الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ، وبعد :

كانت الصلة التجارية والفكرية موجودة بين المُسلمين من جانب والهند والصين من جانب آخر , منذُ عهد الدولة الأموية , فقد افتتحت بلاد الهند في عام 93 هـ , في خلافة الوليد بن عبد الملك , وأخذت الصلات تقوى شيئاً فشيئاً , وقد زاد ذلك في عهد الرشيد بسبب توسع حركة التجارة .
وقد حفظ لنا بعض كُتّاب العرب شيئاً عن تلك الصلات , فيحدثنا ابن عبد ربه _ في كتابه العقد الفريد ج1 ص261 * _ عن وفد من أحد ملوك الهند إلي الرشيد يحمل هدايا من " سيوف قلعية وكلاب سيورية وثياب من الهند , وأن الرشيد لم تُعجبه إلا الكلاب السيورية أما بقية الهدايا فلم تكن إلا عادية في نظره " وأن الرشيد أكرم وفادتهم " ثم أمر بتحف كثيرة وأحسن جائزتهم " وقد تصح هذه الرواية , ولكن يوجد نص يُثبت ضعفها , وهو أن الرشيد " لما أتته الرُسل بالهدايا أمر الأتراك فصفوا صفين ولبسوا الحديد حتى لا يُرى منهم إلا الحدق _ سواد العين _ , وأذن للرُسل فدخلوا عليه " , ونحن نعرف أن اصطناع الأتراك بهذا العدد لم يكن إلا في عهد المعتصم بالله .
ثم لا أعلم أن الرشيد يفعل هذا لغرض المُباهاة , لأنها ليست من صفات الرشيد , ثم لو فعل الرشيد ذلك فما الذي يقصده من ورائه , أهو إخافة الرُسل وبيان قوة الدولة أم المُباهاة والتفاخر كما سبق الذكر , أم الخوف من القتل على يد هؤلاء الرُسل , وهكذا يظهر لنا جلياً ضعف الرواية , لأن لا شيء حصل من ذلك .
ويجب العلم أنه كان بين الهند وبلاد الإسلام صلات تجارية وعلمية , حيث أن الهند معروفة من القدم بعلاقاتها التجارية بالجزيرة العربية وذلك بحكم الجوار بين الطرفين , حيث كانت السلع التجارية من أقمشة وعطور وبهارات ... تأتي من الهند ثم إلى اليمن وتأتي القوافل العربية في رحلة الشتاء لتبادل السلع مع اليمنيين ثم تخرج القوافل العربية في رحلة الصيف إلى الشام , ومن ثم توزع السلع على جميع البُلدان .
وأما الصلات العلمية فقد بدأت في عهد الخليفة عثمان بن عفان _ رضي الله عنه _ واستمرت , فثم ترجمة العديد من الكُتب من الهندية إلي العربية , كما أنّا أخذنا عنهم الأعداد الهندية والتي نتداولها إلي يومنا هذا , وأخذنا بعض العلوم عنهم مثل الرياضيات والفلك وقام العُلماء المُسلمين بتطويرها .
وأما عن الصلات مع الصين فتذكر التواريخ الصينية العديد من السفارات جرت بين البلاط العباسي والبلاط الصيني في القرنين السابع والثامن الميلادي , لم تتعدى عن كونها صلات تجارية أو علمية , ولم تُشير المصادر الإسلامية العربية القديمة إلا عن وجود سفارات تجارية بشكل موجز على سبيل الذكر لا التفصيل (1) .

_ كتبه : أبو الليث الصنهاجي ...
25 / ربيع الآخرة / 1436 هـ .
14 / 2 / 2015 م .

___________________________
* _ أخذنا من هذا الكتاب على سبيل الاستئناس ، وإلا فالأولى عدم الأخذ من هذا الكتاب ، لأمرين : 1_ أنه كتاب أدب وليس تاريخ ؛ 2_ به من الطوام ما الله أعلم به .
1_ العصر العباسي الأول / د. عبد العزيز الدوري / ص116 ؛ هارون الرشيد " الخليفة المظلوم " / الشيخ : أحمد القطان , أ. محمد طاهر الزّين / ص125 ( بتصرف ) .