعلى هذا يقرأ (الأمر) من قوله: "كالأمر بالصلاة" بالرفع لأنه يكون مبتدأ، خبره (أَمْرٌ بالطهارة) ويكون معنى الجميع: (وذلك مثلُ هذه الجملةِ: الأمرُ بالصلاةِ أمْرٌ بالطهارةِ ...الخ) وهذا وجْهٌ حسنٌ إن لم يكن أحسن فتأمله
(بِالصَّلَاةِ): متعلق بـ (الأمر) أو بمحذوف صفة له أي: (كالأمر الكائن بالصلاة) أو حال منه أي (الأمر في حال كونه ثابتا بالصلاة).
(أَمْرٌ): خبر لمبتدإ محذوف والتقدير: (فهو أمر)
(بِالطَّهَارَةِ) : مثل (بالصلاة)
(الْمُؤَدِّيَةِ) : نعت لـ (الطهارة) ونعت المجرور مجرور
(إِلَيهَا): متعلق بـ (المؤدية)
(وَ): استئنافية
(إِذَا): ظرف لما يستقبل من الزمان
(فُعِلَ): فعل ماض مبني للمجهول مبني على الفتح لا محل له من الإعراب ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على (الفعل المأمور به) المفهوم من السياق، أي: وإذا فَعَلَ المكلفُ الفعلَ المأمورَ به على الوجه المطلوب منه شرعا فإنه يخرج عن العهدة، والجملة من الفعل ونائب الفاعل في محل جر بإضافة (إذا) إليها.
(يَخْرُجُ): فعل مضارع مرفوع لأنه جواب شرط غير جازم
(الْمَأْمُورُ): فاعل وأصله صفة لموصوف محذوف والتقدير (يخرج الشخص المأمور)، والجملة لا محل لها من الإعراب جواب الشرط
(عَنِ الْعُهْدَةِ): متعلق بـ (يخرج)
-
المعنى:
ما لا يَتِمُّ الأمر إلا به فهو مأمور به
وإذا فَعَلَ المكلفُ الفعلَ المأمور به على الوجه الصحيح فإنه – أي الشخص المأمور – يخرج عن العهدة أي: يخرج عن المطالبة بالفعل مرة أخرى.
مثال: قوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ}:
= فالصلاة مأمور بها
= ولا تتم الصلاة إلا بالطهارة
= وما لايتم (المأمورُ به) إلا به فهو مأمور به أي أن الطهارة مأمور بها لتتم الصلاة على الوجه الصحيح المأمور به،
فالمكلف إذا أدى الصلاة بشروطها وأركانها لم يطالَب بإعادتها مرة أخرى
أما إذا لم يؤدها على الوجه المأمور به كأن ترك شيئا من أركانها أو شروطها التي لا تتم الصلاة إلا بها لم يخرج عن العهدة بل يطالب بإعادتها مرة أخرى.
-
[قال صاحبي]
قال: هل قاعدة (ما لا يتم المأمور إلا به فهو مأمور به) مثل قاعدة (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) ؟
قلت: ليست مثلَها
قال: فما الفرق بينهما ؟
قلت: لا فرق
فنظر إليَّ متعجبا
فقلت: هما سواء، لا فرق بينهما، فهذه القاعدة هي نفسها الأخرى، ولكن بعض العلماء يذكرها بلفظ: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) وهو الغالب، وبعضهم يذكرها بلفظ: (ما لا يتم المأمورُ به إلا به فهو مأمور به)
قال: فهلا شرحت لي هذه القاعدة مع ضرب بعض الأمثلة
قلت: اعلم أن ما يتوقَّفُ عليه الإتيانُ بالواجبِ، وهوَ مقدِّمتُهُ الَّتي ينبنِي عليها تحصلُهُ، يرجعُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ:
[1] ما لا يدخُلُ تحتَ قُدرةِ العبدِ.
مثلُ: زوالِ الشَّمسِ لوجوبِ صلاةِ الظُّهرِ، فهذهِ مقدِّمةٌ لا تَتِمُّ صلاةُ الظُّهرِ إلاَّ بها لكنَّها ليستْ تحتَ قُدرَةِ المُكلَّفِ.
فهذا القِسمُ لا يندرجُ تحتَ المسألةِ المذكورةِ.
[2] ما يدخُلُ تحتَ قُدرةِ المكلَّفِ لكنَّهُ غيرُ مأمورٍ بتحصِيلِهِ.
مثلُ: بُلوغِ النِّصابِ لوجوبِ الزَّكاةِ، والاستطاعَةِ لوُجوبِ الحجِّ، فإنَّه تحتَ قُدرتِه أن يجمعَ النِّصابَ، وأن يكتسِب لِيُحقِّق الاستِطاعةَ للحجِّ، لكنَّ ذلكَ لا يجبُ عليهِ.
فهذا لا يدخلُ أيضًا تحتَ المسألةِ المذكورَةِ.
[3]ما يدخُل تحتَ قُدرَةِ المكلَّفِ وهو مأمورٌ بتحصِيلِهِ.
مثلُ: الطَّهارةِ للصَّلاَةِ، والسَّعيِ للجُمُعَةِ، فهذا يجبُ عليهِ الإتيانُ بهِ، وهو المقصودُ بالقاعدَةِ.
ومن هذا التقسيمِ يُلاحظُ أنَّ هذهِ المسألةَ ليستْ قاعدَةً لإثباتِ وُجوبِ ما لم يرِدْ بِوُجوبهِ دليلٌ، إنما هي مسألةٌ قُسِّمتْ عليهَا مقدِّماتُ الوَاجبِ، أمَّا أن يُقالَ: تثبُتُ بها واجباتٌ لا دليلَ عليها إلاَّ هذه الجُملةِ فهذا ما لا وجودَ لهُ على التَّحقيقِ.
قال: أرأيت قوله: "وإذا فُعِلَ خرج المأمور عن العهدة" فهذا يعني أن غايةَ العبادة امتثالُ الأمر؛ فمَنْ ظن الطهارة وصلَّى ثم بان محدِثا صحتْ صلاتُهُ وخرج عن العهدة؛ لأنه امتثل الأمر بإتيانه بالصلاة.
قلت: الأمرُ أن يأتي بالصلاة مكتملة الشروط والأركان وهنا لم يأت بشروطها، فالصلاة لا تسمى صلاة بدون طهارة؛ ولهذا لم يخرج عن العهدة.
قال: فقد قال الأصوليون في هذه الصورة: صلاته صحيحة
قلت: وقع الخلاف بين الأصوليين والفقهاءِ هنا ولكنه خلاف لفظي:
- فقال الأصوليون: غاية العبادة امتثال الأمر
- وقال الفقهاء: غاية العبادة سقوطها عن المكلف، يعني امتثال الأمر على وجه يندفع به القضاء.
فزاد الفقهاء عن الأصوليين: اندفاع القضاء
قال: فقد زعمتَ أن الخلاف بينهما لفظيٌّ فكيف ذلك؟ والأصوليون يقولون في هذه الصورة: صلاته صحيحة، والفقهاء يقولون: صلاته غير صحيحة!
قلت: كلٌّ من الأصوليين والفقهاء يقولون بوجوب إعادة الصلاة في هذه الصورة وأمثالِها ولكن الخلاف في وصف هذه الصلاة قبل الإعادة فالأصوليون يقولون: صلاته صحيحة لامتثاله الأمر ولكن تجب عليه الإعادة لوجود خلل في بعض الشروط.
والفقهاء يقولون: صلاته غير صحيحة لوجوب القضاء عليه وأما امتثاله الأمرَ بأداء الصلاة فإنه لم يكن على وجه يندفع به القضاء.
فظهر بهذا أن الخلاف بين الفريقين إنما هو في وصف العبادة قبل الإعادة وهذا خلاف لفظي غير مؤثر لاتفاقهما على وجوب الإعادة، فتأمل.
-
قال المصنف رحمه الله تعالى
[الَّذِي يَدْخُلُ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَمَا لَا يَدْخُلُ]
يَدْخُلُ فِي خِطَابِ اللهِ تَعَالَى الْمُؤْمِنُونَ.
