نحو جيل من المفكرات الإسلاميات
خالد صقر




إن دور النساء في تكوين نواة الحضارة الإسلامية، ثم بعد ذلك في إنبات ورعاية أجيال المسلمين التي سادت العالم حضارياً لعشرة قرون كان دوراً لا يمكن إغفاله ولا تجاهله، ومن المؤكد أن أحد أهم عناصر الأزمة الحضارية التي تمر بها أمتنا الإسلامية اليوم هو إغفال دور المرأة المسلمة المتدينة في الدفاع عن أسس ومبادئ الحضارة الإسلامية، وعدم تفعيل دورها في المواجهات الفكرية والثقافية التي تخوضها الأمة الإسلامية اليوم، لاسيما في بلادنا العربية، ضد التيارات والمناهج الفكرية التغريبية كالعلمانية والليبرالية والتيارات المنبثقة منهما.
هذا المقال يسعي لتحديد وتعريف جوانب إشكالية دور المرأة في تحقيق النهضة الإسلامية، ويهدف أيضاً إلي تعريف المسلمات بجوانب الصراع الحضاري بين الإسلام والغرب متمثلاً في التيارات الفكرية التغريبية في مجتمعاتنا العربية، ثم بعد ذلك يضع تصوراً لبناء جيل من المفكرات المسلمات القادرات علي المشاركة والعطاء للمجتمع الإسلامي ككل، وللفكر الحضاري الإسلامي بشكل خاص.
روي ابن عبد البر في الاستذكار من حديث عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال "إنما النساء شقائق الرجال".
إن من أول النساء اللاتي كان لهن دور حضاري ملحوظ في الإسلامي هي السيدة عائشة بنت أبي بكر - رضي الله عنها -، وقد شهد بهذا الدور التاريخ الإسلامي الذي نقل لنا أقوال العديد من الصحابة والتابعين عن فضل وعلم عائشة - رضي الله عنها -.
قال أبو موسى الأشعري -رضي الله عنه-: "ما أشكل علينا أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حديث قط فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها منه علماً".
وقال عروة: "ما رأيت أحداً أعلم بالقرآن، ولا بفريضة، ولا بحرام، ولا بحلال، ولا بفقه، ولا بشعر، ولا بطب، ولا بحديث العرب، ولا نسب من عائشة".
وقال مسروق: "رأيت مشيخة أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الأكابر يسألونها عن الفرائض" يعني عائشة -رضي الله عنها-.
وممن روي عنها الحديث من طبقة الصحابة الفاروق عمر وابنه عبدالله، وأبي هريرة، وأبي موسى، وزيد بن خالد، وعبد الله بن عباس، وربيعة بن عمرو بن السائب بن يزيد، وصفية بنت شيبة، وعبد الله بن عامر بن الحارث بن نوفل -رضي الله عنهم أجمعين-.
أما في عصر التابعين، فتذكر لنا كتب الطبقات وكتب الحديث الستة العديد من التابعيات اللاتي كان لهن الفضل في رواية مئات الأحاديث ونقلها، بل وبعضهن في تفسيرها، كأم الدرداء وحفصة بنت سيرين ومعاذة بنت عبد الله وعائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين، رحمهن الله، ويمكن الإطلاع علي تاريخ النساء المسلمات في تلك الحقبة وعملهن علي حفظ للحديث ونقله وتفسيره في رسالة الماجيستير التي أعدتها الأستاذة عالية بنت عبد الله بالطو في قسم الدراسات الإسلامية بكلية التربية للبنات في مكة المكرمة بعنوان "تراجم طبقة المحدثات من التابعيات ومروياتهن في الكتب الستة" والرسالة نشرت في دار المجتمع للنشر والتوزيع بجدة في عام 1418 هـ.
أما في العصور التالية فتذكر لنا العديد من الدراسات الجادة والكتب المنصفة كيف كانت النساء المسلمات يشاركن بجدية وفعالية في العديد من الجوانب المؤثرة للحضارة الإسلامية علي مر العصور، يذكر من هذه الدراسات الرسالة التي أعدها الأستاذ أحمد محمود الجديّ بعنوان "دور المرأة الجهادي في الإسلام من البعثة النبوية حتى نهاية الدولة الأموية" في ونال بها درجة الماجيستير في التاريخ من الجامعة الإسلامية بغزة، و كذلك الرسالة التي أعدتها الأستاذة مريم عبد الله طامش بعنوان "المرأة في العصر الأموي: علمياً -سياسياً- اجتماعياً" ونالت بها رسالة الماجيستير في التاريخ من جامعة صنعاء، وكذلك إسهامات المؤرخة العراقية الدكتورة واجدة الإطراقجي في موسوعة "حضارة العراق" المطبوعة في 12 جزء ببغداد عام 1985، والتي أفردت فيها فصلاً مستقلاً عن المرأة العراقية عبر العصور في المجتمع العراقي وخاصته في العصور الإسلامية وقد تجلى ذلك في الموقف منها والنظرة إليها، وفي المكانة التي احتلتها وفي شؤونها المختلفة في حياتها الزوجية والأسرية وفي مستواها الثقافي والاقتصادي والاجتماعي "وكل ذلك كما أشارت الدكتورة واجدة كان دليلا واضحا على الدور الكبير الذي لعبته المرأة في تلك العصور، والرقي الحضاري الذي بلغه المجتمع آنذاك. وكان مما ركزت عليه الدكتورة واجدة الاطراقجي أيضاً موضوع "ثقافة المرأة"، وقد أشارت إلى انه لم يخل عصر من العصور العربية الإسلامية من ذكر عدد من النساء الفضليات اللائي تميزن في جوانب معينة من العلم والمعرفة. وفي العصر العباسي كان نصيب المرأة من الثقافة والآداب والازدهار عظيما، وضربت مثلا على ذلك أن الخطيب البغدادي (توفي 463هـ/1070م) أرخ في تاريخ بغداد لاثنتين وثلاثين من النساء من أهل بغداد المذكورات بالفضل ورواية العلم وذكر بعض أساتذتهن وطلابهن ممن أخذت عنه من العلماء المعروفين.
كما أن في وفيات الأعيان والوافي بالوفيات والمنتظم لابن الجوزي وشعراء المحاضرة للتنـوخي ومرآة الجنان لليافعي ونزهة الجلساء للسيوطي ونساء الخلفاء لابن السالمي إشارات كثيرة إلى عدد من النساء العالمات والأديبات والشاعرات اللواتي اثبتن جدارة واستحقاقا في أن تدون أسماؤهن وتذكر أخبارهن وتروى أشعارهن" أ. هـ.
من مقال "واجدة الاطراقجي والتأريخ للأدب العربي في العصر العباسي" للأستاذ الدكتور إبراهيم العلاف، أستاذ التاريخ بجامعة الموصل.
من المهم للغاية في هذا السياق أن ندرك أن "الأدب" في تلك العصور المتقدمة كان مرادفاً لما نسميه الآن "الثقافة" والتي هي خليط من الأدب والعلوم التجريبية، والسياسة والنقد ومكونات أخري عديدة، ففي تلك العصور كان الأدباء والشعراء يشكلون الوسط السياسي "النخبوي" كما يشكله الآن "المثقفون"، وكانوا هم المحيطين بالحكام والقائمين بجزء لا يمكن إهماله من أعمال الشوري في الدولة الإسلامية، أما الآن وبعد الثورة العلمية الحداثية التي حدثت في الغرب وانتقلت إلي العالم كله خلال الثلاثمائة عام المنصرمة، فإن الوسط "النخبوي" في أي مجتمع أصبح من المتحتم علي أفراده أن يلموا بالعديد من المجالات المتباينة، ابتداءاً من العلوم التجريبية كالطب والهندسة والفيزياء مروراً بأصناف متعددة من الأدب الواقعي الحداثي إنتهاءً بإدراك واستيعاب المناهج الفكرية الحداثية المختلفة التي صدرت إلينا من الغرب، كالعلمانية والليبرالية والإنسانية والإلحاد، إلي آخر هذه المناهج الفكرية الغربية الحداثية.
وسواءً قبلنا أم لا، فإن حقيقة تأثر جماهير الشعوب بخطاب "النخبة المثقفة" تفرض نفسها علينا من خلال تغييب الدور الاجتماعي العام للمؤسسات التعليمية الإسلامية المتخصصة (كالأزهر مثلاً)، مما جعل الساحة الفكرية خالية بشكل شبه كامل أمام الخطاب "النخبوي" الذي أسس لمبادئ المناهج الفكرية الغربية خلال عقود عديدة، بحيث أصبحت جماهير الشعوب العربية علي استعداد لتقبل مفردات تلك المبادئ أكثر بكثير من استعدادهم لتقبل مفردات ومبادئ الحضارة الإسلامية المستمدة من نصوص الكتاب والسنة وأصول الشريعة.
إن إدراك الغرب لحقيقة دور المرأة في بناء الحضارة الإسلامية في عصورها المزدهرة جعل ساسته ومفكريه يضعون خططاً محكمة لمنع المرأة المسلمة من اللحاق بركب "النخبة المثقفة" إلا بعد تجريدها تماماً من أصول وثوابت الفكر الإسلامي والشريعة الإسلامية.
المقال القادم، بإذن الله، يتعرض بالشرح والتبسيط لمعالم الأزمة الثقافية التي تعاني منها المرأة المسلمة في هذا العصر، ويرسم صورة واضحة لجبهات الصراع الحضاري المعاصر بين الإسلام والغرب