المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : معنى ( لم يعملوا خيراً قط )



فريد المرادي
2007-02-08, 02:40 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


معنى ( لم يعملوا خيراً قط )

لا شك و لا ريب أن الحق الذي لا ينبغي المحيد عنه ـ أخي السلفي ـ أن الإيمان قول و عمل؛ قول القلب (و هو اعتقاده)، و قول اللسان، و عمل القلب و عمل الجوارح؛ مع اعتبار كل من القول و الاعتقاد و العمل أركاناً في الإيمان؛ لا يقوم الإيمان إلا بها جميعاً، أما تصور وجود إيمان شرعي صحيح في القلب مع تخلف جميع أعمال الجوارح فغير ممكن، بل و مخالف لإجماع السلف الصالح في حقيقة الإيمان.


و أما من جعل مسألة تارك عمل الجوارح بالكلية مسألة خلافية بين أهل السنة، فقوله مخالف للصواب بلا أدنى ارتياب، فالإجماع منقول عن السلف على كفر تارك جنس العمل، و انظر ـ لزاماً ـ رسالة ’’تنبيه الغافلين إلى إجماع المسلمين على أن ترك جنس العمل كفر بالدين‘‘

(( فهم [أي المرجئة] لم يفرقوا بين جنس العمل ـ و الذي يعد شرطاً في صحة الإيمان عند أهل السنة ـ و بين آحاد العمل و أفراده و الذي يعد تاركه غير مستكمل الإيمان ))، ’’الأجوبة السديدة‘‘ (6/318).


و قد يعترض أحدهم بالأحاديث التي جاء فيها: ( أن الله يخرج من النار أناساً لم يعملوا خيراً قط )، و هذه الأحاديث حق، غير أنها من المتشابه، و سبيل أهل السنة هو رد المتشابه إلى المحكم، فلا تعارض بين نصوص الكتاب و السنة، و لله الحمد.


و أنقل هنا بعض كلام أهل العلم في توجيه هذا الحديث، أسأل الله أن ينفع به من لم يزل عنده شك في المسألة؛ خاصة و كثير من طلبة العلم الذين لم ترسخ أقدامهم في فهم عقيدة السلف لا يزالون يثيرون الشبه حول إجماع السلف في هذا الباب، هدانا الله و إياهم إلى الحق.


قال الإمام ابن خزيمة رحمه الله في كتاب ’’التوحيد‘‘ (2/732): (( هذه اللفظة: ( لم يعملوا خيراً قط ) من الجنس الذي تقوله العرب بنفي الاسم عن الشيء لنقصه عن الكمال و التمام، فمعنى هذه اللفظة على هذا الأصل: لم يعملوا خيراً قط على التمام و الكمال، لا على ما أُوجب عليه، و أُمر به )).


و قال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: (( معنى قوله: ( لم يعملوا خيراً قط ) أنهم ما عملوا أعمالاً صالحة، لكن الإيمان قد وقر في قلوبهم، فإما أن يكون هؤلاء قد ماتوا قبل التمكن من العمل؛ آمنوا ثم ماتوا قبل أن يتمكنوا من العمل، وحينئذ يصدق عليهم أنهم لم يعملوا خيراً قط.

وإما أن يكون هذا الحديث مقيداً بمثل الأحاديث الدالة على أن بعض الأعمال الصالحة تركها كفر كالصلاة مثلاً؛ فإن من لم يصل فهو كافر ولو زعم أنه مؤمن بالله ورسوله، والكافر لا تنفعه شفاعة الشافعين يوم القيامة، وهو خالد مخلد في النار أبد الآبدين، والعياذ بالله.

فالمهم أن هذا الحديث: إما أن يكون في قوم آمنوا ولم يتمكنوا من العمل فماتوا فور إيمانهم فما عملوا خيراً قط، وإما أن يكون هذا عاماً ولكنه يستثنى منه ما دلت النصوص الشرعية على أنه لابد أن يعمل كالصلاة؛ فمن لم يصل فهو كافر لا تنفعه الشفاعة ولا يخرج من النار ))، ’’فتاوى العقيدة‘‘ (رقم123، ص123) ط. دار المنهاج.


و سئل الشيخ العلامة صالح الفوزان حفظه الله أن هناك من يقول بأن ترك العمل الظاهر بالكلية لا يكفر و يستدل على هذا بحديث ( لم يعملوا خيرا قط )، و حديث صاحب البطاقة، فما هو الرد على هذه الشبه؟


فأجاب أطال الله في عمره بما نصه: (( هذه طريقة أهل الزيغ؛ يأخذون حديثاً واحداً و يتركون بقية الأحاديث. الراسخون في العلم يجمعون بين الأدلة، بين كلام الله و كلام رسوله و يفسرون بعضه ببعض، أما أنه يأخذ حديث البطاقة فقط، أو حديث ( لم يعملوا خيراً قط )، و يترك الأحاديث المقيدة لهذه الأحاديث المطلقة، فهذا ضلال و العياذ بالله، { فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه } [آل عمران:7].

المتشابه يرد إلى المحكم، فنحمل حديث صاحب البطاقة و صاحب الذي لم يعمل خيراً قط و يخرج من النار؛ على أنه لم يتمكن من العمل، نطق بـ ( لا إله إلا الله ) عن قلب و عن إيمان، ثم قتل أو مات في الحال و لم يتمكن من العمل، أو كان لم يبلغه شيء من هذا الدين لبعده عن بلاد المسلمين، و لكن قال لا اله إلا الله مخلصا و لم يعمل، لأنه لم يعرف العمل.

أما الذي ليس له عذر في ترك العمل، و تركه من غير عذر، فهذا ليس بمؤمن، بدليل الآيات و الأحاديث التي تدل على أن الإيمان لابد معه من العمل ))، ’’مذهب أهل السنة و الجماعة في الإيمان‘‘ (ص59-60).


و سئل الشيخ العلامة زيد بن هادي المدخلي حفظه الله: كيف توجه حديث: ( أن يخرج من النار أناساً لم يعملوا خيرا قط ) ؟


فأجاب نفع الله به: (( نوجهه أن معهم التوحيد، و أهل التوحيد لا يخلدون في النار و إن عذبوا فيها، بل مآلهم الجنة بشفاعة الشافعين كما جاء في حديث الشفاعة: ( شفعت الملائكة و شفع الأنبياء و شفع الصالحون و لم يبق إلا ارحم الراحمين )، فيخرج من النار قوماً قد امتحشوا فيوضعون في نهر الجنة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، ثم يدخلون الجنة و يقال هؤلاء عتقاء الرحمن؛ فالمهم أنه لا يبقى في النار أحد في قلبه أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان، فهذا هو الذي يحمل عليه الحديث في نظري، و الله أعلم ))، ’’العقد المنضد الجديد في الإجابة على مسائل الفقه و المناهج و التوحيد‘‘ (1/45).

ثم علَّق في الحاشية قائلاً (ص45-46): (( و وُفِّقت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية و الإفتاء برئاسة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ و عضوية كل من الشيخ صالح بن فوزان الفوزان، و الشيخ بكر بن عبد الله أبي زيد، فقد قالوا ما نصه: ( و أما ما جاء في الحديث ( أن قوماً يدخلون الجنة لم يعملوا خيراً قط ) فليس عاماً لكل من ترك العمل و هو يقدر عليه، و إنما هو خاص بأولئك لعذر منعهم من العمل أو لغير ذلك من المعاني التي تلائم النصوص المحكمة و ما أجمع عليه السلف الصالح في هذا الباب ) اهـ، رقم الفتوى (21436) و تاريخ (8/4/1421هـ).


قلت ـ أي الشيخ زيد ـ: و كلامهم هذا فيه جمع بين نصوص الوعد و الوعيد كما فيه رد المشكل من النصوص إلى المبين، و الله أعلم )).


و قوله حفظه الله: (( معهم التوحيد، و أهل التوحيد لا يخلدون في النار و إن عذبوا فيها..))، يُفسِّره كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في ’’كشف الشبهات‘‘: (( لا خلاف أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب و اللسان و العمل، فإن اختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلماً، فإن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند كفرعون في مع إبليس و أمثالهما.. ))، انظر ’’شرح كشف الشبهات‘‘ (ص116) للعلامة الفوزان.


و قال أيضاً: (( لا خلاف بين الأمة أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب الذي هو العلم، و اللسان الذي هو القول، و العمل الذي هو تنفيذ الأوامر و [اجتناب] النواهي، فإن أخل بشيء من هذا، لم يكن الرجل مسلماً، فإن أقر بالتوحيد ولم يعمل به؛ فهو كافر معاند كفرعون وإبليس و أمثالهما..))، ’’الدرر السنية‘‘ (2/124).


و قال رحمه الله: (( فلابد في شهادة: ألا إله إلا الله، من اعتقاد بالجنان، ونطق باللسان، وعمل بالأركان؛ فإن اختل نوع من هذه الأنواع، لم يكن الرجل مسلماً؛ فإذا كان الرجل مسلماً، وعاملاً بالأركان، ثم حدث منه قول، أو فعل، أو اعتقاد، يناقض ذلك، لم ينفعه قول: لا إله إلا الله؛ وأدلة ذلك في الكتاب والسنة، وكلام أئمة الإسلام، أكثر من أن تحصر ))، ’’الدرر السنية‘‘ (2/350).


و قال أيضاً ـ كما في ’’الدرر السنية‘‘ (10/87) ـ: (( اعلم رحمك الله: أن دين الله يكون على القلب بالاعتقاد، وبالحب والبغض، ويكون على اللسان بالنطق وترك النطق بالكفر، ويكون على الجوارح بفعل أركان الإسلام، وترك الأفعال التي تكفر؛ فإذا اختل واحدة من هذه الثلاث، كفر وارتد )).



و النقلين الأخيرين استفدتهما من أحد تعليقات الشيخ أسامة بن عطايا العتيبي على شبكة الانترنت، فجزاه الله خيراً، و أعظم له أجراً.


تم ما أردت نقله في هذا المقال، و الحمد لله رب العالمين.


فريد المرادي.


الجزائر في 20 محرم 1428هـ.

محمد السالم
2007-02-08, 04:01 PM
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

ليس في الحديث نفي إيمانهم ، وإنما فيه تفي عملهم الخير ، وفي الحديث الآخر ، فيخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان ، وقد يحصل في قلب العبد مثقال ذرة من إيمان ، وإن كان لم يعمل خيرا ، ونفي العمل أيضا لا يقتضي نفي القول ، بل يقال فيمن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، ومات ولم يعمل بجوارحه قط إنه لم يعمل خيرا ، فإن العمل قد لا يدخل فيه القول ، لقوله ( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) وإذا لم يدخل في النفي إيمان القلب واللسان ، لم يكن في ذلك ما يناقض القرآن

نقله عنه ابن المحب المقدسي في كتاب إثبات أحاديث الصفات ص 455 / ب

أبو حماد
2007-02-09, 04:06 PM
من أفضل من تحدث في هذا وبسط القول فيه الشيخ عبدالله السعد، في تقديمه لكتاب " رفع اللائمة "، وهو مهم لتقرير مسائل الإيمان والحديث عنها، ورد شبهات البعض.

عدنان البخاري
2007-08-07, 07:08 PM
/// بارك الله فيكم.
/// لدحض الاستدلال بتلك اللَّفظة من الحديث ينبغي الرُّجوع لنفس روايات هذا الحديث العظيم ففيها ما يردُّ على هذه الشُّبهة، ويبيِّن ما فيها من إشكالٍ.
/// وأنا أذكره ممَّا لاح لي ولا أدري هل سُبِقْت به أو لا.
/// هذه اللَّفظة ورَدت في سياق حديث شفاعة المؤمنين لإخوانهم، وقدجاءت في رواياتٍ وألفاظٍ مختلفة في الصَّحيحين، ولو تأمَّلْنا كلَّ هذه الرِّوايات وألفاظها المختلفة، لتبيَّنَ أنَّها يشرح بعضها بعضًا، ولا حُجَّة فيها لمن قال بتلك المقالة الفاسدة المخالفة لمذهب أهل السُّنَّة.
/// وانظروا وتأمَّلُوا جيِّدًا إلى هذه الرِّوايات وما أحمِّر به وأضع عليه خطًَّا من بعض ألفاظها:
/// في إحداها قال: "يقولون: ربَّنا إخواننا، كانوا يصلُّون معنا ويصومون معنا، فيقول الله تعالى: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمانٍ، فأخرجوه ويحرم الله صورهم على النار، فيأتونهم، وبعضهم قد غاب في النار إلى قدمه، وإلى أنصاف ساقيه، فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون، فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينارٍ فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون، فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرَّةٍ من إيمانٍ فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا، قال أبو سعيد: فإن لم تصدقوني فاقرؤوا: (إنَّ الله لا يظلم مثقال ذرَّةٍ وإن تك حسنةً يضاعفها)، فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون، فيقولُ: شفاعتي، فيقبض قبضة من النَّار، فيخرج أقوامًا قد امتحشوا فيلقون في نهرٍ بأفواه الجنَّة، يقال له: ماء الحياة، فينبتون في حافتيه، كما تنبت الحبة في حميل السيل...
فيدخلون الجنة، فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرَّحمن، أدخلهم الجنة بغير عملٍ عملوه، ولا خيرٍ قدَّمُوه".
/// ففي الحديث أنَّ الموصوفين بأنَّ في قلوبهم من الإيمان مثقال ذرَّةٍ أو مثقال دينارٍ، أو مثقال نصف دينار، كانوا يصلُّون مع إخوانهم ويصومون معهم.
/// فلو قال قائل: فكيف يصلُّون ويصومون، وهم إخوانهم ثمَّ يكون الإيمان في قلوبهم مثقال ذرَّةٍ؟
/// فالجواب: أنَّ تلك الأعمال قد ذهب ثوابها فكأنَّهم لم يعملوا خيرًا قطُّ، لا صلاةً ولا صيامًا ولا غير ذلك.
/// فواجبات الأعمال كالصَّلاة ونحوها قد سقطت عنهم أداؤها، ولكن قد ذهب ثوابها، فكأنَّهم لم يعلموا خيرًا قطُّ.
/// ولهذا دلائل كثيرةٌ من الكتاب والسُّنَّة، كحديث المفلس الذي يأتي يوم القيامة وله صلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد ضرب هذا وشتم هذا وأكل مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته، حتَّى تفنى حسناته ثم يلقى به في النَّار.
/// وممَّا يبيِّن الجزئيَّة الأخيرة من الرِّواية الماضية ما إحدى في روايات مسلمٍ: "حتى إذا فَرَغ الله من القضاء بين العباد، وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئًا، ممَّن أراد الله تعالى أن يرحمه، ممن يقول: (لا إله إلا الله)، فيعرفونهم في النَّار، يعرفونهم بأثر السُّجود؛ تأكل النَّار من ابن آدم إلا أثر السَّجُود، حرَّم الله على النَّار أن تأكل أثر السُّجود، فيخرجون من النَّار وقد امتحشوا، فيصبُّ عليهم ماء الحياة، فينبتون منه كما تنبت الحبَّة في حميل السَّيل، ثم يفرغ الله تعالى من القضاء بين العباد".
/// فتبيَّن أنَّهم كانوا يصلُّون، إذ لو لم يكونوا كذلك كيف تكون لهم آثار للسجُّود، فأيُّ سجود فعلوه حتَّى تبقى آثارها على صورهم.
/// والله أعلم، ما كان صوابًا فمن الله المنَّة والفضل، وإن كان خطأً فمنِّي ومن الشَّيطان.
/// ولو كانت لكم ملاحظاتٌ على هذا الاستدلال فأنا إلى الإفادة منه مشتاق.
/// والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أبو عثمان السلفي
2007-08-08, 11:21 AM
شفاعة المؤمنين في المرة الأولى كانت للمصلين، أما ما بعدها فكانت لغير المصلين؛ وجاء في بعض الروايات:((فيقول ن: ربنا، قد أخرجنا ما أمرتنا)).
ولمزيد مِن الفائدة انظر «السلسلة الصحيحة» (7/127-154).

عدنان البخاري
2007-08-08, 02:33 PM
تنبيهات وتعقيبات:
/// كنتُ قد أجملتُ في التعقيب السَّالف حتَّى رأيت تعقيبك فأبيِّن مجمل ذلك في أمور:
1- أوَّلًا: المواضع الأولى والأخرى كلُّها ليس فيها دلالةٌ أونصٌّ على أنَّهم كانوا غير مصلَّين أو غير صائمين... ونحو ذلك، بل العكس هو الأوجه، وإليك البيان.
/// ممَّا يبيِّن هذا نفس الرِّواية التي أحلتَ عليها في الصَّحيحة (3054) ممَّا ارتضاها الشَّيخ الألباني رحمه الله ((نفسهُ)) وساقها، وبيِّن مجمل الرِّوايات بجمعها بما يسَّمى بالتلفيق في سياقٍ تامٍّ، ووضع ذلك الجمع بين معكوفات، ففيها: ((ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويحجون معنا [ويجاهدون معنا] فأدخلتهم النار . قال : فيقول : اذهبوا فأخرجوا من عرفتم منهم فيأتونهم فيعرفونهم بصورهم لا تأكل النار صورهم [لم تغش الوجه] فمنهم من أخذته النار إلى أنصاف ساقيه ومنهم من أخذته إلى كعبيه [ فيخرجون منها بشرا كثيرا] فيقولون : ربنا قد أخرجنا من أمرتنا . ثم [ يعودون فيتكلمون فـ]يقول: أخرجوا من كان في قلبه مثقال دينار من الإيمان . [فيخرجون خلقا كثيرا] ثم [ يقولون : ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا . ثم يقول : ارجعوا فـ]من كان في قلبه وزن نصف دينار [ فأخرجوه . فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون : ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا . . . ] حتى يقول : أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة . [ فيخرجون خلقا كثيرا ])).
/// ولاحظوا معي هذا البيان مع ملاحظة ما حمَّرتُ عليه وخططت تحته بخطٍّ:
1- ففي المرَّة الأولى قال هؤلاء الشُّفعاء: ((إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويحجون معنا [ويجاهدون معنا] فأدخلتهم النار)).
/// فهذه المرَّة احتجُّوا بأنَّهم إخوانهم كانوا معهم، يعرفونهم بصلاةٍ وصيام وحجٍّ وجِهادٍ، فما كان جواب ربِّهم لهم: ((اذهبوا فأخرجوا من عرفتم منهم، فيأتونهم فيعرفونهم بصورهم، لا تأكل النار صورهم [لم تغش الوجه])).
/// إذن.. عرفوهم بصور وجوههم، كأنَّهم كانوا يعرفونهم بأعيانهم في الدُّنيا؛ ولذا قال: (أخرجُوا مَنْ عرفتم منهم)، فعرفوهم بصورهم ودارات وجوههم كما في الحديث الذي ذكره الألباني بعد هذا الحديث: (إن قوما يخرجون من النار يحترقون فيها إلَّا دارات وجوههم حتى يدخلون الجنة)؛ فلم يذكر أنَّهم يخرجوهم لأنَّهم إخوانهم مصلُّون وصائمون مطلقًا، بل لأنَّهم يعرفونهم فقط، ولا بآثار السُّجود فقط، بل بدارات وصور وجوههم؛ إذ بها عرفوهم.
/// انتهينا من هذه المرَّة الأولى؛ لأنَّهم قالوا عقبها: ((ربنا قد أخرجنا من أمرتنا))، يعني من أولئك الذين عرفوهم بصورهم.
2- ثمَّ نأتي إلى المرَّة الثَّانية قال هؤلاء الشُّفعاء: ((فيقولون : ربنا قد أخرجنا من أمرتنا . ثم [يعودون فيتكلَّمون فـ]يقول: أخرجوا من كان في قلبه مثقال دينار من الإيمان، [فيخرجون خلقًا كثيرًا])).
/// فهذه المرَّة احتجُّوا أيضًا بأنَّهم إخوانهم كانوا معهم، يعرفونهم بصلاةٍ وصيام وحجٍّ وجِهادٍ؛ لأنَّه قال: ((ثم يعودون فيتكلَّمُون))، يتكلَّمون بماذا؟! لم يبيِّن!
/// ولو حملنا ما أُجمل على ما بيِّن في المرَّة الأولى فيكون الجواب: أي: يتكلَّمُون بما تقدَّم، وهو ((أنَّهم كانوا يصلُّون ويصومون ويحجُّون ويجاهدون)).
/// فما كان جواب ربِّهم لهم: ((أخرجوا من كان في قلبه مثقال دينار من الإيمان)).
/// فإن قيل : فما الفرق بين أولاء والأوائل، يُقال: الأولائل لم تأكل النَّار دارات وجوههم ولا صورهم، فعرفوهم فسهُل إخراجهم، وهؤلاء بخلافهم، ولذا كانت لهم علامةٌ أخرى يخرجون بها، وهي وجود مثقال دينار من الإيمان.
/// انتهينا من هذه المرَّة الثَّانية أيضًا؛ لأنَّهم قالوا عقبها: ((ربنا قد أخرجنا من أمرتنا))، يعني من أولئك الذين عرفوهم بوجود مثقال دينارٍ من الإيمان في قلوبهم.
3- ثمَّ نأتي إلى المرَّة الثَّالثة فكذلك الشَّأن، ولكنَّ علامتهم في هذه المرَّة هي: ((من كان في قلبه وزن نصف دينار))، وفي المرَّة الرَّابعة كذلك، ولكنَّ علامتهم في هذه المرَّة هي: ((من كان في قلبه مثقال ذرَّةٍ من الإيمان)).
/// فإذن.. انتيهنا من هذه المرار الأربعة، وبقيت شفاعة ربِّ العالمين فيمن هم كذلك، ولكنَّهم لم يشفع فيهم أحدٌ، فيشفع فيهم ربُّ العالمين ويخرجهم منها برحمته، كما قال: "ثم يقول الله : شفعت الملائكة وشفع الأنبياء وشفع المؤمنون وبقي أرحم الراحمين، قال : فيقبض قبضة من النار -أو قال قبضتين- ناسا لم يعملوا لله خيرًا قط، قد احترقوا حتى صاروا حممًا، قال : فيؤتى بهم إلى ماء، يقال له : (الحياة) فيصب عليهم فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل".
/// والملاحظُ أنَّ الكلام في جميع الرِّوايات تقريبًا عمَّن يصبُّ الله عليهم ماء الحياة، فينبتون نبات الحَبَّة في حميل السَّيل، وهم من آخر من يخرج من النَّار، وهم الذي يخرجهم الله بشفاعته هو، كما تقدَّم في رواية مسلمٍ من تعقيبي الأوَّل.
/// وهؤلاء قد ورَد النَّصُّ على أنَّهم إنَّما يُخرجُون بأمر الله للملائكة، وأنَّهم يُعرفون بـ((آثار السُّجود))، وقد تقدَّم بيان موضع الاستشهاد من هذه اللَّفظة، وأنَّهم إنَّما وُصِفُوا بذلك لأنَّهم كانوا يُصلُّون؛ إذ لو لم يكونوا قد صلُّوا لله قطُّ فكيف تكون لهم آثار للسُّجود، فما الفارق بينهم وبين غيرهم من أهل النَّار كالكفرة الذين لا آثار سجود لهم؟!
/// وهذه الرِّواية التي تبيِّنُ أنَّهم ((يُعرفون بآثار السُّجود)) =تبيِّنُ ما أُجمِلَ ممَّا في سياق الشَّيخ الألباني المتقدِّم: ((فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدَّموه)).
/// وإليك بيان هذا بجلاء من رواية البخاري: ((حتى إذا فرغ الله من القضاء بين عباده، وأراد أن يخرج من النار من أراد أن يخرج ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله أمر الملائكة أن يخرجوهم؛ فيعرفونهم بعلامة آثار السُّجُود، وحرَّم الله على النَّار أنْ تأكل من ابن آدم أَثَر السُّجُود، فيخرجونهم قد امتحشوا فيصُبُّ عليهم ماءً يُقَال له: (ماء الحياة)، فينبتون نبات الحَبَّة في حميل السَّيل...)) الحديث.
/// فإن قيل: فليس في هذه المرَّة أنَّهم يُعرفون بآثار السُجُود، وأنَّ الله قد قبضهم من النَّار قبضةً أوقبضتين، فيُقال: يُردُّ هذا على ما تقدَّم بيانه في إخراج الملائكة؛ إذ يُقال يحتمل أنَّ الملائكة إنَّما يخرجون ممَّن يُعرفون بآثار السُّجود ممَّن يقبضهم الله من النَّار قبضةً.
/// إذ ممَّا يؤكِّد هذا الرَّد أنَّهم هم الذي يصبُّ عليهم ماء الحياة، وهم الذين ينبتون كما تنبت الحَبَّة في حميل السَّيل، وهم المسمَّون بـ(عتقاء الرَّحمن)، وهم آخر المشفوع فيهم ممَّا تقدَّم، في جميع الرِّوايات، وبهذا يتلائم سياق كلِّ هذه الرِّوايات.
/// ثمَّ ماذا بعد هذا يبقى (شخصٌ واحدٌ أخيرٌ): فيُخرج الله ((رجلًا واحدًا)) فقط، قال عنه النَّبيُّ (ص): ((ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار هو آخر أهل النار)) ثمَّ أكَّده أبوهريرة ررر: ((بأنَّه آخر أهل الجنة دخولًا الجنَّة)).
/// ولم يبيِّن أيضًا أنَّه لم يكن مصلِّيًا ولا كذا ولا كذا... بل أُجمل فيُردُّ على ما بُيِّن ممَّا تقدَّم، وبأنَّ هذا ممَّن لم يدخل فيمن قبضهم الرحمن من النَّار قبضةً أوقبضتين، وهم الذين -على احتمالٍ- عرفتهم الملائكة بآثار السُّجود.
/// وبعدُ.. فأين ذكر ((وبيان وإيضاح)) من لم يكن مصلِّيًا ولا صائمًا ولا.. ولا..، ولا يُعرف بآثار السُّجود؟!
لم يُذكر ((ببيان ودلالةٍ قاطعةٍ)) في روايات الحديث، إلَّا ما أُجمِل ممَّا تقدَّم ومع ردِّه إلى بيانه -على مذهب أهل السُنَّة- اتَّضح المراد، والحمدلله ربِّ العالمين.
2- ثانيًا: أنَّنا لو حملنا ما أُجمل على ما بُيِّن، ممَّا تبيَّن بيانُه، مع ملاحظة أنَّ ذلك هو مذهب أهل السُّنَّة والجماعة في الإيمان لتبيَّن وزال الإشكال فيها.
/// والجمع إذا أمكن واحتمل أن يكون على وجهين أوأكثر يكون الرَّاجح منه ما كان موافقًا لمذهب أهل السُّنَّة والجماعة، الذين بنَوا مذهبهم على مجموع النُّصوص وليس على أفرادها ممَّا فيه شيءٌ من المتشابه، فيردُّ المتشابه إلى المحكم.
/// والعقائد والقواعد لا تنبى على شُذَّاذ النُّصوص أومجملها، والإعراض عن مبيِّنها، فتأمَّل.
3- ثالثًا: ما ذكره السَّلفي في تعقيبه السَّابق، من أنَّ: "شفاعة المؤمنين في المرة الأولى كانت للمصلين، أما ما بعدها فكانت لغير المصلين؛ وجاء في بعض الروايات:((فيقول ن: ربنا، قد أخرجنا ما أمرتنا))" =لادليل عليه إلَّا بفهم من فهمه، والفهم يُتنازع عليه، خاصَّةً إن كان مخالفًا لمذهب أهل السُّنَّة فيُردُّ عندئذٍ، مع صرف النَّظر عمَّن قاله، ولو كنَّا نحترمه ونعترف بعمله وفضله.

فريد المرادي
2007-08-08, 02:34 PM
الشيخ عدنان البخاري وفقه الله ...

جزاكم الله خيراً على إضافتكم النفيسة ...

عدنان البخاري
2007-08-08, 02:37 PM
/// الأخ فريد المرادي ... وفقه الله
وجزاك الله خيرًا، بقي أن تنظر إلى الرَّدِّ على ما أورده الأخ السَّلفي فيما تقدَّم إجماله.

وليد الدلبحي
2007-08-08, 03:10 PM
بارك الله فيك يا شيخ عدنان، كنت قد كتبت رداً مطولاً على الأخ السلفي وما أحال إليه في الصحيحة، فنظرت فإذا ردك واضح بين، لا غبار عليه، فكفيتني مؤنة الرد، فلا حرمك الله الأجر، وأسأل الله أم يجري الحق على لسانك وبنانك، وجزاك الله خيراً، وباقي إخواننا في الله.

عدنان البخاري
2007-08-08, 03:47 PM
/// وإياكم أخي الكريم ، وبارك الله فيكم.

قال الإمام ابن خزيمة رحمه الله في كتاب ’’التوحيد‘‘ (2/732): (( هذه اللفظة: ( لم يعملوا خيراً قط) من الجنس الذي تقوله العرب بنفي الاسم عن الشيء لنقصه عن الكمال و التمام، فمعنى هذه اللفظة على هذا الأصل: لم يعملوا خيراً قط على التمام و الكمال، لا على ما أُوجب عليه، و أُمر به )).
/// وممَّا يؤكِّد هذا الاستعمال عند العرب، وأنَّه ليس المراد به ظاهره من نفي الخيريَّة مطلقًا، ما في مسلم من حديث أنس بن مالك قال قال رسول الله (ص): ((يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار صبغة ثم يقال يا بن آدم هل رأيت خيرا قط هل مر بك نعيم قط فيقول لا والله يا رب ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة فيقال له يا بن آدم هل رأيت بؤسا قط هل مر بك شدة قط فيقول: لا، والله يا رب ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط)).
/// فهذا الرَّجُل مع كونه من أنعم أهل الدُّنيا أجاب عن قوله: (هل رأيت خيرًا، هل مرَّ بك نعيمٌ قط) فقال: لا، وكذلك الآخر الذي هو أبأس أهل الدنيا.

الغُندر
2007-08-08, 05:26 PM
قال الامام احمد :
حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ
عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ إِلَّا التَّوْحِيدَ فَلَمَّا احْتُضِرَ قَالَ لِأَهْلِهِ انْظُرُوا إِذَا أَنَا مِتُّ أَنْ يُحْرِقُوهُ حَتَّى يَدَعُوهُ حُمَمًا ثُمَّ اطْحَنُوهُ ثُمَّ اذْرُوهُ فِي يَوْمِ رِيحٍ فَلَمَّا مَاتَ فَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ فَإِذَا هُوَ فِي قَبْضَةِ اللَّهِ فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَا ابْنَ آدَمَ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ قَالَ أَيْ رَبِّ مِنْ مَخَافَتِكَ قَالَ فَغُفِرَ لَهُ بِهَا وَلَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ إِلَّا التَّوْحِيدَ

عدنان البخاري
2007-08-08, 05:42 PM
قال الامام احمد :
حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ
عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ إِلَّا التَّوْحِيدَ فَلَمَّا احْتُضِرَ قَالَ لِأَهْلِهِ انْظُرُوا إِذَا أَنَا مِتُّ أَنْ يُحْرِقُوهُ حَتَّى يَدَعُوهُ حُمَمًا ثُمَّ اطْحَنُوهُ ثُمَّ اذْرُوهُ فِي يَوْمِ رِيحٍ فَلَمَّا مَاتَ فَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ فَإِذَا هُوَ فِي قَبْضَةِ اللَّهِ فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَا ابْنَ آدَمَ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ قَالَ أَيْ رَبِّ مِنْ مَخَافَتِكَ قَالَ فَغُفِرَ لَهُ بِهَا وَلَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ إِلَّا التَّوْحِيدَ
/// الردُّ على مثل هذا تقدَّم:
و قال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: (( معنى قوله: ( لم يعملوا خيراً قط ) أنهم ما عملوا أعمالاً صالحة، لكن الإيمان قد وقر في قلوبهم، فإما أن يكون هؤلاء قد ماتوا قبل التمكن من العمل؛ آمنوا ثم ماتوا قبل أن يتمكنوا من العمل، وحينئذ يصدق عليهم أنهم لم يعملوا خيراً قط.
وإما أن يكون هذا الحديث مقيداً بمثل الأحاديث الدالة على أن بعض الأعمال الصالحة تركها كفر كالصلاة مثلاً؛ فإن من لم يصل فهو كافر ولو زعم أنه مؤمن بالله ورسوله، والكافر لا تنفعه شفاعة الشافعين يوم القيامة، وهو خالد مخلد في النار أبد الآبدين، والعياذ بالله.
فالمهم أن هذا الحديث: إما أن يكون في قوم آمنوا ولم يتمكنوا من العمل فماتوا فور إيمانهم فما عملوا خيراً قط، وإما أن يكون هذا عاماً ولكنه يستثنى منه ما دلت النصوص الشرعية على أنه لابد أن يعمل كالصلاة؛ فمن لم يصل فهو كافر لا تنفعه الشفاعة ولا يخرج من النار ))، ’’فتاوى العقيدة‘‘ (رقم123، ص123) ط. دار المنهاج.
و سئل الشيخ العلامة صالح الفوزان حفظه الله أن هناك من يقول بأن ترك العمل الظاهر بالكلية لا يكفر و يستدل على هذا بحديث ( لم يعملوا خيرا قط )، و حديث صاحب البطاقة، فما هو الرد على هذه الشبه؟
فأجاب أطال الله في عمره بما نصه: (( هذه طريقة أهل الزيغ؛ يأخذون حديثاً واحداً و يتركون بقية الأحاديث. الراسخون في العلم يجمعون بين الأدلة، بين كلام الله و كلام رسوله و يفسرون بعضه ببعض، أما أنه يأخذ حديث البطاقة فقط، أو حديث ( لم يعملوا خيراً قط )، و يترك الأحاديث المقيدة لهذه الأحاديث المطلقة، فهذا ضلال و العياذ بالله، { فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه } [آل عمران:7].
المتشابه يرد إلى المحكم، فنحمل حديث صاحب البطاقة و صاحب الذي لم يعمل خيراً قط و يخرج من النار؛ على أنه لم يتمكن من العمل، نطق بـ ( لا إله إلا الله ) عن قلب و عن إيمان، ثم قتل أو مات في الحال و لم يتمكن من العمل، أو كان لم يبلغه شيء من هذا الدين لبعده عن بلاد المسلمين، و لكن قال لا اله إلا الله مخلصا و لم يعمل، لأنه لم يعرف العمل.أما الذي ليس له عذر في ترك العمل، و تركه من غير عذر، فهذا ليس بمؤمن، بدليل الآيات و الأحاديث التي تدل على أن الإيمان لابد معه من العمل ))، ’’مذهب أهل السنة و الجماعة في الإيمان‘‘ (ص59-60).

فريد المرادي
2007-08-08, 05:43 PM
الشيخ عدنان البخاري لقد أفدت فأجدت ، و لا عطر بعد عروس ...

و يمكن إضافة ما يلي في انتظار توجيهكم:

1- قال أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله :

(( كلام العرب المستفيض عندنا غير مستنكر في إزالة العمل عن عامله إذا عمله على غير حقيقة، ألا ترى أنهم يقولون للصانع إذا كان ليس بمحكم لعمله: ما صنعت شيئاً و لا عملت شيئاً، و إنما وقع معناه هاهنا على نفي التجويد لا على الصنعة نفسها، فهو عامل عندهم بالاسم، و غير عامل بالإتقان ..)) ’’الإيمان‘‘(ص4 1).

2- ورد لفظ ( لم يعمل خيراً قط) في من عمل بعض العمل؛ مثل حديث أنعم أهل الدنيا ـ و قد نقله الشيخ عدنان في الأعلى ـ، و حديث من كان يقرض الناس و يسامح المعسر منهم، و كذلك حديث قاتل مائة نفس، و في غيرها من الأحاديث التي تدل على أن نفي العمل ليس على إطلاقه.

3- لفظة (الإيمان) الواردة في حديث الشفاعة (مثقال حبة دينار من الإيمان ...) لفظة شرعية وردت في نصوص شرعية ، فلا بد من تفسيرها بالتفسير الشرعي لا العرفي و لا اللغوي.

و الإيمان قول و عمل و اعتقاد، و إنما خص القلب بالذكر لأنه أصل الإيمان ، و الله أعلم.

4- ظاهر حديث ( لم يعملوا خيراً قط ) يدخل فيه عمل القلب أيضاً.

فإن قيل: الإجماع خصص أعمال القلب من هذا العموم.

فيقال: كذلك الإجماع قد خصص جنس أعمال الجوارح من العموم.

و يقال لهم أيضاً: كيف وجد عمل القلب و انتفى عمل الجوارح، مع أن أهل السلف أجمعوا على التلازم بينهما ضرورة، فإن وجد عمل القلب تبعه عمل الجوارح، فإن نقص أحدهما دل على نقصان الآخر، و كذلك إذا انتفى أحدهما انتفى الآخر و لابد.

( و لا مورد هنا لذكر المنافقين ، لأن الكلام عمن يخرج من النار من أهل التوحيد ، فتنبه ).

5- بعض أهل العلم ذهب إلى أن حديث أبا سعيد في الجهنميين من المتشابه، فوجب رده إلى المحكم من أحديث الشفاعة مثل حديث أبي هريرة الذي في الصحيحين.

و الله أعلى و أعلم.

سليمان الخراشي
2007-08-08, 08:31 PM
الشيخ الكريم : المرادي : جزاكم الله خيرًا عن هذا المقال .
ولعلكم تلزمون المخالف بـ ( أعمال القلوب ) .. هل هي ضمن المنفي في الحديث !
والباقي تعرفونه ..

محمد العبادي
2007-08-08, 08:45 PM
إخواني الأفاضل هناك سؤال أرجو توضيحه توضيحا شافيا وهو :
معلوم أن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان ، وعلى رأي كثير من أهل العلم أن الترك عمل ، فعلى هذا من ترك نواقض الإٍسلام التي تؤتى بالجوارح فإنه قد أتى بجنس أعمال الجوارح ويبقى بعد ذلك التفصيل في مسألة المباني الأربعة ....فما قولكم دام نفعكم ؟

فريد المرادي
2007-08-08, 08:56 PM
الشيخ الكريم : المرادي : جزاكم الله خيرًا عن هذا المقال .
ولعلكم تلزمون المخالف بـ ( أعمال القلوب ) .. هل هي ضمن المنفي في الحديث !
والباقي تعرفونه ..

الشيخ الفاضل سليمان الخراشي بارك الله فيكم على التنبيه ...

و قد ذكرتُ ذلك في التعليق السابق ، حيث جاء فيه :

4- ظاهر حديث ( لم يعملوا خيراً قط ) يدخل فيه عمل القلب أيضاً.

فإن قيل: الإجماع خصص أعمال القلب من هذا العموم.

فيقال: كذلك الإجماع قد خصص جنس أعمال الجوارح من العموم.

و يقال لهم أيضاً: كيف وجد عمل القلب و انتفى عمل الجوارح، مع أن السلف أجمعوا على التلازم بينهما ضرورة، فإن وجد عمل القلب تبعه عمل الجوارح، فإن نقص أحدهما دل على نقصان الآخر، و كذلك إذا انتفى أحدهما انتفى الآخر و لابد.

( و لا مورد هنا لذكر المنافقين ، لأن الكلام عمن يخرج من النار من أهل التوحيد ، فتنبه ).

=====

تنبيه مهم : قولكم ـ غفر الله لي و لكم ـ : ( الشيخ الكريم ) ، بعيد عن الواقع ، بل هو فوق حقيقتي ـ و أنا أعلم بنفسي من غيري ـ ...

أسأل الله لي و لك التوفيق و السداد ، و أن يستعملنا جميعاً في رضاه ...

عدنان البخاري
2007-08-08, 09:42 PM
/// أخي الكريم فريد المرادي... وفقك الله وبارك فيك
استدلالاتك وجيهةٌ وجيِّدةٌ في محلِّها.
وأسأل الله أن ينفع بي وبك دومًا

رائد
2007-08-09, 12:29 AM
http://www.islamtoday.net/questions/show_articles_*******.cfm?id=7 1&catid=73&artid=1864

دراسة حديث الجهنميين

عبد الرحيم بن صمايل السلمي 26/12/1423
27/02/2003


المقـدمـــة :
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :
فإنَّ حديث الشفاعة الطويل من الأحاديث المهمة في العقيدة ؛ لأنه يشتمل على مسائل كثيرة في باب الرؤية والشفاعة وصفة الجنة والنار والإيمان واليوم الآخر والصفات والوعد والوعيد وغيرها من المسائل .
ويوجد في هذا الحديث الطويل روايات مشكلة اختلفت فيها الآراء وتعددت فيها الأقوال.
وحديث الجهنميين هو جزء من حديث الشفاعة الطويل وهو الفقرة التي ذُكر فيها خروج عصاة الموحدين من النار فهم آخر هؤلاء العصاة الخارجين من النار وقد ورد في وصفهم مجموعة روايات تصفهم بأنهم يقولون لا إله إلا الله ويتركون الشرك ويعرفون بأثر السجود يعني من أهل الصلاة ووردت رواية صارت موضوع إشكال عند العلماء واختلفوا في المراد بها وهي قوله " لم يعملوا خيراً قط " فإن الظاهر الصرف من هذه الرواية وحدها يقتضي أنهم ليسوا من المسلمين مما يدل على مناقضة الروايات التي تصفهم بما تقدم .
ولهذا تعددت التصورات في حقيقة هؤلاء : هل هم لم يعملوا أي عملٍ من أعمال الإسلام أبداً ؟ أم عملوا عملاً قليلاً ناقصاً أمكن وصفهم بأنهم لم يعملوا عملاً كاملاً قط؟
وقبل ذلك : ما هو حال هذه الرواية من حيث الصحة والضعف ؟ ولأن هذه المسألة تتعلق بأصل الإيمان المنجي وحده الأدنى كان لابد من معرفة القول الحق في هذه الرواية المشكلة في الحديث . فالمعني بالدراسة في هذا البحث هو حديث الجهنميين من حيث تخريجه ومعانيه اللغوية وتوجيه الرواية المشكلة فيه .
وقسمتُ هذا البحث إلى ثلاث مباحث :
المبحث الأول : تخريج حديث الجهنميين .
المبحث الثاني : المعاني اللغوية في الحديث .
المبحث الثالث : بيان معنى قوله " لم يعملوا خيراً قط " والرد على المرجئة .
أسأل الله تعالى التوفيق والسداد والإخلاص في العلم والعمل
المبحث الأول : تخريج حديث الجهنميين
المطلب الأول : التخريج العام لحديث الجهنميين :
روى مسلم في صحيحه بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه :
أن ناساً قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله ! هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هل تُضارُّون في رؤية القمر ليلة البدر ؟ قالوا : لا يا رسول الله قال : هل تُضارُّون في الشمس ليس دونها سحاب ؟ قالوا : لا يا رسول الله قال : " فإنكم ترونه كذلك ..." ثم ساق حديثاً طويلاً وفيه ذكر الجهنميين في قوله صلى الله عليه وسلم : " حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار " أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئاً ممن أراد الله أن يرحمه ممن يقول لا إله إلا الله فيعرفونهم في النار يعرفونهم بأثر السجود . تأكل النار من ابن آدم إلاَّ أثر السجود حرَّم الله على النار أن تأكل أثر السجود. فيُخرجون من النار وقد امتحشوا . فيُصبّ عليهم ماء الحياة فينبتون منه كما تنبت الحبَّة في حميل السيل . " الحديث
وقد جاء الحديث بألفاظ متقاربة وروي مطولاً ومختصراً .
وقد روى حديث الجهنميين عدد من الصحابة رضي الله عنهم وجاءت أحاديثهم على النحو التالي :
1-حديث أبي هريرة – رضي الله عنه - .
رواه البخاري في صحيحه في – كتاب صفة الصلاة – باب صفة السجود –برقم(773)وفي – كتاب الرقاق – باب صفة الجنة والنار وفي - كتاب التوحيد – باب قوله تعالى : " وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة " – برقم (7437) .
من حديث سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد الليثي عنه .
ورواه مسلم في صحيحه – كتاب الإيمان – باب معرفة طريق الرؤية – برقم (299) ورواه أحمد (2/ 400) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 384) : " وفيه صالح مولى التوأمة وهو ضعيف " وفيه قوله " ليتمجدن الله يوم القيامة على أُناس لم يعملوا خيراً قط ... " .

2- حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه .
رواه البخاري في صحيحه في – كتاب التوحيد – باب قوله تعالى : وجوه يومئذٍ ناظرة إلى ربها ناظرة " – برقم (7439) ومسلم في صحيحه في – كتاب الإيمان – باب معرفة الرؤية – برقم (302) وأحمد (3/ 94) عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عنه .
ورواه البخاري في صحيحه في – كتاب الإيمان – باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال – برقم (22) وفي – كتاب الرقاق – باب صفة الجنة والنار – برقم (6560) ومسلم في صحيحه في – كتاب الإيمان – باب معرفة الرؤية – عن يحيى بن عمارة عن أبي سعيد .
كما رواه مسلم في صحيحه من وجه آخر في – كتاب الإيمان – باب معرفة الرؤية– برقم (306) و (307) عن أبي نضرة عنه .
ورواه ابن حبان في صحيحه كما في موارد الظمأن (ص 646) عن صالح بن أبي طريف عنه .

3-حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - .
رواه أحمد (3/ 326) وابن حبان (الاحسان 1/ 203) برقم( 183)،والطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد (10/ 379) وقال الهيثمي : ورجاله رجال الصحيح غير بسام الصيرفي وهو ثقة .

4-حديث المغيرة بن شعبة – رضي الله عنه - .
رواه محمد بن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (1 / 277 279) برقم(268 269) . وابن ماجه – كتاب الزهد – باب ذكر الشفاعة – برقم( 4315 )،والطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد (10/ 379) وقال الهيثمي : "فيه عبد الرحمن ابن اسحاق وهو ضعيف" .

5-حديث أنس بن مالك – رضي الله عنه - .
رواه البخاري – كتاب الرقاق – باب صفة الجنة والنار – برقم 6559 والطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد (10/ 380) وقال الهيثمي:"وفيه من لم أعرفهم" رواه أحمد (3 / 125 126 134 144 183 208 255 260 ) .
وأبو يعلى في مسنده ( 5/ 267 344 391 475 ) برقم (2886 2978 305 3206 ) .

6-حديث عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه - .
رواه أحمد (1/ 454) عن عطاء بن السائب عن عمرو بن ميمون عنه .
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (10 / 383) : " رواه أحمد وأبو يعلى ورجالهما رجال الصحيح غير عطاء بن السائب وهو ثقة ولكنه اختلط " .

7-حديث عمران بن حصين – رضي الله عنه .
رواه البخاري – كتاب للرقاق – باب صفة الجنة والنار – برقم 6566 ورواه أحمد (4/ 434) وأبو داود في سنته – كتاب السنة – باب في الشفاعة – برقم (4740) والترمذي – كتاب صفة جهنم – برقم (2600) .

8-حديث حذيفة بن اليمان – رضي الله عنه .
رواه أحمد (5/ 391 402) وابن أبي عاصم في السنة ص / 835 وابن خزيمة في التوحيد 2/ 664 والآجري في الشريعة ص / 346 عنه .

المطلب الثاني : تخريج رواية " لم يعملوا خيراً قط " .
سبق أن بينتُ أن حديث الجهنميين رواه ثمانية من الصحابة الكرام رواية مختصر ومطولة .
ولم يرد في رواية الثمانية جميعاً هذه الزيادة " لم يعملوا خيراً قط " إلاّ في حديث عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عند مسلم (1). وقد رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري من غير طريق عطاء بن يسار وليس فيه هذه الزيادة فقد رواه عن يحيى بن عمارة (2) وأبي نضرة (3) ورواه ابن حبان عن صالح بن أبي طريف عنه دون الزيادة . وقد روى مسلم هذا الحديث في آخر الباب بعد سياقه لحديث أبي هريرة رضي الله عنه ولم يذكر في حديثه عنده الرواية السابقة .
قد يقول قائل : هذه الرواية يشهد لها روايتان في الحديث :
الأولى : ما رواه أحمد في حديث أبي هريرة ولفظه : " ليتمجدن الله يوم القيامة على أُناس لم يعملوا خيراً قط ... " الحديث (4).
الثانية : ما رواه البخاري عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري وفيه " فيقول أهل الجنة هؤلاء عتقاء الرحمن أدخلهم الله الجنة بغير عملٍ عملوه ولا خير قدموه " (5). وأرى أن هاتين الروايتين لا تصلحان في الشواهد لما يلي :
أولاً : أن حديث أبي هريرة ضعيف فيه صالح مولى التوأمة (6).
ثانياً : أن رواية البخاري من نفس الطريق المروي به الزيادة عند مسلم فهما حديث واحد وقد يكون روى بالمعنى .
ثالثاً : أن رواية مسلم منسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأما رواية البخاري فمنسوبة إلى أهل الجنة فاختلفت جهة النسبة فلا يصح أحدهما شاهدا للآخر .
وهل تعتبر هذه الزيادة من زيادة الثقة فتكون مقبولة ؟
يشترط في زيادة الثقة عدم المخالفة لمن هو أوثق منه وظاهر رواية عطاء بن يسار عن أبي سعيد رضي الله عنه مخالف لبقية الرواة عن أبي سعيد ومخالف لبقية من روى حديث الجهنميين الذين وصفوا في الأحاديث الأخرى بأنهم " يشهدون أن لا إله إلا الله ويعبدون الله ولا يشركون به شيئاً ومن أهل الصلاة " . بينما في الزيادة أنهم لم يعملوا خيراً قط .
والظاهر أن هذه الزيادة شاذة إذا أُخذت على ظاهرها أو صحيحة إذا أمكن الجمع بينها وبين بقية الروايات بجمع صحيح .

المبحث الثاني : المعاني اللغوية في الحديث
سبق أن بينتُ أن حديث الجهنميين جزء من حديث الشفاعة الطويل وسأذكر جملة من ألفاظ الحديث التي تحتاج إلى بيان معانيها اللغوية "سَفْع" أي : سواد فيه زرقة أو صفرة يقال : سفعته النار إذا لفحته فغيّرت لون بشرته (7). "امتحشَوا" أي : احترقوا يقال : امتحش الخبز أي : احترق . ويقال : محشته النار وأمحشته والمعروف : أمحشَه (8). "الحِبّة" : قال ابن شميل : "الحبة (بكسر الحاء) اسم جامع لحبوب البقول التي تنتشر إذا هاجت ثم إذا مطرت قابل نبتت" . وقال أبو عمرو : "الحِبّة نبت ينبت في الحشيش الصغار" . وقال ابن دريد في الجمهرة : "كل ما كان من بَزْر العشب فهو حبّة". والجمع حِبب (9).·"حميل" : قال أبو سعيد الضرير : "حميل السيل ما جاء به من طين أو غثاء فإذا اتفق فيه الحِبّة واستقرت على شط مجرى السيل فإنها تنبت في يوم وليلة وهي أسرع نابتة نباتاً" . قال المازري : "وإنما أخبر صلى الله عليه وسلم من سرعة نباتهم" (10). ·"قشبني" قال الجوهري : "قشبني يقشبني أي أذابني كأنه قال : سمّني ريحه .. والقشيب : السم والجمع أقشاب" (11) قال القرطبي : (قوله : "قشبني ريحها" أي غيّر جلدي وصورتي وسَوّدني – وأحرقني قاله الحربي ) (12). ·"حمماً" : الحُمَم : الفحم واحده حممة (13). "ضبائر" : قال الهروي : "ضبائر جمع ضِبارة ( بكسر الضاد ) مثل عمارة وعمائر والضبائر : جماعات الناس يقال : رأيتهم ضبائر أي جماعة في تفرقة" (14). "قَطّ" : بفتح القاف وتشديد الطاء ظرف لاستغراق الزمن الماضي ويشترط أن يسبقها نفي .
ومنه قول الفرزدق :

مــا قال لا قط إلاَّ في تشهده
لولا التشهد كــــانت لاؤَه نعمُ(15)


المبحث الثالث : بيان معنى قوله " لم يعملوا خيراً قط " والرد على المرجئة
ورد في وصف الجهنميين في الأحاديث بالأوصاف التالية :
1-لا يشركون بالله شيئاً (16).
2-يقولون لا إله إلا الله (17).
3-يعرفون بأثر السجود (18).
وهذه الأوصاف مأخوذة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وفيه : " حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد , وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار , أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئاً , ممن أراد الله تعالى أن يرحمه ممن يقول لا إله إلا الله , فيعرفونهم في النار . يعرفونهم بأثر السجود . تأكل النار من ابن آدم إلا أثر السجود . حرّم الله على النار أن تأكل أثر السجود , فيُخْرَجون من النار وقد امتحشوا ... " الحديث . وظاهر رواية " لم يعملوا خيراً قط " معارضة لوصف الجهنميين بهذه الأوصاف , ولهذا كانت هذه الرواية فيها إشكال يحتاج إلى بيان وتوضيح .
وقد احتج بهذا الحديث طائفتان :
إحداهما : من يرى أن الإيمان هو تصديق القلب فقط , ولا يدخل في حقيقته قول اللسان وعمل القلب والجوارح , وهم مرجئة المتكلمين من الأشاعرة و الماتريدية .

والثانية : من يرى أن الإيمان تصديق القلب وقول اللسان وعمل القلب ويستدل بهذا الحديث على أن ترك جميع أعمال الجوارح إلا الشهادتين لا يخرج من الإيمان .
والحق أنه ليس لهما دليل في هذه الرواية على ما ذهبوا إليه .
أولاً : الرد على مرجئة المتكلمين ( غلاة المرجئة ) :
أخذ الغزالي في إحياء علوم الدين من هذا الحديث أن العمل ليس ركناً في الإيمان , إذ الركن لا يحتمل السقوط إلا بانتفاء الحقيقة , وقد أخرج الله تعالى من النار قوماً جاءوا بالتصديق المجرد (19).
" وقد استدل الغزالي بقوله " من كان في قلبه " على نجاة من أيقن بذلك وحال بينه وبين النطق به الموت , وقال في حق من قدر على ذلك فأخَّر فمات : يحتمل أن يكون امتناعه عن النطق بمنزلة امتناعه عن الصلاة فيكون غير مخلد في النار " (20).
والرد على المرجئة من وجوه :
أولاً : أن هذا الحديث ليس عمدة المرجئة في تقرير حقيقة الإيمان , لأنه من أحاديث الآحاد الظنيّة التي لا تقبل في العقيدة كما زعموا , وكذلك دلالته ظنيّة إذ الدلالات اللفظيّة ظنيّة عندهم لاحتمال المجاز والاشتراك والمعارض العقلي وغيرها .
والاستدلال بحديث ليس عمدة ولا يستقيم الاستدلال به على أصولهم لا يصح ولا يوصل لدلالته على قواعدهم .
ثانياً : أن هذا الحديث فيه الرد عليهم في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه(21) وقد بوب عليه البخاري باباً بعنوان : " باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال " . والاستدلال به في موضع وإهماله في موضع آخر تناقض واتباع للهوى .
ثالثاً : أن هذه الرواية لم ترد إلاّ عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مع كثرة من رواه من الصحابة , وقد رواه عن أبي سعيد غير عطاء ولم يذكرها . بل إن رواية عطاء بن يسار مضطربة ففي صحيح مسلم رويت هذه العبارة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , وفي البخاري عن أهل الجنة مع أنه حديث واحد ومخرجه واحد .
رابعاً : أن الروايات التي لم تُذكر فيها الزيادة أرجح ورواتها أكثر من تلك , وهي موافقة للأصول القطعية من أنه لن يدخل الجنة إلا مؤمن , وأن الإيمان قول وعمل (22).
خامساً : أن ظاهر الرواية يدل على عدم التصديق , لأنه "خير" وهم لم يعملوا خيراً قط , فاستثناء التصديق ليس عليه دليل , وإذا جاز استثناؤه فيصح استثناء قول اللسان وعمل القلب والجوارح من حيث جنسها لا نوعها .
سادساً : أن يحمل النفي في قوله " لم يعملوا خيراً قط " على نفي الكمال الواجب لورود ما يدل على أنهم عملوا خيراً في الروايات الأخرى .
ثانياً : الرد على مرجئة الفقهاء ومن وافقهم .
استدل بهذا الحديث من يرى عدم اشتراط العمل الظاهر في حقيقة الإيمان , وزعموا أن الإيمان المنجي هو تصديق القلب وعمله وقول اللسان .
والرد عليهم من وجوه :
أولاً : أن الروايات التي ليس فيها هذه الزيادة أرجح , وقد تقدم بيان ذلك , وقد ثبت فيها أن الجهنميين من أهل الصلاة .
ثانياً :
أن رواية الزيادة لم ترد في طرق الحديث إلا عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مما يدل على أنها غير محفوظة , وقد تقدم بيان ذلك .
ثالثاً :أن يجمع بين الروايات فيحمل النفي في الزيادة على نفي الكمال الواجب كما قال ابن خزيمة : " هذه اللفظة : ( لم يعملوا خيراً قط ) من الجنس الذي تقول العرب بنفي الاسم عن الشيء لنقصه من الكمال والتمام , فمعنى هذه اللفظة على هذا الأصل لم يعملوا خيراً قط على التمام والكمال , لا على ما أوجب عليه وأمر به " (23).
ويشهد لهذا القول حديث " ارجع فصل فإنك لم تصل " , وقاتل المائة جاء عنه " أنه لم يعمل خيراً قط " مع كونه تائباً وشرع في الهجرة إلى الأرض الصالحة .
وهذا أمر سائغ في لغة العرب يقولون : أنت لست بولدي ولا يريد نفي البنوة عنه بالمرة بل يريد لست بولدي الطائع لأن من صفات الولد الطاعة لأبيه .
ومراتب النفي هي : نفي الوجود أو الصحة أو الكمال , وحمله على الأول والثاني يلزم منه نفي قول اللسان وعمل القلب لأنها تدخل في عموم "العمل" و "الخير" , وإذا استثنوا قول اللسان وعمل القلب بنصوص خارج الحديث فإن روايات الحديث يمكن أن يستثنى بها عمل الجوارح ويحمل النفي على الكمال .
ومن زعم أن العمل في الزيادة يراد به عمل الجوارح دون عمل القلب فهذا زعم لا دليل عليه .
وقد أخرجوا عمل القلب من عموم الزيادة بالروايات الدالة على خروج من كان في قلبه مثقال خردلة من إيمان
وهذا صحيح ينضاف إلى عمل الجوارح الخارج بكونهم من أهل السجود والصلاة .
وزعم بعض الشراح(24) أن المراد بالسجود الوجه , وهذا إذا اقتضى نفي كونهم من أهل الصلاة ففاسد , ولهذا رواه البخاري في كتاب صفة الصلاة في باب فضل السجود مما يدل أنه فهم من السجود سجود الصلاة
رابعاً : أن يقال : إن الرواية تدل على حالة غيبيّة مخصوصة لا تعارض الأصل الثابت.فهؤلاء لقلة عملهم و خفائه لا يستطيع أهل الجنة معرفتهم عندما يأذن لهم الله تعالى في إخراج أهل الذنوب ممن دخل النار .
فقد ورد في لفظ مسلم : " يقولون ربنا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا , ويعملون معنا " ثم يقولون بعد إخراجهم من عرفوا : " ربنا لم نذر فيها خيراً " , وهذا القول هو حسب معرفتهم(25) ثم يخرج الله تعالى أقواماً آخرين , فقد ورد في رواية في المسند " أنا الآن أخرج بعلمي ورحمتي , قال : فيخرج أضعاف ما أخرجه " (26) فيمكن القول بأن هذه حالة خاصة لا ندركها في الدنيا ولا في الآخرة وهي لا يُردّ بها الأصل العام في مفهوم الإيمان وحقيقته .
ويشبه هؤلاء ما ورد في حديث حذيفة في آخر الزمان وفيه : " يدرس الإسلام – كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدري ما صيام ولا صدقة ولا نسك , ويسري على كتاب الله في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية ويبقى طوائف من الناس : الشيخ الكبير , والعجوز يقولون : أدركنا آباءنا على هذه الكلمة : لا إله إلا الله فنحن نقولها . قال صلة بن زفر لحذيفة : فما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صيام ولا صدقة ولا نسك ؟ فأعرض عنه حذيفة, فرددها عليه ثلاثاً, كل ذلك يعرض عنه حذيفة , ثم أقبل عليه في الثالثة فقال : يا صلة تنجيهم من النار " (27).

--------------------------------------------------------------------------------
(1) - في كتاب الإيمان – باب معرفة الرؤية – برقم (302) .
(2)- في كتاب الإيمان - باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار – برقم (304 , 305) .
(3)- في الكتاب والباب السابق برقم (306 , 307) .
(4)- رواه أحمد في مسنده 2 / 400 .
(5)- صحيح البخاري – كتاب التوحيد – باب قول الله تعالى ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) برقم (7439) .
(6)- صالح بن نبهان مولى التوأمة وهي : التوأمة بنت أمية بن خلف ابن وهب وهي التي نسب صالح إليها ( انظر : الثقات - لابن حبان – 3 / 42 ) اختلط في آخر عمره قال الأصمعي : كان شعبة لا يحدث عنه , وقال بشر بن عمر : سألت مالكاً عنه فقال ليس بثقة . انظر : تهذيب التهذيب 4 / 405 .
(7)-فتح الباري ( 11 / 429 ) .
(8)- المفهم ( 1 / 421 – 422 ) , والمعلم ( 1 / 266 ) ووردت بصيغة المبني للمعلوم والمجهول وخطّأ القرطبي الثانية وصوّب الأولى , والحق أن كليهما مروي في الصحيح ولا يتضمن معنى باطل .
(9) - المعلم ( 1 / 226 ) , وانظر المفهم ( 1 / 422 ) .
(10)- المعلم ( 1 / 226 ) , وانظر المفهم ( 1 / 422 ) .
(11)- الصحاح مادة ( قشب ) .
(12)- المفهم ( 1 / 422 ) , وانظر : المعلم ( 1 / 226 ) .
(13) - المفهم ( 1 / 422 ) , والمعلم ( 1 / 229 ) .
(14) - المعلم ( 1 / 229 ) , والمفهم ( 1 / 451 ) .
(15) - انظر : قاموس الأعراب ( ص / 70 ) , المنهاج في القواعد والأعراب ( ص / 231 ) .
(16) - انظر : صحيح البخاري برقم 773 , وصحيح مسلم برقم 299 .
(17)- المصدر السابق .
(18)- المصدر السابق .
(19) وقد تابعه الزبيدي على ذلك انظر الاحياء وشرحه ( 5 / 243 ) .
(20)- فتح الباري ( 11 / 430 ) .
(21) - انظر : ظاهر الإرجاء في الفكر الإسلامي ص / 748 .
(22)- انظر : المصدر السابق ص / 749 .
(23) - التوحيد ص / 309 ( ط القديمة ) .
(24)- شرح الأبي على صحيح مسلم .
(25) - ورد في حديث أبي سعيد الخدري في صحيح مسلم برقم 303 : " فيقال لهم : أخرجوا من عرفتم " .
(26) - المسند 3 / 325 .
(27)- رواه الحاكم ( 4 / 473 ) وقال صحيح على شرط مسلم , وسكت عنه الذهبي , وصححه الألباني انظر السلسلة الصحيحة برقم 87.

عدنان البخاري
2007-08-09, 01:20 AM
/// بارك الله فيك...
بحثٌ طويلٌ جيِّدٌ من مقتطفاتٍ قرأتها سريعًا، والحمدلله أنَّه توصَّل لنفس النتيجة المرضية عند أهل السُّنَّة.

ابومحمد البكرى
2007-08-09, 07:27 AM
جزاكم الله خيرا

فالح العجمي
2007-08-09, 12:14 PM
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة فريد المرادي
قال الإمام ابن خزيمة رحمه الله في كتاب ’’التوحيد‘‘ (2/732): (( هذه اللفظة: ( لم يعملوا خيراً قط) من الجنس الذي تقوله العرب بنفي الاسم عن الشيء لنقصه عن الكمال و التمام، فمعنى هذه اللفظة على هذا الأصل: لم يعملوا خيراً قط على التمام و الكمال، لا على ما أُوجب عليه، و أُمر به )).
والدليل على ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم
المسئ في صلاته ارجع فصل فانك لم تصل
مع انه صلى ولكن صلاة غير صحيحة
واما حديث لم يعمل قط الا التوحيد
فجاء عند البخاري رواية
تقول
عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال كان رجل ممن كان قبلكم يسيء الظن بعمله فقال لأهله إذا أنا مت فخذوني ‏ ‏فذروني ‏ ‏في البحر في يوم صائف ففعلوا به فجمعه الله ثم قال ‏ ‏ما حملك على الذي صنعت قال ما حملني إلا مخافتك فغفر له ‏
ولي عودة بإذن الله

أبو عثمان السلفي
2007-08-09, 01:25 PM
وقفات مع الأخ عدنان البخاري –سدده الله-:
أولاً: قولك : «فهذه المرَّة احتجُّوا أيضًا بأنَّهم إخوانهم كانوا معهم، يعرفونهم بصلاةٍ وصيام وحجٍّ وجِهادٍ؛ لأنَّه قال: ((ثم يعودون فيتكلَّمُون))، يتكلَّمون بماذا؟! لم يبيِّن!» إلخ.
قلت: إذا لم يبيّن! فما دليلك مِن الوحيين –والمسألة غيبية- على قولك: «يتكلَّمُون بما تقدَّم، وهو ((أنَّهم كانوا يصلُّون ويصومون ويحجُّون ويجاهدون)) »!
أليس مِن السلامة في الديِّن والعقيدة الوقوف على ظاهر النّص وعدم التطرق للنّص باحتمالات مَبْنية على: (يحتمل) ، و (قد) ، و (يمكن)، و (لعل)!!!
قال الإمام الألباني: «وفي الحديث رد على استنباط ابن أبي جمرة من قوله –صلى الله عليه وسلم- فيه: «لم تغش الوجه»، ونحو الحديث الآتي بعده: «إلا دارات الوجوه»: أن من كان مسلماً ولكنه كان لا يصلي لا يخرج؛ إذ لا علامة له! ولذلك تعقبه الحافظ بقوله (11/457):
«لكن يحمل على أنه يخرج في القبضة؛ لعموم قوله: «لم يعملوا خيراً قط»، وهو مذكور في حديث أبي سعيد الآتي في (التوحيد)». يعني هذا.
وقد فات الحافظ رحمه الله أن في الحديث نفسِه تعقباً على ابن أبي جمرة من وجه آخر؛ وهو أن المؤمنين كما شفَّعهم الله في إخوانهم المصلين والصائمين وغيرهم في المرة الأولى، فأخرجوهم من النار بالعلامة، فلما شُفِّعوا في المرات الأخرى، وأخرجوا بشراً كثيراً؛ لم يكن فيهم مصلون بداهة، وإنما فيهم من الخير كل حسب إيمانه. وهذا ظاهر جدًّا لا يخفى على أحد إن شاء الله تعالى». [«السلسلة الصحيحة» (7/131-132)].
ثانياً: قولك: «فإذن.. انتيهنا من هذه المرار الأربعة، وبقيت شفاعة ربِّ العالمين»!
قلت: لماذا أخفيتَ المرة خامسة؟! ونصها -بعد المرة الرابعة-: «فيقولون: ربنا! قد أخرجنا مَن أمرتنا، فلم يبق في النار أحد فيه خير. قال: ثم يقول الله : شفعت الملائكة وشفع الأنبياء وشفع المؤمنون وبقي أرحم الراحمين..... »إلخ [انظر «الصحيحة» (3054) ]
ثالثاً: قولك: «فما الفارق بينهم وبين غيرهم من أهل النَّار كالكفرة الذين لا آثار سجود لهم؟!».
قلت: وهل كل مَن دخل النار مِن المسلمين يجب أن يكون مِن المصلين؟!!
سبحان الله!
رابعاً: قولك: «وإليك بيان هذا بجلاء من رواية البخاري».
قلت: رواية البخاري مجملة، والأصل جمع الروايات، وإلا كانت النتيجة قاصرة! كيف وأنت القائل عن أهل السنة والجماعة أنهم: «بنَوا مذهبهم على مجموع النُّصوص وليس على أفرادها».
خامساً: قولك: «يُردُّ هذا على ما تقدَّم بيانه في إخراج الملائكة؛ إذ يُقال يحتمل أنَّ الملائكة إنَّما يخرجون...»، وقولك: « وبأنَّ هذا ممَّن لم يدخل فيمن قبضهم الرحمن من النَّار قبضةً أوقبضتين، وهم الذين -على احتمالٍ- عرفتهم الملائكة بآثار السُّجود».
قلت: دعكَ مِن (يحتمل) ، و(لا يحتمل) وَ... ، وَ....
سادساً: قولك: «.... فيردُّ المتشابه إلى المحكم. والعقائد والقواعد لا تنبى على شُذَّاذ النُّصوص أو مجملها، والإعراض عن مبيِّنها، فتأمَّل».
قلت: جاء في كتاب «برهان البيان» (ص334): « أما قول الشيخ (ص159) عن حديث أبي سعيد الخدري «لم يعملوا خيراً قط» : «نفهم من هذا أنه عام، وأن أدلة كفر ترك الصلاة خاصة...».
فنقول:فهذا قول قال به قبل فضيلته مَنْ رأى كفر تارك الصلاة، ولكن ألا يقال: إن قول الشيخ قد ينعكس؟! بمعنى أن أحاديث كفر تارك الصلاة عامة خصصتها أحاديث الشفاعة وغيرها؛ وبخاصة أن أحاديث الشفاعة هي تطبيق ـ عملي ٌّـ في الآخرة لنصوص الوعيد المقولَة في الدنيا، كما فعل كلّ من سبق ذكرهم من الأئمة الذين لم يكفروا بترك الصلاة...».
فتأمل.
وختاماً:
« ومن العجيب أنْ يقع الإصرار على التكفير مع وجود الأحاديث الكثيرة المخالفة لذلك، نكتفي بقوله –صلى الله عليه وسلم-:
«إنّ للإسلام صُوىً ومناراً كمنار الطريق؛ منها أنْ تؤمن بالله ولا تشرك به شيئاً، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأنْ تُسلّم على القوم إذا مررت بهم، فمَن ترك من ذلك شيئاً؛ فقد ترك سهماً من الإسلام، ومن تركهن كلهن، فقد ولّى الإسلام ظهره».
ثانياً: قول بعض علماء أهل السنة: إنّ الأقوام الذي يخرجون من النار لم يعملوا خيراً قط، لا يتصادم مع نقل ولا عقل، فربنا -تعالى - الجواد الكريم ينجي أولئك الذين لم يعملوا خيراً قط، ويثيبهم على ما في قلوبهم؛ مما يزن مثقال الذرة أو البُرّة، أو أدنى من ذلك.
وتصوُّرُ هذا المقدارِ مع عدم تحريك الجوارح - كما ثبت في النصوص الصحيحة - أمرٌ لا غرابة فيه، وقد أعجبنا في تقريب تصوُّر هذه الحالة وتصويرها - في كتاب «ظاهرة الإرجاء» (2/529) -وهو من هو! - حيث قال:
«ولهذا تحصل حالة شاذة خفية؛ وهي أن يضعف إيمان القلب ضعفاً لا يبقى معه قدرة على تحريك الجوارح لعمل خير، مثله مثل المريض الفاقد للحركة والإحساس، إلا أن في قلبه نبضاً لا يستطيع الأطباء معه الحكم بوفاته - مع أنه ميؤوس من شفائهِ؛ فهو ظاهراً في حكم الميت، وباطناً لديه القدر الضئيل من الحياة الذي لا حركة معه، وهذه هي حالة الجهنميين الذين يخرجهم الله من النار، مع أنهم لم يعملوا خيراً قط...».
ولو تأمل هذا الرجل ما خطّته يداه - ها هنا - لكان ذلك كافياً لهدم كتابه كله، فهل يعقل ذلك المقلدون له، الفرحون لكتابه؟
ولا يظنَنَّ عاقل أنّ قولنا بتحريم الخلود في النار لتارك الأعمال شهادة له بأنه صاحب إيمان حقيقي أوتصديق قوي وكامل، ألم يعلموا أنّ التصديق والإيمان بالقلب قد يكون ضعيفاً ذاوياً كما ذكر ابن رجب في «شرح كتاب الإيمان» (134):
«فجعل قتادة الإسلام الكلمة، وهي أصل الدين، والإيمان ما قام بالقلوب من تحقيق التصديق بالغيب، فهؤلاء القوم لم يحققوا الإيمان في قلوبهم، وإنّما دخل في قلوبهم تصديق ضعيف بحيث صحّ به إسلامهم، ويدل عليه قوله تعالى: {وإن تطيعوا الله ورسوله لا يَلِتكم من أعمالكم شيئاً} [الحجرات : 14]».
وكما قال الحَليميّ - رحمه الله -:
ووجه هذا أنْ يكون في قلب واحد توحيد، ليس معه خوف غالب على القلب فيردع، ولا رجاء حاضر له فيطمع، بل يكون صاحبه ساهياً قد أذهلته الدنيا عن الآخرة.... فإذا كان ذلك خفّ وزنه وإذا تتابعت شهاداته ثقل وزنه.
ولـه وجه آخر وهو أنْ يكون إيمان واحد في أدنى مراتب اليقين حتى إنْ تشكك تشكك».
وقد يستشكل مستشكلٌ دخولَ الجنّة بدون العمل؟
فنقول: إنّ دخول الجنّة لمن لم يعمل خيّراً قط، هو من باب الإحسان من الخالق، بخلاف دخول النّار الذي لا بدّ فيه من العصيان من المخلوق.
وشبيه هذا ما قاله شيخ الإسلام - رحمه الله - في «الفتاوى» (16/47):
«وأمّا الجنّة فإنّ الله ينشئ لها خلقاً فيدخلهم الجنّة، فبيّن أنّ الجنّة لا يضيّقها -سبحانه -، بل ينشئ لها خلقاً فيدخلهم الجنّة، لأنّ الله يدخل الجنّة من لم يعمل خيراً؛ لأنّ ذلك من باب الإحسان، وأمّا العذاب بالنّار فلا يكون إلا لمن عصى، فلا يعذب أحداً بغير ذنب. والله أعلم».
فالقول - إذاً - بالخروج من النّار لتارك العمل - إحساناً - من المنّان، ليس بكذب، ولا بهتان». [«برهان البيان» (ص47-49)]

عدنان البخاري
2007-08-09, 04:04 PM
/// أولًا ما كتاب برهان البيان؟ من مؤلِّفه وما موضوعه؟
/// ثانيًا: أنا ذكرتُ ما ذكرت احتمالًا لا جزمًا، وردًّا للمتشابه أوالمجمل إلى مفصَّله ومبينه، وهو موافقٌ لمذهب أهل السُّنَّة.
/// ثالثًا: ظننتُك حين رددت عليَّ احتمالي وعتبت عليَّ إذ احتملتُ بلا دليلٍ من الوحيَيْن أنَّك سوف تأتي بدليلٍ منهما يؤيِّد ماتنصره، فإذا بك تأتي بكلام الشَّيخ الألباني رحمه الله: "وقد فات الحافظ رحمه الله أن في الحديث نفسِه تعقباً على ابن أبي جمرة من وجه آخر؛ وهو أن المؤمنين كما شفَّعهم الله في إخوانهم المصلين والصائمين وغيرهم في المرة الأولى، فأخرجوهم من النار بالعلامة، فلما شُفِّعوا في المرات الأخرى، وأخرجوا بشراً كثيراً؛ لم يكن فيهم مصلون بداهة...".
/// ولي أن أسألك: هل كلام الشَّيخ الألباني رحمه الله هو دليل الوحيَيْن الذي تتكلَّم عنهما؟!
/// فالشَّيخ يقول: (لم يكن فيهم مصلُّون بداهةً)، وأنا قلتُ في موضوعي السَّابق وقد اجتزأتَ منه أجزاءً وتركت منها أخرى = أنَّ من قال بأنَّ أولئك لم يكونوا مصلِّين: (لادليل عليه إلَّا بفهم من فهمه)، وإلَّا فأين النَّصُّ عليه، ما دام أنَّ المسألة غيبيَّةٌ ولا يُقبل فيها إلَّا بنصٍّ من الوحْيَيْن؟!
/// رابعًا: ذكرتَ أنِّي أخفيْتُ المرَّة الخامسة؟! وهذا تُهمةٌ عجيبةٌ! فأنا لم أخفِ شيئًا، ولو تأمَّلت كلامي لتبيَّن لك وهمك، قلت في تلك الخامسة: ((فإذن.. انتيهنا من هذه المرار الأربعة، وبقيت شفاعة ربِّ العالمين فيمن هم كذلك، ولكنَّهم لم يشفع فيهم أحدٌ، فيشفع فيهم ربُّ العالمين ويخرجهم منها برحمته)).
/// ثمَّ بيَّنتُ كيف يخرج أصحاب هذه المرَّة الخامسة، وأنَّهم تعرفهم الملائكة بآثار السُّجود، وهذا دليلٌ على أنَّهم كانوا يصلُّون، إذْ لو لم يكونوا كذلك كيف تكون لهم آثار للسُّجود، وإلَّا فما الفرق بينهم وبين غيرهم...
/// فأجبتَ عن السُّؤال الثاني ولم تجب عن الأوَّل بقولك: "وهل كل مَن دخل النار مِن المسلمين يجب أن يكون مِن المصلين؟!".
/// فلِمَ لَمْ تُجب عن سؤالي الأوَّل؟!
/// ثمَّ هذا السؤال الذي توجِّهه إليَّ ليس اعتراضًا عليَّ، بل على نصِّ الحديث الذي ذكر ذلك، ولستُ ملزمًا بالإجابة عليه، ولا معرفة جوابه! بل عليك إيجاد الجواب إذ الاعتراض منك عليه!
/// وقولك: "رواية البخاري مجملة، والأصل جمع الروايات، وإلا كانت النتيجة قاصرة!"، وهل رأيتني في مقالي السابق الطَّويل اكتفيتُ برواية البخاري فقط؟! قرأت هذه الجزئيَّة من مقالي، وحكمت بحكمك هذا المنصف!
/// حرَّمتَ عليَّ الاحتمال بقولك: "دعك من يحتمل ولا يحتمل"، وأبحته لنفسك أو لمن تنصر قوله في أكثر من موضعٍ، لِمَ هذا التحكُّم، فإن منعتَ الاحتمال فلا تأتنا إلَّا بنصٍّ قاطعٍ لا احتمال فيه، أمَّا تقول قال فلان وقال فلان، فهل هذه هي المنهجيَّة التي تدعوني إليه! عجبًا لك والله!
/// كلامك الطَّويل عن وصم من قال بقوله بالمقلِّدين لا علاقة له بمقالي ولا مبحثي، وأنا ولا غيري من الأخوة في هذا الموضوع لم ننقل حرًف من كتابه، فعن أيِّ شيءٍ تتكلَّم؟!
/// تقول في بعض عباراتك: "قولنا" و"أننَّا" ونحوها من العبارات فهل لك أن تعرَّفنا عن شخصك بارك الله فيك؟
/// ما نقلته عن شيخ الإسلام في آخر مقالك لا يؤيِّد ما تسعى إليه، فقوله: "بأنَّ الله يدخل في الجنَّة من لم يعمل خيرًا قطُّ" لا يناقض ما ذكرته والإخوة، فثَمَّة أناسٌ معذورون في ترك العمل، وقد تقدَّم بيان هذا من أقوال أئمَّة أهل السُّنَّة، وليس كلامنا ههنا في غير المعذورين، فتأنَّى وتأمَّل.

عدنان البخاري
2007-08-09, 09:42 PM
[RIGHT]:
ثالثاً: قولك: «فما الفارق بينهم وبين غيرهم من أهل النَّار كالكفرة الذين لا آثار سجود لهم؟!». [COLOR="Red"]قلت: وهل كل مَن دخل النار مِن المسلمين يجب أن يكون مِن المصلين؟!!
سبحان الله!

[SIZE="5"]
/// ثمَّ بيَّنتُ كيف يخرج أصحاب هذه المرَّة الخامسة، وأنَّهم تعرفهم الملائكة بآثار السُّجود، وهذا دليلٌ على أنَّهم كانوا يصلُّون، إذْ لو لم يكونوا كذلك كيف تكون لهم آثار للسُّجود، وإلَّا فما الفرق بينهم وبين غيرهم...
/// فأجبتَ عن السُّؤال الثاني ولم تجب عن الأوَّل بقولك: "وهل كل مَن دخل النار مِن المسلمين يجب أن يكون مِن المصلين؟!".
/// فلِمَ لَمْ تُجب عن سؤالي الأوَّل؟!
/// ثمَّ هذا السؤال الذي توجِّهه إليَّ ليس اعتراضًا عليَّ، بل على نصِّ الحديث الذي ذكر ذلك، ولستُ ملزمًا بالإجابة عليه، ولا معرفة جوابه! بل عليك إيجاد الجواب إذ الاعتراض منك عليه!
/// وأيضًا.. فالسُّؤال الذي اعترضتَ به على ذاك النَّصِّ وسبَّحت لأجله تعجُّبًا غَلَطٌ!، وينبغي تصحيحه هكذا، بأنْ يُقال: هل كُلُّ من يخرج من النَّار مِن المسلمين يجب أن يكون مصلِّيًا؟
/// فيُقال: نعم، الظَّاهر من تلك اللَّفظة أنَّ فيها إيماءً لوجوب أن يكون مصلِّيًا، ولا إشكال فيه عند من يقول بكفر تارك الصَّلاة، وقد يصلح أن يكون من أدلَّة القائلين بذلك.
/// انتبه مرَّةً أخرى.. فلا تأتني بمن لم يعمل خيرًا قطُّ ((ولم يصلِّ)) -وترك الصَّلاة كفرٌ- =لأنَّه معذورٌ بالجهل أوعجز عن الصَّلاة والعمل بعذر شرعيٍّ، ونحو ذلك؛ فهذا لا يعذِّبه الله على ما لم يعلمه فترك العمل به أوما عجز عنه عجزًا شرعيًّا؛ إذ نحن نتكلَّم من أوَّل الموضوع عمَّن عَلِمَ العمل فلم يعْمَل، ومن ذلك الصَّلاة التي هي فارقٌ بين الإسلام والكفر.
/// تنبيهٌ: نسيت التنبيه على أنِّي لا أحبُّ ولن أقبل بالخوض في أصل المسألة (منزلة العمل من الإيمان)، فالمسألة قد أشبعت بحثًا وقتلت حوارًا وردًّا، فلا تجرَّنا إليه، إذْ المجلس ههنا لا يسمح بعرض حجج أهل الإرجاء.
/// إنَّما كان تعليقي على صحَّة أوعدم صحَّة الاستدلال بهذه اللَّفظة من هذا الحديث، وحسب.

محب العلم
2007-08-10, 01:56 AM
وقفات مع الأخ عدنان البخاري –سدده الله-:
أولاً: قولك : «فهذه المرَّة احتجُّوا أيضًا بأنَّهم إخوانهم كانوا معهم، يعرفونهم بصلاةٍ وصيام وحجٍّ وجِهادٍ؛ لأنَّه قال: ((ثم يعودون فيتكلَّمُون))، يتكلَّمون بماذا؟! لم يبيِّن!» إلخ.
قلت: إذا لم يبيّن! فما دليلك مِن الوحيين –والمسألة غيبية- على قولك: «يتكلَّمُون بما تقدَّم، وهو ((أنَّهم كانوا يصلُّون ويصومون ويحجُّون ويجاهدون)) »!
أليس مِن السلامة في الديِّن والعقيدة الوقوف على ظاهر النّص وعدم التطرق للنّص باحتمالات مَبْنية على: (يحتمل) ، و (قد) ، و (يمكن)، و (لعل)!!!
قال الإمام الألباني: «وفي الحديث رد على استنباط ابن أبي جمرة من قوله –صلى الله عليه وسلم- فيه: «لم تغش الوجه»، ونحو الحديث الآتي بعده: «إلا دارات الوجوه»: أن من كان مسلماً ولكنه كان لا يصلي لا يخرج؛ إذ لا علامة له! ولذلك تعقبه الحافظ بقوله (11/457):
«لكن يحمل على أنه يخرج في القبضة؛ لعموم قوله: «لم يعملوا خيراً قط»، وهو مذكور في حديث أبي سعيد الآتي في (التوحيد)». يعني هذا.
وقد فات الحافظ رحمه الله أن في الحديث نفسِه تعقباً على ابن أبي جمرة من وجه آخر؛ وهو أن المؤمنين كما شفَّعهم الله في إخوانهم المصلين والصائمين وغيرهم في المرة الأولى، فأخرجوهم من النار بالعلامة، فلما شُفِّعوا في المرات الأخرى، وأخرجوا بشراً كثيراً؛ لم يكن فيهم مصلون بداهة، وإنما فيهم من الخير كل حسب إيمانه. وهذا ظاهر جدًّا لا يخفى على أحد إن شاء الله تعالى». [«السلسلة الصحيحة» (7/131-132)].
ثانياً: قولك: «فإذن.. انتيهنا من هذه المرار الأربعة، وبقيت شفاعة ربِّ العالمين»!
قلت: لماذا أخفيتَ المرة خامسة؟! ونصها -بعد المرة الرابعة-: «فيقولون: ربنا! قد أخرجنا مَن أمرتنا، فلم يبق في النار أحد فيه خير. قال: ثم يقول الله : شفعت الملائكة وشفع الأنبياء وشفع المؤمنون وبقي أرحم الراحمين..... »إلخ [انظر «الصحيحة» (3054) ]
ثالثاً: قولك: «فما الفارق بينهم وبين غيرهم من أهل النَّار كالكفرة الذين لا آثار سجود لهم؟!».
قلت: وهل كل مَن دخل النار مِن المسلمين يجب أن يكون مِن المصلين؟!!
سبحان الله!
رابعاً: قولك: «وإليك بيان هذا بجلاء من رواية البخاري».
قلت: رواية البخاري مجملة، والأصل جمع الروايات، وإلا كانت النتيجة قاصرة! كيف وأنت القائل عن أهل السنة والجماعة أنهم: «بنَوا مذهبهم على مجموع النُّصوص وليس على أفرادها».
خامساً: قولك: «يُردُّ هذا على ما تقدَّم بيانه في إخراج الملائكة؛ إذ يُقال يحتمل أنَّ الملائكة إنَّما يخرجون...»، وقولك: « وبأنَّ هذا ممَّن لم يدخل فيمن قبضهم الرحمن من النَّار قبضةً أوقبضتين، وهم الذين -على احتمالٍ- عرفتهم الملائكة بآثار السُّجود».
قلت: دعكَ مِن (يحتمل) ، و(لا يحتمل) وَ... ، وَ....
سادساً: قولك: «.... فيردُّ المتشابه إلى المحكم. والعقائد والقواعد لا تنبى على شُذَّاذ النُّصوص أو مجملها، والإعراض عن مبيِّنها، فتأمَّل».
قلت: جاء في كتاب «برهان البيان» (ص334): « أما قول الشيخ (ص159) عن حديث أبي سعيد الخدري «لم يعملوا خيراً قط» : «نفهم من هذا أنه عام، وأن أدلة كفر ترك الصلاة خاصة...».
فنقول:فهذا قول قال به قبل فضيلته مَنْ رأى كفر تارك الصلاة، ولكن ألا يقال: إن قول الشيخ قد ينعكس؟! بمعنى أن أحاديث كفر تارك الصلاة عامة خصصتها أحاديث الشفاعة وغيرها؛ وبخاصة أن أحاديث الشفاعة هي تطبيق ـ عملي ٌّـ في الآخرة لنصوص الوعيد المقولَة في الدنيا، كما فعل كلّ من سبق ذكرهم من الأئمة الذين لم يكفروا بترك الصلاة...».
فتأمل.
وختاماً:
« ومن العجيب أنْ يقع الإصرار على التكفير مع وجود الأحاديث الكثيرة المخالفة لذلك، نكتفي بقوله –صلى الله عليه وسلم-:
«إنّ للإسلام صُوىً ومناراً كمنار الطريق؛ منها أنْ تؤمن بالله ولا تشرك به شيئاً، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأنْ تُسلّم على القوم إذا مررت بهم، فمَن ترك من ذلك شيئاً؛ فقد ترك سهماً من الإسلام، ومن تركهن كلهن، فقد ولّى الإسلام ظهره».
ثانياً: قول بعض علماء أهل السنة: إنّ الأقوام الذي يخرجون من النار لم يعملوا خيراً قط، لا يتصادم مع نقل ولا عقل، فربنا -تعالى - الجواد الكريم ينجي أولئك الذين لم يعملوا خيراً قط، ويثيبهم على ما في قلوبهم؛ مما يزن مثقال الذرة أو البُرّة، أو أدنى من ذلك.
وتصوُّرُ هذا المقدارِ مع عدم تحريك الجوارح - كما ثبت في النصوص الصحيحة - أمرٌ لا غرابة فيه، وقد أعجبنا في تقريب تصوُّر هذه الحالة وتصويرها - في كتاب «ظاهرة الإرجاء» (2/529) -وهو من هو! - حيث قال:
«ولهذا تحصل حالة شاذة خفية؛ وهي أن يضعف إيمان القلب ضعفاً لا يبقى معه قدرة على تحريك الجوارح لعمل خير، مثله مثل المريض الفاقد للحركة والإحساس، إلا أن في قلبه نبضاً لا يستطيع الأطباء معه الحكم بوفاته - مع أنه ميؤوس من شفائهِ؛ فهو ظاهراً في حكم الميت، وباطناً لديه القدر الضئيل من الحياة الذي لا حركة معه، وهذه هي حالة الجهنميين الذين يخرجهم الله من النار، مع أنهم لم يعملوا خيراً قط...».
ولو تأمل هذا الرجل ما خطّته يداه - ها هنا - لكان ذلك كافياً لهدم كتابه كله، فهل يعقل ذلك المقلدون له، الفرحون لكتابه؟
ولا يظنَنَّ عاقل أنّ قولنا بتحريم الخلود في النار لتارك الأعمال شهادة له بأنه صاحب إيمان حقيقي أوتصديق قوي وكامل، ألم يعلموا أنّ التصديق والإيمان بالقلب قد يكون ضعيفاً ذاوياً كما ذكر ابن رجب في «شرح كتاب الإيمان» (134):
«فجعل قتادة الإسلام الكلمة، وهي أصل الدين، والإيمان ما قام بالقلوب من تحقيق التصديق بالغيب، فهؤلاء القوم لم يحققوا الإيمان في قلوبهم، وإنّما دخل في قلوبهم تصديق ضعيف بحيث صحّ به إسلامهم، ويدل عليه قوله تعالى: {وإن تطيعوا الله ورسوله لا يَلِتكم من أعمالكم شيئاً} [الحجرات : 14]».
وكما قال الحَليميّ - رحمه الله -:
ووجه هذا أنْ يكون في قلب واحد توحيد، ليس معه خوف غالب على القلب فيردع، ولا رجاء حاضر له فيطمع، بل يكون صاحبه ساهياً قد أذهلته الدنيا عن الآخرة.... فإذا كان ذلك خفّ وزنه وإذا تتابعت شهاداته ثقل وزنه.
ولـه وجه آخر وهو أنْ يكون إيمان واحد في أدنى مراتب اليقين حتى إنْ تشكك تشكك».
وقد يستشكل مستشكلٌ دخولَ الجنّة بدون العمل؟
فنقول: إنّ دخول الجنّة لمن لم يعمل خيّراً قط، هو من باب الإحسان من الخالق، بخلاف دخول النّار الذي لا بدّ فيه من العصيان من المخلوق.
وشبيه هذا ما قاله شيخ الإسلام - رحمه الله - في «الفتاوى» (16/47):
«وأمّا الجنّة فإنّ الله ينشئ لها خلقاً فيدخلهم الجنّة، فبيّن أنّ الجنّة لا يضيّقها -سبحانه -، بل ينشئ لها خلقاً فيدخلهم الجنّة، لأنّ الله يدخل الجنّة من لم يعمل خيراً؛ لأنّ ذلك من باب الإحسان، وأمّا العذاب بالنّار فلا يكون إلا لمن عصى، فلا يعذب أحداً بغير ذنب. والله أعلم».
فالقول - إذاً - بالخروج من النّار لتارك العمل - إحساناً - من المنّان، ليس بكذب، ولا بهتان». [«برهان البيان» (ص47-49)]

سمعت يوماً الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في شريط حكم تارك الصلاة قال: كل الأدلة التي تخالف هذا الحديث -أي حديث الشفاعة- نؤلها !!!!!!.
وأنا أتعجب من قول الشيخ، اذ كيف يؤل الدليل الواضح الصريح في كفر تارك الصلاة بمجرد وجود حديث يوهم بأن تارك الصلاة يدخل في الشفاعة، فأكبرتها من الشيخ ولكن بعد فترة من الزمان علمت بمذهب الشيخ فعذرته، رحمه الله تعالى.

عدنان البخاري
2007-08-10, 04:10 AM
سمعت يوماً الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في شريط حكم تارك الصلاة قال: كل الأدلة التي تخالف هذا الحديث -أي حديث الشفاعة- نؤلها !!!!!!.
وأنا أتعجب من قول الشيخ، اذ كيف يؤل الدليل الواضح الصريح في كفر تارك الصلاة بمجرد وجود حديث يوهم بأن تارك الصلاة يدخل في الشفاعة، فأكبرتها من الشيخ ولكن بعد فترة من الزمان علمت بمذهب الشيخ فعذرته، رحمه الله تعالى.
/// لا عتب على الشَّيخ رحمه الله رحمةً واسعةً، وقد أفضى إلى ما قدَّم؛ لكن الإشكال والعتب على من قلَّده وانتصر له، مع وضوح الأدلَّة المخالفة لما ذهب إليه في الباب وظهورها.

علي عبدالله
2007-08-10, 08:57 AM
عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ أَنَّ نَبِىَّ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ فَأَتَاهُ فَقَالَ إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَهَلْ لَهُ مِنَ تَوْبَةٍ فَقَالَ لاَ. فَقَتَلَهُ فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ فَقَالَ إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ فَقَالَ نَعَمْ وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدِ اللَّهَ مَعَهُمْ وَلاَ تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ. فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلاَئِكَةُ الْعَذَابِ فَقَالَتْ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلاً بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ. وَقَالَتْ مَلاَئِكَةُ الْعَذَابِ إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ. فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِى صُورَةِ آدَمِىٍّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ فَقَالَ قِيسُوا مَا بَيْنَ الأَرْضَيْنِ فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ. فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الأَرْضِ الَّتِى أَرَادَ فَقَبَضَتْهُ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ ». قَالَ قَتَادَةُ فَقَالَ الْحَسَنُ ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ لَمَّا أَتَاهُ الْمَوْتُ نَأَى بِصَدْرِهِ. الا يؤخذ من هذا الحديث أن المشي من أعمال الجوارح حيث خرج مهاجرا إلى الله ومع ذلك قالت ملائكة العذاب إنه لم يعمل خيرا قط استباط واستدلال شخصي مشياخنا الكرام فإذا لكم ملاحظاتٌ على هذا الاستدلال جزاكم الله خيرا

عدنان البخاري
2007-08-10, 02:04 PM
عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ أَنَّ نَبِىَّ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ فَأَتَاهُ فَقَالَ إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَهَلْ لَهُ مِنَ تَوْبَةٍ فَقَالَ لاَ. فَقَتَلَهُ فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ فَقَالَ إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ فَقَالَ نَعَمْ وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدِ اللَّهَ مَعَهُمْ وَلاَ تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ. فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلاَئِكَةُ الْعَذَابِ فَقَالَتْ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلاً بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ. وَقَالَتْ مَلاَئِكَةُ الْعَذَابِ: إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ. فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِى صُورَةِ آدَمِىٍّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ فَقَالَ قِيسُوا مَا بَيْنَ الأَرْضَيْنِ فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ. فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الأَرْضِ الَّتِى أَرَادَ فَقَبَضَتْهُ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ ». قَالَ قَتَادَةُ فَقَالَ الْحَسَنُ ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ لَمَّا أَتَاهُ الْمَوْتُ نَأَى بِصَدْرِهِ.
ألا يؤخذ من هذا الحديث أن المشي من أعمال الجوارح حيث خرج مهاجرا إلى الله ومع ذلك قالت ملائكة العذاب إنه لم يعمل خيرا قط.
استباط واستدلال شخصي مشياخنا الكرام فإذا لكم ملاحظاتٌ على هذا الاستدلال جزاكم الله خيرا
/// استدلالك في محلِّه.. بارك الله فيك.
/// وثَمَّ استدلال من وجهٍ آخر، وهو أنَّ الرجُل لم يتمكَّن من الواجب الذي وجب عليه فعله، فتوفَّاه الله قبل العمل؛ إذ جاءه الأجل، غير أعمالٍ من جنس التوبة والمشي وهجرة بلد المعصية ونحو ذلك.
فلو تمكَّن من التَّوبة فتقاعس وسوَّف فجاءه الأجل لم يكن ناجيًا، كحال فرعون اللَّعين ومن هو في مثل حاله، ولذا لمَّا كان إلى التَّوبة أقرب منه إلى عدمها كان أهلًا للنَّجاة والفلاح.
/// ولذا صدق عليه أنَّه لم يعمل خيرًا قطُّّ، وكذا من كان في مثل حاله.
/// والله أعلم.

فريد المرادي
2007-08-10, 05:34 PM
/// /// تنبيهٌ: نسيت التنبيه على أنِّي لا أحبُّ ولن أقبل بالخوض في أصل المسألة (منزلة العمل من الإيمان)، فالمسألة قد أشبعت بحثًا وقتلت حوارًا وردًّا، فلا تجرَّنا إليه، إذْ المجلس ههنا لا يسمح بعرض حجج أهل الإرجاء.
/// إنَّما كان تعليقي على صحَّة أوعدم صحَّة الاستدلال بهذه اللَّفظة من هذا الحديث، وحسب.

الشيخ عدنان البخاري وفقه الله ...

لقد كفيتَ الجميع ، كفاك الله كل أمورك، و جزاك كل خير ...

وليد الدلبحي
2007-08-10, 07:06 PM
نعتذر من الأخ فريد والشيخ عدنان وباقي الأخوة الكرام لغلق الموضوع، فقد أشبع الموضع بحثاً ومناقشه، ونحن لا نقبل ببث معتقد أهل الإرجاء، وبارك الله في الجميع.