اللهم أطلِق سراح أسرانا
وكلُّنا أسرى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70، 71].
أما بعد؛ فإن أصدقَ الحديث كتابُ الله، وأحسنَ الهدي هديُ محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النار.
إن سجن الناس وحبسهم أمر معمول به منذ القدم، والهدف منه إحقاق الحق، وردع الظلم، ومنع التعدي على الآخرين، ولكنه قد يكون لأهداف شخصية، وأغراض دنيوية، فيحبس البريء، ويسجن المظلوم، وهذا يقع من ذوي السلطة والقهر والقدرة، فيحبس من يخالفه، ويسجن من يعارضه، اغترَّ
فرعونُ بسلطانه؛ فهدَّدَ كليمَ الله موسى عليه السلام، الذي دعاه إلى عبادة الله، فـ{قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ } (الشعراء: 29).
وقد يكون ذلك بإلصاق التهم بالأبرياء ممن لهم سلطةٌ وقدرةٌ من أولاد الحكام ونسائهم ومقربيهم، فما كان حبْسُ يوسف عليه السلام إلا بإلصاق امرأةِ العزيزِ التهمةَ به، وحرَّضت على اعتقاله وسجنه، إذ {قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } (يوسف: 25)، فما كان منه عليه السلام إلاَّ أن {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ =من الوقوع في الفاحشة= وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ} (يوسف: 33)
سُجن يوسف عليه السلام وهو بريء، وكم ممَّن هو بريء وسُجن، وما ذاك إلاّ افتراءً عليه، أو لأنَّه يدعو إلى الله وينصحُ لذوي السلطان، أو يصدعُ بكلمة حقٍّ عند سلطان جائر، أو لأنه يطالب بحقه.
وكم من شعوبٍ أسرها حكامُها، وسجنها ملوكُها، وكم من ملوكٍ حبسهم رعاياهم، وحكامٍ سجنتهم شعوبهم، ظلما وعدوانا، وكم من دولٍ
حوصرت وضُيِّقَ عليها من عدوِّها، أسيرةٍ عند ظالمها والمعتدِي على أرضها؛ الذي انتهبَ خيراتِها، وامتصَّ عرقَها، وهضمَ حقوقَها، وانتهك حرماتِها، وسام أهلَها سوءَ العذاب، يقتِّل أبناءَها، ويعتدي على نسائها، يتبجَّحُ بطلب السلام، وهو يستخدم أعتى آلات الحرب، ويطالب بالمعاهدات، وهو أول من ينقضها، فلم يوقف استيطانه السرطاني، ويزيد يوما بعد يوم من التهامه للأراضي، ويزجُّ بالمعتقلين والأسرى في غياهب السجون؛ لأنهم بحقوقهم يطالبون، وعن أوطانهم يدافعون، وهذا ينطبق تماما علينا نحن الفلسطينيين وما يفعله اليهودُ الإسرائيليون في غزة والضفة خاصة، وما يفعله أعداءُ الإسلامِ والمسلمين وأعداءُ الشعوبِ المظلومة؛ في سائر البلاد الذين تعرضت شعوبها للاعتداء والظلم، والاحتلالِ والاغتصابِ عامة، فهناك عندنا نحن الفلسطينيين سجون لا تخلو من احتوائها على أبرياءَ ومظلومين، ولكنها سجونٌ صغيرةٌ مهما اتسعت مبانيها، وأكبر منها غزةُ بأكملِها سجنٌ محاصَرٌ من البرِّ والبحرِ والجوِّ، وفي الضفة الغربية؛ تتجول في شوارعِها الدبابات والمجنـزرات العسكرية، يقتلون من شاءوا، ويأسرون من أرادوا، وكلُّنا من كبيرنا إلى صغيرنا أسرى عند عدوِّنا، لا ندخلُ أو نخرجُ إلا بإذن وتصريح، فمن ادَّعى غير ذلك فهو واهم.
أما السجون وما يجري فيها، وما على المظلومين فعله، فهناك أمثلة من التاريخ ومن ذلك:
عَنْ أَبِي خَالِدٍ يَزِيدَ بْنِ تَمِيمٍ، قَالَ: لَمَّا أُدْخِلَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ سِجْنَ الْحَجَّاجِ رَأَى قَوْمًا مُقَرَّنِينَ فِي سَلاسِلَ، إِذَا قَامُوا قَامُوا مَعًا، وَإِذَا قَعَدُوا قَعَدُوا مَعًا، فَقَالَ: (يَا أَهْلَ بَلاءِ اللَّهِ فِي نِعْمَتِهِ! وَيَا أَهْلَ نِعْمَةِ اللَّهِ فِي بَلائِهِ! إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ رَآكُمْ أَهْلاً لِيَبْتَلِيَكُم ْ، فَأَرُوهُ أَهْلاً لِلصَّبْرِ)، فَقَالُوا: (مَنْ أَنْتَ رَحِمَكَ اللَّهُ؟!) قَالَ: (أَنَا مِمَّنَ يَتَوَقَّعُ مِنَ الْبَلاءِ مِثْلَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ)، فَقَالَ أَهْلُ السِّجْنِ: (مَا نُحِبُّ أَنَّا خَرَجْنَا). الفرج بعد الشدة لابن أبي الدنيا (ص: 59، رقم 52)
وقَالَ فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: (إِنْ حَبَسَنِي =يعني إن حبسني الله= فَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيَّ، وَلَكِنْ أَخَافُ أَنْ يَبْتَلِيَنِي فَلا أَدْرِي عَلَى مَا أَكُونُ عَلَيْهِ؟) قَالَ فُضَيْلٌ: (يَخَافُ أَنْ يَفْتِنَهُ)، قَالَ إِبْرَاهِيمُ: (فَحَبَسَنِي، فَدَخَلْتُ عَلَى اثْنَيْنِ فِي قِيدٍ وَاحِدٍ، فِي مَكَانٍ ضَيِّقٍ لا، يَجِدُ الرَّجُلُ إِلاَّ مَوْضِعَ مَجْلِسِهِ، فِيهِ يَأْكُلُونَ، وَفِيهِ يَتَغَوَّطُونَ، وَفِيهِ يُصَلُّونَ) قَالَ: فَجِيءَ بِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ، فَأُدْخِلَ عَلَيْنَا، فَلَمْ يَجِدْ مَكَانًا، فَجَعَلُوا يَتَرَامَوْنَ بِهِ، فَقَالَ: (اصْبِرُوا، فَإِنَّمَا هِيَ اللَّيْلَةُ)، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ قَامَ يُصَلِّي، فَقَالَ: (يَا رَبِّ! مَنَنْتَ
5
عَلَيَّ بِدِينِكَ، وَعَلَّمْتَنِي كِتَابَكَ، ثُمَّ سَلَّطْتَ عَلَيَّ شَرَّ خَلْقِكَ، يَا رَبِّ! اللَّيْلَةَ اللَّيْلَةَ، لا أُصْبِحُ فِيهِ)، فَمَا أَصْبَحْنَا حَتَّى ضُرِبَ أَبْوَابُ السِّجْنِ: (أَيْنَ الْبَحْرَانِيُّ ؟) فَقُلْنَا: (مَا دَعَا بِهِ السَّاعَةَ إِلاَّ لِيُقْتَلَ، فَخُلِّيَ سَبِيلُهُ، فَجَاءَ فَقَامَ عَلَى الْبَابِ، فَسَلَّمَ عَلَيْنَا، وَقَالَ: أَطِيعُوا اللَّهَ، لا يَعْصِكُمْ). الفرج بعد الشدة لابن أبي الدنيا (ص: 60، رقم 54)
وقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْبَقَّالُ: كُنْتُ مَحْبُوسًا فِي دِيمَاسِ الْحَجَّاجِ وَمَعَنَا إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ، فَبَاتَ فِي السِّجْنِ، فَقُلْتُ: (يَا أَبَا أَسْمَاءَ! فِي أَيِّ شَيْءٍ حُبِسْتَ؟) قَالَ: (جَاءَ الْعَرِيفُ فَتَبَرَّأَ مِنِّي، وَقَالَ: إِنَّ هَذَا يُكْثِرُ الصَّلاةَ وَالصَّوْمَ، فَأَخَافُ أَنْ يَكُونَ يَرَى رَأْيَ الْخَوَارِجِ)، قَالَ: وَاللَّهِ! إِنَّا لَنَتَحَدَّثُ عِنْدَ مُغِيبِ الشَّمْسِ وَمَعَنَا إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ، إِذَا نَحْنُ بِرَجُلٍ قَدْ دَخَلَ عَلَيْنَا السِّجْنَ، فَقُلْنَا: (يَا عَبْدَ اللَّهِ! مَا قِصَّتُكَ؟ وَمَا أَمْرُكَ؟) قَالَ: (لا وَاللَّهِ مَا أَدْرِي! وَلَكِنِّي أَظُنُّ أَنِّي أُخِذْتُ فِي رَأْيِ الْخَوَارِجِ، فَيَا لَلَّهِ إِنَّهُ لَرَأْيٌ مَا رَأَيْتُهُ، وَلا هَوَيْتُهُ، وَلا أَحْبَبْتُهُ، وَلا أَحْبَبْتُ أَهْلَهُ، يَا هَؤُلاءِ ادْعُوا لِي بِوَضُوءٍ)، قَالَ: فَدَعَوْنَا لَهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَقَالَ: (اللَّهُمَّ! إِنَّكَ تَعْلَمُ عَلَى إِسَاءَتِي وَظُلْمِي وَإِسْرَافِي؛ أَنِّي لَمْ أَجْعَلْ لَكَ وَلَدًا وَلا نِدًّا، وَلا صَاحِبَةً وَلا كُفُؤًا، فَإِنْ تُعَذِّبْ؛ فعَبْدُكَ، وَإِنْ تَغْفِرْ؛ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، اللَّهُمَّ! إِنِّي أَسْأَلُكُ يَا مَنْ لا تُغْلِطُهُ الْمَسَائِلُ، وَيَا مَنْ لا يَشْغَلُهُ سَمْعٌ عَنْ سَمْعٍ، وَيَا مَنْ لا يُبَرِّمُهُ إِلْحَاحُ الْمُلِحِّينَ؛ أَنْ تَجْعَلَ لِي فِي سَاعَتِي هَذِهِ فَرَجًا وَمَخْرَجًا، مِنْ حَيْثُ أَحْتَسِبُ وَمِنْ حَيْثُ لا أَحْتَسِبُ، وَمِنْ حَيْثُ أَعْلَمُ وَمِنْ حَيْثُ لا أَعْلَمُ، وَمَنْ حَيْثُ أَرْجُو وَمِنْ حَيْثُ لا أَرْجُو، وَخُذْ لِي بِقَلْبِ عَبْدِكَ الْحَجَّاجِ وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ، وَلِسَانِهِ وَيَدِهِ وَرِجْلِهِ، حَتَّى تُخْرِجَنِي فِي سَاعَتِي هَذِهِ، فَإِنَّ قَلْبَهُ وَنَاصِيَتَهُ فِي يَدِكَ، أَيْ رَبِّ، أَيْ رَبِّ، أَيْ رَبِّ). قَالَ: فَأَكْثَرَ، قَالَ: (فَوَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ غَيْرُهُ! مَا قَطَعَ دُعَاءَهُ؛ إِذْ ضُرِبَ بَابُ السِّجْنِ: أَيْنَ فُلانٌ؟ فَقَامَ صَاحِبُنَا، فَقَالَ: يَا هَؤُلاءِ! إِنَّ تَكُنِ الْعَافِيَةُ؛ فَوَاللَّهِ لا أَدَعُ الدُّعَاءَ، وَإِنْ تَكُنِ الأُخْرَى =أي القتل= فَجَمَعَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ فِي رَحْمَتِهِ، فَبَلَغَنَا مِنْ غَدٍ أَنَّهُ خُلِّيَ عَنْهُ). الفرج بعد الشدة لابن أبي الدنيا (ص: 62، رقم 55)
وعَنْ وَضَّاحِ بْنِ خِيْثَمَةَ، قَالَ: (أَمَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ، بِإِخْرَاجِ مَنْ فِي السِّجْنِ، فَأَخْرَجْتُهُم ْ إِلاَّ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ، فَنَذَرَ دَمِي. قَالَ: فَوَاللَّهِ، إِنِّي لَبِإِفْرِيقِيّ َةَ =أي الجزائر الآن وما حولها= إِذْ قِيلَ لِي: (قَدِمَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ) فَهَرَبْتُ مِنْهُ، فَأَرْسَلَ فِي طَلَبِي، فَأُخِذْتُ، فَأُتِيَ بِي، فَقَالَ لِي: (وَضَّاحٌ!) قُلْتُ: (وَضَّاحٌ)، قَالَ: (أَمَا وَاللَّهِ! لَطَالَمَا سَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يُمَكِّنَنِي مِنْكَ)، قُلْتُ: (وَأَنَا وَاللَّهِ! لَطَالَمَا اسْتَعَذْتُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّكَ)، قَالَ: (فَوَاللَّهِ! مَا أَعَاذَكَ اللَّهُ، وَاللَّهِ لأَقْتُلَنَّكَ، ثُمَّ وَاللَّهِ !لأَقْتُلَنَّكَ ثُمَّ وَاللَّهِ! لأَقْتُلَنَّكَ، لَوْ سَابَقَنِي مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى قَبْضِ رُوحَكَ لَسَبَقْتُهُ، عَلَيَّ بِالسَّيْفِ وَالنِّطْعِ)، قَالَ: فَجِيءَ بِالنِّطْعِ، فَأُقْعِدْتُ فِيهِ، وَكُتِّفْتُ، وَقَامَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي بِسَيْفٍ مَشْهُورٍ، وَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَخَرَجَ إِلَى الصَّلاةِ، فَلَمَّا خَرَّ سَاجِدًا؛ أَخَذَتْهُ سُيُوفُ الْجُنْدِ =أي قام الجيش بانقلاب عليه فقتلوه=، فَقِيلَ: فَجَاءَنِي رَجُلٌ فَقَطَعَ كِتَافِي بِسَيْفِهِ، ثُمَّ قَالَ: انْطَلِقْ). الفرج بعد الشدة لابن أبي الدنيا (ص: 70، رقم 71)
حضر الشّعبِيّ، عِنْد مُصعب بن الزبير، وَهُوَ أَمِير الْكُوفَة، وَقد أُتِي بِقوم، فَأَمَرَ بِضَرْب أَعْنَاقهم، فَأُخِذُوا ليُقتلوا. فَقَالَ لَهُ الشّعبِيّ: (أَيهَا الأَمِير! إِن أوَّل من اتُّخِذ السجْن كَانَ حكيمًا، وَأَنت على الْعقُوبَة، أقدرُ مِنْك على نَزعهَا). فَأمر مُصعبٌ بِحَبْس الْقَوْم، ثمَّ نظر فِي أَمرهم بعد؛ فَوَجَدَهُمْ برَاء، فَأَطْلَقَهُمْ. الفرج بعد الشدة للتنوخي (4/ 16).
فالأسرى والمساجين ليسوا هم من وراء القضبان عند أعدائنا فقط، فكَّ الله أسرهم وأعادهم سالمين غانمين اللهم آمين؛ بل هناك أسرى من نوع آخر في شرعنا وديننا، فالمرأة أسيرة عند وليِّ أمرِها؛ أبًا كانَ أو أخًا أو زوجًا، فقد قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ..: «أَلاَ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ، ...». قال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: «عَوَانٌ عِنْدَكُمْ»؛ يَعْنِي: (أَسْرَى فِي أَيْدِيكُمْ). الترمذي (1163)، وابن ماجه (1851)، حسن، الإرواء (1997 و 2030).
ويشبه هذا؛ اليتيم في كفالتك وتحت ولايتك، ولا يمنع هذا من تعليمه وتأديبه لا تعذيبه، عَنْ أَسْمَاءَ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: قُلْتُ لابْنِ سِيرِينَ: عِنْدِي يَتِيمٌ؟ قَالَ: (اصْنَعْ بِهِ مَا تَصْنَعُ بِوَلَدِكَ؛ اضْرِبْهُ مَا تَضْرِبُ وَلَدَكَ). صحيح الأدب المفرد (ص: 76، ح104/ 140)
فهو من الضعفاء الذين يجب علينا الحفاظُ على حقوقهم، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنِّى أُحَرِّجُ عَلَيْكُمْ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ؛ الْيَتِيمِ وَالْمَرْأَةِ ». أخرجه ابن ماجه (3678)، الصحيحة (1015).
وكذلك ما كان تحت يدك من حيوانات وطيور ونحو ذلك؛ فحبْسُها دون توفير الطعام والشراب ظلمٌ يقتصُّ الله من فاعله، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى صَلاَةَ الكُسُوفِ، فَقَالَ: "دَنَتْ مِنِّي النَّارُ، حَتَّى قُلْتُ: أَيْ رَبِّ وَأَنَا مَعَهُمْ، فَإِذَا امْرَأَةٌ، حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: تَخْدِشُهَا هِرَّةٌ، قَالَ: مَا شَأْنُ هَذِهِ؟ قَالُوا: حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا". البخاري (745)، (2364). وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ» قَالَ: فَقَالَ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ: «لاَ أَنْتِ أَطْعَمْتِهَا وَلاَ سَقَيْتِهَا حِينَ حَبَسْتِيهَا، وَلاَ أَنْتِ أَرْسَلْتِهَا، فَأَكَلَتْ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ». البخاري (2365)
إذا كانت هذه عقوبة امرأة ظلمت هرةً؛ قطةً، حيوانًا ينهشها ويقشِّر جلدَها ؛تعذيبَا لها على ظلمها! فاتقوا الله يا من تحبسون الأبرياء، من بني الإنسان، وتعذبونهم بأبشع طرق التعذيب!
ألا ولْنعلمْ أنَّ الدنيا كلها سِجنٌ بالنسبة إلى الآخرة، كما قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ، وَجَنَّةُ الْكَافِرِ». مسلم (2956). وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: (إِنَّ الدُّنْيَا جَنَّةُ الْكَافِرِ وَسِجْنُ الْمُؤْمِنِ، وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُؤْمِنِ حِينَ تَخْرُجُ نَفْسُهُ؛ كَمَثَلِ رَجُلٍ كَانَ فِي سِجْنٍ، فَخَرَجَ مِنْهُ فَجَعَلَ يَتَقَلَّبُ فِي الأَرْضِ، وَيَتَفَسَّحُ فِيهَا). الزهد والرقائق لابن المبارك والزهد لنعيم بن حماد (1/ 211، ح597).
فمن شبِع في السجن؛ جاع إذا خرج منه، ومن جوَّع نفسَه في الدنيا أشبعه الله في الآخرة، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ أُكْرِهَ عَلَى طَعَامٍ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ شِبَعًا فِي الدُّنْيَا أَطْوَلُهُمْ جُوعًا فِي الآخِرَةِ، يَا سلمَانُ! الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ». مسند البزار =البحر الزخار (6/ 461، ح2498)، شعب الإيمان (7/ 444، ح5257) وصححه لغيره في صحيح الترغيب (2/ 245، ح2139).
وهناك حبسٌ للناس في اللحود والقبور، إلى يوم البعث والنشور، ويوم الموقف يوم القيامة للحساب والجزاء، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا عَلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا، فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ المَلاَئِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، فَاشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّنَا. فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ، =أي أكله من الشجرة= وَيَقُولُ: ائْتُوا نُوحًا، أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ، فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ، =أي دعوته التي دعا على قومه= ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ الَّذِي اتَّخَذَهُ اللَّهُ خَلِيلا، فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ، =أي قوله بل فعله كبيرهم هذا، وقوله عن زوجته هي أختي، وقوله إني سقيم= ائْتُوا مُوسَى الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ، فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، فَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ، =وهي قتله للقبطي= ائْتُوا عِيسَى فَيَأْتُونَهُ، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، ائْتُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَأْتُونِي، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُقَالُ لِي: ارْفَعْ رَأْسَكَ: سَلْ تُعْطَهْ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِي، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، ثُمَّ أُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَقَعُ سَاجِدًا مِثْلَهُ فِي الثَّالِثَةِ، أَوِ الرَّابِعَةِ، حَتَّى مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلاَّ مَنْ حَبَسَهُ القُرْآنُ" وَكَانَ قَتَادَةُ، يَقُولُ عِنْدَ هَذَا: (أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الخُلُودُ). البخاري (6565).
الخطبة الثانية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين، أما بعد؛ حَبْسٌ وسِجنٌ للكفارِ والمشركين في جهنم، وخلودٌ في النار والعياذ بالله تعالى، أما المؤمنون والموحدون فيحبسون إذا تجاوزوا الصراط؛ ليتسامحوا ويتخلصوا من مظالمَ بينهم، قبل دخول الجنة، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا خَلَصَ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ؛ حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا؛ أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لأَحَدُهُمْ بِمَسْكَنِهِ فِي الجَنَّةِ أَدَلُّ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا". البخاري (2440)
فنحن في هذه الدار غرباء، والدار ليست دارنا فالذين فيها أسرى وسجناء، فمساكننا الحقيقية، وأوطاننا الدائمة الأبدية هناك في الجنة إن شاء الله تعالى.
قال ابن القيم: [.. إِنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ فِي هَذِهِ الدَّارِ غُرَبَاءُ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ لَهُمْ بِدَارِ مَقَامٍ، وَلا هِيَ الدَّارُ الَّتِي خُلِقُوا لَهَا، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ». =البخاري (6416)= وَهَكَذَا هُوَ فِي نَفْسِ الأَمْرِ؛ لأَنَّهُ أُمِرَ أَنْ يُطَالِعَ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ وَيَعْرِفَهُ حَقَّ الْمَعْرِفَةِ، وَلِي مِنْ أَبْيَاتٍ فِي هَذَا الْمَعْنَى:
وَحَيَّ عَلَى جَنَّاتِ عَدْنٍ فَإِنَّهَا ... مَنَازِلُكَ الأُولَى وَفِيهَا الْمُخَيَّمُ
وَلَكِنَّنَا سَبْيُ الْعَدُوِّ فَهَلْ تَرَى ... نَعُودُ إِلَى أَوْطَانِنَا وَنُسَلَّمُ
وَأَيُّ اغْتِرَابٍ فَوْقَ غُرْبَتِنَا الَّتِي ... لَهَا أَضْحَتِ الأَعَدَاءُ فِينَا تَحَكَّمُ
وَقَدْ زَعَمُوا أَنَّ الْغَرِيبَ إِذَا نَأَى ... وَشَطَّتْ بِهِ أَوْطَانُهُ لَيْسَ يَنْعَمُ
فَمِنْ أَجْلِ ذَا لا يَنْعَمُ الْعَبْدُ سَاعَةً ... مِنَ الْعُمْرِ إِلاَّ بَعْدَ مَا يَتَأَلَّمُ
وَكَيْفَ لا يَكُونُ الْعَبْدُ فِي هَذِهِ الدَّارِ غَرِيبًا، وَهُوَ عَلَى جَنَاحِ سَفَرٍ، لا يَحِلُّ عَنْ رَاحِلَتِهِ إِلاَّ بَيْنَ أَهْلِ الْقُبُورِ؟ فَهُوَ مُسَافِرٌ فِي صُورَةِ قَاعِدٍ، وَقَدْ قِيلَ:
وَمَا هَذِهِ الأَيَّامُ إِلاَّ مَرَاحِلُ ... يَحُثُّ بِهَا دَاعٍ إِلَى الْمَوْتِ قَاصِدُ
وَأَعْجَبُ شَيْءٍ لَوْ تَأَمَّلْتَ أَنَّهَا ... مَنَازِلُ تُطْوَى وَالْمُسَافِرُ قَاعِدُ
مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (3/ 190).
[اللهم صل على عبدك ورسولك محمد النبي الهاشمي المصطفى، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء، السادة الحنفاء، أهل البر والوفاء، ذوي القدر العلي، والفخر الواضح الجلي، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن الستة الباقين من العشرة المفضلين، وعن بقية الصحابة أجمعين، وعن التابعين لهم وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، وعُمَّنا معهم بعفوك ومنك وكرمك وجودك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمنًا =رخاء= وسائر بلاد المسلمين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح سلطاننا، وولِّ علينا أخيارنا، واكفنا شرَّ أشرارنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك يا رب العالمين...
اللهم أصلح سبل الفساد، واقمع أهل الشركِ والبدعِ والغيِّ والبغيِ والعناد، وانشر رحمتك على هؤلاء العباد، يا من له الدنيا والآخرة وإليه المعاد.
اللهم فُكَّ أسر المأسورين، ونفس كرب المكروبين، وفرج هم المهمومين، واقض الدين عن المدينين، واشف بلطفك مرضانا ومرضى المسلمين، واكتب الصحة والعافية علينا وعلى الغزاة والحجاج والمسافرين، في برك وبحرك من أمة محمد المسلمين.
اللهم عُمَّ بالتوفيق والصلاح رعايا المسلمين ورعاتِهم، وأكثر علماءهم، وسدد قضاتِهم، وجلل برحمتك أحياءهم وأمواتَهم، ومُنَّ عليهم بالاجتماع والائتلاف، وأعذهم من التفرق والاختلاف، وجازهم بالإحسان إحسانًا، وبالسيئات =عفوا و= غفرانًا.
اللهم ادفع عنا البلاء والوباء، والربا والزنا، والزلازل والمحن، وسوء الفتن، ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة، وعن بلاد المسلمين عامة يا أكرم المكرمين] مفتاح الأفكار للتأهب لدار القرار للسلمان (2 / 280)
وصلِّ اللهمَّ وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. {وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} (العنكبوت: 45).
كتبها وألف بين جملها: أبو المنذر فؤاد يوسف أبو سعيد
مسجد الزعفران بالمغازي الوسطى غزة
21/ 5/ 1433 هجرية
13/4/ 2012 شمسية
للتواصل مع الشيخ عبر البريد الالكتروني:
zafran57@hotmail.com
أو زوروا الموقع الالكتروني الرسمي للشيخ:
www.alzafran.com