الطبُّ الفكريُّ في الإسلام
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: الطبُّ الفكريُّ في الإسلام

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    253

    افتراضي الطبُّ الفكريُّ في الإسلام

    الطبُّ الفكريُّ في الإسلام
    د. حسن يوسف الشريف
    لكل عضو في جسم الإنسان وظيفة، ووظيفة العقل التفكير، كما أن أهم ما في الإنسان هو عقله؛ لأنه لو غاب عنه عقله فقد سقط عنه التكليف شرعًا، ويتضح ذلك في الحديث النبوي: "رُفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق"؛ ولذا فقد حرمت الشريعة الخمور والمخدرات؛ حفاظًا على التفكير السليم.
    وإذا كان لا معنى لحياة الإنسان من غير إيمان، فلا معنى لإيمان لم يقم على الدليل والبرهان، اللذين هما مهنة العقل، وهذا هو التفكير العلمي الذي دعا إليه القرآن، قال تعالى: [وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ..] الإسراء -الآية (36)، وقال تعالى: [..قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ] البقرة - الآية (111)، كما أن العقل من أهم الضرورات الخمس في الشريعة: (حفظ الدين، وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ الروح، وحفظ المال).
    وإذا كان العقل هو شرط التكليف في الشريعة، فالعقل له أهمية قصوى في الإسلام، إذا كان هدف الإنسان الأول هو إثارة العقل نحو التفكير والاستدلال والاستنتاج، قال تعالى: [فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ] عبس - الآية (24)، وقال تعالى: [فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ] الطارق - الآية (5)، وقال تعالى: [قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ..] يونس الآية (101)، وقال تعالى: [أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى..) الروم - الآية (8).
    وقال تعالى: [قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا..] سبأ - الآية (46)، كما جعل الإسلام التفكير عبادة، فقال تعالى: [الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُون َ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ..] آل عمران - الآية (191).
    ونعني بالطب الفكري في الإسلام "كيف أن الإسلام اهتم بقدرة العقل، ودعا إلى تنميتها، وأوصى بعلاج العقل من الأمراض التي تُعيق التفكير السليم، مثل التقليد، واتباع الهوى، واهتم الإسلام كذلك بالأغذية والأدوية التي تساعد في الوصول إلى التفكير السليم".
    أهمية التفكير والفهم
    تحدث الإمام ابن القيم رحمه الله كثيرًا عن أهمية التفكير، فقال رحمه الله: "ثبت عن بعض السلف أنه قال: "تفكر ساعة خير من عبادة سنتين، وسأل رجل أم الدرداء بعد موته عن عبادته فقالت: كان نهاره أجمعه في بادية التفكر، وقال الحسن: تفكر ساعة خير من قيام ليلة، وكان سفيان كثيرًا ما يتمثل قول الشاعر:
    إذا المرء كانت له فكرة *** ففي كل شيء له غيرة
    وقال الحسن في قولة تعالي: [سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ..] الأعراف - الآية (146)، أي أمنعهم التفكير فيها، فقال الحسن: "طول الوحدة أتم للفكرة، وطول الفكر دليل على طريق الجنة"، وقال أيضًا: فالخير والسعادة في خزانة التفكر، فإنه لا بد من تفكر وعلم يكون نتيجته الفكر، وطالما يحث القلب ذلك العلم؛ فإن كل من علم شيئًا من المحبوب أو المكروه دفعه ذلك أن يبقي القلب في حالة، ويصطبغ بصبغة من علمه.
    وتلك الحال توجب له إرادة، وتلك الإرادة توجب وقوع العمل، فها هنا خمسة أمور: الفكر وثمرته العلم، وثمرته الحالة التي تحدث للقلب، وثمرة ذلك الإرادة، وثمرتها العمل، فالفكر إذن هو المبدأ والمفتاح للخيرات، ولقد ذكر ابن القيم أن الفهم هو أعظم النعم بعد الإيمان؛ حيث قال في كتابة أعلام الموقعين: إن من أعظم نعم الله على العبد بعد أن يهديه إلى الإسلام أن يرزقه حسن الفهم وسلامة القصد.
    مجالات أفكار العقلاء:
    ذكر الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - مجاري الفكر وأصوله، التي لا يخرج تفكير الإنسان عنها فقال:-
    أحدها: غاية محبوبة مُرادة الحصول.
    الثاني: طريق مُوصِلة إلى تلك الغاية.
    الثالث: مضرة مطلوبة الإعدام مكروهة الحصول.
    الرابع: الطريق المُفضي إليها المُوقع عليها.
    فلا تتجاوز أفكار العقلاء هذه الأمور الأربعة. وأي فكر تخطّاها فهو من الأفكار الردِيّة والخيالات والأماني الباطلة؛ كما يتخيل الفقير المعدم نفسه من أغنى البشر، وهو يأخذ ويعطي وينعم ويحرم، وكما يتخيل العاجز نفسه من أقوى الملوك وهو يتصرّف في البلاد والرعيّة، ونظير ذلك من أفكار القلوب الباطولية التي من جنس أفكار السكران والمحشوش والضعيف العقل، فالأفكار الرديّة هي قوت الأنفس الخسيسة.
    القدرات العقلية
    يقول الدكتور ماجد عرسان: لا تكتفي التربية الإسلامية بالمواعظ لبناء العمل الصالح، وإنما يسبق المواعظ إحكام تنمية المكونات الأولى للعمل الصالح، أي تنمية القدرات العقلية، والوصول بها إلى درجة النضج، القدرة التي يشير إليها القرآن هي قدرة العقل، وقدرة التدبر، وقدرة الفقه، وقدرة التفكر، وقدرة التذكر، وقدرة النظر، وقدرة الشهود، وقدرة الإبصار، وقدرة الحكمة.
    ثم فسر كل قدرة من القدر العقلية فقال، قدرة العقل هي القدرة على طرق المعلومات واسترجاعها وتوظيفها عن الحاجة إليها، وقدرة التأويل هي القدرة على سبر غور التطبيقات العملية التي تقابل التقريرات النظرية، والعكس، مثل قدرة يوسف عليه السلام على تقديم التفسيرات والمقترحات التي تقابل الرؤية التي عرضت عليه، أما التدبر فهو القدرة على الربط بين المقدمات والنتائج، واكتشاف الأسس التي أدت إلى هذه النتائج.
    وأما قدرة التفكر فهي قدرة تشير إلى إثارة المهارات العقلية كلها للوصول إلى الحقيقة، وأما قدرة التذكر فهي قدرة عقلية تشير إلى القدرة على استرجاع الخبرة، ورقابة جانب الصواب فيها، وأما قدرة النظر فهي قدرة عقلية يشترك فيها السمع والبصر كذلك، لكنها تختلف عن قدرة النظر في أن ثمراتها صائبة صحيحة، لكنها تختلف عن قدرة عقلية تساعد على دقة الفهم والتعمق في تحليل الظاهرة وكوامنها.
    وأما الحكمة فهي قدرة عقلية على فهم العلاقات النظرية، ومهارتها عقلية حسية على تحويل العلاقات النظرية إلى تطبيقات عملية، وتصويبها ورعايتها، وهي تقابل الخبرة المتخصصة، أو الحكيم يقابل الخبير المتمكن.
    وسائل تنمية القدرات العقلية
    تولد القدرات العقلية كامنة في الإنسان، فهي تنمو بالتربية وتضعف بالإهمال وسوء الاستعمال، ومن الوسائل التي تعمل على تنمية القدرات العقلية:-
    1- العبادات كالصلاة وقراءة القرآن بتدبر: قال تعالى: [أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا] محمد - الآية (24)، وقال رسول الله - صلي الله عليه وسلم-: "ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها"، وكذلك الإيمان بأن التفكير فريضة إسلامية.
    2- اكتساب خبرات الآخرين: قال تعالى: [فاقصص القصص لعلهم يتفكرون].
    3- الاستفادة من خبرات الماضي: فقد روي البخاري عن النبي - صلى الله عيه وسلم- قال: "لا يُلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين"، كما روى البخاري عن معاوية أنه قال: "لا حكيم إلا ذو تجربة".
    4- الحوار وملاحاة الرجال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم".
    5- أما المحور الرئيسي في المنهج اللازم لتنمية التدريبات العقلية والتفكير السليم فهو حفظ التفاعل مع عناصر الكون القائم: قال تعالي [قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ..] يونس - الآية (101) وقال تعالي [سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ..] الشورى - الآية (53).
    6- الشورى: قال تعالى: [وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ..] الشورى - الآية (38)، وقال تعالى [..وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ..] آل عمران - الآية (159)، وقال أبو هريرة- رضي الله عنه-: ما رأيت أحدًا أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم-.
    7- النقد الذاتي ومحاسبة النفس: قال تعالى: [..وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ..] الحشر - الآية (18)، وقال رسول الله - صلى الله عيه وسلم-: "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني".
    8- قبول النقد من الآخرين: وكان عمر بن الخطاب يقول: "رحم الله رجلا أهدى إلينا عيوبنا"، وكان عمر بن عبد العزيز يقول لغلامه مزاحم: يا مزاحم، إن الملوك يتخذون العيون على الناس، وأنا اتخذتك عينًا على نفسي، فإذا رأيت لى عيبا فخذ بتلابيبي، وقل لي: اتق الله يا عمر، وقد ذكر ابن الجوزي في كتابه مختصر منهاج القاصدين، عن وسائل اكتشاف العيوب، أن تبحث عن صديق صدوق متدين، وتنصبه رقيبًا على نفسك، وتطلب منا أنه إذا رأى فيك عيبًا أن ينبهك إليه.
    9- كما أن التزود بالعلم: هو من أهم وسائل تنمية القدرات العقلية، قال تعالي: [وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ] العنكبوت - الآية(43).
    10- الاستعانة بالصبر: فهو خلق يضيء ظلمات الضباب، التي تحجب الرؤية والضياء عن العقل ففي الحديث قال النبي - صلى الله عيه وسلم-: "والصبر ضياء" ، فبالصبر لا تتعجل في الحوار قبل الفهم، فقد روى ابن عبد البر في كتاب العلم وفضله نصيحة أحد السلف لأبنائه فقال: (لا ترد على أحد جوابًا حتى تفهم كلامه، فإن ذلك يصرفك عن جواب كلامه إلى غيره، ويؤكد الجهل عليك، ولكن افهم عنه، فإذا فهمته فأجبه، ولا تعجل بالجواب قبل الاستفهام، ولا تستحِ أن تستفهم إذا لم تفهم فإن الجواب قبل الفهم حُمُق) جامع بيان العلم و فضله 1/148).
    ما يمنع التفكير السليم
    1- التكبر والإعجاب بالنفس: وهما مرضان يعملان على إضعاف القدرات العقلية، لأن من يصاب بهما أو بأحدهما يمتنع عن مشاورة أهل الخبرة، ولا يقبل النقد، ولا يستمع للنصيحة، فهو سيعتقد أنه أكثر الناس علمًا وفهمًا وعلى الناس أن تطلب مشورته ونصيحته.
    2- سرعة الغضب: فالغضب يعكر صفاء الذهن فلا يحسن التفكير، كما أن الغضب يتناول العقل ويقضي عليه لذا يقولون الغضب آفة العقل؛ لذلك على القاضي ألا يغضب إذا أراد أن يحكم حكمًا عادلا، ولا يقبل حكم القاضي وهو غضبان؛ لأنه إذا اشتد الغضب بالإنسان فإنه لا يعي ما يفعل، وكأنه شبة مجنون.
    3- التقليد المذموم: وهو قبول رأي الغير من دون حجة، أما قبول قول الغير القائم على الحجة الصحيحة فهو تقليد غير مذموم، وقد نهى الإسلام أتباعه عن أن يكونوا إمعة، يقلدون الآخرين في الخير والشر، بل في الخير.
    فقال رسول الله- صلى الله عيه وسلم-: "لا يكن أحدكم إمعة، يقول: إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا ألا تظلموا" وفى المعجم: الإمعة "هو الذي يقول لكل أحد أنا معك؛ وذلك لضعف رأيه". وفي رواية وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم.
    4- اتباع الهوى وبناء الأحكام على الظنون لا الحقائق: إن أكثر ما يصد من الناس عن الهدى وقبول الحق هو اتباع الظن وما تهوى الأنفس؛ لذا قال الله تعالي: [..إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى] النجم - الآية (23)، وقال تعالي [يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ..] ص - الآية (26).
    5- التعصب والجمود للرأي يمنع الشخص من النظر في الرأي الآخر أو الاستماع إليه، وقد يكون الرأي الآخر هو الصواب ورأي المتعصب هو الخطأ، وكان العلماء الأوائل إذا تحدثوا مسألة اجتهادية يقولون: رأينا في هذه المسألة نرى أنه الصواب ولكنه يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا في هذه المسألة خطأ ولكنه يحتمل الصواب.
    6- الاستعجال في إبداء الرأي، أو أخذ القرار دون تبين أو تثبت، وفى الحديث: "إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله الحلم والأناة".

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    7,518

    افتراضي رد: الطبُّ الفكريُّ في الإسلام

    جزاك الله خيرا شيخنا الفاضل

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبدالعزيز بن عبدالله مشاهدة المشاركة
    وكان سفيان كثيرًا ما يتمثل قول الشاعر:
    إذا المرء كانت له فكرة *** ففي كل شيء له غيرة
    لعل الصواب (عبرة)
    صفحتي في تويتر : أبو مالك العوضي

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    253

    افتراضي رد: الطبُّ الفكريُّ في الإسلام

    جزاك الله خير على التصويب

    من عجائب الزمان أن يقول الشيخ لتلميذه شيخ!!

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •