رد: مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن"
مختارات من تفسير من روائع البيان في سور القرآن (77)
مثنى محمد هبيان
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ نُؤۡمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا وَيَكۡفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَهُمۡۗ قُلۡ فَلِمَ تَقۡتُلُونَ أَنۢبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبۡلُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ٩١) [البقرة: 91]
السؤال الأول:
ما المقصود بـ (بِمَا وَرَآءَهُۥ) [البقرة:91] في الآية؟
الجواب:
1ـ الدين الذي كان سائداً قبل الإسلام في جزيرة العرب هو اليهودية وليس النصرانية, واليهود كانوا قبائل في جزيرة العرب، واليهودي لا يؤمن بنبوة عيسى عليه السلام، ولذلك بقي يهودياً وإلا لأصبح نصرانياً أو مسلماً.
2ـ وقوله تعالى: (وَيَكۡفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ) أي: وراء ما أنزل الله عليهم مما أنزل الله على رسله ما قبل التوراة وما بعدها؛ لأنّ وراء تفيد: خلف وأمام، ولا شكّ أنّ هذا يشمل القرآن الكريم. وجاء بما يدلّ على القرآن بالصيغة الاسمية مع واو الحال {وهو الحق}ليدل عليه بشكل ثابت وقطعي، وعلى حاله بكونه (مُصَدِّقٗا) للتوراة من غير تفاوت بينهما في الأصول.
3ـ والقرآن يدلّ على نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم , فلمّا أخبر الله عنه أنه مصدق للتوراة وجب اشتمال التوراة على الإخبار عن نبوته، وإلا لم يكن القرآن مصدقاً للتوراة بل كان مكذباً لها.
4ـ وإذا كانت التوراة مشتملة على نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهم قد اعترفوا بوجوب الإيمان بها لزمهم من هذه الجهة الإيمان بالقرآن وبنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
السؤال الثاني:
ما دلالة صيغة الفعل المضارع في (تَقۡتُلُونَ) ؟
الجواب:
هذا يُسمّى حكاية الحال، بمعنى أنه إذا كان الحدث ماضياً وكان مهماً فإنّ العرب تأتي بصيغة المضارع حتى تجعل الحدث وكأنه شاخص ومُشاهد أمامك.
والمضارع يدل على الحال والاستقبال، والإنسان يتفاعل عادة مع الحدث الذي يشاهده أكثر من الحدث الذي لم يره أو الذي وقع منذ زمن بعيد، فالعرب تحول صيغة الأحداث إلى صيــغة مضارع وإنْ كانت ماضية.
وهذا الأمر ورد في القرآن كثيراً، كما في قوله تعالى في سورة البقرة: (قُلۡ فَلِمَ تَقۡتُلُونَ أَنۢبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبۡلُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ) [البقرة:91] قتل الأنبياء هو حالة مستغربة، وفي القرآن يأتي بصيغة المضارع مع الأشياء التي تدل على الحركة والحيوية والمهمة.
وقد جاء في قوله تعالى في سورة فاطر: (وَٱللَّهُ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ ٱلرِّيَٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابٗا فَسُقۡنَٰهُ إِلَىٰ بَلَدٖ مَّيِّتٖ فَأَحۡيَيۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ كَذَٰلِكَ ٱلنُّشُورُ) [فاطر:9] جاء فعل (أرسل) بصيغة الماضي ثم فعل (فَتُثِيرُ) بصيغة المضارع ثم فعل (فَسُقۡنَٰهُ) بصيغة الماضي مع أنّ السّوق يأتي بعد الإثارة والأحداث كلها ماضية؛ لكنّ الإثارة مشهد حركة فجعلها بصيغة المضارع ليدلّ على الحضور.
وهذا الأمر نجده أيضاً في السيرة، ففيما روي عن الصحابي الذي قتل أبا رافع اليهودي الذي آذى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال يصف ما حصل شعراً:
فناديت أبا رافع فقال نعم فأهويت عليه بالسيف فأضربه وأنا دهش؟
فجعل صيغة المضارع للمشهد الأبرز وهو الضرب، فكأنّ السامع يرى الحادثة أمامه ويرى الصحابي وهو يضربه.
السؤال الثالث:
ما دلالة قوله تعالى: (إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ) في هذه الآية وفي القرآن الكريم؟
الجواب:
ورد هذا التركيب (إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ) في القرآن الكريم في (16) موضعاً وهي ( البقرة 91،93،248،278) وآل عمران ( 49 ,139، 175 ) المائدة ( 23، 57،112 ) الأعراف ( 85 ) الأنفال ( 1)التوبة (13) هود( 86 ) النور( 17 ) الحديد (8 ).
بينما ورد التركيب (إِن كَانُواْ مُؤۡمِنِينَ) في مكان واحد في آية التوبة في قوله تعالى: (يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمۡ لِيُرۡضُوكُمۡ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرۡضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤۡمِنِينَ) [التوبة:62].
وهذا التركيب العجيب يضع الناس أمام أنفسهم وجهاً لوجه , وسر هذا التركيب يكمن في كلمة (إنْ) وهي أداة شرط تستعمل في القرآن عندما يكون الأمر موضع شك قابلاً للظن والاحتمال , أمّا (إذا) فتستعمل في مواضع اليقين.
وقد ورد تركيب (إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ) مع فئتين من الناس:
الأولى: وهم المؤمنون الصادقون الذين لا يُشَكُّ في صدقهم وحسن بلائهم وسابق جهادهم وصحبتهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية: وهم المنافقون الفاسقون الذين لا يُشَكُّ في خياناتهم وتلونهم وكذبهم.
ومن السهل أنْ نفهم التركيب (إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ) مع الفئة الثانية فهم يكذبون على الله وعلى رسوله وعلى المؤمنين، ولذلك يخاطبهم الله عز وجل بأسلوب الشك في إيمانهم ويبين للمؤمنين الصادقين كذبهم ونفاقهم، قال تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ نُؤۡمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا وَيَكۡفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَهُمۡۗ قُلۡ فَلِمَ تَقۡتُلُونَ أَنۢبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبۡلُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ) [البقرة:91].
أمّا ورود هذا التركيب مع فئة المؤمنين الصادقين المخلصين كما في آية الأنفال: (يَسۡ*َٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَنفَالِۖ قُلِ ٱلۡأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصۡلِحُواْ ذَاتَ بَيۡنِكُمۡۖ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ) [الأنفال:1] وقد نزلت هذه الآية الكريمة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة بدر ومعه الصحابة الذين هم أكرم أهل الأرض بعد أنبياء الله , فمن الواضح أنّ مثل هذه الآية عندما ترد مع مثل هؤلاء الناس تكون تطهيراً لهم وتعليماً وتذكيراً، كأنها تضعهم في منزلة الشك في إيمانهم إنْ لم يفعلوا ما يأمرهم الله به فيهبوا للعمل بأحكام الله فيدفعوا عنهم صورة التردد والشك، وليدخلوا في دائرة الإيمان الوثيق الذي يعلمه الله منهم بصدق أقوالهم وأعمالهم.
السؤال الرابع:
ما دلالة لفظة (قَبۡلُ) في هذه الآية (قُلۡ فَلِمَ تَقۡتُلُونَ أَنۢبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبۡلُ) [البقرة:91]؟
الجواب:
قوله تعالى: (مِن قَبۡلُ) طمأنة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أنّ قتلهم الأنبياء انتهى , وفي الوقت نفسه قضاء على آمال اليهود في أنْ يقتلوا محمداً صلى الله عليه وآله وسلم .
وبذلك نزع الله الخوف من صدور وقلوب المؤمنين على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنّ ما جرى للرسل السابقين من بني إسرائيل لن يجري على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنهم لو تآمروا على قتله عليه الصلاة والسلام فلن يفلحوا.
واليهود بعد نزول هذه الآية لم يتوقفوا عن تآمرهم على قتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرة بمحاولة إلقاء الحجر عليه، ومرة بدس السم له، ومحاولات أخرى لكنها فشلت كلها.
السؤال الخامس:
كيف جاز قوله تعالى: (فَلِمَ تَقۡتُلُونَ أَنۢبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبۡلُ) ولا يجوز أنْ يقال: أنا أضربك أمس؟ وما نوع الفاء في لفظة: (فَلِمَ تَقۡتُلُونَ) ؟
الجواب:
1ـ في الأمر قولان:
آ ـ أنّ ذلك جائز إذا كان بمنزلة الصفة اللازمة، كقولك: ويحك لِمَ تكذب؟ كأنك قلت: لم يكن هذا من شأنك , وكقوله تعالى: (وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتۡلُواْ ٱلشَّيَٰطِينُ) [البقرة:102] ولم يقل: ما تلت؛ لأنه أراد من شأنها التلاوة.
ب ـ كأنه قال: لم ترضون بقتل الأنبياء من قبل إنْ كنتم آمنتم بالتوراة؟
2ـ الفاء (فَلِمَ) تسمى الفصيحة لأنها قد أفصحت عن شرط مقدر , أي إنْ كانت دعواكم صحيحة فَلِمَ تقتلون؟ واللام حرف جر , و( ما ) اسم استفهام في محل جر باللام , وحُذفت الألف من ( ما ) فرقاً بينها وبين ( ما ) الخبرية. والجار والمجرور متعلقان بالفعل ( تقتلون ).
والله أعلم.
السؤال السادس:
ما دلالة هذه الآية بشكل عام؟
الجواب:
1ـ عندما قال المسلمون لليهود آمنوا بمحمد , ردّ عليهم اليهود: نحن نؤمن بما أُنزل على نبينا موسى عليه السلام ولا نؤمن بغيره (وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ نُؤۡمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا وَيَكۡفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ) .
2ـ قال تعالى: (وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَهُمۡۗ) فجاء بألف التعريف ( الحق ) بصيغة التعريف لا بصيغة التنكير, ليبيّن أنه الحق بصورة دائمة , وهو يوافق التوراة التي بين أيديكم , فوحي السماء واحد لا يختلف.
3 ـ ردّ الله عليهم مقالتهم بأمرين:
آ ـ من يكفر بالقرآن فقد كفر بالتوراة , لأنه الحق المطابق للواقع الموافق للتوراة , فهو: (ٱلۡحَقُّ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَهُمۡۗ) .
ب ـ إنْ كنتم مؤمنين بما أُنزل عليكم (فَلِمَ تَقۡتُلُونَ أَنۢبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبۡلُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ) أي إنْ كنتم كما تزعمون أنكم تؤمنون بكتب الله كالتوراة والإنجيل , وبرسل الله كموسى وعيسى عليهما السلام فلِمَ قتلتم أيها اليهود أنبياء الله كيحيى وزكريا؟! وقد حرّم الله عليكم ذلك في التوراة , ولمَ كذبتم نبيكم موسى عليه السلام؟!!!
والله أعلم.
رد: مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن"
مختارات من تفسير من روائع البيان في سور القرآن(78)
مثنى محمد هبيان
(وَلَقَدۡ جَآءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ ثُمَّ ٱتَّخَذۡتُمُ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَنتُمۡ ظَٰلِمُونَ)[البقرة: 92]
السؤال الأول:
متى تُذكَّر (ٱلۡبَيِّنَٰتُ) أو تؤنَّثُ في الاستعمال القرآني؟
الجواب:
جاءت كلمة (ٱلۡبَيِّنَٰتُ) بصورها المختلفة في القرآن الكريم أكثر من 52 مرة، فإنْ جاءت بمعنى المعجزات تؤنث، وإنْ جاءت بمعنى حبل الله أو القرآن أو بمعنى الأمر والنهي تذكّر.
شواهد قرآنية على التأنيث، أي: بمعنى المعجزات والنبوءات:
ـ (فَإِن زَلَلۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡكُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [البقرة:209].
ـ (كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّ*ۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِۚ وَمَا ٱخۡتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۖ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلۡحَقِّ بِإِذۡنِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٍ) [البقرة:213].
ـ (تِلۡكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۘ مِّنۡهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُۖ وَرَفَعَ بَعۡضَهُمۡ دَرَجَٰتٖۚ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ وَلَٰكِنِ ٱخۡتَلَفُواْ فَمِنۡهُم مَّنۡ ءَامَنَ وَمِنۡهُم مَّن كَفَرَۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلُواْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ) [البقرة:253].
