الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فإن لله سنناً في هذا الكون لا بد أن تتحقق، سنن مطردة لا بد من تحقيقها، وهذه السنن كثيرة، ولكننا سنتاول منها ما يتعلق بتغيير حال الأمة والتمكين لهذا الدين، هذه السنن لا بد لأمة الإسلام وفي مقدمتها الدعاة إلى الله تعالى لا بد لهم من مراعاتها، ولا بد لهم من دراستها حتى تكون منهم على بال في سيرتهم الدعوية إلى الله تعالى.
والسنن: جمع سنة، وتطلق السنة في اللغة على معانٍ كثيرة ومنها الطريقة.
والسنن الطرق، وسنن الله أحكامه وأمره ونهيه، وسن الله سنة أي بين طريقاً قال تعالى: {سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلً} [الفتح:23]، وقال تعالى: {سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلً} [الأحزاب:62]، وقال تعالى: {اسْتِكْبَارًا فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلً} [فاطر:43].
وقال صاحب القاموس القويم في القرآن الكريم: وسنة الله ما جرى به نظامه تعالى في خلقه. قال تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ} [آل عمران:137].
فالسنن الإلهية إذن المرادة هنا هي أحكام الله تعالى الثابتة في الكون وعلى الإنسان في كل زمان ومكان، فقد شاء الله رب العالمين أن يجري أمر هذا الدين، بل أمر هذا الكون على السنن الجارية لا على السنن الخارقة؛ وذلك حتى لا يظن جيل من أجيال المسلمين ويتقاعس ويقول: لقد نصر الأولون بالخوارق ولم تعد الخوارق تنزل بعد ختم الرسالة وانقطاع النبوات، وإن المتدبر لآيات القرآن الكريم يجدها حافلة بالحديث عن سنن الله تعالى التي لا تتبدل ولا تتغير، ويجد عناية ملحوظة في إبراز تلك السنن وتوجيه النظر إليها.
قال تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ} [آل عمران:137]، والقرآن الكريم حين يلفت أنظار المسلمين إلى سنن الله تعالى في الأرض فهو بذلك يردهم إلى الأصول التي تجري وفقها، فهم ليسوا بدعاً في الحياة، والنواميس التي تحكم الكون جارية لا تتخلف، والأمر لا يمضي جزافاً والحياة لا تجري في الأرض عبثاً، وإنما تتبع هذه النواميس -أي السنن- فإذا درس المسلمون هذه السنن وأدركوا مغازيها تكشفت لهم الحكمة من وراء الجدران وتبينت لهم الأهداف من وراء الوقائع، واطمأنوا إلى ثبات النظام الذي تتبعه الأحداث وإلى وجود الحكمة الكامنة وراء هذا النظام، واستشرفوا خط السير على ضوء ما كان في الطريق ولم يعتمدوا على مجرد كونهم مسلمين لينالوا النصر والتمكين بدون الأخذ بالأسباب المؤدية إليه، والسنن التي تحكم الحياة واحدة فما وقع منها فيما مضى من زمان فسيقع في غيره من كل زمان.
فالسنن هي أحكام الله الثابتة في الكون وعلى الإنسان في كل زمان ومكان، وهذه السنن التي تجري عليها فلك الحياة وتسير عليها حركتها، فليس هناك شيء في حياة البشر يحدث اعتباطاً وإنما يجري كل شيء في هذه الحياة حسب سنن الله تعالى التي لا تتبدل ولا تتغير ولا تتخلف ولا تحابي أحداً من الخلق ولا تستجيب لأهواء البشر، والمسلمون أولى أن يدركوا سنن ربهم المبرزة لهم في كتاب الله تعالى وفي سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- حتى يصلوا إلى ما يرجون من عزة وتمكين، فإن التمكين لا يأتي عفواً ولا ينزل اعتباطاً ولا يخبط خبط عشواء، بل إن له قوانينه التي سجلها الله تعالى في كتابه الكريم ليعرفها عباده المؤمنون ويتعاملوا معها على بصيرة، فالوقوف على هذه السنن ودراستها في غاية الأهمية بالنسبة لأمة الإسلام؛ وذلك حتى يستفيدوا منها ولا يصطدموا بها.
قال بعض الدعاة: "لا تصادموا نواميس الكون فإنها غلابة، ولكن غالبوها فادفعوا قدر الله بقدر الله".
وكما قال عمر -رضي الله عنه-: "وسنن الله في الكون والحياة كثيرة وهي مبثوثة في كتابه"، ولكننا سنذكر في هذا المقام إن شاء الله تعالى أهم هذه السنن والتي لها علاقة وثيقة في التمكين لهذه الأمة ونصرها على أعدائها من تلك السنن:
أولاً: سنة التغيير:
وسنة التغيير من السنن الهامة على طريق التمكين لهذه الأمة، وهي سنة قررها الله تعالى في القرآن الكريم بقوله: {..إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} [الرعد:11]، هذه سنة ثابتة لا يمكن أن الله تعالى يغير حال قوم حتى يغيروا هم ما بأنفسهم إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، هذا قانون عام وسنة ثابتة تجري على كل الناس وكل الأقوام في كل مكان وزمان يقول الله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال:53] إذن إذا لم يكن هناك تغيير لما في النفوس فلا يمكن أن تتغير الأحوال ولا يمكن أن تتغير الحياة، وهذه سنة ثابتة كما سمعتم في كلام الله تعالى، وارتباط هذه السنة الربانية بالتمكين لهذه الأمة الإسلامية واضح غاية الوضوح ذلك أن التمكين لا يمكن أن يتأتى في ظل الوضع الحالي للأمة الإسلامية فلا بد من التغيير، كما أن التمكين لن يتحقق لأمة ترضى لنفسها حياة المذلة والتخلف ولم تحاول أن تغير حالها وما حل بها من واقع مرير وأن تتحرر من أسره.
قال صلى الله عليه وسلم: «إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد في سبيل الله تعالى سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم» [رواه أبو داود].
لا يمكن أن يكون تغيير الواقع الموجود إلا بتغير ما في النفوس «حتى ترجعوا إلى دينكم» [رواه أبو داود وغيره].
إن من أهم خصائص المنهج الإسلامي أنه منهج تغييري جاء للتغيير ولا يقبل التعايش مع واقع سيئ ولا يرضى بالترقيع والترميم وأنصاف الحلول هذا في هدفه وغايته السامية المثالية، ولا يعني ذلك أنه كما يقول المثل: "ما لا يدرك كله لا يترك جله" البعض يفهم هذا الكلام فهماً غير صحيح؛ فيقول: الإسلام لا يرضى بأنصاف الحلول ولا يرضى بالترقيع هو يريد الحق مائة بالمائة أو لا يقبل أنصاف الحلول ليس هذا صحيحاً، إنما المقصود أن المنهج الإسلامي في غايته وهدفه لا يقبل هذا لا يقبل إلا الحياة المثالية الواقعية الصحيحة، ولا ينفي ذلك أنه إن لم يستطع أن يحقق من المصالح أكملها أن يحقق أقلها، فإن الشريعة كما هو معلوم جاءت لتحقيق المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها، وتفويت المصلحة الدنيا لتحقيق المصلحة العليا وارتكاب المفسدة الصغرى لدرء المفسدة الكبرى وهكذا.
يقول سيد قطب رحمه الله: "والإسلام يوم جاء أول مرة وقف في وجهه واقع ضخم، واقع الجزيرة العربية وواقع الكرة الأرضية، وقفت في وجهه عقائد وتصورات، ووقفت في وجهه قيم وموازين الجاهليين، ووقفت في وجهه أنظمة وأوضاع وقفت في وجهه مصالح وعصبيات كانت المسافة بين الإسلام يوم جاء وبين واقع الناس في جزيرة العرب وفي الأرض كافة مسافة هائلة وكانت النقلة التي يريدها بعيدة، لو قارنا بين أوضاع الناس والبشرية قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وأول بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وبين غاية هذه الرسالة وهدف هذه الرسالة السماوية، ماذا تريد هذه الرسالة تحقيقه؟ وما هو الواقع لوجد فرق كبير جداً لا يتصور تغييره بالمقاييس البشرية، ولذلك حتى الكفار يعترفون -أعداء الإسلام- بأن محمداً صلى الله عليه وسلم رجل عبقري، هم لا يعترفون بأن محمداً صلى الله عليه وسلم نبي لكنهم يقولون رجل عبقري أحدث تغييراً في البشرية، أي لا يمكن أن يتحقق ذلك إلا من رجل عبقري في وقت قصير وبأمة قليلة من البشر كان ينظر إليها ذلك الزمان أنها أمة متخلفة غارقة في أوحال الجهل والتخلف".
وقال سيد قطب: "وكانت تسود ذلك الواقع الجاهلي أحقاب من التاريخ وأشتات من المصالح وألوان من القوى وقفت كلها سداً في وجه هذا الدين الجديد، الذي لا يكتفي بتغيير العقائد والتصورات والقيم والموازين والتقاليد والعادات والأخلاق والمشاعر إنما يريد كذلك أن يغير الأنظمة والأوضاع والشرائع والقوانين، كما يريد انتزاع قيادة البشرية من يد الطاغوت والجاهلية ليردها إلى الله تعالى وإلى الإسلام، وذلك هو الذي أقام به النبي صلى الله عليه وسلم دولة الإسلام وفَتَحتْ هذه الأمة الفتوحات وقاصرت قيصر وكسرت كسرى، واجه الإسلام هذا الواقع لكنه لم يقف مستسلماً مكتوف اليدين وإنما غيره وأقام مكانه بناءه السامق الفريد على أساسه القوي العميق على تقوى من الله ورضوان، ولا شك فقد حدث ما حدث وفق سنة جارية لا وفق معجزة خارقة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم ليس بدعاً من الرسل ودينه ليس أول الأديان بل آخرها، وهناك رسل سبقوه دعوا إلى الله وغيروا أحوال أممهم وكانت أممهم تعيش في جاهلية، فسنن الله تعالى تتكرر في كل زمان ومكان، بلا شك أن ما حدث مرة يمكن أن يحدث مرات، إن التغيير الإسلامي إنما يكون بنقض أسس المجتمع الجاهلي التشريعية والفكرية بإحلال أحكام الإسلام وتشريعاته مكان التغيير الطاغوتي، التغيير الإسلامي يعني تعبيد الناس لرب العالمين في كل شئونهم العامة والخاصة، التغيير الإسلامي يعني أن يكون ولاء المجتمع المسلم لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، التغيير الإسلامي تغيير جذري كلي للجاهلية وليس ترقيعاً لها أو إصلاحاً لبعض جوانبها، والتغيير الإسلامي بالمواصفات السابقة فريضة شرعية وضرورة بشرية، فهو فريضة شرعية لأن تعطيل حاكمية الله في الأرض وهيمنة النظم والتشريعات الوضعية على المجتمعات يفرض على المسلمين المبادرة إلى التغيير واستئناف الحياة الإسلامية".
أخي! إن التغيير القدري في حياة الناس مقيد على التغيير الواقعي في قلوبهم ونواياهم وسلوكهم وأعمالهم وأوضاعهم، والتغيير الذي يقود إلى البناء ويكون وسيلة للتمكين إنما يعني إحداث ثورة داخل كيان الإنسان أولاً لصالح نفسه ولصالح مجتمعه من حوله، وتتم هذه الثورة أولاً داخل النفس ثم تتجه إلى إحداث التغيير في المجتمع: {..إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ.. } [الرعد:11]، فالتغيير أصلاً يبدأ من النفس، وكما أن التغيير في إطار المجتمع بثورة تكتسح المخالفات والرواسب الفاسدة، وكذلك التغيير في داخل إطار النفس البشرية إنه ثورة تكتسح من النفس كل عوامل الفساد وأسباب التردي والهبوط ودواعي الانحراف والضلالة، وهذه الثورة التغييرية هي الثورة الرائدة حقاً، وهي المنطلق الطبيعي للإصلاح الخارجي، وإذا صلحت النفوس من داخلها ثارت على الفساد من خارجها، أما عندما يكون التغيير من الخارج فقط دون التفات إلى أعماق النفوس إنه تغيير لا يعدو المظاهر والشكليات لا قيمة له ولا ثمرة، فلا بد أن يتوجه التغيير أولاً إلى ما في داخل الأنفس من عقائد فاسدة ومفاهيم مغلوطة وأفكار مبيتة وأخلاق مذمومة وصفات مرذولة يصححها ويغيرها إلى عقائد صحيحة ومفاهيم صحيحة وأفكار حية وأخلاق محمودة وصفات طيبة، ويجب أن يتهيأ الأفراد في الأمة الإسلامية إلى حياة العلم والجهاد.. حياة الإنتاج والعمل لا حياة البطالة والكسل.. حياة الجد لا حياة الهزل.. حياة اعتدال لا حياة ترفه.. حياة عَرقٍ لا دعة.. حياة إصرار لا استرخاء، والعمل على التغيير لا ينافي الاستسلام لقضاء الله وقدره، فليس هناك أدنى تعارض بين التسليم لقضاء الله وقدره والعمل على تغيير الواقع السيئ حين يكون كل شيء في هذا الوجود في حياة البشر واقع بقضاء الله وقدره، سواء كان بسبب من عند الناس كما حدث للمؤمنين يوم أحد أو لأمر لا مسؤولية لهم فيه كما كان الحال في طاعون عمواس أيام الفاروق عمر رضي الله عنه، أو ابتلاء من عند الله تعالى للمؤمنين ليمحصهم كما حصل في فترات الابتلاء التي تجري بسنة من سنن الله.
ولكن الله تعالى لم يأمر الناس أن يستسلموا لهذا القدر بمعنى عدم العمل على تغيير الواقع السيئ الذي نزل بهم إنما أمرهم بالتسليم لقدر الله بمعنى الرضا بما وقع بالفعل؛ لأنه قدر محتوم لا يمكن تلافيه، أما أن المقصود التوقف وعدم تغييره أو محاولة تغييره فأمر آخر لم يأمر الله به ولا حث عليه ولا علاقة له بالرضا بما وقع على أنه قدر محتوم من عند الله، إن الهزيمة لما وقعت للمسلمين في غزوة أحد بسبب من عند أنفسهم ذاته: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ التَقَى الجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 165-166] لم يستسلموا للهزيمة وقعَّدُوا على أنها أمر واقع ولم يحاولوا تغيير الموقف السيئ الذي وجدوا أنفسهم فيه، بل تصرف الرسول صلى الله عليه وسلم تصرفاً حكيماً حيث جمع المسلمين بجراحاتهم للقاء العدو مرة أخرى والهزيمة لم تنته آثارها من الأجساد ولا من النفوس، وسجل الله تعالى موقفهم هذا في القرآن الكريم فقال: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا للهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ القَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} [آل عمران:172-174]. فهؤلاء الذين هزموا بقدر الله تعالى وإن كان السبب من عند أنفسهم: {..وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ} [آل عمران:173] هم يلجأون إلى الله تعالى ويتوكلون عليه ليخرجوا من الواقع السيئ إلى واقع جديد، ولا يمنعهم قدر الله السابق من التطلع إلى قدر جديد، وإذا كان قدر الله الأول قد أصابهم لخطأ ارتكبوه فهم يتطلعون إلى قدر الله الآخر بعمل يقدمونه بين يدي ذلك التطلع وهي الاستجابة لله ولرسوله أي بسلوك صحيح بعد السلوك الذي وقعت فيه الأخطاء، وهكذا لم يتعارض في حسهم التسليم بقدر الله والواقع مع العمل على التغيير، وفي طاعون عمواس عمم الخليفة عمر رضي الله عنه بخبر الطاعون فلم يقدم عليه، بل أمر جنوده بالانصراف، فقال له أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه: "أفراراً من قدر الله يا أمير المؤمنين؟ فأجابه عمر رضي الله عنه: "نفر من قدر الله إلى قدر الله" وهي عبارة بليغة جامعة تدل على عمق فهم الخليفة رضي الله عنه، وفي الابتلاء الذي أصاب المؤمنين على يد قريش وهو سنة من سنن الله -كما سيأتي الكلام عنه- لم تتخلف مع أي جماعة من المؤمنين تتواجه مع الجاهلية، هذه الدعوة قبل التمكين كان الابتلاء واقع بقدر الله لا ريب، فهل منع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من محاولة التغيير بطلب الجوار من بعض المشركين حيناً وبالهجرة إلى الحبشة حيناً حتى جاء الإذن بالهجرة إلى المدينة المنورة في آخر الأمر؟ كلا إن وقوع الابتلاء من الله تعالى لا يمنع من الاجتهاد في تحاشي الابتلاء أو التخلص من آثاره، إذن إذا قلنا إن الشيء الفلاني سنة وقدر كوني لا يعني ذلك الاستسلام له بل تدفع الأقدر بالأقدار؛ لذلك لم يتعارض في حس الأمة واجب التسليم لقدر الله مع محاولة التغيير تطلعاً إلى واقع جديد، وكان هذا من روائع ما تربت عليه الأمة لتوازن بين سلبية الاستسلام التي تحطم الإرادة وبين الرغبة الجامحة التي لا تعرف التسليم.
موقع منبر علماء اليمن:
http://olamaa-yemen.net/main/articles.aspx?selected_article _no=1736