فــجــوة






تعيش كثير من فتياتنا غريبات في بيوتهن، بعيدات عن أمهاتهن، يضمهن سقف واحد مع بقية أفراد الأسرة، لكنهن لا يجدن من يشاركهن همومهن وأحلامهن.
وكثيراً ما تشكو بعض الأمهات وجود فجوة بينها وبين ابنتها تتعدد مظاهرها، فقد تأوي البنت إلى ركن قصي بالمنزل وتعزل نفسها في حجرتها منطوية على نفسها، غير مهتمة بما يدور في البيت، ويقل حديثها مع أمها، ولا تمد لها يد العون إلا فيما ندر، وإذا جمع بينهما حوار غلب عليه الطابع الانتقادي من كليهما للآخر، وكثيراً ما تتمرد البنت على طلبات أمها غير مقتنعة بآرائها، وإن كانت لا تصرح بذلك علانية .
وربما تعالج الأم هذه المشكلة بأسلوب خاطئ فتزيد الطين بلة، إذ تبادل ابنتها عزلة بعزلة، فلا تهتم بما قد تعانيه البنت من مشكلات نفسية أو اجتماعية أو عاطفية، وغالباً ما تسفه آراء ابنتها وتنتقدها غافلة عن الخصائص العمرية للمرحلة التي تمر بها البنت، الأمر الذي يزيد الفجوة بينهما. وقد يحدث العكس بأن تغدق الأم عطفها على ابنتها فلا تشركها في أعمال المنزل، ولا تسند إليها أي أعباء، وهو ما يجعل البنت اتكالية لا تصلح لتحمل المسؤولية، وتضعف ثقتها بنفسها فتزداد انطواء وعزلة.
ويرجع خبراء التربية هذه الفجوة التي تظهر بين الأم وابنتها إلى عدة أسباب، منها:
* انصراف الأم عن البنت إلى الاهتمام الزائد بأمور الزوج أو المنزل أو العمل أو الصديقات، أو غيرها مما يترتب عليه عدم متابعة أحوال البنت ومشكلاتها واحتياجاتها.
* نضوب عاطفة المحبة والمودة، أو عدم تودد الأم لابنتها، وبخل بعض الأمهات بكلمات الحب والحنان لأبنائها، بالرغم من وجود هذه العاطفة لديها، لكنها تعجز في التعبير عن محبتها لأبنائها.
* سوء تعامل الأم مع الأخطاء التي تقع فيها البنت، وتضخيمها الأمور؛ لشعورها بالخوف واستخدامها للعنف، وعدم الحكمة، الأمر الذي يجعل البنت تتهيب الحديث مع أمها أو إطلاعها على همومها؛ لمعرفتها سلفاً بردود أفعالها .
* عدم استخدام بعض الأمهات أسلوب الحوار والمناقشة والإقناع والشورى مع البنت، الأمر الذي يضطرها للانسحاب وتخلية الساحة للأم لتقترح، وتقوم هي بالتنفيذ، وقد تضطر للاعتراض فتسوء العلاقة.
* عدم اهتمام الأم بأحاديث ابنتها، إذ قد تمل أو تدعي عدم وجود وقت أو أهمية للموضوعات التي تناقشها طفلة، وقد لا تترك لها مجالاً للحديث، فتتعود البنت على تهميش أحاديثها، ثم تتجنب طرح موضوعات للنقاش مع أمها، الأمر الذي يزيد الفجوة اتساعاً بينهما.
* عدم مشاركة الأم ابنتها في اهتماماتها، وعدم السؤال عنها في مدرستها، بحجة أن ابنتها متفوقة أو مهذبة.
* عدم حفظ الأم أسرار ابنتها وتحدثها عنها في المجالس أو أمام أخوتها.
* عدم تنظيم وقت للقاءات الأسرية اليومية التي تجمع أفراد العائلة جميعاً، وعدم اهتمام الأم بالأحاديث الخاصة لكل فرد.
* عدم مراعاة الأم لخصائص المراحل العمرية ولاختلاف الشخصيات، إذ قد تعامل أبناءها بنفس الأسلوب بينما يختلف الاستعداد النفسي لكل منهم.
ولتقليل تلك الفجوة بين الأم وابنتها ينبغي على الأم أن تتقرب من ابنتها، وتشاركها آمالها وآلامها، وتعاملها بشيء من المرونة، فتحاورها وتناقش مشكلاتها وتحترم آرائها، الأمر الذي يعمل على تقوية العلاقة بينهما.
وجدير بالذكر أن الفتاة ـ لا سيما المراهقة ـ تحتاج إلى مساعدة الأم لترشيد نظرتها المستقبلية لحياتها؛ حتى لا تتضاعف طموحاتها وتتعارض مع إمكاناتها فتحدث المشكلات، ومن هنا يتعين على الأم أن تقوم بدورها في توجيه ابنتها، مع مراعاة الابتعاد عن الأساليب الخاطئة في إرشادها، كالتهديد والوعيد والتحدي والسخرية وغيرها، بل تحرص دائماً على أن تكون قدوة حسنة لابنتها وتحسن اختيار الأوقات المناسبة للنصح.
ومن ناحية أخرى ينبغي أن تحرص الأم على تطبيق مبدأ الشورى في البيت فلا تنفرد برأي أو قرار، بل تسعى دائماً إلى إتاحة الفرصة أمام جميع أفراد الأسرة ـ لا سيما الابنة ـ للمشاركة في اتخاذ القرارات الخاصة بالأسرة ـ وإن كان رأيها غير ملزم ـ والقيام ببعض المسؤوليات الأسرية، مع الحرص على العدل في المعاملة بين الإخوة والأخوات، ومراعاة الخصائص العمرية لكل مرحلة.
منقول