وَالسَّاهِي وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ غَيْرُ دَاخِلِينَ فِي الْخِطَابِ.
______________________________ ________
(الَّذِي): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف على تقدير مضاف وأصل الكلام: (هذا باب الذي يدخل في الأمر ... الخ)، ويجوز كونه مبتدأ والخبر محذوف على تقدير مضاف أيضا والتقدير: (باب الذي يدخل في الأمر الخ هذا موضعه)
(يَدْخُلُ): فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر جوازا تقديره هو يعود على (الذي) وهو العائد، والجملة من الفعل والفاعل وما تعلق بهما لا محل لها من الإعراب صلة الموصول.
(فِي الْأَمْرِ): متعلق بـ (يدخل)
(وَالنَّهْيِ): معطوف على الأمر
(وَ): عاطفة
(مَا): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع معطوف على (الذي)
(لَا): نافية حرف مبني على السكون لا محل له من الإعراب
(يَدْخُلُ): فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر جوازا تقديره هو يعود على (ما) وهو العائد والجملة لا محل لها من الإعراب صلة (ما)، وحُذِفَ الجار والمجرور لدلالة ما قبله عليه أي: (وما لا يدخل فيهما أي في الأمر والنهي)
(يَدْخُلُ): فعل مضارع مرفوع
(فِي خِطَابِ): متعلق بـ (يدخل) و(خطاب) مضاف
(اللهِ): اسم الجلالة مضاف إليه
(تَعَالَى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره منع من ظهوره التعذر، والفاعل مستتر جوازا تقديره هو يعود على اسم الجلالة والمفعول به محذوف للعلم به والتقدير (تعالى الله عن النقائص) والجملة لا محل لها من الإعراب استئنافية.
(الْمُؤْمِنُونَ) : فاعل مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم
(وَ): استئنافية
(السَّاهِي): مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها الثقل
(وَ): عاطفة
(الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ): معطوفان على الساهي
(غَيْرُ): خبر مرفوع، و(غير) مضاف
(دَاخِلِينَ): مضاف إليه مجرور وعلامة جره الياء لأنه جمع مذكر سالم
(فِي الْخِطَابِ): متعلق بـ (داخلين)
وجملة (الساهي .. غيرُ ..) لا محل لها من الإعراب استئنافية
-
المعنى:
ذَكَرَ المصنف هنا ترجمةً (عنوانا) لهذا الباب بقوله: "الذي يدخل ... وما لا يدخل"
والمراد بـ (خطاب الله): الخطاب التكليفي المتضمن لطلب الفعل أو الترك كقوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ} [البقرة: 43] وقوله: {وَلَا تَقْرَبُواْ الزِّنَا} [الإسراء: 32]
و(الساهي): مأخوذ من السهو وهو نسيان الشيء والغفلة عنه وذهاب القلب إلى غيره.
فمعنى الترجمة (العنوان):باب بيان من يتناوله خطاب التكليف ومَنْ لا يتناوله، والقصد بيان المكلف من غيره.
ثم بيَّنَ ذلك بقوله: "يدخل في خطاب الله المؤمنون" أي أن كل المؤمنين يدخلون في خطاب الله تعالى التكليفي ثم استثنى من المؤمنين بعض الأصناف التي لا تدخل في خطاب الأمر والنهي وهم ثلاثة أصناف:
(1- الساهي)
(2- الصبي)
(3- المجنون)،
فمقابل المجنون (العاقل)، ومقابل الصبي (البالغ)، ومقابل الساهي (الذاكر المنتبه)
فصار حَدُّ المكلف: المسلم البالغ العاقل المنتبه،
فأما غير المسلم فيأتي في الفصل الآتي
وأما الصبي والمجنون فهما غيرُ مكلَّفَيْنِ بالنص وهو قوله صلى الله عليه وسلم : "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ, وعن المبتلى حتى يبرأ (وفى رواية: وعن المجنون (وفى لفظ: المعتوه) حتى يعقل أو يفيق) وعن الصبى حتى يكبر. (وفى رواية: حتى يحتلم) "1.
وأما السهو والنسيان فمن عوارض الأهلية فالساهي حال سهوه غير مطالَبٍ بأمر ولا نهي فإذا انتبه صار مُكَلَّفا مخاطَبا
______________________________ _________________________
1-صحيح: رواه أبو داود (4398) والسياق له والنسائى (2/100) وله الرواية الثانية , والدارمى (2/171) وله الرواية الثالثة وابن ماجه (2041) وابن حبان (1496) وابن الجارود فى " المنتقى " (ص 77) والحاكم (2/59) وأحمد (6/100 ـ 101 , 101 , 144) وأبو يعلى (ق 208/1) عن حماد بن سلمة عن حماد عن إبراهيم عن الأسود عنها مرفوعا، كذا ذكره الإمام الألباني في إرواء الغليل (297).
-
[قال صاحبي]
قال: لماذا قال في الترجمة: (الذي يدخل ... وما لا يدخل) فاستعمل (ما) التي لغير العاقل وأطلقها على المكلَّف العاقل؟
قلت: الجواب عليه من وجوه:
أحدها – أنه نَزَّلَهُ منزلة غير العاقل ليوافق صفات غير العاقل المذكورة (المجنون).
ثانيها- التنبيه على أن مَنْ لم يدخل في خطاب التكليف فليس في حكم ذوي العقول.
ثالثها – أن (ما) واقعة على صفات مَنْ يعقل كالنساء في قوله تعالى: {فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِنَ النِّسَآءِ} [النساء: 3] فقيل: (ما) هنا واقعة على النوع أي: فانكحوا النوع الطيب من النساء، وكذا ما هنا فيكون المعنى: والنوع الذي لا يدخل في الأمر والنهي.
رابعها – أن (ما) تستعمل في العاقل قليلا وهذا منه.
قال: لو وضع المصنف هذا الباب بعد باب النهي كان أحسن
قلت: نعم، أظن ذلك؛ لأن هذا الباب يتعلق بالبابين (الأمر والنهي) جميعا، فلو وضعه بعدهما كان أنسب
قال: لماذا عبر بجمع الذكور في قوله: "يدخل ... المؤمنون" ولم يقل: (والمؤمنات)؟
قلت: فما تقول أنت ؟
قال: أقول: عاملهن معاملة غير العقلاء لنقصان عقلهن
قلت: أحسنت .. لو قلت: لا أدري.
قال: ولِمَ ؟ أَلَسْنَ ناقصات عقل ودين؟
قلت: بلى، فكان ماذا؟
قال: لا أدري
قلت: لو قلتها من البداية لأرحتنا؛ إذ على قولك تصير النساء غير مكلفات
قال: فلماذا ترك ذكرهنَّ وهن مكلفات كالرجال ؟
قلت: الجواب عنه من وجوه:
الأول – أنه من باب التغليب فاقتصر على ذكر أشرف النوعين
الثاني – أنه على ظاهره، وأحال حكم الإناث على المقايسة أي أنهن يدخلن في الخطاب بطريق القياس والتبع[1].
الثالث – أن يقدّر موصوفا شاملا للذكور والإناث أي: الأشخاص المؤمنون[2].
قال: ألم تزعم أن الصبي والمجنونَ غيرُ مكلفَيْنِ؟
قلت: بلى
قال: ألا تعلم أن الزكاة واجبة في ماليهما، وكذا أروش الجنايات وقِيَم المُتْلَفات؟
قلت: بلى
قال: أليس هذا تناقضا؟
قلت: نعم، ليس تناقضا
قال:ولِمَ ؟
قلت: لانفكاك الجهة
قال: كيف ذلك ؟
قلت: ما هنا خطاب تكليف، وما هناك خطاب وضع
قال: تزعم أنك تُذَلِّلُ العقبات، والواقع أنك تُكَثِّرُها، فهلَّا حَلَلْتَ هذا التناقض الذي ذكرتُه لك بأبسط من هذا
قلت: أفعل إن شاء الله ولكن في اللقاء القادم
______________________________ _________
[1] الشرح الكبير على الورقات لابن قاسم: 192.
[2] حاشية السوسي على قرة العين: 84- 85.