ـ (ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ فَعَفَوۡنَا عَن ذَٰلِكَۚ وَءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينٗا) [النساء:153]
شواهد قرآنية على التذكير، أي: بمعنى الأمر والنهي:
ـ (كَيۡفَ يَهۡدِي ٱللَّهُ قَوۡمٗا كَفَرُواْ بَعۡدَ إِيمَٰنِهِمۡ وَشَهِدُوٓاْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقّٞ وَجَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ) [آل عمران:86].
ـ (وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخۡتَلَفُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ) [آل عمران:105].
ـ (قُلۡ إِنِّي نُهِيتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَمَّا جَآءَنِيَ ٱلۡبَيِّنَٰتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرۡتُ أَنۡ أُسۡلِمَ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ) [غافر:66].
السؤال الثاني:
ما دلالة هذه الآية؟
الجواب:
1ـ المعنى العام: لقد جاءكم نبي الله موسى عليه السلام بالمعجزات الواضحات الدالة على صدقه , كالطوفان والجراد والقمّل والضفادع وغير ذلك ,ومع ذلك اتخذتم العجل معبوداً , بعد ذهاب موسى إلى ميقات ربه ,فلم يكن اتخاذكم العجل معبوداً عن جهل ,لذلك صار الظلم وصفاً لكم , وجاء بواو الحال المقرونة بالصيغة الاسمية الدالة على ثبوت الظلم وملازمته لكم (وَأَنتُمۡ ظَٰلِمُونَ) .
2ـ قوله تعالى: (وَلَقَدۡ) جاء بصيغة التوكيد , فاللام جواب قسم محذوف , و( قد ) حرف تحقيق.
3ـ قوله تعالى: (مِنۢ بَعۡدِهِۦ) ولم يقل: (بَعدَه ) ليفيد بقصر الزمن, أي بعد مفارقة موسى عليه السلام إلى الطور.
(وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱسۡمَعُواْۖ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا وَأُشۡرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡعِجۡلَ بِكُفۡرِهِمۡۚ قُلۡ بِئۡسَمَا يَأۡمُرُكُم بِهِۦٓ إِيمَٰنُكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ) [البقرة: 93]
السؤال الأول:
ما معنى (وَأُشۡرِبُواْ) في الآية؟
الجواب:
الإشراب هو أنْ تسقي غيرك وتجعله يشرب، فكيف أُشربوا العجل؟
إنّ الشرب هو جريان الماء في عروق الإنسان، وقد عبّر الله تعالى عن شدة شغف اليهود بالعجل بشرب الماء؛ لأنّ الماء أسرى الأجسام في غيره, ولذلك يقال: الماء مطية الأدوية ومركبها التي تسافر به في أقطار البدن, فجعل شدة حبهم للعجل وعدم قدرتهم على إخراج هذا الحب الذي خالطهم أشبه ما يكون بالماء الذي لا غنى لأحد عنه وهو يسري في عروق الإنسان فيصبح جزءاً من جسم الإنسان , وكذلك حُبُّ بني إسرائيل للعجل خالط لحومهم ودماءهم حتى غدا جزءاً منهم. وقد عُبّر عن حبّ العجل بالشرب دون الأكل لأنّ شرب الماء يتغلغل في الأعضاء حتى يصل إلى باطنها والطعام لا يتغلغل فيها , وفي هذا تشبيه بليغ حيث جُعلت القلوب لتمكّن حبِّ العجل منها كأنها تشرب , وقوله تعالى: (فِي قُلُوبِهِمُ) بيان لمكان الإشراب.
السؤال الثاني:
ما أهم اللمسات اللغوية في الآية؟
الجواب:
1ـ إنّ إظلال الجبل لا شك أنه من أعظم المخوِّفات , ومع ذلك فقد أصرّوا على كفرهم وصرّحوا بقولهم: (سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا) وهذا يدل على أنّ التخويفَ وإنْ عَظُمَ لا يوجب الانقياد.
2ـ قوله تعالى: (بِكُفۡرِهِمۡۚ) فالمراد باعتقادهم التشبيه على الله وتجويزهم العبادة لغيره سبحانه وتعالى.
3ـ قوله تعالى: (قُلۡ بِئۡسَمَا يَأۡمُرُكُم بِهِۦٓ إِيمَٰنُكُمۡ) فيه مسألتان:
آ ـ المراد بئسما يأمركم به إيمانكم بالتوراة , لأنه ليس في التوراة عبادة العجل , وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم , كما قال في قصة شعيب: (أَصَلَوٰتُكَ تَأۡمُرُكَ) [هود:87].
ب ـ الإيمانُ عَرَض , ولا يصح منه الأمرُ والنهي , لكنّ الداعي إلى الفعل قد يشبه الأمر.
4ـ قوله تعالى: (إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ) فالمراد التشكيك في إيمانهم والقدح في صحة دعواهم.
والله أعلم.
رد: مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن"
مختارات من تفسير من روائع البيان في سور القرآن (79)
مثنى محمد هبيان
(قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ٩٤ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ )[البقرة: 94-95]
السؤال الأول:
ما دلالة هاتين الآيتين؟
الجواب:
في هاتين الآيتين تصحيح لمزاعم اليهود أنّ الآخرة والجنة لهم من دون الناس , وأنّ النار لن تمسهم إلا أياماً معدودة , وأنهم شعب الله المختار , فأمر اللهُ رسوله عليه السلام أن يبلغهم: إنْ كان الأمر كما تزعمون فتمنوا لقاء الله وادعوا على أنفسكم بالموت , فإنّ الحبيب يَودُ لقاء حبيبه , وهذا نوع من مباهلة بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم , وليس أمام اليهود بعد هذا الإلجاء والمضايقة إلا أحد أمرين: إمّا أن يؤمنوا بالله ورسوله , وإمّا أن يباهلوا على ما هم عليه بأن يتمنوا الموت , فامتنعوا من ذلك كله , فعلم كلُ واحد أنهم في غاية المعاندة والمحادة لله ورسوله مع علمهم بذلك . وسُميت المباهلة تمنياً لأنّ كل محقٍ يودُّ لو أهلك اللهُ المبطلَ المناظر له.
وجاء في الأثر عن ابن عباس رضي الله عنهما: ( لو تمنوا الموت لشرق أحدُهم بريقه ).
وفي قوله تعالى: (فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ) خروج الأمر من معناه الأصلي إلى معنى التعجيز , لأنّ ذلك ليس من صفاتهم , ولأنّ تمني الموت لا يكون إلا من شأن المقربين الأبرارلأنّ من أيقن بالشهادة اشتاق لها , وحنّ إليها.
ثم بيّن الله أنّ اليهود لن يتمنوا الموت أبداً بسبب ما قدمت أيديهم في حياتهم من الذنوب والتكذيب والمعاصي والكفر بالرسول عليه الصلاة والسلام , وبسبب علمهم أنّ الموت طريق الحساب والجزاء , فالموت أكره شيء لهم , وهم أحرص الناس على الحياة مهما كان نوعها , قال تعالى: (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ) [البقرة:95].
السؤال الثاني:
عبّر الله تعالى في الآية عن الذنوب والمعاصي التي ارتكبها بنو إسرائيل بقوله: (بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ) [البقرة:95] فلِمَ خصَّ اليد بالذنب دون غيرها مع أنهم أساءوا لعيسى عليه السلام بلسانهم وكذبهم عليه؟
الجواب:
إذا رجعت إلى فظائعهم وجدت أفظعها باليد, فأكثر ما صنعوه هو تحريف التوراة ووسيلته اليد، وأفظع ما اقترفوه قتل الأنبياء وآلته اليد.
السؤال الثالث:
نفى التمني في هذه الآية بـ ( لن) (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ) [البقرة:95] ونفاه في آية الجمعة بـ ( لا ) (وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ ) [الجمعة:7] فما سبب الفرق؟
الجواب:
السبب هو اختلاف سياق الآيتين:
أولا ً ـ السياق:
قال في الجمعة: (قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ٦ وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ٧)
وقال في البقرة: (قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ٩٤ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ٩٥)
فأنت ترى الفرق واضحاً بين السياقين؛ فالكلام في آية البقرة عن الآخرة, والدار الآخرة للاستقبال؛ فنفى بـ(لن)؛ إذ هو حرفٌ خاصٌ بالاستقبال.
وأمّا الكلام في آية الجمعة فهو عام لا يختص بزمن دون زمن (إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ) [الجمعة:6] فهذا أمر مطلق ؛ من أجل هذا نفى بـ (لا)، وهو حرف يفيد الإطلاق والعموم.
ثانياً:
لمّا كان الزمنُ في آية الجمعة عاماً مطلقاً غير مقيد نفاه بـ(لا) التي آخرها حرف إطلاق وهو الألف , ولمّا كان الزمن مقيداً في آية البقرة للاستقبال وهو زمنٌ مقيد نفاه بـ(لن) التي آخرها حرف مقيد , وهو النون الساكنة، وهو تناظر فني جميل.
ثالثاً:
تُعدّ هذه الآية بما فيها من تحدٍّ سافر لليهود إحدى معجزات القرآن وإحدى دلائل النبوة، ألا ترى أنها نفت صدور تمني الموت مع حرصهم على أنْ يظهروا تكذيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكان تمني الموت فيه تكذيب لهذه الآية ومن ثَمَّ تكذيب للنبي عليه السلام، ومع ذلك لم يُنقل عن أحد منهم أنه تمنى الموت.
السؤال الرابع:
قوله تعالى: (قَدَّمَتْ) في الآية، ما العلاقة بين التعبيرين (بما قدمت) و (بما كسبت) في القرآن الكريم؟
الجواب:
1ـ الآيات التي فيها فعل (قَدَّمَتْ) ليس فيها كسب.
شواهد قرآنية: (بِمَا قَدَّمَتْ):
البقرة 95ـ النساء 62ـ القصص47ـ الروم36ـ الشورى 48ـ الجمعة 7
2ـ آيات الكسب (فَبِمَا كَسَبَتْ) يسبقها شيء يدل على الكسب, والكسب هنا هو الكسب غير المشروع.
شواهد قرآنية: (فَبِمَا كَسَبَتْ) :
البقرة 225ـ الأنعام 70ـ الرعد 33ـ الروم41ـ غافر17ـ الشورى 30ـ الجاثية 22ـ المدثر 38.
فمثلاً: آية الشورى 30، ورد فيها قوله تعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) وسبقها في الآية 27 قوله تعالى (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ) [الشورى:27] وبسط الرزق يدل على الكسب.والله أعلم.
رد: مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن"
مختارات من تفسير من روائع البيان في سور القرآن(80)
مثنى محمد هبيان
وَلَتَجِدَنَّهُ مۡ أَحۡرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٖ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمۡ لَوۡ يُعَمَّرُ أَلۡفَ سَنَةٖ وَمَا هُوَ بِمُزَحۡزِحِهِۦ مِنَ ٱلۡعَذَابِ أَن يُعَمَّرَۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ) [البقرة: 96]
السؤال الأول:
ما دلالة استخدام كلمة (حَيَوٰةٖ) نكرة في هذه الآية؟
الجواب:
1ـ الآية في سياق الحديث عن اليهود, وجاءت كلمة (حَيَوٰةٖ) نكرة, وهي تعني أيَّ حياةٍ مهما كانت تافهة أو ذليلة، وهذه إشارة إلى أنهم يريدون أي حياة كانت وإنْ كانت تافهة أو مُهينة وليست الحياة الكريمة، لذا هم حرصوا على حياة تافهة ولا يتمنون الموت كما تحدّاهم به القرآن.
2ـ المشرك حريص على الحياة؛ لأنه يعتقد أنّ الدنيا هي الغاية, بينما اليهود أشد حرصاً على الحياة من المشركين؛ لأنهم يخافون الموت لسوء أعمالهم السابقة, وقد حُببت إليهم الخطيئة طول العمر , لذلك كلما طالت حياتهم ظنوا أنهم بعيدون عن عذاب الله, ولذلك هم لا يبالون أنْ يعيشوا في ذلة أو في مسكنة, المهم أنْ يعيشوا في أي حياة مهما كان نوعها, ولذلك جاءت بالتنكير؛ لأنّ النكرة تفيد الكثرة وهم يريدون الحياة المتطاولة، فناسب التنكير.وقوله تعالى: (أَحۡرَصَ) صيغة مبالغة من الحرص وهو طلب الاستغراق فيما يختص فيه الحظ.
