خطبة: وما أكثر الظالمين في هذا الزمان. الشيخ: فؤاد أبو سعيد حفظه الله
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: خطبة: وما أكثر الظالمين في هذا الزمان. الشيخ: فؤاد أبو سعيد حفظه الله

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    203

    افتراضي خطبة: وما أكثر الظالمين في هذا الزمان. الشيخ: فؤاد أبو سعيد حفظه الله

    وما أكثر الظالمين في هذا الزمان
    الحمد لله؛؛
    {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ}.
    عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِيمَا رَوَى عَنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلا تَظَالَمُوا،..» صحيح مسلم (2577).
    وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ، فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ». صحيح البخاري (2447) صحيح مسلم (2578) واللفظ لمسلم.
    والظالم هو من وجد في نفسه قوة وقدرة على ظلم غيره ممن هم أضعف منه غالبا.
    وأكثر من يوجد فيهم الظلم هم الحكام والرؤساء والملوك، ثم من ولَّوه أمورهم؛ من الوزراء والأمراء، لما عندهم من القدرة والقوة، والتسلط والسطوة، وما لديهم من الجيوش والجنود والعساكر، ويظنون أنهم في معزل عن المساءلة، وفي منأى عن عقاب الله القدري والشرعي، فإذا بطشوا بطشوا جبارين، وإذا ظلموا ظلموا ظلمَ الفراعين، { إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}. (الشعراء: 227).
    فمثلا؛ فرعون دعاه إلى الظلم شعورُه بالملك والسيادة، وعلوِّ المكانة، قال خالقه عنه: { وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54)} (الزخرف)
    فأول ما ظلم فرعون ظلم نفسه بالكفر وادعاء الربوبية والألوهية { فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} (القصص: 38) ورفض النصح والهداية وأمر الله كليمه موسى عليه السلام أن يذهب إلى فرعون: {فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (25) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (26)} (النازعات).
    ومن ثم ظلم شعبه ورعيته، {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} (الأعراف: 127).
    فالقتل من شيمة المتجبرين الظالمين: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (25) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26)} (غافر).
    إن شعور الجبابرة بالعلو يجعلهم يظلمون غيرهم، ببث الفرقة بينهم ليظل مصيطرا عليهم، فيقتل من شاء ويذبح من شاء ويسجن من شاء ويبقي من شاء، {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}. (القصص: 4).
    فبطش الملوك والرؤساء عظيم، وبأسهم شديد، لكن لا ينس أولئك يوم الوعيد، فـ{ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (167) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197)} (آل عمران).
    ولا ينسوا انتقام المنتقم الجبار، في الدنيا قبل المغادرة إلى دار القرار: {فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُ مْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} (الأعراف: 136). {فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُ مْ أَجْمَعِينَ} (الزخرف: 55).
    وأمر الحكام بالعدل والإنصاف بين العباد، قال سبحانه: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ}. (ص: 26)
    والرؤساء والحكام الذين لم يظلموا، إذا رضوا بما يصدر من أمرائهم ووزرائهم من ظلم؛ فهم وإياهم في الإثم سواء.
    ظَلم فرعون واقتدت به الفراعنة في كل زمان، وظلم وزيره هامان فظلمت الوزراء من بعده إلا من رحم الله تعالى.
    إن الوزراءَ والأمراءَ الظلمةَ عليهم من الجزاء والعقوبة على قدر ظلمهم {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ}. (القصص: 8)
    فأولياء الأمور، ورؤساء الدول والحكومات مسئولون أمام الله جل جلاله، وأمام الناس عن الأمَّة؛ مسئولون عن أمْنِها وأمانها، وعن طعامها وشرابها، وعن مدنِها وقراها وأمصارها، وعن طرقِها ومساكنِها ودوابِّها، ماذا قدموا لها؟