-
قلت: قد ذكرت لك آنفا أن المراد بـ (خطاب الله) هنا هو (خطاب التكليف) المتضمن لطلب الفعل أو الترك
قال: نعم
قلت: وأما (خطاب الوضع) فقد سبق وهو جعل الشيء سببا لشيء أو شرطا له أو مانعا منه ... الخ.
فمن جهة التكليف: (الأمر والنهي) لا يؤمران بالزكاة ولا بقيمة المتلفات ونحو ذلك، وإنما المأمور بذلك وليهما.
وأما من جهة (خطاب الوضع) فاعلم:
أولا - أنه لا يشترط فيه التكليف بالبلوغ والعقل
ثانيا - أن الشارع قد ربط الأحكام بأسبابها أي: وضع أسبابا تقتضي أحكاما تترتب عليها تحقيقا للعدل في خلقه ورعاية لمصالح العباد، فمتى وُجِدَ السببُ وُجِدَ الحكم، فإذا وُجِدَ النصابُ وجبت الزكاةُ سواء كان النصاب لبالغ أو لصبي، لعاقل أو لغير عاقل، وكذا إذا وجد الإتلاف وجب الضمان إذا لم يرض صاحب الحق بإسقاط حقه[1].
قال: فما تقول في قوله صلى الله عليه وسلم : "مُرُوا أولادكم بالصلاة وهم أبناءُ سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناءُ عشر سنين؛ وفرِّقوا بينهم في المضاجع." أليس هذا أمرا للصبي؟
قلت: نعم، ليس أمرا للصبي
قال: ولِمَ ؟ أليس لفظ (مُرُوا) من ألفاظ الأمر كما سبق في بحث (صيغة الأمر)؟
قلت: بلى، هو من ألفاظ الأمر
قال: فمَهْ ؟
قلت: هل لفظ (مُرُوا) مُوَجَّهٌ للصبيان (الأولاد)؟
فسكت ونظر لأعلى متأملا كأنه كان غافلا عن هذه الحقيقة ثم قال وهو في هذه الحال: لا، ليس اللفظ موجها للأولاد بل لأولياء أمورهم.
قلت: أحسنت، وقد قال العراقي في طرح التثريب: "الصبيان ليسوا محلا للتكليف فلا يأمرهم الشارع بشيء، وإنما يأمرهم الأولياءُ بذلك على طريق التمرين كسائر ما يُرَبُّونَهُم عليه"[2].
قال: دعنا من الصبي والمجنون وأخبرني عن الساهي؛ أليس سجود السهو مشروعا له؟
قلت: بلى
قال: أليس إن أتلف شيئا حال سهوه ضمنه؟
قلت: بلى
قال: فهذا تكليف له
قلت: لا، ليس هذا تكليفا للساهي بل أمر له بعد ذهاب السهو عنه بتدارك ما فاته أو جبر ما أتلفه[3].
قال: كأني عرفت شرط التكليف مما سبق
قلت: وما هو؟
قال: شرط التكليف: فهمُ الخطاب وقوة حمله
قلت له: أحسنت؛ فقد قال العلماء: الساهي والمجنون لا يفهمان، والصبي ليس له الطاقة[4].
قال: وأزيدك هنا أن الساهي يدخل فيه: الناسي والمخطئ والنائم.
قلت: أحسنت
قال: وأزيدك أيضا أن بعض العلماء ذهب إلى أن الصبي ليس كالمجنون؛ فالصبي يمكن أن يتوجه إليه خطاب الندب والكراهة، فما يفعله من الأمور الواجبة على البالغين يسمى في حقه ندبا ويثاب عليه، وما يكون من المحرمات والمكروهات يكون بمثابة المكروه في حقه يثاب على تركه ولا يعاقب على فعله.
قلت: ما شاء الله، أحسنت.
______________________________ ____________________
[1] شرح الفوزان 50.
[2] طرح التثريب في شرح التقريب: 7/ 87 ط. دار إحياء التراث العربي
[3] شرح الورقات لابن الفركاح: 149، والتحقيقات لابن قاوان: 206.
[4] التحقيقات لابن قاوان: 205.