السؤال الثاني:
ما دلالة الود في الآية في أنْ يعيشوا ألف سنة؟
الجواب:
1ـ قوله تعالى: (يَوَدُّ أَحَدُهُمۡ لَوۡ يُعَمَّرُ أَلۡفَ سَنَةٖ) الود هو الحب، أي: أنهم يحبون أنْ يعيشوا ألف سنة أو أكثر، لكنّ هذا أيزحزحه عن العذاب؟ بالطبع لا؛ لأنّ طول العمر لا يغير النهاية.
2ـ قوله تعالى: (أَن يُعَمَّرَۗ ) بصيغة المبني للمجهول؛ ليدل على أنّ الأمر بيد الله وأنّ العمر ليس ملكاً لإنسان.
السؤال الثالث:
لماذا ذُكرت الألف سنة؟
الجواب:
لأنها هي نهاية ما كان العرب يعرفونه من الحساب, ولذلك فإنّ الرجلَ الذي أَسر في الحرب أختَ كسرى فقالت له: كم تأخذ وتتركني؟ قال: ألف درهم، قالوا له: بكم فديتها؟ قال: بألف، قالوا: لو طلبت أكثر من ألف لكانوا أعطوك، قال: والله لو عرفت شيئاً فوق الألف لقلته، ولذلك كانوا يقولون عن المليون: ألف ألف.
وفي قوله تعالى: (أَلۡفَ سَنَةٖ) كناية عن الكثرة , وليس المراد خصوص الألف. وقيل: الألف كمال العدد بكمال ثالث رتبة , والسنة تمام دورة الشمس , وتمام ثنتي عشرة دورة للقمر.
السؤال الرابع:
أين مفعولا الفعل المتعدي وَلَتَجِدَنَّهُ مۡ) [البقرة:96] في الآية؟
الجواب:
الفعل وَلَتَجِدَنَّهُ مۡ)[البقرة:96] هو فعل متعدٍّ إلى مفعولين، وهما: الضمير(هم) في وَلَتَجِدَنَّهُ مۡ) [البقرة:96] و (أَحۡرَصَ) [البقرة:96].
السؤال الخامس:
الواو في قوله تعالى: ( وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۚ ) [البقرة:96] ما دلالتها؟
الجواب:
الواو في الآية على ثلاثة أقوال:
آـ حرف عطف بتقدير أنّ اليهود أحرص الناس على حياة وأحرص من الذين أشركوا, وهذا القول أولى، والله أعلم.
ب ـ استئنافية؛ أي أن الكلام تم عند قوله تعالى (عَلَىٰ حَيَوٰةٖ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۚ) [البقرة:96] ثم استأنف قوله.
ج ـ أنّ فيه تقديماً وتأخيراً، وتقديره: ولتجدنهم وطائفة من الذين أشركوا أحرص الناس على حياة، ثم فسر هذه المحبة بقوله تعالى: (يَوَدُّ أَحَدُهُمۡ لَوۡ يُعَمَّرُ أَلۡفَ سَنَةٖ) [البقرة:96].
السؤال السادس:
من المقصودون في الآية (ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۚ) [البقرة:96]؟
الجواب:
قوله تعالى: (وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ) [البقرة:96] قيل: هم المجوس، وقيل: الأعاجم، وقيل: هم مشركو العرب، وقيل: كل مشرك لا يؤمن بالمعاد.
السؤال السابع:
ما دلالة الزحزحة في الآية؟
الجواب:
قوله تعالى: (وَمَا هُوَ بِمُزَحۡزِحِهِۦ مِنَ ٱلۡعَذَابِ أَن يُعَمَّرَۗ) [البقرة:96] الزحزحة: هي التبعيد والإنحاء، والمراد: أنه لا يؤثر في إزالة العذاب على الكافر أقل تأثير, إنما تزحزحه الطاعة المقرونة بالإيمان الصحيح , وها هو إبليس لم ينفعه عمره الطويل أن ينجو من الناربسبب كِبره وكفره.
والفعل ( زُحزح ) يُستعمل لازماً ومتعدياُ , وتكرار الحروف بمثابة تكرار العمل. والزحزحة إبعاد الشيء المستثقل المترامي لما يبعد عنه.
السؤال الثامن:
ما اللمسة البيانية في قوله تعالى: (وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ) [البقرة:96]؟
الجواب:
قوله تعالى: (وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ) [البقرة:96] و يراد به البصر والعلم، فالله بصير وعليم بأفعالهم.
وجاء بالفعل المضارع: (يَعۡمَلُونَ) [البقرة:96] للدلالة على تجدد الحدث باستمرار.
السؤال التاسع:
في قوله تعالى: (يَعۡمَلُونَ) [البقرة:96] ما الفرق بين العمل والفعل والصنع؟
الجواب:
قال: (يَعۡمَلُونَ) [البقرة:96] ولم يقل: يفعلون، أو يصنعون:
آـ يفعلون: الفعل عام، وقد يكون بقصد أو بغير قصد، ويصلح أنْ يقع من الحيوان أو الجماد.
ب ـ يعملون: في الأكثر فيه قصد، وهو مختص بالإنسان، وهو أخص من الفعل، لذلك قلّما ينسب إلى الحيوان , والعرب لم تقله إلا في البقر التي تحرث الأرض.
ج ـ يصنعون: الصنع أخص، وهو إجادة الفعل ويحتاج إلى دقة، ولا ينسب إلى حيوان أو جماد فهو أخص من العمل، قال تعالى: (صُنۡعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ أَتۡقَنَ كُلَّ شَيۡءٍۚ ) [النمل:88].
وعندما تأتي (يَصۡنَعُونَ) فتعني ما يخططون وما يدبرون بدقة وإجادة.
فالفعل عام والعمل أخص منه، والصنع أخص ويحتاج إلى دقة.
والله أعلم.
رد: مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن"
مختارات من تفسير من روائع البيان في سور القرآن (81)
مثنى محمد هبيان
(قُلۡ مَن كَانَ عَدُوّٗا لِّـجِبۡرِيلَ فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلۡبِكَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَهُدٗى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ ) [البقرة: 97]
السؤال الأول:
ما دلالة قوله تعالى: (مَن كَانَ عَدُوّٗا لِّـجِبۡرِيلَ) [البقرة:97]؟
الجواب:
الحق سبحانه يريد أنْ يلفتنا إلى أعمال اليهود، فهم:
1ـ يقتلون الأنبياء.
2ـ يحرفون التوراة.
3ـ يعادون الملائكة وخاصة جبريل عليه السلام.
وعداوتهم للملائكة تؤكد ماديتهم فهم يقيسون الأمر على البشر.
والله يقول عن السبب:(فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلۡبِكَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَهُدٗى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ ) [البقرة:97].
وهكذا الحق سبحانه يريد أنْ يلفتنا إلى وحدة الحق في الدين, فالمصدر هو الله جل جلاله، ورسوله من الملائكة هو جبريل، ورسله من البشر هم الرسل والأنبياء الذين بعثهم الله, وميكائيل ينزل بالخير والخصب؛ لأنّ الإيمان أصل وجود الحياة.
لذلك من كان عدواً للملائكة والرسل وجبريل وميكال فهو كافر, وهذا الحكم لم يخبر به الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فقط، وإنما أمره بأنْ يعلنه حتى يعرفه الناس جميعاً ويعرفوا أنّ اليهود كافرون.
السؤال الثاني:
ما الفرق بين (نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلۡبِكَ) [البقرة:97] في هذه الآية وبين (أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ) [البقرة:99] في آية البقرة 99؟
الجواب:
أولا ـ لنستعرض الآيات:
قوله تعالى: (قُلۡ مَن كَانَ عَدُوّٗا لِّـجِبۡرِيلَ فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلۡبِكَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَهُدٗى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ ) [البقرة:97] وقوله تعالى (وَلَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ءَايَٰتِۢ بَيِّنَٰتٖۖ وَمَا يَكۡفُرُ بِهَآ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقُونَ) [البقرة:99].
ثانياً ـ السياق:
1ـ آية البقرة [97] تخص اليهود، حيث أعلنوا عداءهم لجبريل عليه السلام , فكأنّ الآية تقول لهم: جبريل لم يصنع شيئاً من عند نفسه وإنما نزّل القرآن على قلب محمد صلى الله عليه وآله وسلم بإذنٍ من الله تعالى ,و(على) تفيد الاستعلاء. والفعل (نزّل) بالتضعيف يفيد التكثير والتدريج.
2ـ آيتا البقرة [ 98،99] ذكر الله جبريل عليه السلام في الآية [98] لكنّ الله سبحانه في الآية [99] وهو يتكلم عن إنزال القرآن الكريم لم يشر إلى جبريل، وإنما أشار إلى المصدر الأول وهو الله سبحانه، فقال بصيغة التوكيد: (وَلَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ) [البقرة:99] والحرف (إلى) يفيد الإيصال , أي: أوصلنا القرآن إليك لتبلغه للناس.
السؤال الثالث:
ما معنى اسم (جبريل)؟ وكم لغة في اسم (جبريل)؟
الجواب:
1ـ قال بعض أهل العلم: اسم (جبريل) معناه: عبد الله , جبر (عبد) و(ايل) الله.
2ـ في اسم جبريل سبع لغات: فقد قرأ ابن كثير (جَبرِيل) بفتح الجيم وكسر الراء من غير همز , وقرأ حمزة والكسائي بفتح الجيم والراء مهموزاً , والباقون بكسر الجيم والراء غير مهموز بوزن (قنديل) , إضافة إلى: (جبرائل) و (وجبرائيل) و(جبرايل) و (جبرين) بالنون ومنع الصرف للتعريف والعجمة. والله أعلم.
السؤال الرابع:
ما أهم الدلالات في هذه الآية؟
الجواب:
1ـ نزلت هذه الآية رداً على زعم اليهود أنّ جبريل عدوٌ لهم , وأنّ ميكائيل وليٌ لهم.
2ـ قوله تعالى: (مَن كَانَ) اسم للشرط , فكيف استقام قوله تعالى: (فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ) جواباً للشرط؟ والجواب: أنّ الله سبحانه بيّن أن هذه العداوة فاسدة , لأنّ (جبريل) أُمِرَ بإنزال كتاب فيه الهداية والبشارة فأنزله , فهو من حيث إنه مأمور فهو معذور , ومن حيث أنه أتى بالهداية والبشارة فيجب أن يكون مشكوراً , فكيف تليق به العداوة !!.
و(الفاء) في: (فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ) عاطفة على جواب الشرط المقدّربمثابة التعليل له.والهاء في (نَزَّلَهُۥ) يعود على القرآن , وفي إضماره تفخيم لشأن صاحبه.
3ـ قوله تعالى: (نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلۡبِكَ) خُصّ القلبُ بالذكر لأجل أنّ الذي نزل به ثبت في قلبه حفظاً حتى أداه إلى أمته , فلمّا كان سبب تمكنه من الأداء ثباته في قلبه حفظاً جاز أن يُقال: نزّله على قلبك , وإنْ كان في الحقيقة نزّله عليه لا على قلبه , وكما قال تعالى: (وَإِنَّهُۥ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ١٩ ٢ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِينُ١٩٣ عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ١٩ ٤ بِلِسَانٍ عَرَبِيّٖ مُّبِينٖ١٩٥ﱠ)[الشعراء:192- 195].
4ـ قوله تعالى: (بِإِذۡنِ ٱللَّهِ) أي بأمر الله , والإذنُ رفعُ المنع.
5 ـ قوله تعالى: (مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ) فمحمول على ما أجمع عليه أكثر المفسرين من أنّ المراد ما قبله من كتب الأنبياء.
6 ـ قوله تعالى: (وَهُدٗى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ ) فـالقرآن مشتمل على (الهدى) إلى كل خير ,ويشمل ما وقع به التكليف من أعمال الجوارح والقلوب , وهو(بشرى) ببيان الثواب للمؤمنين الذين انقادوا للحق فلا يفرقون بين كتب الله ولا بين رسله , وقُدّم الهدى على البشرى لأنّ الهدى هو الأصل , والبشرى نتيجة للمؤمن , ولا بُشرى بغير هداية.
7ـ هذه الآية مدحت القرآن الكريم بخمس صفات:
آ ـ أنّه منزّل من عند الله سبحانه.
ب ـ أنه منزّل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم , وهو أكمل القلوب على الإطلاق.
ج ـ أنه مصدقٌ لما سبقه من الكتب السماوية المنزلة من عند الله.
د ـ أنه يهدي إلى الحق.
هـ ـ أنه بشرى للمؤمنين الصادقين العاملين بما فيه.
والله أعلم.
السؤال الخامس:
ما هي أنواع القلوب التي ذكرت في القرآن الكريم؟
الجواب:
وردت كلمة (قلب) في القرآن الكريم بصيغة الإفراد في (19) موضعاً, وبصيغة التثنية في موضع واحد في آية الأحزاب (4) , وبصيغة الجمع في (112) موضعاً.
وأمّا أنواع القلوب التي ذكرت في القرآن الكريم فهي كثيرة منها:
1ـ القلب السليم: وهو قلب مخلص لله , وخالٍ من من الكفر والنفاق والرزيلة. قال تعالى: إِلَّا مَنۡ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلۡبٖ سَلِيمٖ٨٩ [ الشعراء:89].
2ـ القلب المنيب: وهو قلب دائم الرجوع والتوبة إلى الله ومقبل على طاعته. قال تعالى: مَّنۡ خَشِيَ ٱلرَّحۡمَٰنَ بِٱلۡغَيۡبِ وَجَآءَ بِقَلۡبٖ مُّنِيبٍ٣٣ [ ق:33].
3ـ القلب المخبت: وهو القلب الخاضع المطمئن الساكن. قال تعالى: وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤۡمِنُواْ بِهِۦ فَتُخۡبِتَ لَهُۥ قُلُوبُهُمۡۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ [ الحج:54].
4ـ القلب الوجل: وهو الذي يخاف الله عز وجلّ ألا يقبل منه العمل وألا ينجو من عذاب ربه قال تعالى: وَٱلَّذِينَ يُؤۡتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمۡ وَجِلَةٌ أَنَّهُمۡ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ رَٰجِعُونَ[ المؤمنون:60].
5ـ القلب التقي: وهو الذي يعظّم شعائر الله. قال تعالى: ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ [ الحج:32].
6ـ القلب المهدي: وهو القلب الراضي بقضاء الله والتسليم بأمره. قال تعالى: مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ يَهۡدِ قَلۡبَهُۥۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ[ التغابن:11].
7ـ القلب المطمئن: وهو القلب الذي يسكن بتوحيد الله وذكره. قال تعالى:ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ[ الرعد:28].
8ـ القلب الحي: وهو قلبٌ يعقل ما قد سمع من الأحاديث التي ضرب الله بها من عصاه من الأمم.قال تعالى: إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكۡرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلۡبٌ أَوۡ أَلۡقَى ٱلسَّمۡعَ وَهُوَ شَهِيدٞ [ ق:37].
9ـ القلب المريض: وهو الذي أصابه مرض مثل الشك أو النفاق , ولديه فجور ومرض في الشهوة الحرام. قال تعالى: يَٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ لَسۡتُنَّ كَأَحَدٖ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِنِ ٱتَّقَيۡتُنَّۚ فَلَا تَخۡضَعۡنَ بِٱلۡقَوۡلِ فَيَطۡمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلۡبِهِۦ مَرَضٞ وَقُلۡنَ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا[ الأحزاب:32].
10ـ القلب الأعمى: وهو الذي لا يبصر ولا يدرك الحق والاعتبار. قال تعالى: فَإِنَّهَا لَا تَعۡمَى ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَلَٰكِن تَعۡمَى ٱلۡقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ[ الحج:46].
11ـ القلب اللاهي: وهو القلب الغافل عن القرآن الكريم ولا يعقل ما فيه , ومشغول بأباطيل الدنيا وشهواتها. قال تعالى: لَاهِيَةٗ قُلُوبُهُمۡۗ[ الأنبياء:3].
12ـ القلب الآثم: وهو الذي يكتم شهادة الحق. قال تعالى: وَلَا تَكۡتُمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَۚ وَمَن يَكۡتُمۡهَا فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٞ قَلۡبُهُۥۗ [ البقرة:283].
13ـ القلب المتكبر: وهو القلب المستكبر عن توحيد الله وطاعته , وهو قلب جبار بكثرة ظلمه وعدوانه.قال تعالى: كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلۡبِ مُتَكَبِّرٖ جَبَّارٖ [ غافر:35].
[ للعلم فإنّ لفظَ (متكبرٍ) في الآية مضاف إليه وليس صفة للقلب ].
14ـ القلب الغليظ: وهو القلب الذي نزعت منه الرأفة والرحمة. قال تعالى: وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِي نَ[ آل عمران:159].
15ـ القلب المختوم: وهو الذي يسمع الهدى ولم يعقله. قال تعالى: أَفَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلۡمٖ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمۡعِهِۦ وَقَلۡبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَٰوَةٗ فَمَن يَهۡدِيهِ مِنۢ بَعۡدِ ٱللَّهِۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ[الجاثية:23].
16ـ القلب القاسي: وهو قلب لا يلين للإيمان , ولا يؤثر فيه زجر , وهو مُعرضٌ عن ذكر الله. قال تعالى: فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ لَعَنَّٰهُمۡ وَجَعَلۡنَا قُلُوبَهُمۡ قَٰسِيَةٗۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ[ المائدة:13].
17ـ القلب الغافل: وهو القلب الذي غفل عن ذكر الله سبحانه , وآثر هواه على طاعة مولاه. قال تعالى: وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا[ الكهف:28].
18ـ القلب الأغلف: وهو قلب مغطى , لا ينفذ إليه قول الرسول صلى الله عليه وسلم. قال تعالى:وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ [ البقرة:88].
19ـ القلب الزائغ: وهو القلب المائل عن الحق. قال تعالى: فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ[ آل عمران:7].
20ـ القلب المريب: وهو قلب شاك متحير.قال تعالى: إِنَّمَا يَسۡتَ*ٔۡذِنُكَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱرۡتَابَتۡ قُلُوبُهُمۡ فَهُمۡ فِي رَيۡبِهِمۡ يَتَرَدَّدُونَ [ التوبة:45].
اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا وقلوب المسلمين على طاعتك ومحبتك , واجعل قلوبنا سليمة مطمئنة , وثبتنا على ذلك. اللهم آمين.
رد: مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن"
مختارات من تفسير من روائع البيان في سور القرآن (82)
مثنى محمد هبيان
(مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ٩ ٨ وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَﱠ [البقرة:98ـ99]
السؤال الأول:
ما دلالة ذكر الملائكة ثم ذكر جبريل وميكال في هذه الآية؟
الجواب:
لدينا نوعان رئيسان من العطف:
الأول: يسمى من باب عطف الخاص على العام لأهمية المذكور، كما في الآية (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) [البقرة:98] جبريل وميكال من الملائكة، وهما من رؤساء الملائكة فذكرهم لأهميتهم، وهذا كثير في القرآن نحو:
قوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى) [البقرة:238] والصلاة الوسطى من الصلوات؛ فهذا من باب عطف الخاص على العام.
وقوله تعالى عن الجنة: (فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ) [الرحمن:68] هذا لأهمية هذا الأمر وخصوصيته.
وكذلك فإنّ جبريل وميكال عليهما السلام ليسا كعموم الملائكة، لكنهم منهم فيسمونه عطف الخاص على العام، وذكر هؤلاء دلالة على أنّ للمذكور مزية خاصة ليست كالعموم.
الثاني: هو عطف العام على الخاص، كما في قوله تعالى: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [البقرة:136] وإبراهيم وإسماعيل من النبيين.
وهذا له قيمة بلاغية دلالية ليُظهر أهميته، فعندما يذكر الصلاة الوسطى والمحافظة عليها يذكرها لأهميتها الخاصة، وعندما يذكر جبريل وميكال يذكرهما لأنهما ليسا كعموم الملائكة؛ فجبريل مختص بالوحي.
السؤال الثاني:
ما معنى اسم (جبريل)؟
الجواب:
(جبريل) اسم عبراني للملك المرسَل من الله تعالى بالوحي لرسله وهو مركّب من كلمتين: كلمة (جِبر) وكلمة (إيل)، فأما كلمة (جِبر) فمعناها عبد أو القوة، وكلمة (إيل) تعني اسماً من أسماء الله في العبرانية.
وقد ورد اسم جبريل في القرآن في عدة صور منها: (جِبريل)، وبها قرأ الجمهور، ومنها (جَبريل) وبها قرأ ابن كثير، ومنها (جِبرائيل) وبها قرأ حمزة والكسائي، و(جَبرائيل) وبها قرأ أبو بكر عن عاصم.
السؤال الثالث:
ما دلالة ختام الآية في قوله تعالى: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) [البقرة:98]؟
الجواب:
قوله تعالى: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) [البقرة:98] هي إجابة عامة وليست للشرط فقط , والمقصود بها إرادة العموم، ولا يكون الجواب منحصراً بالشخص المذكور، فلم يقل مثلا: (عدو لهم) بل أفاد أنّ هؤلاء كافرون، والآية تشمل كل الكافرين، وهؤلاء دخلوا في زمرة الكافرين، ولا تقتصر عداوة الله تعالى على هؤلاء، وإنما تعم جميع الكافرين.
فأفاد في الآية أمرين:
آ ـ أنّ هؤلاء كافرون.
ب ـ وأنّ عداوة الله ليست مقصورة عليهم، وإنما تشمل كل كافر.
والآية نظير قوله تعالى في سورة الأعراف: (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) [الأعراف:170] فجاءت للعموم ولم يقل تعالى: (لا نضيع أجرهم) للأفراد، حتى لا يكون الأمر مقتصرا على الذين يمسكون بالكتاب ويقيمون الصلاة؛ بل ليشملهم ويشمل غيرهم من المصلحين.
والله أعلم.
السؤال الرابع:
ما أهم الدلالات في الآيتين؟
الجواب:
1ـ كيف يجوز أن يكونوا أعداء الله ومن حق العداوة الإضرار بالعدو وذلك محال على الله؟ والجواب: أنّ معنى العداوة لا يصح إلا في المخلوقات ومنها البشر , لأنّ العدو للغير هو الذي يريد إنزال المضار به , وهذا محال على الله , بل المُراد منه أحد وجهين: إما أن يعادوا أولياء الله فيكون ذلك عداوة لله , كما في قوله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) [المائدة:33] أو المُراد كراهتهم القيام بطاعة الله وعبادته , فلمّا كان العدولا يكاد يوافق عدوه شبّه طريقتهم في هذا الوجه بالعداوة.
2ـ قال بعض أهل العلم: إنّ معنى اسم (وَمِيكَالَ) هو اسم عبودية لله , وهو اسم لملك موكل بأمر الله بإيصال الأرزاق لأصحابها.
3ـ (الواو) في(وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ) قيل حرف عطف , وقيل بمعنى (أو) بمعنى من كان عدواً لأحدٍ من هؤلاء فإنّ الله عدوٌ لجميع الكافرين.
4ـ قوله تعالى: (عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) أراد عدو لهم إلا أنه جاء بالظاهر ليدل على أنّ الله تعالى إنما عاداهم لكفرهم وأنّ عدواة الملائكة كفر.
5ـ قوله تعالى: (وَلَقَدْ) اللام جواب لقسم محذوف , و(قد) حرف تحقيق.
6 ـ قوله تعالى: (أَنْزَلْنَا) جاء بضمير الجمع للتعظيم ,والإنزال هو تحريك الشيء من الأعلى إلى الأسفل , وذاك لا يتحقق إلا في الجسمي فهو على هذا الكلام محال , لكنّ جبريل لمّا نزل من الأعلى إلى الأسفل سُمي ذلك إنزالاً.
7ـ قوله تعالى: (إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) فالأظهر أنّ المراد من الآيات البينات آيات القرآن الدالة على صدق النبي عليه السلام , وفيها ما يدل على الغيب ودلائل التوحيد. والبينة هي الدلالة الفاصلة بين القصة الصادقة والكاذبة.
8ـ قوله تعالى: (وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ) الفسق في اللغة خروج الإنسان عمّا حُد له كما قال تعالى: (إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) [الكهف:50] , وتقول العرب للنواة إذا خرجت من الرطبة عند سقوطها فسقت النواة ,وفي قوله تعالى: (الْفَاسِقُونَ)وجهان:
آ ـ أنّ كل كافر فاسق ولا ينعكس , فكأنّ ذكر الفاسق يأتي على الكافر وغيره.
ب ـ المُراد بذلك الكافر المتجاوز عن كل حد في كفره الذي تجاوز كل حدٍ مستحسن في العقل والشرع. وجاء بالصيغة الاسمية الدالة على الصفة الدائمة. والله أعلم.