ليلة



منى المديهش









كان الليل ساكناً والطرقات خالية..
حين دلفت عبر البوابة الزجاجية استقبلتني الأضواء والصخب.. سرتُ.. عيون كثيرة تحدق بي ولا تغضي.. عرق بارد بدأ يتساقط من جبيني.. حذائي ذو الكعب العالي صار يصدر ضربات خِلْتُ أن جميع من في السوق يسمعها.. بدا لي أن خطوي ليس متوازناً، وأن الجميع يعلم أني أرتدي حذاءً عالياً للمرة الأولى.. داهمني شعور بأن مظهري لا يبدو جميلاً بالرغم من استعدادي الطويل.. انتحيتُ إلى ممر منعزل، أخرجتُ من حقيبتي مرآةً كبيرة، واجهتني الصورة.. عينان تطلان من فتحتي النقاب الواسعتين.. خطوط الكحل اللامعة والمرسومة بدقة.. خصلة شقراء تطل خفية من أعلى النقاب.. أدرت المرآة جانباً، برزت (الطرحة) المنسدلة على الأكتاف.. فصوصها اللامعة برقت بشكل أرضي غروري.. أطلقتُ تنهيدة ارتياح، ورميتُ المرآة في الحقيبة.. كيف يحق لعبير وسارة أن تقولا بأن شكلي لا يعجب أحداً؟!.. سمعت صوت المرآة وهي ترتطم بشيء حاد، قلـّبت الحقيبة.. جهاز التسجيل! كيف غاب عن ذهني؟! أخرجته وضغطت على زره الصغير ثم أعدته برفق.. سأمرُّ الآن وجهازي العزيز سيلتقط كل كلمة تقال، و.. ستعلم جميع البنات غداً بأني لست أقل منهن في شيء!!

خرجتُ.. حذائي بدأ يوقع ألحانه على البلاط.. نظرتُ إلى الممرات.. شعرت برعب وأنا أعبرها وحدي، تذكرتُ مظهري، أحسست بثقة، ومضيت.. صفّر أحدهم طويلاً وأنا أمر بجواره.. لم أعره اهتماماً قدر اهتمامي بالشريط الذي يدور في حقيبتي، تحسست جهاز التسجيل، هل تراه التقطها؟.. . لم أكن أرى ما أمامي.. اصطدمتُ به.. وقف مبتسماً يُحدّق بجرأة ويرفض أن يدع لي الطريق، هممتُ بشتمه، تذكرتُ جهاز التسجيل والبنات اللاتي سيسمعن غداً رده على شتيمتي، تراجعت وقدمت اعتذاراً بصوت حاولت أن يكون رقيقاً، وأنا أمنّي نفسي بكلمات أرقّ يكسبها جهازي الصغير.. انحرفتُ يميناً.. تبعني.. يا إلهي، كيف أتخلص منه؟ فوجئتُ بآخر يوجه إليه كلمةً نابية، التفتُّ.. كان الشخص الأول الذي صفـّر طويلاً.. اشتبكا.. تراجعت مذهولة.. دخلتُ دون وعي ممراً جانبياً.. فجأةً هدأت أصواتهما وتبادلا إشارة.. التفتا إليّ معاً.. نظرتُ يميناً ويساراً لم أجد إلا جدران السوق العالية.. التفتُّ خلفي، أبصرتُ البوابة الزجاجية، انسللتُ مسرعة.. فوجئت بالأرض مجهولة لم تطأها قدمي من قبل.. أدركتُ أني خرجت من بوابة السوق الخلفية.. رفعتُ بصري فإذا بالظلام مطبق والطرقات ساكنة.. استدرتُ نحو البوابة فإذا بهما يقفان دونها وعلى شفتيهما ابتسامه ماكرة.. اجتاحتني رغبة عارمة في البكاء.. سرتُ على غير هدى.. مصباح إضاءة صغير عكس ظلين طويلين يتبعاني.. خارت قواي.. استندتُ إلى الجدار، ورفعت رأسي إلى السماء: يا رب..! شعرتُ بالحنين لرفقة أمي في السوق، ولعباءة ضافية تبدأ من الرأس حتى أخمص القدمين، لغطاءٍ سميك وقفازين حانيين.. لجميع تلك الأشياء التي برقت في خاطري سوداء سواداً مُشعاً مُهيباً حانياً كأستار الكعبة.. نظرتُ إلى ما أرتدي فإذا لونه لا يشبهها، لا يشبه إلا إسفلت الشارع وظلمة الليل..
لم أعِ إلا وصوت سيارة تقف على مقربة مني.. غاضت ضحكاتهما، وتلاشت كلماتهما، وبدأت ألمح ظليهما ينسلان عني رويداً رويداً، أزلت ضباباً كان يحجب عيني وحدقت في السيارة فلمحتُ على جانبها جملة ( هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، ورجلاً يهبط منها مهيباً وقوراً، حين أبصراه تراجعا.. تصاغرا، أشار إليهما فوقفا صامتين، ترجـّل من السيارة رفاق له آخرون، نظرتُ فإذا قاماتهم تبدو محاطة بنور غريب، كأن القمر قد خصهم بنوره تلك الليلة، كانت وجوههم تشع بالنور وعلى أطرافها إكليل الشعرات السود، سوادها ذكّرني مجدداً بأستار الكعبة.. انخرطت في بكاء مرير.. شعرت بأن قلبي خواء وأن شيئاً ما قد غادره منذ غادرتُ المنزل، وتركَ خلفه هوة عميقة لا يكفي الكون كله لردمها..
كان الشيخ ينظر إلى الشابين ويردد على سمعهما كلمات هادئة، تمنيت أن تنشق الأرض وتبتلعني قبل أن ينظر إلي فيجدني على هذه الهيئة، حاولت التسلل عائدة إلى السوق، بدأت نبرة أحدهم الوقورة تعلو، أدركت أنه يعنيني.. الْتفتُ.. وجدتُ بصره ملقى إلى الجهة الأخرى من الشارع، لم يكن ينظر إليّ.. لم أهز منه شعرة، أطرقت.. تذكرت عيوناً تكاد تأكلني نظراتها داخل السوق.. كان آخر ما سمعت " الستر.. والهداية".. ظللتُ أردّّد بعدها: آمين.. آمين.. حتى بعد أن غادرتُ السوق.
في الصباح ارتديت لباس المدرسة، وأخرجتُ عباءة أخرى.. حملت حقيبتي ونزلتُ من غرفتي شاردة.. سألتني أمي : مالك ؟!
- سأغيرها يا أمي سأغيرها..
- حقيبتك؟
-لا … رفقتي.