تجربة جهادية!!


يقول ابن الجوزي :


" تأملتُ جهاد النفس فرأيتُه أعظم الجهاد ، وإنما الجهاد لها كجهاد المريض العاقل ، يحملها على مكروهها في تناول ما ترجو به العافية ، و يذوِّب في المرارة قليلاً من الحلاوة ، و يتناول من الأغذية مقدار ما يصفه الطبيب ، ولا تحمله شهوته على موافقة غرضها من مطعمٍ ربما جرَّ جوعا ، ومن لقمة ربما حَرَمت لقمات ، فكذلك المؤمن العاقل لا يترك لجامها ، ولا يهمل مقودها ، بل يُرخي لها في وقت والطول بيده ، فإذا رآها مالت ردَّها باللطف ، فإن ونت وأبت فبالعنف ، ويحبسها في مقام المداراة ، كالزوجة التي مبنى عقلها على الضعف والقلة ، فهي تُدارى عند نشوزها بالوعظ ، فإن لم تصلح فبالهجر ، فإن لم تستقم فبالضرب ، وليس في سياط التأديب أجود من سوط عزم ، هذه مجاهده من حيث العمل.


فأما من حيث وعظها وتأنيبها ، فينبغي لمن رآها تسكن للخلق ، وتتعرض للدنيء من الأخلاق أن يُعرِّفها تعظيم خالقها لها فيقول :

ألستِ التي قال فيك : خلقتك بيدي ، وأسجدتُ لك ملائكتي ، وارتضاك للخلافة في أرضه ، وراسلك واقترض منك واشترى ، فإن رآها تتكبر ، قال لها : هل أنت إلا قطرة من ماء مهين ، تقتلك شرقة ، وتؤلمك بقَّة؟! وإن رأى تقصيرها عرَّفها حق الموالي على العبيد ، وإن ونت في العمل حدَّثها بجزيل الأجر ، وإن مالت إلى الهوى ، خوَّفها عظيم الوزر ، ثم يحذرها عاجل العقوبة الحسية ، كقوله تعالى : ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ ﴾ ، والمعنوية كقوله تعالى : ﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الذين يَتَكَبَّروْنَ فيْ الأَرْضَ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ ، فهذا جهاد بالقول ، وذاك جهاد بالفعل " .

أخي .. هل لك أن تأخذ خطوة عملية على الطريق؟! عوِّد نفسك مثلا بالنسبة للطعام أن تقوم عن المائدة ولا زلت تشتهيه ، وبالنسبة للكلام جرِّب يوما من الأيام أن توثِق لسانك فلا تتكلم بكلام إلا إذا أدركت مغزاه وفائدته ، وبالنسبة للمنام جرِّب يوما في الأسبوع أن تهجر الفراش الناعم وتنام على الأرض مخالفة للنفس ، والمران على ذلك يورث الانتصار على النفس الشرود وسهولة قيادتها.

[mark=#ffffcc]جهاد النفس وجهاد العدو
[/mark]

إن هذا الجهاد هو المقدمة الطبيعية والتمهيد الذي لابد منه لجهاد أكبر وهو جهاد الأعداء والانتصار على اليهود ، ويشهد لهذا قول عبدالله بن عمر  لمن سأله عن الجهاد : " ابدأ بنفسك فجاهدها ، وابدأ بنفسك فاغزُها " .


يا من يجاهد غازيا أعداء ديـ ـن الله يرجو أن يُعان ويُنصرا
هلا غشيت النفس غزوا إنها أعدى عدوِّك كي تفوز وتظفرا
مهما عُنيتَ جهادها وعنادها فلقد تعاطيتَ الجهاد الأكبرا


قال ابن القيِّم شارحا قول ابن عمر :

" ولما كان جهاد أعداء الله في الخارج فرعا على جهاد العبد نفسه في ذات الله ، كما قال النبي  : « المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله » كان جهاد النفس مُقدَّما على جهاد العدو في الخارج وأصلا له ، فإنه ما لم يجاهد نفسه أولا لتفعل ما أُمِرت به ، وتترك ما نُهيت عنه ويحاربها في الله لم يمكنه جهاد عدوه في الخارج ، فكيف يمكنه جهاد عدوه والانتصاف منه؟! وعدوه الذي بين جنبيه قاهر له متسلط عليه لم يجاهده ولم يحاربه في الله ؛ بل لا يمكنه الخروج إلى عدوه حتى يجاهد نفسه على الخروج " .


بل إن جهاد النفس في رأي ابن القيم أصعب من جهاد العدو. قال وهو يحاو أن يقنعنا بصحة مذهبه وصواب رأيه :

" اعلم أنه إنما كان جهاد النفس أكبر من جهاد الأعداء ؛ لأن النفس محبوبة وما تدعو إليه محبوب ، لأنها لا تدعو إلا إلى ما تشتهي ، وموافقة المحبوب في المكروه محبوبة ، فكيف إذا دعا إلى محبوب؟!


فإذ عُكِست الحال وخولف المحبوب فيما يدعو إليه من المحبوب اشتدَّ الجهاد وصَعُب الأمر ، بخلاف جهاد الكفار فإنَّ الطباع تُحْمَل على خصومة الأعداء " .