بقلم: د.علي الصلابي
إن أسباب
سقوط الدولة العثمانية كثيرة جامعُها هو الابتعاد عن تحكيم شرع الله تعالى، الذي جلب للأفراد والأمة تعاسة وضنكًا في الدنيا.
وإن آثار الابتعاد عن شرع الله لتبدو على الحياة في وجهتها الدينية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وإن الفتن تظل تتوالى وتترى على الناس، حتى تمس جميع شئون حياتهم.. قال تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63].
لقد كان في ابتعاد أواخر سلاطين الدولة العثمانية عن شرع الله تعالى آثاره على الأمة الاسلامية؛ فتجد الإنسان المنغمس في حياة المادة والجاهلية مصاب بالقلق والحيرة والخوف والجبن، يحسب كل صيحة عليه، يخشى من النصارى ولا يستطيع أن يقف أمامهم وقفة عز وشموخ واستعلاء، وإذا تشجع في معركة من المعارك ضعف قلبه أمام الأعداء من أثر المعاصي في قلبه، وأصبح في ضنك من العيش؛ {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} [طه: 124].
وقد أصيبت الشعوب الإسلامية في مراحل الدولة العثمانية الأخيرة بالتبلُّد وفَقْد الإحساس بالذات، وضعف ضميرها الروحي، فلا أمر بمعروف تأمر به، ولا نهي عن منكر تنهى عنه، وأصابهم ما أصاب بني إسرائيل عندما تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. قال تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة: 78، 79].
فإن أي أمة لا تعظم شرع الله أمرًا ونهيًا تسقط كما سقط بنو إسرائيل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلا والله، لتأمرنَّ بالمعروف ولتَنهُونَّ عن المنكر ولتأخُذُنّ على يد الظالم ولتأطرُنَّه على الحق أطرًا، ولتقصُرُنَّهُ على الحق قصرًا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعنكم كما لعنهم".
لقد تحققت في الدولة العثمانية سُنَّة الله في تغيير النفوس من الطاعة والانقياد إلى المخالفة والتمرد على أحكام الله {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الأنفال: 53].
كما أن الشعوب التي ترضخ تحت الحكام الذين تباعدوا عن شرع الله تُذل وتهان، حتى تقوم أمام من خالف أمر الله وتطلب العون من إخوانهم في العقيدة.
إن انحراف سلاطين الدولة العثمانية المتأخرين عن شرع الله، وتفريط الشعوب الإسلامية الخاضعة لهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - أثَّر في تلك الشعوب، وكَثُرت الاعتداءات الداخلية بين الناس وتعرضت النفوس للهلاك، والأموال للنهب، والأعراض للاغتصاب؛ بسبب تعطل أحكام الله فيما بينهم، ونشبت حروب وفتن، وبلايا تولدت على إثرها عداوة وبغضاء لم تزل عنهم حتى بعد زوالهم..
وأصبحت شوكة الأعداء من الروس والإنجليز والبلغار والصرب وغيرهم تقوى، وتحصَّلوا على مكاسب كبيرة، وغاب نصر الله عن السلاطين والأمة العثمانية، وحُرموا التمكين، وأصبحوا في خوفٍ وفزع من أعدائهم، وتوالت المصائب، وضاعت الديار، وتسلط الكفار.
إن من سنن الله تعالى المستخرجة من حقائق الدين والتاريخ أنه إذا عُصي الله تعالى ممن يعرفونه، سلَّط الله عليهم من لا يعرفونه؛ ولذلك سلط الله النصارى على المسلمين في الدولة العثمانية.
إن الذنوب التي يهلك الله بها الدولة، ويعذب بها الأمم - قسمان:
1- معاندة الرسل والكفر بما جاءوا به.
2- كُفْر النِّعم بالبطر والأشر، وغمط الحق واحتقار الناس، وظلم الضعفاء ومحاباة الأقوياء، والإسراف في الفسق والفجور، والغرور بالغنى والثروة.. فهذا كله من الكفر بنعمة الله، واستعمالها في غير ما يرضيه من نفع الناس والعدل العام.
والنوع الثاني من الذنوب هو الذي مارسه أواخر سلاطين الدولة العثمانية وأمراؤهم.
إن الدولة العثمانية في بداية أمرها كانت تسير على شرع الله في كل صغيرة وكبيرة، ملتزمة بمنهج أهل السنة في مسيرتها الدعوية والجهادية، آخذةً بشروط التمكين وأسبابه كما جاءت في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. أمَّا في أواخر عهدها فقد انحرفت عن شروط التمكين، وابتعدت عن أسبابه المادية والمعنوية.. قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَن َّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَ ّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَ ّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النور: 55، 56].