صدر عن علماء حضرموت

يوم: الثلاثاء/ 27/ ربيع آخر/ 1433هـ الموافق: 20/ مارس/ 2012م

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله, وبعد:
فقد تابع علماء حضرموت بقلق ما جرى ويجري في زنجبار وجعار وغيرهما من اقتتال، وترويع الآمنين وتشريدهم.. والخشية أن تنتقل هذه العدوى إلى مناطق أخرى، مما يمكن أن يدخل البلاد في دوامة دم لا يُدرى متى ستنتهي؟! وكيف؟!
لذا وجب على العلماء أن يقولوا كلمتهم التي أخذ الله عليهم الميثاق في بيانها: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّه ُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران:187].
فنذكر عموم الأمة من عسكريين ومسلحين بحرمة الدماء والأعراض والأموال، فقد قال صلى الله عليه وسلم في أعظم يوم هو يوم عرفة في شهر ذي الحجة عند المسجد الحرام: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ وَأَبْشَارَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا. أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ» [رواه البخاري].
وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بإِحْدَى ثَلاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِيْ، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّاركُ لِدِيْنِهِ المُفَارِقُ للجمَاعَةِ» [رواه البخاري ومسلم].
وقال صلى الله عليه وسلم: «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم» [رواه الترمذي والنسائي].
فلا يجوز قتل مسلم أو التسبب في قتله أو إتلاف ماله أو النيل من عرضه, قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:10].
وقال صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره, التقوى هاهنا -ويشير إلى صدره ثلاث مرات- بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» [رواه مسلم].
ومن منطلق المسئولية نُوجِّه هذه النداءات:
النداء الأول إلى الدولة:
على الدولة أن تبحث عن الأسباب التي دفعت هؤلاء الشباب إلى القيام بمثل ما نرى من أعمال، وتقطع دابر هذه الأسباب, فلا شك أن استهداف الأمة في ثوابتها مثل الحكم بغير شرع الله, وإزهاق الأنفس البريئة، والسكوت عمن يتطاول على مقدسات الأمة، وكذلك الظلم, والفساد المستشري في مختلف المجالات.. ومن ذلك ما جاء في برنامج حكومة الوفاق من مخالفات شرعية عظيمة، مثل العمل على مواءمة التشريعات اليمنية مع الاتفاقات والمواثيق الدولية - مع العلم أن كثيراً من هذه الاتفاقيات والمواثيق مصادمة للشريعة الإسلامية- أيضا إدماج النوع الاجتماعي في التعليم وغيره.
وهو ما يعني إلغاء جميع الفوارق بين الجنسين وإباحة الشذوذ، بالإضافة إلى استمرار الفساد المالي والإداري، وعدم القيام بدور ملموس لمحاربة الفساد الأخلاقي، وانتشار المخدرات، وجعل اليمن تحت الوصاية الأجنبية، مما يشعر بالتفريط في السيادة اليمنية، وهوية الأمة الإسلامية، كل هذا وغيره يؤدي إلى ما نشاهده من الاقتتال.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: «وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل بأسهم بينهم» [رواه ابن ماجة والحاكم].
ولذا ندعو الدولة إلى تحكيم شريعة الله في جميع مجالاتها وأحكامها لما في ذلك من الخير الكبير للأمة، قال تعالى: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَاأَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ}. [المائدة:49], فلا مخرج للأمة من هذه الفتن إلا بتحكيم شريعة الله في الأرض.
النداء الثاني إلى القاعدة وأنصار الشريعة:
نقول لهم: إن ما تقومون به مفاسده عظيمة؛ فهو بهذه الطريقة لن يؤدي إلى حفظ الدين, بل سيؤدي إلى إزهاق النفوس البريئة, وإتلاف الأموال، وتشريد الآمنين. كما هو ملاحظ ومشاهد.
وإذا كان الأمر كذلك, فلا يجوز هذا النوع من القتال عند أحد من العلماء, ولذلك كان من حكمة الله جل وعلا أنه سبحانه منع نبيه والمؤمنين من دخول مكة عام الحديبية لوجود قلة من المؤمنين مختلطين بالكفار في مكة سيقتلون ظلمًا، ولذلك أجّل الله فتح مكة، ومنع رسوله صلى الله عليه وسلم وصحابته من دخول مكة لأداء عمرتهم وذبح هديهم؛ من أجل فئة قليلة من المسلمين المستخفين بإسلامهم في أوساط الكفار؛ فكيف بقتال شعب مسلم لا وجود لكفار ظاهرين في أوساطه؟! لا شك أن ذلك لا يجوز.
قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاء لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الفتح:24-25].
قال الشيخ السعدي رحمه الله في تفسيره: "ذكر تعالى الأمور المهيجة على قتال المشركين، وهي كفرهم بالله ورسوله، وصدهم رسول الله ومن معه من المؤمنين أن يأتوا للبيت الحرام زائرين معظمين له بالحج والعمرة، وهم أيضاً الذين صدوا الهدي معكوفاً –أي: محبوساً- أن يبلغ محله، وهو محل ذبحه مكة، فمنعوه من الوصول إليه ظلماً وعدواناً, وكل هذه أمور موجبة وداعية لقتالهم، ولكن ثَمَّ مانع وهو وجود رجال ونساء من أهل الإيمان بين أظهر المشركين".
يا أنصار الشريعة! الأمة بحاجة إلى طاقاتكم، حافظوا على طاقاتكم وطاقات الأمة ومواردها، ولا تضحوا بالمئات أو بالآلاف في حرب لن تحقق هدفها, ردوا هذا الأمر إلى العلماء الربانيين الراسخين في العلم, واستفتوهم، فهم الحجة بين الله وخلقه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وفي الجملة فالبحث في هذه الدقائق من وظيفة خواص أهل العلم" [منهاج السنة النبوية (4/ 504)].
قال تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَ هُ مِنْهُمْ} [النساء:83].
كما أننا ننبه من التسرع في التكفير بغير بينة وبرهان واضح، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قال المسلم لأخيه: يا كافر! فقد باء بها احدهما» [رواه البخاري ومسلم], بل إنه ليس كل من وقع في الكفر كافر, فقد يكون جاهلاً أو متأولاً، وليس كل كافر يقتل, والمصلحة والمفسدة معتبرة في تطبيق الأحكام الشرعية.
قال صلى الله عليه وسلم: «خير دينكم الورع» [صححه الألباني في صحيح الجامع], والورع أن تترك ما لا بأس به حذرًا مما به بأس, أن تترك الحرام والمشكوك فيه، وأي ورع مع الجرأة على الدماء, ثم إن التباس الحق بالباطل اليوم كثير, وديننا الإسلامي الحنيف يعذر بالجهل, ويعذر بالتأويل، ويعذر بالإكراه وغير ذلك مما ذكره أهل العلم في موانع تكفير المعينين.
قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء:15].
وقال صلى الله عليه وسلم: «وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» [رواه البيهقي].
وفي الختام:
نوصي جميع الأطراف المتقاتلة بالجلوس إلى طاولة الحوار، وإيقاف مسلسل إراقة الدماء، وأن يتقوا الله في المسلمين، ولا يكونوا سبباً في معاناتهم، والله سائلكم عن ذلك، فما أنتم قائلون له؟! وعلماؤكم مخالفون لكم في ذلك!!
حفظ الله البلاد والعباد من كل شر ومكروه.. والله الهادي إلى سواء السبيل
العلماء الموقعون على البيان:
الشيخ/ علي سالم بكير.
الشيخ/ أحمد بن حسن المعلم.
الشيخ/ عبد الله بن فيصل الأهدل.
الشيخ/ عبد الله عبد القادر باحميد.
الشيخ/ عبد الله محمد اليزيدي.
الشيخ/ أحمد بن علي برعود.
الشيخ/ عمار بن ناشر.
الشيخ/ عارف أنور.
الشيخ/ أنور رمضان مسيعد.
الشيخ/ عبد الله علي باحميد.
الشيخ/ محمد صالح بابحر.
الشيخ/ عوض سالم حمدين.
http://olamaa-yemen.net/main/article...ticle_no=13079