الولاء والانتماء لا يكون لأفراد ولا لأشخاص ولو كان هؤلاء الأشخاص صفوة الخلق من الأنبياء، الولاء والانتماء يكون للدين، الولاء والانتماء يكون للتوحيد، الولاء والانتماء يكون للشريع الذي جاء به الله سبحانه وتعالى والأنبياء ومن بعدهم رجال الدين، هؤلاء جميعًا إنما يحملون أمانة توصيل الرسالة ولكن الانتماء لا يكون لهم كأشخاص، ألغت سورة آل عمران تلك الفوارق والحواجز لتقطع دابر العنصرية والتعصّب
(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُون)
لا تجادل بأشياء باطلة
ابراهيم عليه السلام كان سابقًا على اليهودية والنصرانية من الناحية التاريخية ومن الناحية الزمنية فلِمَ تحاجّون، لِمَ تريدون أن تخضعوا كل شيء لأهوائكم، لِمَ تأتون إلى الحق بأفكار مُسبقة تريدون أن تُخضعوا الحق لها
الحق لا ينبغي أن يُخضع لآراء مسبقة، الحق يُخضَع له ولا يخضه هو لشيء،
(وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ (69))
ليس كل أهل الكتاب على حد سواء، أنت مهما كان انحرافات البعض منهم لا ينبغي لك أن يدفع بك الهوى والتعصّب والعنصرية لأن تنظر إلى كل الفئة أو الطائفة أو أصحاب الدين بمنظار واحد. لا يحق لك ذلك، لا ينبغي لك، أنت تؤمن بالله أنت تؤمن بمبادئ القرآن والقرآن حرّم الظلم وحرّم التعميم حرّم أن تعمم الأحكام على شعوب أو على طوائف فيقال الشعب الفلاني كذا، النصارى كذا، اليهود كذا، أبداً، طائفة فريق أمة فرقة ولكن لا تعمم لأن التعميم ظلم والظلم قد حرّمه القرآن بشتى صوره وأشكاله وأنواعه.
(وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا (75)).
لا تنظر ولا تجحِف في النظرة إليهم على حد سواء لا بد أن يكون هناك تفرقة، لا بد أن تعامل الناس بمعيار العدل والحق ولا تعاملهم بمعيار التعميم ولا تعاملهم وكأنهم بشر على طائفة وعلى قلب واحد، منهم الأشرار ومنهم الأخيار، منهم الصالحون ومنهم دون ذلك كانوا طرائق، الناس طرائق، الناس مشارب مختلفة حتى وإن انتموا لدين واحد، حتى وإن كانوا يدينون بدين واحد أو ينتمون إلى حزب واحد أو إلى طائفة أو ما شابه مما تعارف عليه الناس.
القرآن يعلمني الإنصاف
القرآن يعلمني العدل حتى في الكلمة التي أقولها،
لا تعمم.
ولذلك جاء بعد ذلك في نهاية الآيات لتعيب على بعض أهل الكتاب ما قالوه وخاصة اليهود
(لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ)
لا يهمنا من خالفنا، نسرق منهم، ننهب منهم، نصادر أموالهم وحياتهم لا يهم
(لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ)
ولكن هذا المبدأ مبدأ مرفوض في القرآن، لماذا؟
لأن القرآن يعلمني أن أكون أميناً مع من ائتمنني ومن أمَّنَنِي سواء أكان خائناً أم كان أميناً، هذا ما يعلمني عليه القرآن. القرآن يعلمني أن أمارس الأمانة بمطلقيتها، القرآن يعلمني أن أمارس الأمانة بإطلاق لا أفرق بين الناس، أنا أمين سواء أكان ذاك الذي أتعامل معه أمين أم خائن لا يهم ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم
"أدِّ الأمانة لمن ائتمنك ولا تخن من خانك".
(بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76))
الوفاء بالعهود، قيم القرآن العظيمة الوفاء، الوفاء مع الجميع، الوفاء كقيمة مطلقة لا تحدّها مع من أتعامل، هكذا يعلم القرآن أتباعه، هكذا يربي القرآن من يسير عليه، هكذا القرآن ينقض تلك المواثيق الجائرة التي جاء بها البشر جراء اتباعهم للهوى وللتعصب وللعنصرية.
لا عليك من الوقوع في ظلم من يخالفك، مبدأ مرفوض تماماً لا يقبله القرآن
(بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ).
ثم تقدّم لي الآية وتؤكد المعنى من جديد لماذا تخلى هؤلاء عن تلك المبادئ التي جاءت في اليهودية وفي النصرانية
لأنهم اشتروا بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً، باعوا تلك القيم والمبادئ التي لا يختلف عليها الأنبياء ولم يختلف عليها أحد من العقلاء، باعوها بأي شيء؟
بثمن قليل. باعوها لأجل مصالحهم الشخصية، باعوها بعنصريتهم، باعوها بتعصبهم الأعمى باعوا القيم وتاجروا بها فكيف سيكون الجزاء؟
(لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77)
(كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ (86))
الهداية نعمة من الله عز وجل صحيح ولكن الإنسان لا بد أن يؤهِّل نفسه أن يكون موضعاً ومحلاً لهداية الله. كيف يؤهل نفسه؟
حين يُعرض عليه الحق يقبله وحين يُعرض عليه الباطل لا يقبل به ويرفضه، هذه من مؤهلات الهداية حتى يصبح قلبي أهلاً وموضعاً لهداية الله عز وجل. أما أن أرتضي الضلال بعد الهدى، أما أن أرضى بالباطل يحكم في حياتي بعد أن رأيت الحق هذا زيغ، هذا انحراف عاقبته أن (اللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)، عاقبته
(أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَة ِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87)) لماذا؟
لأنهم كفروا بعد إيمانهم. لأن المسألة ما كانت مسألة اختيار، المسألة كانت مسألة زيغ وضلال وانحراف ومحاولة لزرع ذلك الضلال والإنحراف وهذه قضية لا يقبل بها القرآن، ولذلك ربي قال
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90))
الضالون الذين يتعّوذ المؤمن منهم مرات ومرات في سورة الفاتحة حين يقول (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) الفاتحة) هذا هو القرآن، أولئك هم الضالون (وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ) من هم؟ (الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا (90)) الذين ابتغوا الباطل بعد أن رأوا الحق والعمى واستحبوه بعد أن رأوا الهداية، الذين أضلوا بأعمالهم، أضلوا الآخرين، الذين باعوا واشتروا بقيم الحق والعدل وقيم الدين الذي جاء به كل الأنبياء. ولذلك هؤلاء لا تُقبل منهم فدية ولذلك هؤلاء لا يُقبل منهم عمل، تلك الإنحرافات الحقيقية والإفتراء على الله عز وجل وعلى أنبيائه لا يمكن أن تبقي بعد ذلك محلا للقبول
للتأكيد أن أهل الباطل سينفقون من الأموال الكثير الكثير لإحقاق الباطل الذي ساروا عليه فأنتم يا أهل الحق، يا أهل الثبات عليكم أن تضحّوا وتقدموا الأموال والأنفس والأرواح لأجل الحق الذي تؤمنون به وعليكم الثبات
بعض الناس يقول أنا على الحق ولكني لست على استعداد أن أنفق شيئًا في سبيل ذلك الحق، ما قيمة أن تؤمن بالشيء ولا تنفق لأجله؟! ما قيمة أن تؤمن بشيء ولا تنصره ولا ترفعه ولا تحاول أن تبذل شيئًا في سبيل إحقاقه؟!
(وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ)
تجديد في الثبات، الآيات بعد الآية 100 تشدد على المؤمنين في مسألة الثبات على الحق وتؤكد لهم ذلك
(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا)
تنهى عن الفرقة وتأمر بجمع القلوب وتأمر بتوحيد الصفوف وتأمر بجعل الكلمة كلمة واحدة ثابتة لا مرجعية ولا تراجع عنها، منجاة للمجتمع، منجاة للأمة من الانهيار
(وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا)
وصنوان تلك الوحدة وتلك المشاعر وعدم التفرّق الذي لا يقبل به دين، صنوان ذلك أن يكون منكم أمة تدعو إلى الخير وإلى الحق، القيم، ترفع القيم عاليًا، تعلي من شأن القيم، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وتأملوا الآي
(وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ )
عدم فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تخلي الأفراد والمجتمعات والأمم عن دورها في حماية القيم، في حماية المكتسبات الإيمانية التي حققها التوحيد، تخلّي الأفراد والجمتمعات عن تلك القيم وعن حمايتها يؤدي إلى الفرقة، يؤدي إلى التشتت، يؤدي إلى انهيار وحدة الأمة ووحدة المجتمع.
وحين يحدث ذلك لا سمح الله فلن يكون هناك إلا العذاب والخسارة العذاب دنيوي وأخروي. وشتى أنواع العذاب وأشكال العذاب الدنيوي ما قد يراه الإنسان في المجتمعات من تمزّق الأسرة الواحدة وتفرّق كلمتها والنزاع والخصومة بشتى أنواعها ووقوع اوالقتل والحروب والدمار على لا شيء، لِمَ حدث ذلك كله؟
حين تخلّت الأمة عن أوامر ما جاء في كتاب الله،
(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)
بأي شيء يا رب؟
(تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (110))
والمعروف ما عرّفه الله لنا في كتابه: القيم، الحق، العدل، التسامح، الرحمة بالبشر دون تفرقة بينهم، دون فوارق مفتعلة افتعلها الشيطان وهوى النفس وافتعلتها التحزّب والعنصرية والطائفية دون تلك العوامل التي افتعلها الشيطان وهوى النفس.
(ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُون (112))
لا طريق للخلاص لأيّ أمة من الأمم إلا بعودتها إلى المنهج الرباني ولذلك هذه الآية تعرض صوراً من إذلال الأمم حين تخالف أوامر الله عز وجل.
(ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا)
خلافات داخلية، تخلّف، استعباد، كوارث طبيعية، البعد عن المنهج الرباني كفيلٌ بتحقيق الهزيمة بكل أنواعها وصورها في حياة الفرد وفي حياة المجتمعات والأمم، لماذا يا رب؟
(لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ (113))
وتأملوا معي كلمة "قائمة"، أمة ثابتة على أيّ شيء يا رب؟
(يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ
الآيات توضح تعامل هذه الفئة الجيدة الراسخة الثابتة من أهل الكتاب مع كتاب ربها، كيف يكون التعامل؟
تلاوة لآيات الله آناء الليل وهم يسجدون، تعامل وتفاعل قلبي ووجداني واضح أثناء الليل مع آيات الكتاب العظيم ولكن في نفس الوقت هذا التفاعل الوجداني ما كان ليبقى تفاعلًا فقط في عالم الوجدان والعواطف بل تحول في النهار إلى فعل وسلوك وتطبيق في واقع الحياة
(يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114))
التفاعل في النهار إنما هو متحول إلى سلوكيات، إلى واقع، إلى أعمال خيرية، أعمال صالحة، إلى مبادرة
https://majles.alukah.net/imgcache/2025/08/108.jpg
(وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ)
مباردة للعمل الصالح والنهضة به وحماية لمكتسبات العمل الصالح في حياة الفرد والأمم.
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا (116))
المنافسات الموجودة في الدنيا كثرة الثروة المادية أو العلمية لا تعني أنك يا مؤمن معنى ذلك أنك تخضع لتلك الفئات من البشر. هؤلاء الذين يختلفون معك في قيم الحق والعدل التي جاءت بها كل الكتب السماوية لا تخضع لهم حين ترى الدنيا قد حيزت لهم وجمعت بين أيديهم ووضِعَت فإن جمع الدنيا واكتساب الثروة المادية والعلمية لا يعني الخيرية بحال، أبداً! لا يعني الخيرية، لماذا؟
لأن الذين حادوا عن قيم الكتب السماوية والديانات السماوية أخطأوا في فهم الحياة، أخطأوا في فهم الآخرة، أخطأوا في الأهداف والغايات والمقاصد وبالتالي كل الوسائل التي يتوسلون بها من وسائل مادية أو مكتسبات ومنجزات مادية حضارية لا تغني عنهم شيئاً.