المنتقى من جامع العلوم والحكم ( متجدد ) - الصفحة 2
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 21 إلى 26 من 26
24اعجابات

الموضوع: المنتقى من جامع العلوم والحكم ( متجدد )

  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    6,351

    افتراضي

    بارك الله في علمكم
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة حسن المطروشى الاثرى
    {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين* لاشريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين}





  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    6,351

    افتراضي

    عن أبي عبدالرحمن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق : إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يرسل الله إليه الملك ، فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات : بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ، فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها .
    رواه البخاري ومسلم .


    -هذا الحديث متفق على صحته ، وتلقته الأمة بالقبول.

    - قوله (ثم يكون علقة مثل ذلك) يعني أربعين يوما، والعلقة قطعة من دم.
    (ثم يكون مضغة مثل ذلك ) يعني : أربعين يوما . والمضغة : قطعة من لحم.
    ثم يرسل الله إليه الملك ، فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات : بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد.

    - فهذا الحديث يدل على أنه يتقلب في مائة وعشرين يوما ، في ثلاثة أطوار ، في كل أربعين يوما منها يكون في طور ، فيكون في الأربعين الأولى نطفة ، ثم في الأربعين الثانية علقة ، ثم في الأربعين الثالثة ، مضغة ثم بعد المائة وعشرين يوما ينفخ الملك فيه الروح ، ويكتب له هذه الأربع الكلمات .
    فقال في سورة المؤمنون: { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا أخر فتبارك الله أحسن الخالقين}
    فهذه سبع تارات ذكرها الله في هذه الآية لخلق ابن آدم قبل نفخ الروح فيه .

    - وقد ورد في حديث حذيفة بن أسيد ما يدل على خلق العظام واللحم في أول الأربعين الثانية ، ففي " صحيح مسلم " عن حذيفة بن أسيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ما شاء ويكتب الملك . ثم يقول: يا رب أجله؟ فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك. ثم يقول: يا رب رزقه؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك. ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص).
    وظاهر هذا الحديث يدل على أن تصوير الجنين وخلق سمعه وبصره وجلده ولحمه وعظامه يكون في أول الأربعين الثانية ، فيلزم من ذلك أن يكون في الأربعين الثانية لحما وعظاما.

    - ولم يوجد في الأسقاط ذكر تم قبل ثلاثين يوما ، ولا أنثى قبل أربعين يوما، فهذا يوافق ما دل عليه حديث حذيفة بن أسيد في التخليق في الأربعين الثانية ، ومصيره لحما فيها أيضا .
    وليس في حديث ابن مسعود ذكر وقت تصوير الجنين .

    - وقد روي عن ابن مسعود نفسه ما يدل على أن تصويره قد يقع قبل الأربعين
    الثالثة أيضا ، فروى الشعبي عن علقمة ، عن ابن مسعود قال : النطفة إذا استقرت في الرحم جاءها ملك فأخذها بكفه ، فقال : أي رب ، مخلقة أم غير مخلقة ؟ فإن قيل : غير مخلقة ، لم تكن نسمة ، وقذفتها الأرحام ، وإن قيل مخلقة ، قال : أي رب ، أذكر أم أنثى ؟ شقي أم سعيد ، ما الأجل وما الأثر ؟ ، وبأي أرض تموت ؟ قال : فيقال للنطفة : من ربك ؟ فتقول : الله ، فيقال : من رازقك ؟ فتقول : الله ، فيقال : اذهب إلى الكتاب ، فإنك ستجد فيه قصة هذه النطفة ، قال : فتخلق ، فتعيش في أجلها وتأكل في رزقها ، وتطأ في أثرها ، حتى إذا جاء أجلها ، ماتت ، فدفنت في ذلك ، ثم تلا الشعبي هذه الآية {يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة}. فإذا بلغت مضغة ، نكست في الخلق الرابع فكانت نسمة ، فإن كانت غير مخلقة ، قذفتها الأرحام دما ، وإن كانت مخلقة نكست نسمة .

    - وبنى الإمام أحمد مذهبه المشهور عنه على ظاهر حديث ابن مسعود، وأن الطفل ينفخ فيه الروح بعد الأربعة أشهر ، وأنه إذا سقط بعد تمام أربعة أشهر ، صلي عليه ؛ حيث كان قد نفخ فيه الروح ثم مات .
    وحكي ذلك أيضا عن سعيد بن المسيب وهو أحد أقوال الشافعي وإسحاق.

    - وأما كتابة
    الملك ، فحديث ابن مسعود يدل على أنها تكون بعد الأربعة أشهر أيضا على ما سبق ،

    وفي الصحيحين عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وكل الله بالرحم ملكا يقول: أي رب نطفة، أي رب علقة، أي رب مضغة؟ فإذا أراد الله أن يقضي خلقا، قال: يا رب أذكر أم أنثى، أشقي أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتب كذلك في بطن أمه)
    وظاهر هذا يوافق حديث ابن مسعود لكن ليس فيه تقدير مدة ، وحديث حذيفة بن أسيد الذي تقدم يدل على أن الكتابة تكون في أول الأربعين الثانية ،
    وخرجه مسلم أيضا بلفظ آخر من حديث حذيفة بن أسيد يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمس وأربعين ليلة، فيقول: يا رب أشقي أو سعيد؟ فيكتبان، فيقول: أي رب أذكر أو أنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله، وأثره وأجله ورزقه. ثم تطوى الصحف، فلا يزاد فيها ولا ينقص).

    - وقد جمع بعضهم بين هذه الأحاديث والآثار ، وبين حديث ابن مسعود:
    * فأثبت الكتابة مرتين ، وقد يقال مع ذلك : إن إحداهما في السماء والأخرى في بطن الأم .
    والأظهر – والله أعلم - أنها مرة واحدة .

    * ولعل ذلك يختلف باختلاف الأجنة ، فبعضهم يكتب له ذلك بعد الأربعين الأولى ، وبعضهم بعد الأربعين الثالثة.
    * وقد يقال : إن لفظة (ثم) في حديث ابن مسعود إنما يراد به ترتيب الإخبار، لا ترتيب المخبر عنه في نفسه ، والله أعلم .

    - وبكل حال ، فهذه الكتابة التي تكتب للجنين في بطن أمه غير كتابة المقادير السابقة لخلق الخلائق المذكورة في قوله تعالى: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها}[الحديد:22]
    كما في " صحيح مسلم " عن عبدالله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة).

    - ففي " الصحيحين " عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة أو النار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة، فقال رجل: يا رسول الله، أفلا نمكث على كتابنا، ندع العمل؟ فقال: اعملوا، فكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لهمل أهل الشقاوة، ثم قرأ: {فأما من أعطى واتقى} الآيتين [الليل:5]
    ففي هذا الحديث أن السعادة والشقاوة قد سبق الكتاب بهما ، وأن ذلك مقدر بحسب الأعمال ، وأن كلا ميسر لما خلق له من الأعمال التي هي سبب للسعادة أو الشقاوة.

    - وحديث ابن مسعود فيه أن السعادة والشقاوة بحسب خواتيم الأعمال . وقد قيل : إن قوله في آخر الحديث: (فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة) إلى آخر الحديث مدرج من كلام ابن مسعود، كذلك رواه سلمة بن كهيل عن زيد بن وهب عن ابن مسعود من قوله ،

    - قد روي هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة أيضا.

    وفي صحيح البخاري عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( إنما الأعمال بالخواتيم).

    - وفي الصحيحين عن سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم التقي هو والمشركون وفي أصحابه رجل لا يدع شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه فقالوا: ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو من أهل النار، فقال رجل من القوم: أنا أصاحبه فأتبعه، فجرح الرجل جرحا شديدًا فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه على الأرض، وذبابه بين ثدييه ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه، فخرج الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أشهد أنك رسول الله، وقص عليه القصة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة).


    وقوله : " فيما يبدو للناس " إشارة إلى أن باطن الأمر يكون بخلاف ذلك، وأن خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطنة للعبد لا يطلع عليها الناس، إما من جهة عمل سيئ ونحو ذلك ، فتلك الخصلة الخفية توجب سوء الخاتمة عند الموت ، وكذلك قد يعمل الرجل عمل أهل النار وفي باطنه خصلة خفية من خصال الخير ، فتغلب عليه تلك الخصلة في آخر عمره، فتوجب له حسن الخاتمة .

    - وكان سفيان يشتد قلقه من السوابق والخواتيم ، فكان يبكي ويقول: أخاف أن أكون في أم الكتاب شقيا ، ويبكي ، ويقول : أخاف أن أسلب الإيمان عند الموت.

    - ومن هنا كان الصحابة ومن بعدهم من السلف الصالح يخافون على أنفسهم النفاق ويشتد قلقهم وجزعهم منه ، فالمؤمن يخاف على نفسه النفاق الأصغر ، ويخاف أن يغلب ذلك عليه عند الخاتمة ، فيخرجه إلى النفاق الأكبر ، كما تقدم أن دسائس السوء الخفية توجب سوء الخاتمة ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثرأن يقول في دعائه: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) فقيل له: يا نبي الله آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ فقال: (نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله عز وجل يقلبها كيف شاء)
    خرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث أنس.
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة رضا الحملاوي
    {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين* لاشريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين}





  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    6,351

    افتراضي



    عن أم المؤمنين أم عبدالله عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد. رواه البخاري ومسلم
    وفي رواية لمسلم: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد ‏

    - هذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام وهو كالميزان للأعمال في ظاهرها كما أن حديث الأعمال بالنيات ميزان للأعمال في باطنها، فكما أن كل عمل لا يراد به وجه الله تعالى فليس لعامله فيه ثواب فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو مردود على عامله.

    - فهذا الحديث بمنطوقه يدل على أن كل عمل ليس عليه أمر الشارع فهو مردود ويدل بمفهومه على أن كل عمل عليه أمره فهو غير مردود والمراد بأمره ههنا دينه وشرعه.

    - فالمعنى إذا أن من كان عمله خارجا عن الشرع ليس متقيدا بالشرع فهو مردود.

    - وقوله ليس عليه أمرنا إشارة إلى أن أعمال العاملين كلهم ينبغي أن تكون تحت أحكام الشريعة فتكون أحكام الشريعة حاكمة عليها بأمرها ونهيها.

    - الأعمال قسمان : عبادات ومعاملات .
    فأما العبادات ، فما كان منها خارجا عن حكم الله ورسوله بالكلية ، فهو مردود على عامله.

    *وأما من عمل عملا أصله مشروع وقربة ، ثم أدخل فيه ما ليس بمشروع ، أو أخل فيه بمشروع ، فهذا مخالف أيضا للشريعة بقدر إخلاله بما أخل به ، أو إدخاله ما أدخل فيه ، وهل يكون عمله من أصله مردودا عليه أم لا ؟
    فهذا لا يطلق القول فيه برد ولا قبول ، بل ينظر فيه :
    فإن كان ما أخل به من أجزاء العمل أو شروطه موجبا لبطلانه في الشريعة ، كمن أخل بالطهارة للصلاة مع القدرة عليها ، أو كمن أخل بالركوع أو بالسجود أو بالطمأنينة فيهما ، فهذا عمل مردود عليه ، وعليه إعادته إن كان فرضا .
    وإن كان ما أخل به لا يوجب بطلان العمل ، كمن أخل بالجماعة للصلاة المكتوبة عند من يوجبها ولا يجعلها شرطا ، فهذا لا يقال : إن عمله مردود من أصله ، بل هو ناقص .
    وإن كان قد زاد في العمل المشروع ما ليس بمشروع ، فزيادته مردودة عليه ، بمعنى أنها لا تكون قربة ولا يثاب عليها ، ولكن تارة يبطل بها العمل من أصله ، فيكون مردودا ، كمن زاد في صلاته ركعة عمدا مثلا .
    وتارة لا يبطله ، ولا يرده من أصله ، كمن توضأ أربعا أربعا ، أو صام الليل مع النهار ، وواصل في صيامه.

    - ولهذا فرق من فرق من العلماء بين أن يكون النهي لمعنى يختص بالعبادة فيبطلها ، وبين أن لا يكون مختصا بها فلا يبطلها .
    ...ويشهد لهذا أن الصيام لا يبطله إلا ارتكاب ما نهي عنه فيه بخصوصه ، وهو جنس الأكل والشرب والجماع ، بخلاف ما نهي عنه الصائم ، لا بخصوص الصيام ، كالكذب والغيبة عند الجمهور .
    وكذلك الحج ما يبطله إلا ما نهي عنه في الإحرام ، وهو الجماع ، ولا يبطله ما لا يختص بالإحرام من المحرمات ، كالقتل والسرقة وشرب الخمر .

    - وأما المعاملات كالعقود والفسوخ ونحوهما ، فما كان منها تغيرا للأوضاع الشرعية ، كجعل حد الزنا عقوبة مالية ، وما أشبه ذلك ، فإنه مردود من أصله ، لا ينتقل به الملك ، لأن هذا غير معهود في أحكام الإسلام .
    ويدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للذي سأله: إن ابني كان عسيفًا على فلان فزنى بامرأته فافتديت منه بمائة شاة وخادم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:( المائة الشاة والخادم رد عليك وعلى ابنك مائة جلدة وتغريب عام‏).

    ‏- وما كان منها عقدًا منهيًا عنه في الشرع إما لكون المعقود عليه ليس محلًا للعقد أو لفوات شرط فيه أو لظلم يحصل به للمعقود معه وعليه أو لكون العقد يشغل عن ذكر الله عز وجل الواجب عند تضايق وقته أو غير ذلك،
    فهذا العقد هل هو مردود بالكلية لا ينتقل به الملك أم لا ؟
    هذا الموضع قد اضطرب الناس فيه اضطرابًا كثيرًا ...والأقرب إن شاء الله تعالى أنه إن كان النهي عنه لحق الله تعالى لا يفيد الملك بالكلية ومعنى أنه يكون الحق لله أنه لا يسقط برضا المتعاقدين عليه.
    وإن كان النهي عنه لحق آدمي معين بحيث يسقط برضاه به، فإنه يقف على رضاه به، فإن رضي لزم العقد واستمر الملك وإن لم يرض به فله الفسخ.
    فإن كان الذي يلحقه الضرر لا يعتبر رضاه بالكلية كالزوجة والعبد في الطلاق والعتاق، فلا عبرة برضاه ولا بسخطه. وإن كان النهي رفقا بالمنهي خاصة لما يلحقه من المشقة فخالف وارتكب المشقة لم يبطل بذلك عمله.

    * أما الأول فله صور كثيرة منها نكاح من يحرم نكاحه إما لعينه كالمحرمات على التأبيد بسبب أو نسب أو للجمع أو لفوات شرط لا يسقط بالتراضي بإسقاطه: كنكاح المعتدة والمحرمة والنكاح بغير ولي ونحو ذلك.
    ...ومنها بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام والكلب وسائر ما نهي عن بيعه مما لا يجوز التراضي ببيعه.

    * وأما الثاني فله صور عديدة منها إنكاح الولي مالًا يجوز له إنكاحها إلا بإذنها لا بغير إذنها‏.‏
    وقد ردّ النبي صلى الله عليه وسلم نكاح امرأة ثيب زوجها أبوها وهي كارهة‏.‏
    وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه خير امرأة زوجت بغير إذنها.

    - وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أن من تصرف لغيره في ماله بغير إذنه لم يكن تصرفه باطلًا من أصله، بل يقف على إجازته، فإن أجازه جاز وإن رده بطل.
    واستدلوا بحديث عروة بن الجعد في شرائه للنبي صلى الله عليه وسلم شاتين وإنما كان أمره بأن يشتري شاة واحدة ثم باع إحداهما وقبل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم.

    - ...وهذا الحديث إنما رواه القاسم بن محمد لما سئل عن رجل له مساكن فأوصى بثلث ثلاث مساكن هل يجمع له في مسكن واحد، فقال: يجمع ذلك له في مسكن واحد حدثتني عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) خرجه مسلم.
    ومراده أن تغيير وصية الموصي إلى ما هو أحب إلى الله وأنفع جائز.
    {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين* لاشريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين}





  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    4,468

    افتراضي

    بارك الله فيكم ونفع بكم .
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة أم علي طويلبة علم

  5. #25
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    6,351

    افتراضي

    عن أبي عبدالله النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
    (( إن الحلال بين وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات، فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات، وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب))

    رواه البخاري ومسلم‏


    - فقوله صلى الله عليه وسلم: ( الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس) معناه: أن الحلال المحض بين لا اشتباه فيه، وكذلك الحرام المحض، ولكن بين الأمرين أمور تشتبه على كثير من الناس، هل هي من الحلال أم من الحرام، وأما الراسخون في العلم فلا يشتبه عليهم ذلك ويعلمون من أي القسمين هي.


    -...وأما المشتبه فمثل بعض ما اختلف في حله أو تحريمه: إما من الأعيان كالخيل والبغال والحمير والضب، وشرب ما اختلف في تحريمه من الأنبذة التي يسكر كثيرها، ولبس ما اختلف في إباحة لبسه من جلود السباع ونحوها، وإما من المكاسب المختلف فيها كمسائل العينة والتورق ونحو ذلك، وبنحو هذا المعنى فسر المشتبهات أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة.

    - وحاصل الأمر أن الله تعالى أنزل على نبيه الكتاب وبين فيه للأمة ما يحتاج إليه من حلال وحرام كما قال تعالى ‏{‏ونزلنا عليك الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ}
    قال مجاهد وغيره: كل شيء أمروا به أو نهوا عنه...

    - وما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أكمل له ولأمته الدين ولهذا أنزل عليه بعرفة قبل موته بمدة يسيرة ‏{‏الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا}.
    وقال صلى الله عليه وسلم: (تركتكم على بيضاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك).‏
    وقال أبو ذر رضي الله عنه: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يحرك جناحيه في السماء إلا وقد ذكر لنا منه علمًا.
    ...وفي الجملة فما ترك الله ورسوله حلالًا إلا مبينًا، ولا حرامًا إلا مبينًا لكن بعضه كان أظهر بيانًا من بعض، فما ظهر بيانه، واشتهر وعلم من الدين بالضرورة من ذلك لم يبق فيه شك، ولا يعذر أحد بجهله في بلد يظهر فيها الإسلام.


    - وما كان بيانه دون ذلك، فمنه ما يشتهر بين حملة الشريعة خاصة.

    فأجمع العلماء على حله أو حرمته، وقد يخفى على بعض من ليس منهم ومنه ما لم يشتهر بين حملة الشريعة أيضًا، فاختلفوا في تحليله وتحريمه وذلك لأسباب:

    * منها أنه قد يكون النص عليه خفيًا لم ينقله إلا قليل من الناس فلم يبلغ جميع حملة العلم.


    * ومنها أنه قد ينقل فيه نصان: أحدهما بالتحليل، والآخر بالتحريم فيبلغ طائفة منهم أحد النصين دون الآخر فيتمسكون بما بلغهم. أو يبلغ النصان معا من لا يبلغه التاريخ فيقف لعدم معرفته بالناسخ.‏


    *ومنها ما ليس فيه نص صريح وإنما يؤخذ من عموم أو مفهوم أو قياس فتختلف أفهام العلماء في هذا كثيرًا.

    * ومنها ما يكون فيه أمر أو نهي فتختلف العلماء في حمل الأمر على الوجوب أو الندب، وفي حمل النهي على التحريم أو التنزيه.



    - وأسباب الاختلاف أكثر مما ذكرنا ومع هذا فلابد في الأمة من عالم يوافق الحق، فيكون هو العالم بهذا الحكم، وغيره يكون الأمر مشتبها عليه ولا يكون عالمًا بهذا، فإن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولا يظهر أهل باطلها على أهل حقها، فلا يكون الحق مهجورا غير معمول به في جميع الأمصار والأعصار،
    ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في المشتبهات: (لا يعلمهن كثير من الناس)، فدل على أن من الناس من يعلمها وإنما هي مشتبهة على من لم يعلمها، وليست مشتبهة في نفس الأمر فهذا هو السبب المقتضي لاشتباه بعض الأشياء على كثير من العلماء.

    -...ومن هذا أيضًا ما أصله الإباحة كطهارة الماء والثوب والأرض، إذا لم يتيقن زوال أصله فيجوز استعماله، وما أصله الحظر كالأبضاع، ولحوم الحيوان، فلا تحل إلا بيقين حله من التذكية والعقد.
    فإن تردد في شيء من ذلك لظهور سبب آخر رجع إلى الأصل فيبنى عليه فيتبين فيما أصله الحرمة على التحريم.
    ...فيرجع فيما أصله الحل إلى الحل، فلا ينجس الماء والأرض والثوب بمجرد ظن النجاسة، وكذلك البدن إذا تحقق طهارته وشك هل انتقضت بالحدث عند جمهور العلماء خلافًا لمالك رحمه الله إذا لم يكن قد دخل في الصلاة.
    وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه شكا إليه الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال: ( لا تنصرف حتى يسمع صوتا أو تجد ريحا).
    وفي بعض الروايات: في المسجد بدل الصلاة. وهذا يعم حال الصلاة وغيرهما.

    - ...وقد فسر الإمام أحمد الشبهة بأنها منزلة بين الحلال والحرام يعني الحلال المحض والحرام المحض وقال: من اتقاها فقد استبرأ لدينه. وفسرها تارة باختلاط الحلال والحرام.

    وبتفرع على هذا معاملة من في ماله حلال وحرام مختلط فإن كان أكثر ماله الحرام فقال أحمد: ينبغي أن يتجنبه، إلا أن يكون شيئًا يسيرا أو شيئًا لا يعرف.

    واختلف أصحابنا: هل هو مكروه أو محرم على وجهين.
    وإن كان أكثر ماله الحلال جازت معاملته والأكل من ماله.‏

    ...وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعاملون المشركين وأهل الكتاب مع علمهم بأنهم لا يجتنبون الحرام كله وإن اشتبه الأمر فهو شبهة، والورع تركه.‏

    -...وقال الإمام أحمد في المال المشتبه حلاله بحرامه: إن كان المال كثيرًا أخرج منه قدر الحرام وتصرف في الباقي، وإن كان المال قليلًا اجتنبه كله، وهذا لأن القليل إذا تناول منه شيئًا فإنه يتعذر معه السلامة من الحرام بخلاف الكثير.

    - ومن أصحابنا من حمل ذلك على الورع دون التحريم وأباح التصرف في القليل والكثير بعد إخراج قدر الحرام منه وهو قول الحنفية وغيرهم وأخذ به قوم من أهل الورع منهم بشر الحافي‏.

    -...ومتى علم أن عين الشيء حرام أخذ بوجه محرم فإنه يحرم تناوله وقد حكي الإجماع على ذلك ابن عبد البر وغيره.

    -...وكلام النبي صلى الله عليه وسلم يدل على أن هذه المشتبهات من الناس من يعلمها وكثير منهم لا يعلمها فدخل فيمن لا يعلمها نوعان‏:‏

    أحدهما‏:‏ من يتوقف فيها لاشتباهها عليه‏

    والثاني‏:‏ من يعتقدها على غير ما هي عليه‏

    ودل كلامه على أن غير هؤلاء يعلمها، ومراده أنه يعلمها على ما هي عليه في نفس الأمر من تحليل أو تحريم.

    - وهذا من أظهر الأدلة على أن المصيب عند الله في مسائل الحلال والحرام المشتبهة المختلف فيها واحد عند الله عز وجل وغيره ليس بعالم بها بمعنى أنه غير مصيب لحكم الله فيها في نفس الأمر وإن كان يعتقد فيها اعتقادا يستند فيه إلى شبهة يظنها دليلًا ويكون مأجورا على اجتهاده ومغفورا له خطؤه لعدم اعتماده.


    - وقوله صلى الله عليه وسلم: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام)
    قسم الناس في الأمور المشتبهة إلى قسمين وهذا إنما هو بالنسبة إلى من هي مشتبهة عليه وهو ممن لا يعلمها.
    فأما من كان عالمًا بها واتبع ما دله علمه عليها فلذلك قسم ثالث لم نذكره، لظهور حكمه، فإن هذا القسم أفضل الأقسام الثلاثة، لأنه علم حكم الله في هذه الأمور المشتبهة على الناس واتبع علمه في ذلك.


    -وأما من لم يعلمه حكم الله فيها فهم قسمان:


    * أحدهما: من يتقي هذه الشبهات لاشتباهها عليه فهذا قد استبرأ لدينه وعرضه، ومعنى استبرأ طلب البراءة لدينه وعرضه من النقص والشين.

    والعرض هو موضع المدح والذم من الإنسان وما يحصل له بذكره بالجميل مدح وبذكره بالقبيح قدح.
    ...وفي هذا دليل على أن من ارتكب الشبهات فقد عرض نفسه للقدح فيه والطعن كما قال بعض السلف: من عرض نفسه للتهم فلا يلومن من أساء الظن به.

    * القسم الثاني: من يقع في الشبهات مع كونها مشتبهة عنده، فأما من أتى شيئًا مما يظنه الناس شبهة لعلمه بأنه حلال في نفس الأمر، فلا حرج عليه من الله في ذلك، لكن إذا خشي من طعن الناس عليه بذلك كان تركها حينئذ استبراء لعرضه فيكون حسنا.

    وهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: لمن رآه واقفا مع صفية: (إنها صفية بنت حيي‏ ).


    - ...والذي يأتي الشبهات مع اشتباهها عليه قد أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم أنه وقع في الحرام فهذا يفسر بمعنيين:


    * أحدهما: أن يكون ارتكابه للشبهة مع اعتقاده أنها شبهة ذريعة إلى ارتكابه الحرام الذي يعتقد أنه حرام بالتدريج والتسامح، وفي رواية في الصحيحين لهذا الحديث: (ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان).


    * ...والمعنى الثاني: أن من أقدم على ما هو مشتبه عنده لا يدري أهو حلال أو حرام، فإنه لا يأمن أن يكون حرامًا في نفس الأمر، فيصادف الحرام وهو لا يدري أنه حرام.


    -...وقوله صلى الله عليه وسلم: (كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ألا وإن لكل ملك حمي ألا وإن حمى الله محارمه).
    هذا مثل ضربه النبي صلى الله عليه وسلم لمن وقع في الشبهات وأنه يقرب وقوعه في الحرام المحض.

    - ...فجعل النبي صلى الله عليه وسلم مثل المحرمات كالحمى الذي يحميه الملوك ويمنعون غيرهم من قربانه.
    وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم حول مدينته اثني عشر ميلا حمى محرما، لا يقطع شجره ولا يصاد صيده، وحمى عمر وعثمان أماكن ينبت فيها الكلأ لأجل إبل الصدقة، والله سبحانه وتعالى حمى هذه المحرمات ومنع عباده من قربانها وسماها حدوده، فقال: { تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله ءاياته للناس لعلهم يتقون} وهذا فيه بيان أنه حد لهم ما أحل لهم وما حرم عليهم، فلا يقربوا الحرام، ولا يعتدوا الحلال.

    وكذلك قال في آية أخرى: { تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون}، وجعل من يرعى حول الحمى أو قريبًا منه جديرا بأن يدخل الحمى فيرتع فيه، فلذلك من تعدى الحلال ووقع في الشبهات فإنه قد قارب الحرام غاية المقاربة فما أخلقه بأن يخالط الحرام المحض، ويقع فيه.
    وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي التباعد عن المحرمات وأن يجعل الإنسان بينه وبينها حاجزًا‏.


    ...ويستدل بهذا الحديث من يذهب إلى سد الذرائع إلى المحرمات وتحريم الوسائل إليها.
    ويدل على ذلك أيضًا من قواعد الشريعة تحريم قليل ما يسكر كثيرة، وتحريم الخلوة بالأجنبية، وتحريم الصلاة بعد الصبح وبعد العصر سدا لذريعة الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، ومنع الصائم من المباشرة إذا كانت تتحرك شهوته.
    ومنع كثير من العلماء مباشرة الحائض فيما بين سرتها وركبتها إلا من وراء حائل كما كان صلى الله عليه وسلم يأمر امرأته إذا كانت حائضا أن تتزر فيباشرها من فوق الإزار.

    -...وقوله صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب)، فيه إشارة إلى أن صلاح حركات العبد بجوارحه، واجتنابه المحرمات واتقاءه للشبهات بحسب صلاح حركة قلبه، فإذا كان قلبه سليما ليس فيه إلا محبة الله ومحبة ما يحبه الله، وخشية الله، وخشية الوقوع فيما يكرهه، صلحت حركات الجوارح كلها، ونشأ عن ذلك اجتناب المحرمات كلها، وتوفي للشبهات، حذرا من الوقوع في المحرمات.
    وإن كان القلب فاسدًا قد استولى عليه اتباع الهوى وطلب ما يحبه، ولو كرهه الله فسدت حركات الجوارح كلها، وانبعثت إلى كل المعاصي والمشتبهات بحسب اتباع هوى القلب.
    ولهذا يقال القلب ملك الأعضاء وبقية الأعضاء جنوده وهم مع هذا جنود طائعون له منبعثون في طاعته وتنفيذ أوامره لا يخالفونه في شيء من ذلك.

    ...وفي مسند الإمام أحمد رضي الله عنه عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه‏).

    والمراد باستقامة إيمانه استقامة أعمال جوارحه؛ فإن أعمال جوارحه لا تستقيم إلا باستقامة القلب. ومعني استقامة القلب أن يكون ممتلئًا من محبة الله تعالى ومحبة طاعته وكراهة معصيته‏ .


    ...وهذا هو حقيقة التوحيد وهو معنى قول لا إله إلا الله، فلا صلاح للقلوب حتى يكون إلهها الذي تألهه وتعرفه وتحبه وتخشاه هو الله وحده لا شريك له...


    ...ومعني هذا أن كل حركات القلب والجوارح إذا كانت كلها لله فقد كمل إيمان العبد بذلك باطنًا وظاهرًا.
    {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين* لاشريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين}





  6. #26
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    6,351

    افتراضي


    عن أبي رقية تميم بن أوس الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
    الدين النصيحة قلنا لمن قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم
    رواه مسلم‏.‏

    - ... ورد في أحاديث كثيرة النصح للمسلمين عموما
    وفي بعضها النصح لولاة أمورهم
    وفي بعضها نصح ولاة الأمور لرعاياهم.

    - ...وقال تعالى: { ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله}، يعني أن من تخلف عن الجهاد لعذر فلا حرج عليه، بشرط أن يكون ناصحا لله ورسوله في تخلفه، فإن المنافقين كانوا يظهرون الأعذار كاذبين، ويتخلفون عن الجهاد من غير نصح لله ورسوله.
    وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الدين النصيحة فهذا يدل على أن النصيحة تشمل خصال الإسلام والإيمان والإحسان التي ذكرت في حديث جبريل عليه السلام وسمى ذلك كله دينا.
    فإن النصح لله يقتضي القيام بأداء واجباته على أكمل وجوهها وهو مقام الإحسان فلا يكمل النصح لله بدون ذلك ولا يتأتى ذلك بدون كمال المحبة الواجبة والمستحبة ويستلزم ذلك الاجتهاد في التقرب إليه بنوافل الطاعات على هذا الوجه وترك المحرمات والمكروهات على هذا الوجه أيضا.


    ...وقال الخطابي: النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة هي إرادة الخير للمنصوح له، قال: وأصل النصح في اللغة الخلوص، يقال: نصحت العسل، إذا خلصته من الشمع.
    فمعنى النصيحة لله سبحانه: صحة الاعتقاد في وحدانيته وإخلاص النية في عبادته
    والنصيحة لكتابه: الإيمان به والعمل بما فيه
    والنصيحة لرسوله: التصديق بنبوته وبذل الطاعة له فيما أمر به ونهي عنه والنصيحة لعامة المسلمين: إرشادهم إلى مصالحهم. انتهي‏.‏

    ...فالنصيحة المفترضة لله هي شدة العناية من الناصح باتباع محبة الله في أداء ما فرض ومجانبة ما حرم.

    ...وقد ترفع الأعمال كلها عن العبد في بعض الحالات ولا يرفع عنهم النصح لله، فلو كان من مرض بحال لا يمكنه عمل شيء من جوارحه بلسان ولا غيره غير أن عقله ثابت لم يسقط عنه النصح لله بقلبه، وهو أن يندم على ذنوبه وينوي إن صح أن يقوم بما افترض الله عليه ويجتنب ما نهاه عنه وإلا كان غير ناصح لله بقلبه.
    وكذلك النصح لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم فيما أوجبه على الناس عن أمر ربه، ومن النصح الواجب لله أن لا يرضى بمعصية العاصي، ويحب طاعة من أطاع الله ورسوله.

    ...وأما النصيحة لكتابه فشدة حبه وتعظيم قدره: إذ هو كلام الخالق وشدة الرغبة في فهمه وشدة العناية في تدبره والوقوف عند تلاوته لطلب معاني ما أحب مولاه أن يفهمه عنه أو يقوم به له بعد ما يفهمه، وكذلك الناصح من العباد يفهم وصية من ينصحه إن ورد عليه كتاب من غني يفهمه ليقوم عليه بما كتب فيه إليه.
    فكذلك الناصح لكتاب ربه يعني يفهمه ليقوم لله بما أمره به كما يحب ربنا ويرضي، ثم ينشر ما فهم في العباد، ويديم دراسته بالمحبة له والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه‏.‏

    وأما النصيحة للرسول صلى الله عليه وسلم في حياته فبذل المجهود في طاعته ونصرته ومعاونته وبذل المال إذا أراده والمسارعة إلى محبته.
    وأما بعد وفاته فالعناية بطلب سنته والبحث عن أخلاقه وآدابه وتعظيم أمره ولزوم القيام به، وشدة الغضب والإعراض عمن يدين بخلاف سنته، والغضب على من ضيعها لأثرة دنيا، وإن كان متدينا بها، وحب من كان منه بسبيل من قرابة أو صهر أو هجرة أو نصرة أو صحبة ساعة من ليل أو نهار على الإسلام، والتشبه به في زيه ولباسه.

    وأما النصيحة لأئمة المسلمين فحب صلاحهم، ورشدهم، وعدلهم، وحب اجتماع الأمة عليهم، وكراهة افتراق الأمة عليهم والتدين بطاعتهم في طاعة الله عز وجل والبغض لمن رأى الخروج عليهم، وحب إعزازهم في طاعة الله عز وجل.

    وأما النصيحة للمسلمين فأن يحب لهم ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكره لنفسه ويشفق عليهم، ويرحم صغيرهم، ويوقر كبيرهم، ويحزن لحزنهم ويفرح لفرحهم، وإن ضره ذلك في دنياه، كرخص أسعارهم، وإن كان في ذلك فوات ربح ما يبيع في تجارته، وكذلك جميع ما يضرهم عامة، ويحب ما يصلحهم، وألفتهم ودوام النعم عليهم، ونصرهم على عدوهم ودفع كل أذى ومكروه عنهم‏.‏

    وقال أبو عمرو بن الصلاح: النصيحة كلمة جامعة تتضمن قيام الناصح للمنصوح له بوجوه الخير إرادة وفعلا، فالنصيحة لله تعالى توحيده ووصفه بصفات الكمال، والجلال وتنزيه عما يضادها ويخالفها وتجنب معاصيه والقيام بطاعته ومحابه بوصف الإخلاص والحب فيه والبغض فيه، وجهاد من كفر به تعالى، وما ضاهى ذلك، والدعاء إلى ذلك والحث عليه.

    والنصيحة لكتابه: الإيمان به وتعظيمه وتنزيهه وتلاوته حق تلاوته والوقوف مع أوامره ونواهيه وتفهم علومه وأمثاله، وتدبر آياته والدعاء إليه، وذب تحريف الغالين وطعن الملحدين عنه.

    والنصيحة لرسوله صلى الله عليه وسلم قريب من ذلك: الإيمان به وبما جاء به، وتوقيره وتبجيله، والتمسك بطاعته، وإحياء سنته، واستثارة علومه ونشرها، ومعاداة من عاداه وعاداها، وموالاة من والاه ووالاها، والتخلق بأخلاقه، والتأدب بآدابه ومحبة آله وأصحابه، ونحو ذلك.

    والنصيحة لأئمة المسلمين: معاونتهم على الحق، وطاعتهم فيه، وتذكيرهم به، وتنبيههم في رفق ولطف، ومجانبة الوثوب عليهم، والدعاء لهم بالتوفيق، وحث الأغيار على ذلك.

    والنصيحة لعامة المسلمين: إرشادهم إلى مصالحهم وتعليمهم أمور دينهم ودنياهم وستر عوراتهم، وسد خلاتهم ونصرتهم على أعدائهم والذب عنهم، ومجانبة الغش والحسد لهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه، وما شابه ذلك. انتهى.
    ومن أنواع نصحهم دفع الأذى والمكروه عنهم وإيثار فقيرهم، وتعليم جاهلهم، ورد من زاغ منهم عن الحق في قول أو عمل، بالتلطف في ردهم إلى الحق، والرفق بهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومحبة إزالة فسادهم ولو بحصول ضرر له في دنياه كما قال بعض السلف: وددت أن هذا الخلق أطاعوا الله وأن لحمي قرض بالمقاريض.
    وكان عمر بن عبد العزيز يقول: ياليتني عملت فيكم بكتاب الله وعملتم به، فكلما عملت فيكم بسنة وقع منى عضو حتى يكون آخر شيء منها خروج نفسي.

    ومن أنواع النصح لله تعالى وكتابه ورسوله وهو مما يختص به العلماء
    * رد الأهواء المضلة بالكتاب والسنة على موردها، وبيان دلالتهما على ما يخالف الأهواء كلها.
    * وكذلك رد الأقوال الضعيفة من زلات العلماء وبيان دلالة الكتاب والسنة على ردها.
    * ومن ذلك بيان ما صح من حديث النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصح منه؛ بتبيين حال رواته، ومن تقبل رواياته منهم ومن لا تقبل، وبيان غلط من غلط من ثقاتهم الذين تقبل رواياتهم.

    ... وقال بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده إن شئتم لأقسمن لكم بالله: إن أحب عباد الله إلى الله الذين يحببون الله إلى عباده، ويحببون عباد الله إلى الله، ويسعون في الأرض بالنصيحة.
    ...وقال ابن علية في قول أبي بكر المزني ما فاق أبو بكر رضي الله عنه أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بصوم ولا صلاة ولكن بشيء كان في قلبه قال: الذي كان في قلبه الحب لله عز وجل والنصيحة في خلقه‏.‏

    وقال الفضيل بن عياض رحمه الله ما أدرك عندنا من أدرك بكثرة الصلاة والصيام وإنما أدرك عندنا بسخاء الأنفس وسلامة الصدور والنصح للأمة.
    {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين* لاشريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين}





صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •