تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : من شهده.. فَلْيَصُمْهُ



ابو وليد البحيرى
2021-04-26, 11:37 PM
من شهده.. فَلْيَصُمْهُ

سالم الناشي




- صيام رمضان ركن عظيم من أركان الإسلام الخمسة، فرضه الله على عباده، بقوله -تعالى-: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (البقرة:185)، وشهده بمعنى: حضره صحيحاً غير مريض، مقيماً غير مسافر، فهنا يجب عليه الصوم.

- أما من كان مريضاً لا يستطيع الصوم، أو على سفر فله الفطر؛ ولهذا قال -تعالى-: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (البقرة:185) أي: إذا أفطر أياما من شهر رمضان بسبب عذر شرعي فعليه أن يصوم بعدد هذه الأيام في غير رمضان، بحسب قدرته حتى ولو متفرقة.

- وهذا من فضل الله -سبحانه- وإحسانه وتيسيره على المعذورين في هذا الشهر الكريم؛ فلما كان قضاء هذه الأيام يكمل عدة رمضان، كان هذا مما يفرح المسلم ؛ حيث لم يحرمه الله أجر صيام رمضان، ولهذا قال الله -تعالى-: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (البقرة:185)، وهذا يدل على عظمة هذا الدين، وأنه يراعي النفس البشرية التي تضعف وتمرض وتسافر، ويشق عليها في بعض الأحيان أداء الطاعات، فالله -سبحانه وتعالى- يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر.

- وحتى يتحقق صيام شهر رمضان وفق ما أراد الله -تعالى- من إخلاص النية وسلامة العمل، فإن على الصائم أن يعتقد أن الله -تعالى- فرض عليه صيام ذلك الشهر؛ إيمانا وتصديقا لشرعه، وأن المسلم يحتسب الأجر والثواب عند الله، وبهذا يكون صيامه عبادة وليس عادة، أو تقليدا، أو مجاملة، أو رياء وسمعة، أو رياضة، أو صحة، بل يصومه إيمانا واحتسابا، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه»، فإذا كان صيامه على هذا الوجه، كان له من الأجر ما لا يعلمه إلا الله، فهو -سبحانه- القائل فيما أخبرنا به رسولنا الكريم: «الصوم لي وأنا أجزي به».

- وإذا كان المسلم صائما فإنه يكتسب أخلاقا جديدة، قد يكون متخلِّقًا بها أصلا، ولكن الصيام يهذبها ويُجمِّلُها وينميها، فمنها: الصبر، والصدق، والجود والكرم، والعفة (ولا سيما للشباب)، والحلم وكظم الغيظ، والعفو والصفح، والسكينة والطمأنينة، هذا فضلا عن أن الصيام يجعله يجتنب ذنوبا قد يكون مقترفا لها في غيره، ومنها: الغيبة والنميمة، والكذب وفحش الكلام، وغيرها مما يقدح في كمال ثوابه، فعليه أن يبتعد عن المعاصي في كل أحواله وأوقاته، ولا سيما في تلك الأيام الفاضلة، فالواجب على الصائم أن يراقب نفسه ويحاسبها؛ ليبقى صومه كاملا وأجره وافيا، وقد حذر النبي - صلى الله عليه وسلم - من مغبة مقارفة الذنوب والمعاصي في نهار رمضان خاصة؛ فقال: «مَن لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ به والجَهْلَ، فليسَ لِلَّهِ حاجَةٌ أنْ يَدَعَ طَعامَهُ وشَرابَه» وقال أيضا: «إِنَّ الصِّيامَ ليس مِنَ الأَكْلِ والشُّرْبِ فَقَطْ، إِنَّما الصِّيامُ مِنَ اللَّغُوِ والرَّفَثِ».

- لذا فنحن بحاجة إلى أن نستقبل هذا الشهر الفضيل، بعزائم صادقة وبنيات صالحة، فنحسن فيه الصيام والقيام، ونستبق فيه الخيرات، ونعظم شعائر الله نستمطر بها الرحمات، ونفطم أنفسنا عن الشهوات، ونتنافس فيه لكسب الحسنات، {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُو نَ}، فهو فرصة للسمو والترفع عن كل شيْن، وما ذلك إلا لتحقيق أعظم مقاصده وهو تقوى الله -عز وجل- كما قال -سبحانه-:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.

- ويا خيبة من أدرك هذا الموسم ولم يظفر منه بمغفرة ورضوان! «رغِم أنفُ امرئٍ أدرك رمضانَ فلم يُغفرْ له».