    يقول ابن تيمية في مجموع الفتاوى (28/ 146): [وَأُمُورُ النَّاسِ تَسْتَقِيمُ فِي الدُّنْيَا مَعَ الْعَدْلِ الَّذِي فِيهِ الاشْتِرَاكُ فِي أَنْوَاعِ الإِثْمِ: أَكْثَرُ مِمَّا تَسْتَقِيمُ مَعَ الظُّلْمِ فِي الْحُقُوقِ وَإِنْ لَمْ تَشْتَرِكْ فِي إثْمٍ؛ وَلِهَذَا قِيلَ: إنَّ اللَّهَ يُقِيمُ الدَّوْلَةَ الْعَادِلَةَ وَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً، وَلا يُقِيمُ الظَّالِمَةَ وَإِنْ كَانَتْ مُسْلِمَةً.
    وَيُقَالُ: الدُّنْيَا تَدُومُ مَعَ الْعَدْلِ وَالْكُفْرِ، وَلا تَدُومُ مَعَ الظُّلْمِ وَالإِسْلامِ]..أهـ
    ولم يمنع الفاروقَ أميرَ المؤمنين عمرَ أن يلفتَ انتباهَ بعضِ رعيتِه إلى السنة؛ رغم ما جاء به من بشائر النصر بفتح دمشقَ وبلادِ الشام، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ, أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ حَدَّثَهُ, أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بِفَتْحِ دِمَشْقَ, قَالَ: وَعَلَيَّ خُفَّانِ, فَقَالَ لِي عُمَرُ: (كَمْ لَكَ يَا عُقْبَةُ لَمْ تَنْزِعْ خُفَّيْكَ؟), فَتَذَكَّرْتُ مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ, فَقُلْتُ: مُنْذُ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ, قَالَ: (أَحْسَنْتَ وَأَصَبْتَ السُّنَّةَ). سنن الدارقطني (1/ 366، ح766)، ومثله في سنن ابن ماجه (558)، دون ذكر الفتح، انظر الصحيحة (2622).
    فهم يهتمون بأمور الأمةِ دقيقِها وجليلِها، صغيرها وكبيرها، سنتها وفرضها، فنصرهم وأيَّدَ مُلْكَهم، وأحسنَ الثناءَ عليهم.
    والموظفون في أماكن عملهم؛ كالمسئولين في الصحة أو التعليم وغيرهما قد يظلم بعضهم بعضا برفع التقارير المُجحفة، والمعلوماتِ المكذوبةِ الظالمة، والأخبار المغلوطة، تشفيًا في إخوانهم، وحقدًا على زملائهم، والأمثلة على ذلك كثيرة، فقد رَفعَ بعضُهم ههنا تقاريرَ حرَم بها أناسا من العمل في الوكالة، وبعضُهم رُفعت فيه تقاريرُ ظالمةٌ مجحفةٌ إلى هناك فقطعت رواتبهم من الشرق، والله سبحانه مطلع على السرائر والظواهر، ومنتقمٌ من الظالمين، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ، وَلَمْ يَدْخُلِ الإِيمَانُ قَلْبَهُ، لا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنِ اتَّبَعَ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعُ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ». سنن أبي داود (4880) سنن الترمذي (2032)
    وزاد: قَالَ =نافع=: وَنَظَرَ ابْنُ عُمَرَ يَوْمًا إِلَى البَيْتِ أَوْ إِلَى الكَعْبَةِ فَقَالَ: (مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَالمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً عِنْدَ اللَّهِ مِنْكِ): هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
    أما الظلم بين الدعاة؛ فوا أسفاه! امتلأت به صفحاتُ الجرائد والشبكات العنكبوتية، والمنابر، وانتهكت فيه أعراض العلماء العاملين الربانييين، ودعاةِ أهل السنةِ المخلصين، فكُفِّرَ فيها من ليس بكافر، وبُدِّع من ليس بمبتدع، وغابت النصيحة الخالصة لله العظيم جل جلاله، وحلَّت محَلَّها الفضيحة المجلْجِلةُ، دخلوا في القلوب، وحكموا على ما في الصدور، ولا يعتذرون لمعتذر، وإن قدَّم الاعتذار تِلْوَ الاعتذار، فهذا يقصد بكلامه مخالفة المنهج، وذاك يعني بقوله الخروج من الشريعة، وآخر متميِّع، دون وجه حقٍّ، أو أثارةٍ من علم، وحمل لواء ذلك صِبْيَةٌ حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلأَنْ أَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكْذِبَ عَلَيْهِ، وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، فَإِنَّ الحَرْبَ خَدْعَةٌ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ، حُدَثَاءُ الأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأَحْلاَمِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ البَرِيَّةِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لاَ يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ». البخاري (3611).
    قال الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله تعالى: [ويرون بالاتفاق أن هذا الواجب =وهو بيان ما عليه المبتدعة والتحذير منهم ومن أعمالهم= من تمام النصح لله ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- ولأئمة المسلمين, وعامتهم. وهذا شرطُ القصدِ لوجهِ الله تعالى, وإلاَّ كان الناقد بمنزلة من يقاتلُ حميَّةً ورياءً. وهو من مَدرَكِ الشرك ِفي القصد...
    * ولا يلتبس هذا الأصلُ الإسلامي بما تراه مع بلج الصبح, وفي غسق الليل من ظهور ضميرٍ أسودَ, وافدٍ من كل فَجٍّ استبعدَ نفوسا بضراوة, أراه: "تصنيف الناس" وظاهرة عجيبٌ نفوذُها هي: "رمز الجراحين" أو: "مرض التشكيك وعدم الثقة" حملَه فئامُ غلاظٌ من الناس يعبدون الله على حرف, فألقوا جلباب الحياء, وشغلوا به أغرارا التبسَ عليهم الأمرُ فضلوا وأضلوا, فلبسَ الجميعُ أثواب الجرح والتعديل, وتدثَّروا بشهوةِ التجريح, ونسجِ الأحاديث, والتعلقِ بخيوطِ الأوهام, فبهذه الوسائل ركبوا ثبجَ التصنيفِ للآخرين؛ للتشهيرِ والتنفير, والصدِّ عن سواء السبيل.
    ومن هذا المنطلق الواهي, غمسوا ألسنتهم في ركام من الأوهام والآثام, ثم بسطوها بإصدار الأحكام عليهم, والتشكيك فيهم, وخدشهم, وإلصاق التهم بهم, وطمس محاسنهم, والتشهير بهم, وتوزيعهم أشتاتا وعزين:...
    فترى وتسمع رمْيَ ذاك, أو هذا بأنه: خارجي. معتزلي. أشعري. طرقي. إخواني. تبليغي. مقلد متعصب. متطرف. متزمت. رجعي. أصولي. =سلفي جهادي، سلفي أثري، سلفي تقليدي.. هذا في الاعتقاد=
    وفي السلوك: مداهن. مُراء. من علماء السلطان. من علماء الوضوء والغسل. =هذا من طرف ديني=
    ومن طرف لا ديني: ماسوني. علماني. شيوعي. اشتراكي. بعثي. قومي. =بهائي قادياني= عميل. وإن نقبوا في البلاد, وفتشوا عنه العباد, ولم يجدوا عليه أي عثرة, أو زلة, تصيدوا له العثرات, وأوجدوا له الزلات, مبينة على شُبَهٍ واهية, وألفاظٍ محتملة.
    أما إن أفلست جهودهم من كل هذا رموه بالأخرى فقالوا: متستر. محايد. =مميع=.. إلى غير ذلك من ضروب تطاول سعاة الفتنة والتفرق, وتمزيق الشمل والتقطع. .. وهكذا في سيل متدفق سيَّالٍ على ألسنة كالسياط, دأبها التربص, فالتوثب على الأعراض, والتمضمض بالاعتراض, مما يوسع جِرَاحَ الأمة, ويلغي الثقة في علماء الملة, ويغتال الفضل بين أفرادها, ويقطع أرحامها تأسيسا على خيوط من الأوهام, ومنازلات بلا برهان, تجر إلى فتن تدق الأبواب, وتضرب الثقة في قوام الأمة من خيار العباد.
    فبئس المنتجع, وبئست الهواية, ويا ويحهم يوم تبلى السرائر يوم القيامة.
    والقسمة كما ترى: واحد ظالم لنفسه مبين, وآخر مظلوم. ومن قواعد الملة: (نصرُ المسلمِ أخاه المسلمَ ظالما أو مظلوما) لا على مقصد أول من تكلم بها: جندب بن العنبر, إذ أراد بها حمية الجاهلية, ولكن على مقصد النبي -صلى الله عليه وسلم- إذ أخذ -صلى الله عليه وسلم- الصورة, ونقلها إلى معنى شريف بمعنى:
    نصرته ظالما؛ بالأخذ على يده, وإبداء النصح له, وإرشاده وتخليصه من بناء الأحكام على الظنون والأوهام, وإعمال اليقين مكان الظن, والبينة محل الوسوسة, والصمت عن القذف بالباطل والإثم, ومبدأ حسن النية, بدل سوء الظن والطوية, وتحذيره من نقمة الله وسخطه.
    ونصرته مظلوما, بردع الظالم عنه, والإنصاف له منه, والدفع عن عرضه وكرامته, وتسليته, وتذكيره, بمالَهُ من الأجر الجزيل, والثواب العريض, وأن الله ناصره -بمشيئته- ولو بعد حين]. بتصرف من تصنيف الناس بين الظن واليقين، لبكر أبي زيد.
    وفي ردٍّ للشيخ عبد السلام البرجس على منكر التصنيف قال:
    [وفي ختام هذه الكلمة أقول إنه ينبغي لطالب العلم أن يحترز من هذا الباب وأن يخشاه خشية عظيمة وأن يبتعد عنه أول طلبه للعلم لأن هذا الباب باب وعر المسلك صعب المرتقى، فعلامة توفيق طالب العلم في أول أمره أن يشتغل بحفظ المتون العلمية وأن يقبل عليها حفظاً وفهماً ودراسة وتكريراً ونحو ذلك، وعلامة عدم توفيقه أن يشتغل بمثل هذه الأبواب في أول الطلب فليترك الطالب العناية بهذا الباب في أول طلبه وليقبل على أصول العلم حتى يكون توفيقه إن شاء الله].

    الخطبة الثانية
    الحمد لله؛
    والوالد في الأسرة قد يظلم بعضَ أولادِه بالمحاباةِ والتفضيل، وأخذ أموال بعضهم على حساب بعض.
    وما ينطبق على الآباء تقوم به بعض الأمهات؛ فلا تعدل بين بناتها وتفضل بعضهن على بعض بالعطية ونحوها. عَنِ الشَّعْبِيِّ، حَدَّثَنِي النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، أَنَّ أُمَّهُ بِنْتَ رَوَاحَةَ، سَأَلَتْ أَبَاهُ بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ مِنْ مَالِهِ لابْنِهَا، فَالْتَوَى بِهَا سَنَةً ثُمَّ بَدَا لَهُ، فَقَالَتْ: لا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا وَهَبْتَ لابْنِي، فَأَخَذَ أَبِي بِيَدِي وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلامٌ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ أُمَّ هَذَا بِنْتَ رَوَاحَةَ أَعْجَبَهَا أَنْ أُشْهِدَكَ عَلَى الَّذِي وَهَبْتُ لابْنِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا بَشِيرُ * أَلَكَ وَلَدٌ سِوَى هَذَا؟» قَالَ: نَعَمْ! فَقَالَ: «أَكُلَّهُمْ وَهَبْتَ لَهُ مِثْلَ هَذَا؟» قَالَ: لا، قَالَ: «فَلا تُشْهِدْنِي إِذًا، فَإِنِّي لا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ» صحيح البخاري (2650) ومسلم (1623) واللفظ له. هذا في مال الوالد لا يجوز وهو ظلم وجور، فكيف بمن يأخذ من مال ولده قهرا وظلما ليعطي ولده الآخر الكسول الذي لا يريد العمل، ويتكل على غيره؟؟!!
    أما ظلم الأبناء والبنات للآباء والأمهات؛ فحدث ولا حرج، ولا تسأل عن العقوق، وعدم السمع والطاعة للوالدين في المعروف، فلما بلغ عنده الكبر أحدُهما أو كلاهما؛ قال لهما أفٍّ لكما، وألقاهما في زاوية من بيته، أو في جمعية خيرية للعجزة والمُسِنِّين، قد يزورهما بين الحين والحين، وقد لا يراهما إلا في الأعياد، وقد يصل ببعضهم الأمرُ فتتصل به الجمعيةُ مخبرةً إياه بموتهما، فيوكِّل من يتولى غسلَهما وتكفينَهما والصلاةَ عليهما وتشييعَهما ودفنَهما؛ لأنه مشغول!! عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ: عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدَ البَنَاتِ، وَمَنَعَ وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ المَالِ". صحيح البخاري (2408).
    وعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الكَبَائِرِ، قَالَ: «الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ». صحيح البخاري (2653) ومسلم (88).
    لقد وصل الحدُّ ببعض العاقِّين أن يسبوا والديهم كفاحا ويشتموهم مواجهة، مع أنَّ النهيَ النبويَّ متوجهٌ إلى عدم التسبب في شتمهم، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَهَلْ يَشْتِمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ! يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ» صحيح مسلم (90)
    وكذلك يقع الظلم بين الأزواج والزوجات، بأن يبحث كلُّ واحد عن حقوقه على الآخر، وينسى ما عليه من واجبات، فهذا حرمها من زيارة أهلها، وذاك يعذبها بالضرب الذي يكسر العظم، ويسفك الدم، ويمزق اللحم، وثالث يسبُّ ويستخرج ما عنده من قاموس فحش الكلام، ويكيل لها أرذلَ الصفات، وينعتها بأسوأ الأخلاق، ويشتم ويقبح.
    عَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟، قَالَ: «أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ، أَوِ اكْتَسَبْتَ، وَلا تَضْرِبِ الْوَجْهَ، وَلا تُقَبِّحْ، وَلا تَهْجُرْ إِلاَّ فِي الْبَيْتِ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: (وَلا تُقَبِّحْ أَنْ تَقُولَ: قَبَّحَكِ اللَّهُ). سنن أبي داود (2142)، وابن ماجه (1850) صحيح الجامع (3149).
    عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ يَجْلِدُ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ العَبْدِ، ثُمَّ يُجَامِعُهَا فِي آخِرِ اليَوْمِ» صحيح البخاري (5204)
    وبعض الزوجات تفشي سرَّ زوجها بين النساء، وتبدي سيئآتِه، وتدفنُ حسناتِه، تتبرم من أتفه الأسباب، وتتضجَّر منه إذا حضر أو غاب، فلا سمع له عندها ولا طاعة، عن أَسْمَاء بِنْتِ يَزِيدَ، أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ قُعُودٌ عِنْدَهُ فَقَالَ: "لَعَلَّ رَجُلاً يَقُولُ: مَا يَفْعَلُ بِأَهْلِهِ، وَلَعَلَّ امْرَأَةً تُخْبِرُ بِمَا فَعَلَتْ مَعَ زَوْجِهَا" فَأَرَمَّ الْقَوْمُ. فَقُلْتُ: إِي وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُنَّ لَيَقُلْنَ وَإِنَّهُمْ لَيَفْعَلُونَ قَالَ: "فَلا تَفْعَلُوا فَإِنَّمَا مِثْلُ ذَلِكَ مِثْلُ الشَّيْطَانِ لَقِيَ شَيْطَانَةً فِي طَرِيقٍ فَغَشِيَهَا وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ" مسند أحمد ط الرسالة (45/ 564، ح27583) وانظر صحيح الجامع (4008).
    وهذا كله من الظلم، والعاقبة المُرَّةُ الوخيمة في الدنيا قبل الآخرة، وكلُّ ظالم على قدر ظلمه ويحاسبه ربه.
    {وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ* مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُم ْ هَوَاءٌ} إبراهيم: (42، 43)

    وكتب وألف بين الجمل وجمع من المظان:
    أبو المنذر فؤاد
    الزعفران الوسطى غزة
    غرة جمادى الأولى 1433 هلالية
    وفق: 23/ 3/ 2012 شمسية
    للتواصل مع الشيخ عبر البريد الالكتروني: zafran57@hotmail.com

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    المشاركات
    17,452

    افتراضي


    جزاكم الله خيرا


الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •