بيان زلات العالم كي تجتنب
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: بيان زلات العالم كي تجتنب

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Feb 2011
    المشاركات
    138

    افتراضي بيان زلات العالم كي تجتنب

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله وحده و الصلاة و السلام على من لا نبي بعده؛
    أما بعد:
    قال تعالى: {أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين وزنوا بالقسطاس المستقيم ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين}.
    ثم إن السعيد من وعظ بغيره وما منا ألا يعظ و يوعظ، هذا حال الناس، كتب الله تعالى عليهم النقص في كل شيء، فمن قوي اعتصامه بالكتاب و السنة قوي صوابه وزاد عدله وإنصافه، ومن قل منه قل صوابه وزاد جوره وضلاله.
    ولما صار من المسلمين المنتسبين لاتبّاع السلف الصالح من يظن بمتبوعه العصمة في العلم والدين ولو بلسان الحال، فصار يقبل كل ما يصدر من شيخه، و يرفض كل رد عليه، فأخذ بحظه من قول ابن القيم رحمه الله في مفتاح دار السعادة: "وأما من يرى أن الحق وقف مؤبد على طائفته وأهل مذهبه وحجر محجور على من سواهم ممن لعله أقرب إلى الحق والصواب منه فقد حرم خيرا كثيرا وفاته هدى عظيم".
    لهذا ولغيره مما يطول ذكره، وجب نصيحة هؤلاء نصيحة لله ولرسوله، لعل منصفا وعاقلا من هؤلاء يعود لرشده، فيترك التعصب المقيت للرجال، ويخرج من عبودية العباد إلى عبودية رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأفكار والديانات إلى عدل الإسلام.
    والناس أربعة أقسام: قسم يغضبون لنفوسهم ولربهم، وقسم لا يغضبون لنفوسهم ولا لربهم، وكلاهما مذموم شرعا وعقلا، وقسم يغضبون لربهم لا لنفوسهم، وهؤلاء هم أسعد الناس بتجريد التوحيد وباتباع سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: "ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده خادما له، ولا امرأة، ولا دابة، ولا شيئا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا نيل منه شيء فانتقم لنفسه قط، إلا أن تنتهك حرمات الله، فإذا انتهكت حرمات الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم لله"، وأما من يغضب لنفسه وشيخه، لا لربه، فهم شر الخلق، لا يصلح بهم دين ولا دنيا.
    قال شيخ الإسلام رحمه الله في مجموع الفتاوى: "والواجب على الخلق أن ما أثبته الكتاب والسنة أثبتوه، وما نفاه الكتاب والسنة نفوه، وما لم ينطق به الكتاب والسنة لا بنفي ولا إثبات استفصلوا فيه قول القائل، فمن أثبت ما أثبته الله ورسوله فقد أصاب، ومن نفى ما نفاه الله ورسوله فقد أصاب، ومن أثبت ما نفاه الله أو نفى ما أثبته الله فقد لبس دين الحق بالباطل، فيجب أن يفصل ما في كلامه من حق وباطل، فيتبع الحق ويترك الباطل"، إذا فمقالات الناس أيا كانوا؛ يجب أن تعامل بما أوضحه شيخ الإسلام، مما هو مقرر عند أهل السنة والجماعة، ومضى عليه السابقون الأولون من خيار هذه الأمة وفضلائها من ذوي العلم والعدل والإنصاف.
    وهؤلاء المتعصبة إن لم يقولوا عن شيخهم أنه معصوم، لكن يعاملونه معاملة المعصوم، حتى قد يعادي أحدهم من يقول عنه أنه أخطأ، وإن كان القائل معظما لشيخه، مكرما له، مجلا له، ولم يقل ذلك على وجه الانتقاص، بل ويجعل هذا المتعصب متبوعه محل امتحان الناس؛ فمن ذكره بخير ووافقه على كل ما يقول كان مواليا له وجعله من أهل الحق وأكثر من مدحه والثناء عليه، ومن خالف شيخه كان معاديا له ورماه بأنواع من السباب والتعيير والتفسيق والتبديع وربما تجاوز الأمر إلى التكفير، فهذه صناعتهم يحسنونها أكثر من غيرهم، ولكن الحق الذي لا يسع الناس تركه أنه لا معصوم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن من سواه يصيب ويخطئ، بل قد يستحل هؤلاء المتعصبة عقوبة المخالف أو أذيته للقول الذي أجمع أئمة الدين على أنه الحق الذي يجب اعتقاده.
    وعليه فليس هذا الفعل –وهو بيان زلات العالم كي تجتنب- بدعة في العلم أو فعلا شاذا، بل قد جرى على ذلك السلف الصالح، وكتبهم ملآ بردود بعضهم على بعض، فإنه لما دخل الشافعي رحمه الله مصر، ووجد الناس تتعصب للإمام مالك، وبلغه أن بعض المسلمين يستسقي ببرده، كتب كتابه "اختلاف مالك"، ليبين لهم أن الإمام مالك رجل من رجال الأمة، و عالم من علمائها يصيب و يخطيء، مع العلم أن الشافعي أفضل تلامذة الإمام مالك، وكان يجله إجلالا كبيرا، و يمدحه في العلم كما لم يمدح أحدا غيره، ولم يعد منصف صنيع الإمام الشافعي هذا طعنا في الإمام مالك.
    وكما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر الصديق رضي الله عنه في تعبير الرؤيا: "أصبت بعضا وأخطأت بعضا"، وكما قال لما ذكرت له سبيعة عن أبي السنابل أنه قال: ما أنت بناكحة حتى تعتدي الأجلين، فقال: "كذب أبو السنابل حللت فانكحي".
    والمقصود أن نقد أي شيخ ببيان اختلافه و تناقضه و خطئه في العلم، مع ما له في نفوس الناس من مكانة سامية هو من هذا القبيل، وهو ليس بقدح في شخصه، فعلى القارئ أن يعلم أن الأخطاء لا تنقص من قدر الرجال، إلا إذا أصروا عليها و انتصروا لها مع قيام الحجة التي لا يعذر معها ضدهم، فإنه حينئذ تصير معادية للحق، محاربة له، كبر هذا الحق أو صغر؛ قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى:
    "والخطأ المغفور في الاجتهاد هو في نوعي المسائل الخبرية والعلمية، كما قد بسط في غير موضع، كمن اعتقد ثبوت شيء لدلالة آية أو حديث، وكان لذلك ما يعارضه ويبين المراد ولم يعرفه، مثل من اعتقد أن الذبيح إسحاق لحديث اعتقد ثبوته، أو اعتقد أن الله لا يرى لقوله تعالى: {لا تدركه الأبصار}...أو اعتقد أن الله لا يعجب، كما اعتقد ذلك شريح، لاعتقاده أن العجب إنما يكون من جهل السبب والله منزه عن الجهل...أو اعتقد أن من غضب لبعض المنافقين فهو منافق، كما اعتقد ذلك أسيد بن حضير في سعد بن عبادة، وقال: إنك منافق تجادل عن المنافقين..".
    وقال شيخ الإسلام أيضا في منهاج السنة النبوية:
    "وقد أمر الله نبيه بالصبر على أذى المشركين في غير موضع، وهو إمام الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، فإن الإنسان عليه أولا أن يكون أمره لله، وقصده طاعة الله فيما أمره به، وهو يحب صلاح المأمور، أو إقامة الحجة عليه، فإن فعل ذلك لطلب الرياسة لنفسه ولطائفته وتنقيص غيره، كان ذلك حمية لا يقبله الله، وكذلك إذا فعل ذلك لطلب السمعة والرياء كان عمله حابطا، ثم إذا رد عليه ذلك وأوذي أو نسب إلى أنه مخطئ، وغرضه فاسد، طلبت نفسه الانتصار لنفسه، وأتاه الشيطان، فكان مبدأ عمله لله، ثم صار له هوى يطلب به أن ينتصر على من آذاه، وربما اعتدى على ذلك المؤذي، وهكذا يصيب أصحاب المقالات المختلفة، إذا كان كل منهم يعتقد أن الحق معه، وأنه على السنة، فإن أكثرهم قد صار لهم في ذلك هوى أن ينتصر جاههم أو رياستهم، وما نسب إليهم، لا يقصدون أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله، بل يغضبون على من خالفهم، وإن كان مجتهدا معذورا لا يغضب الله عليه، ويرضون عمن يوافقهم وإن كان جاهلا سيئ القصد، ليس له علم ولا حسن قصد، فيفضي هذا إلى أن يحمدوا من لم يحمده الله ورسوله، ويذموا من لم يذمه الله ورسوله، وتصير موالاتهم ومعاداتهم على أهواء أنفسهم، لا على دين الله ورسوله، وهذا حال الكفار الذين لا يطلبون إلا أهواءهم، ويقولون هذا صديقنا، وهذا عدونا، وبلغة المغل هذا بال هذا باغي، لا ينظرون إلى موالاة الله ورسوله ومعاداة الله ورسوله، ومن هنا تنشأ الفتن بين الناس، قال الله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله}، فإذا لم يكن الدين كله لله كانت فتنة.
    وأصل الدين أن يكون الحب لله، والبغض لله، والموالاة لله، والمعاداة لله، والعبادة لله، والاستعانة بالله، والخوف من الله، والرجاء لله، والإعطاء لله، والمنع لله، وهذا إنما يكون بمتابعة رسول الله، الذي أمره أمر الله، ونهيه نهي الله، ومعاداته معاداة الله، وطاعته طاعة الله، ومعصيته معصية الله، وصاحب الهوى يعميه الهوى ويصمه، فلا يستحضر ما لله ورسوله في ذلك، ولا يطلبه، ولا يرضى لرضا الله ورسوله، ولا يغضب لغضب الله ورسوله، بل يرضى إذا حصل ما يرضاه بهواه، ويغضب إذا حصل ما يغضب له بهواه، ويكون مع ذلك معه شبهة دين: أن الذي يرضى له ويغضب له أنه السنة، وهو الحق، وهو الدين، فإذا قدر أن الذي معه هو الحق المحض دين الإسلام، ولم يكن قصده أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، بل قصد الحمية لنفسه وطائفته، أو الرياء ليعظم هو ويثنى عليه، أو فعل ذلك شجاعة وطبعا، أو لغرض من الدنيا، لم يكن لله، ولم يكن مجاهدا في سبيل الله".
    والمقصود أن يتعلم المتعصبون لمتبوعهم، المتسلطون على غيرهم بالبغي و العدوان أن ما يفعلونه من إنزال شيخهم غير منزلته هو من باب الغش و التدليس في الديانات، وكذا كي يتعلموا كيف ينتقدون غيرهم دون أن يكون ذلك سببا لمعاداتهم فضلا عن سبهم و تفسيقهم و رميهم بالزندقة، وهذا رأفة بهم حتى لا تكون لنفوسهم حظوظا، وتكون أقوالهم وأعمالهم لله وحده فيسلموا إن شاء الله تعالى في دينهم ودنياهم.
    ومن سنة الله تعالى أنه إذا أراد إظهار دينه، أقام من يعارضه، فيحق الحق بكلماته، ويقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، وإني على يقين أن جميع ما يفعله الله فيه نصر الإسلام، وهو من نعم الله العظام، كما قال تعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا}.
    والحمد لله رب العالمين وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    83

    افتراضي لا شلت يمينك

    بارك الله فيك و الأمر كما ذكرت عند كثير ممن ينتسب إلى الدين.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •